الاثنين، 8 نوفمبر، 2010

سلامتك أبو نزار، ويلعن أبو الصحافة!

فجأة أحسستُ بالمسؤولية: نحن موقع ثقافي ويجب أن نفي هذا الشاعر الفذ حقه بكلّ شيء: بخبر الوفاة، بتغطية الجنازة، بإعداد ملف أدبيّ/ نقديّ/ ثقافيّ/ بصريّ عنه. عدتُ لأصبح صحافيًا مُحتقرًا (بفتح القاف وكسرها)



إستنجدت بي مراسلة صديقة من صحيفة “هآرتس” قبل قليل (الساعة 22:12). اتصلت وبقلق كبير سألتني: “هل مات الشاعر طه محمد علي؟ لقد وصل إلى الجريدة الآن نعي للنشر.”
أحسستُ بفراغ كبير يملأ قفصي الصدريّ دفعة واحدة. سألتها من أين لها هذه الأخبار وبدأت على الفور بالتنقل بين المواقع الإخبارية العربية المعروفة ولكنني لم أجد أثرًا لطه محمد علي. أعطيتها رقم بيته في الناصرة وهممتُ بالاتصال به ولكنني عَدَلتُ. ماذا سأقول؟ هل مات أبو نزار؟ إرتعشتُ للحظة ثم وضعت المحمول مكانه.
دخلت إلى “غوغل نيوز”. لا شيء. ثم برمة أخرى في المواقع العربية الإخبارية. لا شيء. ولكنني في قمة بغتتي وانبغاتي بدأت أفكر كمحرر لموقع “قديتا”: يجب تحضير خبر يليق بالفاجعة. يجب تحضير ملف سريع. أحسستُ بالندم الكبير لأنني لم أستمع لطلب الزميل فراس خطيب قبل افتتاح الموقع: “تعال نفتتح الموقع بملف عن طه محمد علي”.
قضمتُ أصابعي وعضضتُ على فضاء خيبتي.
إستدرتُ رأسًا إلى الخلف وتطلعت إلى الرفّ العلوي في المكتبة التي تقف ورائي بكتبها الغاصّة، تسجّل تفاصيل حياتي وهي تمضي وأنا مُنكب فوق حاسوبي النقال الهرم. استللتُ خمسة دواوين شعرية لطه محمد علي ومجموعة من قصائده ترجمها للعبرية أنطون شماس ونشرتها دار “أندلس” في العام 2006. قلبت الدواوين ببطء وألم. توقفت عند قصائد أضحكتني وأخرى أبكتني وأخرى جزمتُ وقت قراءتها أنها من أفضل ما كُتب بالعربية على الإطلاق.
بدأت بكتابة الخبر، فصغتُ العنوان: “الموت يُغيّب الشاعر الفلسطيني الكبير طه محمد علي”. ثم توقفت بعد العنوان. هل أكتب خبر وفاته قبل موته؟ أيّ جنون هذا؟؟ يلعن أبو الصحافة ما أحقرها!
استندت إلى الخلف وبدأت بقراءة بعض القصائد من “حريق في مقبرة الدير”، ديوانه الثالث. قرأت “عبدالله ومدللة” وقصيدة “لم يكن” التي يفتتح بها الديوان وقررتُ أنّ هذه القصيدة يجب أن تختتم الخبر الذي يجب أن أبدأ بإعداده. فجأة أحسستُ بالمسؤولية: نحن موقع ثقافي ويجب أن نفي هذا الشاعر الفذ حقه بكلّ شيء: بخبر الوفاة، بتغطية الجنازة، بإعداد ملف أدبيّ/ نقديّ/ ثقافيّ/ بصريّ عنه. عدتُ لأصبح صحافيًا مُحتقرًا (بفتح القاف وكسرها) ودفنت في ثانية الكاتب المُحبّ لهذا الشاعر المتمسك به حتى النهاية، ليحل محله المحرر الصحافي.
وضعت مقدمة الخبر عن ولادته في صفورية وتلخيص لحياته ودكانه في سوق الكازانوفا، ثم مجموعة إصداراته الكاملة، وترجمتُ عن العبرية التظهير الذي كتبه أنطون شماس للطبعة العبرية. ثم استعوقتُ الزميلة من “هآرتس” التي من المفترض أنها اتصلت ببيت العائلة في الناصرة لتستفسر. هل يعني تأخرّها تأكيدًا للوفاة وهي الآن تُعدّ الخبر بسرعة كي ينزل إلى الطباعة قبل وقت إغلاق الصحيفة (الساعة الآن الحادية عشرة ليلاً)؟ أرسلت لها رسالة نصية. مرت دقائق ولم تردّ. يبدو أنّه فارقنا.
عدتُ إلى الخبر وبدأت بضبط إملائه وصياغاته وتحضيره في “الأدمينيستريشين” لنشره في الموقع فور تأكد الخبر. العنوان جيد، سأبقي عليه. يجب أن يكون الخبر معلوماتيًا ولكن تحليليًا ونقديًا لإبراز أهمية أبي نزار كشاعر لا يتكرر. تأكدتُ من أنّ ديوانه الأول “القصيدة الرابعة وعشر قصائد أخرى” موجود أمامي ويمكنني نسخ فقرات من المقالة الافتتاحية الممتازة للديوان التي كتبها أحمد حسين وقتها. ماذا أيضًا؟ أنا بحاجة إلى صور. “غوغل فوتوز”. ولكن رسالة الزميلة من هآرتس إلى محمولي أوقفت كلّ شيء: “وضعه مستقر. كان هذا إنذارًا كاذبًا. شكرًا جزيلاً”.
شكرًا جزيلاً؟؟ على ماذا؟ أنني كتبت خبر وفاة شاعر أحبّه بكلّ لغتي، قبل أن يموت؟
أنا أكره الصحافة، أكره الأخبار، أكره الحقارة في ضرورة كتابة مثل هذا الخبر، الحقارة في كتابة الخبر قبل الوفاة.
الآن، سيقول الساخرون مبتسمين: أصبح لديك خبر شبه جاهز فيما إذا لو…
إخرسوا! سأمحوه فورًا. لا أريده في حاسوبي. لن أحتاجه قريبًا. فأبو نزار بخير والشعر بخير.
(حتى لحظة نشر هذه المقالة في الموقع لم أمحُ الخبر من حاسوبي بعد…)

(11:32 ليلاً)

الأحد، 31 أكتوبر، 2010

فديتكَ تشيخوف: كيف يموت مثل هذا الكاتب؟

القراءة في بيوغرافيا أنطون تشيخوف التي ألفها هنري تروايا، مهمة لذيذة ومُخدّرة، إلا أنها صادمة ومُحزنة. صفحة بعد صفحة ترافق هذا الكاتب العبقريّ في سيره نحو نهايته المحتومة: الموت المبكر بالسّل...

توفي أنطون تشيخوف في الساعة 20:21 مساء الأربعاء الماضي (20 تشرين الأول الجاري 2010)، وأنا أجلس وحدي في مطار أمستردام الدولي، آكل قطعة بيتسا حقيرة وأحتسي كأسًا من بيرة هولندية سقيمة. أقصد أنني وصلت الصفحة رقم 501 من كتاب البيوغرافيا الذي بدأت قراءته قبل أسبوع من تأليف هنري تروايا. دمعت عيناي وأحسست بحاجة كبيرة للبكاء، فنزلت بعض الدموع الخجلة ومسحتها بسرعة.
ذهبت في خلال أسبوع إلى رحلة عاصفة شيقة هي حياة الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف. رافقته في أيام طفولته البائسة وظلم والده المتديّن له وإجباره على الجلوس في الدكان العائلي المظلم في شتاء روسيا القارص وترديد الصلوات والتراتيل لساعات مرهقة وغير معقولة. رافقته وهو يراقب عائلته تنهار بعد إفلاس الدكان وتفرّق العائلة واضطراره للبقاء وحيدًا في قريته النائية. وما صدمني في بداية الكتاب أنني عرفتُ أنّ تشيخوف ينحدر من عائلة أقنان، عبيد. وقد عمل جده بجهد كبير كي يفتدي أبناء العائلة ونجا أبوه من هذا المصير لحسن حظنا جميعًا.
عندما بدأ تشيخوف دراسة الطب تحقيقًا لرغبته في أن يصبح طبيبًا يطبب الناس، بدأ يكتب بعض القصص “التافهة” كما نعتها للمجلات الروسية التي كانت تدفع بعض القروش لقاء كل سطر وكان ممنوعًا من كتابة قصص بأكثر من عشرين سطرًا كي تكون جذابة وسريعة في أعين القراء. وقد أدت هذه التقييدات إلى إجبار تشيخوف على اتباع أسلوب بسيط ومتقشف في الكتابة، بعيدًا عن الإطناب الروسي في الكتابة (والكلام)، ومتمردًا على أسلوب تولستوي ومجايليه آنذاك. وانطلاقًا من هذه الكتابات التي كان ينجزها من أجل النقود تطورت مهاراته الكتابية وصار يكتب بغزارة وبسرعة وبتكثيف كبير. ومع أنه تقدّم في هذا المجال بسرعة، إلا أنه ظلّ يقول: الطب زوجتي الشرعية أما الأدب فهو عشيقتي السرية.
من المستحيل التوقف عند محطات حياة تشيخوف على طول هذا الكتاب الممتاز. إلا أنّ اكتشاف مرض السلّ لدى تشيخوف في مطلع عشرينياته جعل من حياته سباقًا مع الزمن. وبحكم كونه طبيبًا كان يعرف أنّ نهايته لا ريب ستكون على يد هذا المرض المزمن اللئيم، إلا أنه عاش حتى سنته الأخيرة في حالة إنكار تامة لسوء وضعه الصحي، ورغم ذلك ظلّ يتنقل بين البيوت والإقطاعات في الريف الروسي وموسكو وبطرسبرغ وباريس ونيس وإيطاليا. كان يبحث عن الشمس دائمًا: يبحث عنها حرفيًا من أجل صحته ويبحث عنها مجازًا في كتاباته. كان يهمه أن يوثق الحياة الروسية كما هي، ببساطة وصفها وبدقة تفاصيلها وكان ينأى بنفسه عن الديباجات والإطنابات التي ميزت الأدب الروسي حينها.
لم يكن تشيخوف رجل الشعارات الرنانة، بل كرّس كل حياته وأمواله لبناء المدارس والمكتبات وتجنيد التبرعات لمحاربة الأوبئة. كان المعيل الوحيد لعائلته واضطر أن يوازن بين رغبته في العطاء وبين مصاريف العائلة الكبيرة. وأعتقد من خلال فهمي لما قرأت أن حالة المَساس التي كانت تنتابه لشراء البيوت والإقطاعات نبتت من أصل عائلته كعائلة عبيد سعت للاستقلال والعيش بحرية وكرامة وأعتقد أنه رأى في البيت الرمز الأول والأخير للاستقلالية والكرامة.
كانت علاقات تشيخوف مع النساء غريبة كل الغرابة؛ فطيلة حياته لم “يرتبط” بأكثر من ثلاث أو أربع نساء، وحتى هؤلاء كانت العلاقة معهن غير مستقرة، غير مفهومة. وقد وصف نفسه في أكثر من مكان في رسائله وأحاديثه أنه ليس ملهوفًا على الجنس إطلاقا. وقد اضطر للانتظار حتى سن الثانية والأربعين، قبل موته بعامين، كي يقع في غرام الممثلة أولغا كنايبر من “مسرح الفن” الذي أسسه نميروفيتش-داشينكو وستانيسلافكي، والذي أخرج وقدم جميع مسرحيات تشيخوف. فالتعاون مع “مسرح الفن” كان بالنسبة له حبل النجاة ولولا هذا المسرح لتوقف تشيخوف عن كتابة المسرح بعد أول مسرحية له حيث أهين هو ومسرحيته وأضحى أضحوكة الوسط الثقافي. إلا أنّ نهج التمثيل الذي كان يختلف في هذا المسرح أعاد الثقة إلى تشيخوف وقرر كتابة المسرح لهذه الفرقة.
يمكننا أن نستدلّ الكثير عن أسلوب تشيخوف في الكتابة والتفكير عن الكتابة (وهو أسلوبي المفضل) إذا قرأنا هذا المقطع من إحدى رسائله للكاتب الروسي الشاب (آنذاك) جوركي، الذي كان قد بعث له بمخطوطات وطلب رأيه. يكتب له تشيخوف: “إنك تستخدم الكثير من الأوصاف بحيث يصعب على القارئ أن يقرر أيها يستحق اهتمامه بشكل خاص وهذا ما يتعبه. فإذا كتبت “جلس رجل على العشب”، فهذا المعنى واضح ومفهوم ولا يتطلب إعادة قراءة، غير أنه سيصعب عليك أن تتابعني بسهولة من دون أن ترهق دماغك لو أنني كتبت: “رجل طويل ذو صدر ضيق ولحية حمراء متوسط الطول جلس دونما ضجة وهو يسترق النظر حوله بتخوف وتوجس على رقعة من العشب الأخضر الذي داسته أقدام المشاة!” فالذهن لا يستطيع استيعاب كل هذه الأوصاف في الحال، والمهارة الفنية في الموضوع تتجلى فيما يمكن استيعابه وفهمه مباشرة وعلى الفور”. (ص 342) وقد أوجز هذا الرأي في رسالة لأخيه ألكسندر: “الإيجاز قرين الموهبة”. (ص 456)
كان تشيخوف كما تشهد رسائله ورسائل الآخرين والمحادثات التي وثقت، إنسانًا حادّ الذكاء وسريع الفطنة ومتقدًا بروح دعابة ساخرة ولاذعة، لكنه لم يكن كَلبيًا بالمرة مع الناس أيًا كانوا. كان أحيانًا يجلس لساعات يستمع إلى محادثات ضيوفه الكُثُر الذين كانوا يزعجون وحدته، يبصق دمًا من السلّ ويتحرق للكتابة ويبتسم لكل هؤلاء الغرباء ابتسامة واسعة.
حارب لأشهر طويلة في أيامه الأخيرة لكتابة آخر مسرحياته، “بستان الكرز”، وكانت زوجته الممثلة أولغا تحثه برسائلها على إنهاء المسرحية، حيث أنّ موعد العروض قد تحدد وهو لم يُنهها بعد. كانت هذه مهمته الأخيرة، إلا أنه ولأول مرة في حياته كان عاشقًا بحقّ وكان بُعده عن أولغا مصدر عذاب له لا يُوصف. كانت معنوياته ككاتب في الحضيض وهو يشعر بأنه يحتضر ببطء، وكتب لزوجته أولغا: “إنني بعيد كل البعد عن كل شيء بحيث أنني بدأت أحسّ بالقنوط. أشعر أنني انتهيت ككاتب، وكل جملة أكتبها تبدو عقيمة القيمة، ولا فائدة منها على الإطلاق”. (ص 469)
في الثانية عشرة والنصف ليلا من 3 تموز (يوليو) 1904 قعد تشيخوف في الفراش في منتجع معزول قرب برلين حيث كان مع زوجته، وطلب الطبيب. كانت هذه المرة الوحيدة في حياته التي يطلب فيها الطبيب. وعندما حضر قال له تشيخوف ببساطة بالألمانية “Ich sterbe”- “أنا أموت”. وقد رفض تشيخوف أن يرسل الطبيب في طلب أنبوبة أكسجين لأنه لا فائدة من ذلك، وبدلا من هذا جُلبت قنينة شمبانيا. “أفرغ كأسه ببطء وتمدد على جانبه الأيسر، وبعد لحظات قليلة توقف تنفسه وانتقل إلى عالم الموت بنفس البساطة التي طالما اتصف بها”. (ص 501).
لا يمكن للمرء أن يصف أهمية الانكشاف على حياة الكاتب الذي تحبّ. فجأة تفكّ الكثير من الرموز ويتضح الكثير من الصور، ويصبح نتاجه أكثر منالية ووضوحًا. لقد دفنتُ قبل أيام تشيخوف والآن أنا متحير كلّ الحيرة بين أن أبدأ بقراءة البيوغرافيا عن شكسبير، أم الاستسلام لأسبوع أو أكثر للرواية الأمريكية العظيمة “موبي ديك” من جديد وبعد سنوات طويلة من قراءتها…
لا أعرف، لم أقرر بعد، ولذلك أنا أقرأ حاليًا رواية ساحرة لإسماعيل كاداريه الألباني.

_________
“أنطون تشيخوف”. تأليف: هنري تروايا، ترجمة: حصة منيف، إصدار: المشروع القومي للترجمة، 2000

هلوسات مانشسترية والكثير من البطّ

“رزق الهبل عالمجانين”- أسمي هذه الظاهرة. فهناك من يشتري لك تذكرة سفر بالطائر الميمون، يدفع لقاء مبيتك في الفندق (غرفة “جنسية” موفقة هذه المرة) ويمنحونك مصروفًا يوميًا معقولا ويدفعون لك أجرَ حضوركِ، كي تجلس على المنصّة مع كاتب آخر أو اثنين وتقرأا عشر دقائق (كلّ واحد)، ثم تجيبان على بعض الأسئلة… وخلص.

أروج وأجيء إلى بريطانيا مثل البندول. ولولا تعلقي الشّره بالفطور الإنجليزي الشهير (يُنظر القصيدة في الأسفل) لما كنت متأكدًا من تلبية الدعوات للمشاركة في مؤتمرات أدبية، بعضها يكون جماهيريًا مثيرًا (”هاي فستيفال” قبل ثلاثة شهور) وبعضها يكون حميميًا حدّ الوحدة (مهرجان “ليفربول”، أمس الأحد (17 تشرين الأول 2010)). في اليوم التالي عرّجت على مانشستر للمشاركة في قراءة أدبية أخرى في مهرجان مانشستر الأدبي. وقياسًا بما حدث في مهرجان الثقافة العربية في ليفربول (تشبه صفد في حقارتها)، فقد كانت القراءة والنقاش في مانشستر أشبه بالاحتفاء بثلاثتنا بجائزة بوكر البريطانية مينيموم (ثلاثتنا: ياسين عدنان وعبد القادر بن علي وحضرتي)!
“رزق الهبل عالمجانين”- أسمي هذه الظاهرة. فهناك من يشتري لك تذكرة سفر بالطائر الميمون، يدفع لقاء مبيتك في الفندق (غرفة “جنسية” موفقة هذه المرة) ويمنحونك مصروفًا يوميًا معقولا ويدفعون لك أجرَ حضوركِ، كي تجلس على المنصّة مع كاتب آخر أو اثنين وتقرأا عشر دقائق (كلّ واحد)، ثم تجيبان على بعض الأسئلة… وخلص.
ولكنني اليوم فكّرت في الموضوع أكثر وأنا ألتهم تشيز بورغر بالـ “هام” والمُخلل و”باين” من الغينيس الإنجليزي الأسود، وتوصلتُ إلى نتيجة مفادها أنني أنا من يصنع لهم معروفًا وليسوا هم.
نعم، هكذا، بكلّ وقاحة. فيما يلي التسويغات:
أنا كفلسطيني ضحية الإمبريالية البريطانية. الآن وقت السّداد. الرجاء الدفع باليورو أو بالإسترليني؛
أنا وقح وأدحش كلمة “فاكِن” في حديثي أكثر من مرة، فيُحرَج البريطانيون المهذبون ويضحكون في الأمسية، فتنجح وتنفرج أسارير المنظمين فأنقذهم من ارتباك التهذيب المُملّ؛
نجيب محفوظ توفي وأدونيس اعتزل الشعر وسعدي يوسف لا يحبّ المهرجانات؛
مواصفاتي ومواهبي المتعدّدة: أنا عربي وهذه خانة؛ أنا فلسطيني وهذه خانة؛ أنا رجل ليبرالي منفتح وهذه خانة؛ أنا أنتي صهيوني وهذه خانة؛ أنا أكتب عن القضايا الاجتماعية ولا أكتفي بالسياسة كما هو متوقع من الفلسطينيين وهذه خانة؛ أنا متعاون وأحترم المواعيد وأردّ على الإيميلات بسرعة وهذه خانة؛ الكثير من قصصي مترجمة للإنجليزية مما يسهل عملية القراءة في المهرجانات وهذه خانة؛ أنا لا أتطلب كثيرًا ولا أتبرم كثيرًا وهذه خانة؛ أنا “الآخر” في أكثر من سياق وهذه خانتان على الأقل.

نـُط يا بط!
جلس عبد القادر بن علي (مغربي-هولندي) وياسين عدنان (مغربي) إلى يميني وجلس الجمهور قبالتنا وقرأنا، ثم سألونا فأجبنا، ثم صفقوا لنا فابتسمنا، فابتسموا، فوقـّعنا على الكتب فوقعنا في الفخ: هذه تحبّ الفلسطينيين، وذلك يريد أن يفهم أكثر وأولئك جميعًا ينتظرون أن يقولوا لك كم كان مثيرًا ومضيئًا لهم (illuminating). ثم انتقلنا إلى الأمور الهامة حقًا في كلّ مهرجان أدبيّ أو فنيّ: العشاء والقهوة والبيرة وجرد المشهد الثقافي-التقوّلاتي من المحيط الحاسر إلى الخليج الخاسر.
صرتُ أتعب وأملّ من السفر. تخبط رجلاك في أرصفة غريبة، وحيدًا بلا رفيق. تفكّر في دُشة الديناصورة الصغيرة وأمها، وتبحث عن أقرب دكان للملابس كي تمارس “شوبينغ” عنيفًا، فتشتري للدشة 74983279847 بلوزة و324093820948 كنزة للشتاء. تمارس شوقك بشراء الملابس لابنتك الخلابة. هل صرتُ إمبرياليًا إلى هذه الدرجة؟ أنفض عني غبار تأنيب الضمير لأنني لا أشتري لنفسي شيئًا في أية سفرة. أعتقد أنّ هذا يبعد عني شبهة التسوّق الرأسمالي الشّره.
أشتاق الآن، وأنا أجلس بالفانيله البيضاء على شاطئ الحرّ الخريفي الخرائي في عكا، أشتاق إلى برد مانشستر الذي تتساقط الخصيتان لشدّته. أنا رجل الشتاء، أين الشتاء؟ الحضارة في الشمال عند المطر، والجهل والتأخر في الجنوب عند الحرّ والشمس والصحراء. أنا أكره الصحراء وأكره شمس الوطن وأحبّ غيوم بريطانيا وفرنسا أكثر من أطلال الغابسية وسحماتا. هل يصحّ ذلك؟؟
إنها فرصة مثيرة أن يجد المرء نفسه بعيدًا لثلاثة أو أربعة أيام عن بؤرة الخمول التافهة التي نحيا فيها، وأن ينظر من بُعد آلاف الأميال إلى عكا أو حيفا ويشعر بسعادة غامرة لأنّ الطبق الصيني الذي طلبه للتوّ مليء بالبطّ. البط؛ هذا الاختراع الجميل.
البط، سيداتي آنساتي سادتي، البط هو ذروة كل مهرجان أدبيّ بلا منازع!
نعم، والفطور الإنجليزي…

فطور إنجليزي
في الثامنة صباحًا
أداعب النقانق المُحمرّة مثل خدّ امرأة خجلى.
تسبح قطع البيكون
في صفار البيض
ولا يحتمل البيض المقلي اغتراب الشوكة والسكين
في جسده الأبيض.
إنها ترنيمة للفطور الإمبريالي-
من قال إنّ الاستعمار يفسد للشهية قضية؟
ولا ننسى –فلتنسَني يميني!-
رقائق البطاطا والبصل المقلية
بزيت الخريف البارد.
مرحى للبودينغ الأسود المشبوه
مثل عميل مدسوس…
في الثامنة صباحًا
من كل صباح-
يقتلني الفطور الإنجليزي الدّسم
فأندَسمُ !

السبت، 16 أكتوبر، 2010

كل عام وأنت بخير، أوسكار وايلد


لا يمكن للمبدع أن يكون جزءًا من المجموع، يجب أن يسلخ نفسه عنه كي يحبه من بعيد، كي ينتقده ويُشرّحه وكي ينصره بأدوات أفضل. هذا ما تركه صديقي أوسكار وايلد لي. هذه وصيته التي قرأتها في كتاباته


القليل من الكتب تلك التي يتذكر الواحد منا متى قرأها أول مرة (في باريس)، وقليلة من بينها الكتب التي تتركك صريعًا في الفراش بعد الانتهاء منها، لا ترغب بقراءة أيّ شيءٍ بعدها. "صورة دوريان غراي" (The Picture of Dorian Gray) لأوسكار وايلد هو واحد من هذه الكتب.

قليلون هم الكتاب الذين يَرقون بروح دعابتهم أو ببعض أقوالهم المفذلكة إلى مستوى كتابيّ ودراميّ وفنيّ يجعل من هذه الفذلكات جواهرَ ودررًا تزين التاج الكبير المتقن، ولا تكون التاج نفسه. فالجمل الكثيرة الذكية التي تملأ هذه الرواية تُكسب القراءة فيها، تراكميًا، حالة من الذهول اللذيذ، يتحول إلى خدرٍ ثم إلى استسلام كامل لعبقرية كاتبها.

وُلد أوسكار وايلد في 16 تشرين الأول 1854 في دبلن في إيرلندة وتوفي في 30 تشرين الثاني 1900. ومنذ تشكل وعيه قرر أن يُجاهر بميوله الجنسية المثلية خارجًا بهذا على جميع المعتقدات والأعراف الاجتماعية في إنجلترة آنذلك، التي انتقل إليها وهو في السابعة عشرة من عمره. لم يَخفْ وايلد من هويته الجنسية ومن آرائه الحادة الثاقبة النفاذة، بل ضمّنها في هذه الرواية وفي مسرحياته (أشهرها "مروحة السيدة فندرمير" و"أهمية أن تكون جديًا") ومقالاته ومسلكياته الاجتماعية. وقد دفع ثمنا لذلك حين اعتقل في 6 نيسان 1895 وقُدم للمحاكمة بعد أربعة أيام، حيث وصف مُدّعي الدولة وايلد بأنه مجرم أفسد الشبيبة "لأنه حوّل الأخلاقيات إلى كلمة مستهجنة، وحوّل "الهودينيّة" (مذهب اللذة) إلى أداة فساد، ودفع عددًا كبيرًا من أبناء الشبيبة إلى ممارسة المثلية بتأثير منه". وأعلن المُدعي أنّ كتاب "صورة دوريان غراي" هو كتاب مُفسِد وحقير "وقد قرأته بصعوبة بالغة".

في 25 أيار أدين وايلد بممارسة "اللواط والتسيّب المُطلق" وحُكم بالسجن لسنتين مع الشغل والنفاذ. بعد خروجه من السجن انتقل إلى باريس وتوفي جراء التهاب في غشاء المخ.

لقد كان وايلد كاتبًا بالغ الذكاء شديد اللذع ممُعنًا في الكَلبية الأدبية والاجتماعية؛ في رواية "دوريان غراي" يُشرح وايلد حالة النفاق الاجتماعي والسياسي والأخلاقي التي سادت آنذاك. فعندما تحدث عن رجل سياسة في الرواية كتب عنه: "لقد اعتزل السلك الدبلوماسي في لحظة غضب لأنهم لم يقترحوا عليه أن يكون سفيرًا في باريس، إذ أنه يعتقد أنه الأحق بهذه الوظيفة نظرًا لأصله وكسله والإنجليزية الجيدة التي يكتب بها برقياته، إلى جانب شهوته الفائقة للملذات".

لقد احتقر وايلد ثقافة القطيع ورأى في الفردانية المبدعة أصل الأشياء وأهمها: "أن تكون خيّرًا معناه أن تكون في هرمونيا (انسياب) مع نفسك... التنافر ينشأ عندما تُجبَر على أن تكون في هرمونيا مع الآخرين. حياة الإنسان الخاصة هي الأهمّ مطلقًا... الفردانية هي الأسمى. الأخلاقيات العصرية مرهونة بالانصياع لمعايير الفترة التي تحيا فيها. وأنا أرى أنّ رجل الثقافة الذي يقبل بمعايير عصره يتصف بانعدام مُقرف للأخلاق."

وايلد هو كاتب التفرّد (بمعنى: التميز؛ بمعنى: الفرد) بجدارة. يسأل في دوريان غراي (على لسان اللورد هنري باستخفاف: "إذا أردت أن تكون محبوبًا، فكن من الوسطيين". إنها الوسطية التي تقتل المبدع، تجعله كائنًا رماديًا غارقًا في "المشهد العام"؛ في "قوانين اللعبة"، في المفاضلة والقياس اللانهائييْن لـ "ما يصحّ ولما لا يصحّ". إنه كائن غريب، أوسكار وايلد، حادّ وساخر بشكل مؤلم أحيانًا،حتى في تعامله مع النقد الأدبي الذي لم يُنصفه أبدًا وقتها. في ردّ على نقد خبيث كُتب عليه قال: "كلّ نصّ نقديّ هو ما يُشبه السيرة الذاتية لكاتبه، سواءً أكان ممتازًا أم هابطًا".

إلا أنّ وايلد لم يكن خاليًا من التناقضات. فتفرّده ونظرته المزدرية للمجتمع لم تمنعه من أن يكون شخصية اجتماعية معروفة، نجمًا في عصر لم يعرفوا بعد ما تعنيه هذه الكلمة. كان هندامه أنيقًا إلى أبعد الدرجات وكان يعاقر الخمر والرجال والحياة الثقافية بشهية كبيرة، حتى بعد أن تزوّج. لقد كان على دراية بالنفوس الفاعلة من حوله في "المجتمع المخمليّ" الاجتماعيّ والثقافيّ، لدرجة أنه قال عنهم: "لا يوجد ما هو أسوأ من أن يتكلم الناس عنك، سوى أن لا يتكلموا عنك". إنها شبه نبوءة صغيرة، متواضعة، سبقت عصر الإعلام والصور والنجوم والتقولات وصناعة الـ "بَزّ" (buzz) الإعلامي.

لقد كان في قمة سخريته ضد المُسلّمات حين رفض ما يدور حوله من تقديس للتجربة والنضوج وما إلى ذلك من الزيف الاجتماعي الذي يلفّ الأوساط التي يدور فيها، حتى كتب: "التجربة تفتقر لأيّ بُعد أخلاقيّ- فهي ليست إلا كلمة يُطلقها الناس على أخطائهم". ثم هاجم المحافَظَة الاجتماعية وزمَ الشفاه وبرم الأبواز المنافقة التي تدّعي التأدَّب والجِّدية، فكتب: "السبيل الوحيد للانتصار على الشهوة- الاستسلام لها".

لا يمكن أن يوافق المرء مع جميع ما كتبه وقاله وايلد، خصوصًا في نظرته الطهرانية إلى الفن ودعوته إلى نفيه وتجريده عن أيّ شيء آخر، بمعنى "الفن لأجل الفن". كتب: "ثمة عالمان فقط: الأول قائم من دون ضرورة التحدث عنه وهو العالم الحقيقي. الثاني هو عالم الفن ويجب أن نتحدث عنه باستمرار وإلا اختفى". ككاتب يؤمن بالعلاقة الوشائجية العميقة بين الفن والبيئة (الاجتماعية، السياسية، الأخلاقية...) أختلف مع وايلد تمام الاختلاف، وأرى أنه من ضمن تناقضاته اللذيذة أنه خلّف وراءه أدبًا ومسرحًا مُتصليْن اتصالاً وثيقًا بالمجموع والبيئة. أن تكره القطيع لا يعني أن لا تكتب عنه؛ على العكس: كراهيتك له ستطلق العنان للصّدق والحقيقة في نصوصك (ولغضب القطيع وجعاره).

لقد صرخ وايلد بنعومته المألوفة ضد الزيف والتزيف، ضد ما سُمي وقتها بـ "الأخلاق الحميدة": "ليس هناك ما يُسمى كتابًا أخلاقيًا أو غير أخلاقي. يمكن للكتاب أن يكون مكتوبًا بشكل جيد أو بشكل سيء. هذه كلّ القصة." لم يُحبّ السعي اللاهث للمجتمع من حوله وراء المظاهر والتزيّي: "المُوضة تعبير كريهٍ للبشاعة، لدرجة أننا نضطرّ لتغييرها كلّ ستة أشهر!" على المرء أن يكون بعيدًا عن الحسابات الاجتماعية وعن اللعبة المدروسة والمرسومة سلفًا، عليه أن يخرج ضد الجُبن والاختباء وراء الحياء المصطنع: "الإنسان يعبّر عن نفسه بضآلة عندما يتحدث باسمه الصريح. إمنحوه غطاءً وسيخبركم بالحقيقة." كان يرى الحياة بمنظار سبق عصره: منظار التعرّي. كان ينظر عبره إلى الناس ويرى عبر ملابسهم ووقفاتهم وأحاديثهم الحقيقة المخفية: "غالبية الناس أناس آخرون. أفكارهم أفكار شخص آخر، حيواتهم تقليد، شهواتهم اقتباس."

كما أنّ الدين لم ينجُ من براثن هذا الثائر الجميل: "المسيح هو أفضل الأمثلة: حتى عندما يُضحّي المرءُ بحياته فإنه لا يكون مُحقـًّا بالضرورة".

أنا أحبّ وايلد حبًا جمًا. أعتبره صديقًا شخصيًا. أقرأ له بهدوء، ببطء شديد. أتمتع بكل جملة ونقلة ومزاج. أغفر له تشنجاته وكَلبيّته (الكَلبية: السخرية شديدة النقد، cynicism) الفطرية لأنه سبق عصره. فصل نفسه عن القطيع وأطلّ عليه من بعيد. لا يمكن للمبدع أن يكون جزءًا من المجموع، يجب أن يسلخ نفسه عنه كي يحبّه ويكرهه من بعيد، كي ينتقده ويُشرّحه وكي ينصره بأدوات فنية أفضل. هذا ما تركه وايلد لي. هذه وصيته التي قرأتها في كتاباته. هذا ما أحاول فعله ولمّا أبدأ بعد.

والخاتمة له طبعًا: "من هو الكَلَبيّ؟ إنه الذي يعرف سعر كلّ شيء، ولا يعرف قيمة لأيّ شيء"...


هنا جنين: استقرار ومرارة

الاقتصاد يسير إلى جانب الأمن: حافلات مجانية من الناصرة إلى جنين ونابلس لتشجيع التبضع، وآلاف كثيرة من الجنود والشرطيين الفلسطينيين خريجي معاهد الجنرال دايتون العسكرية في الضفة الغربية. نحن "عرب إسرائيل" هنا. يحبوننا ولكنهم يبغضوننا في نفس الوقت. نوع من الأخوَّة المشوّهة



مدخل
الجنود على الحاجز يعرفون جيدًا الممثل جوليانو خميس، مدير ومؤسس مسرح “الحرية” في جنين. عندما نتوقف عند حاجز الجلمة المؤدي إلى جنين ينظر الجندي إلى الكرسي الخلفي في السيارة، حيث جيني (زوجة جوليانو) وابنه جيه جيه (جهاد)، فيقول له جوليانو: “هادا ابني الصغير… البنت مش معي اليوم”. يهزّ الجندي رأسه ويسجل رقم السيارة في السجل الطويل الذي معه ويعيد إلينا بطاقات الهوية. نحن نحمل بطاقات هوية إسرائيلية، زرقاء، وهي مُرحّب بها في جنين اليوم، بعد سنوات طويلة من منع حامليها من دخول مناطق “أ” الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية “الكاملة”. إنه عصر جديد من تشجيع سياحة عرب الداخل إلى جنين ونابلس ورام الله. الأسباب اقتصادية بحتة: فليأتِ عرب الداخل الذين يلتقطون قوتهم بصعوبة في دولة اليهود ولينفقوه في الضفة الغربية.

الاقتصاد يسير إلى جانب الأمن: حافلات مجانية من الناصرة إلى جنين ونابلس لتشجيع التبضع، وآلاف كثيرة من الجنود والشرطيين الفلسطينيين خريجي معاهد الجنرال دايتون العسكرية في الضفة الغربية. نحن “عرب إسرائيل” هنا. يحبوننا ولكنهم يبغضوننا في نفس الوقت. نوع من الأخوَّة المشوّهة. أخوة اثنان في عائلة واحدة، يعيشون جنبًا إلى جنب ولكنهم يعيشون على تفاعلات عاطفية وتاريخية غريبة، مستعصية.

أعود إلى مخيم جنين للمرة الأولى بعد زيارة قمتُ بها في اجتياح العام 2002 مع جوليانو نفسه، التقينا وقتها زكريا زبيدي، المطارد رقم واحد وقتها. اليوم، يحيا زكريا في حياة جديدة بعد اتفاق الهدنة الموقع العام 2007، عندما تنازلت المقاومة الفلسطينية عن السلاح في مقابل وقف ملاحقة المقاومين الأمنية وتصفيتهم. شاب آخر يدرس التمثيل في مدرسة التمثيل في مسرح “الحرية” في مخيم جنين، يقول لي على فنجان قهوة في مقهى “ديليكيت” في مركز جنين: “قاومت سبع سنين”، يرفع بلوزته ويرينا القُطَب التي على خاصرته. أكثر من عشرين قطبة. “أنا بكِلية وحدة اليوم… بس بتعرف؟ هاي الانتفاضة الثانية كانت دمار كبير رجّعنا مية سنة لورا.”

بعد يومين في جنين لا تعرف كيف تهضم هذا الهدوء المَشوب بالملل. هل نامت جنين ومخيمها بعد البطولة إياها؟ ما الذي يبحث عنه الناس هنا؟ خيار المقاومة بات باهتًا، بعيدًا، أشبه بذكرى حلوة ومقيتة في نفس الوقت. لا تغرنكم الشعارات والكلام الكبير عن المقاومة والصمود، رغم إنها شعارات صحيحة؛ فالمقاومة والصمود كانا عجيبيْن فعلاً وقتها، لكن الشعارات تُغفل التفاصيل. التفاصيل اليومية، القصص، الفساد، التعفن، التعب، الخمول، اليأس، التسليم باللاجدوى. ليس هذا كلامًا للنفي أو للتقريظ الفارغ؛ إنه حال جنين اليوم، جنين البطولة والصمود.

أحارسٌ لأختي أنا؟
يقوم مسرح “الحرية” بأهمّ ما يمكن للمسرح أن يفعله في أية حاضرة متمدنة أو عريقة: ينبش الجروج وينكأها. لا شيء ممنوع أو محرم. يقول لي المقاوم في المقهى: “الاحتلال هنا”، ويضع سبابته على جانب جبهته بقوة. يغرز أصبعه مرة تلو الأخرى في جانب جبهته ويردد: “الاحتلال هنا، الاحتلال هنا”. أصدّقه وأقبل نظريته، لا لأنها تلائم نظريتي، بل لأنها تصدر عن مطارد نام في الكهوف والشوارع وتشرد بين بيوت جنين لسبع سنوات. الممارسة لديه سبقت النظرية، وليس مثلنا، نظرياتنا تنتظر الممارسة بفارغ صبر.

سيذهب إلى رام الله لتمثيل فيلم. سيلعب دور البطولة. تُبرق عيناه وتلمعان بفرح طفولي. مقاوم مسلح يبحث عن فلسطين في عدسة الكاميرا بعد أن يئس من فوهة البندقية. هل هو الذي يئس منها أم هي التي يئست منه؟

يحذرني جوليانو والمخرج أودي ألوني (من مؤسسي وقياديي حملة المقاطعة الثقافية ضد إسرائيل) من عدم كتابة كل شيء. أوافق. لست صحافيًا الآن يريد أن يصدم القارئ بسبق تصريحيّ يدوم لساعتين قبل تنحّيه جانبًا. سمعت وسأسمع قصصًا مريبة، غريبة، وأخرى تبعث على الاشمئزاز من تحوّل المقاومة إلى مهنة كأية مهنة. من أنا لأحكم عليهم؟ ألا يستحق المقاوم معاشًا يشتري به السجائر والطعام والذخيرة؟ ولكن المعاشات سيطرت، ومنابع النقود التي كانت تصل من “رموز” السلطة تحوّلت إلى مستنقع كبير آثم.

يتلمس ألوني طريقه بحذر وسط الشوارع. نتحدث بالإنجليزية خوفًا وحذرًا. مع أنّ ألوني من المبادرين لحملة المقاطعة الدولية على إسرائيل من منطلقات مناهضة للصهيونية، إلا أنّ المكان لا يتفهم مثل هذه التفاصيل. إنه يهودي يمشي وسط جنين وعليه أن يتعكز على العربي الذي معه كي يكتسب شرعية السائح “الصديق”.

حدثتني المتطوعة الألمانية فقالت: “جئت إلى هنا كي أتطوع لثلاثة أسابيع، ووجدت نفسي أمدد الفترة لثلاثة أشهر أخرى. أعمل مع فرق من الشبان والشابات، أحبهم وأتعلم منهم الكثير. ولكنني أظلّ غريبة رغم أنني هنا، في المكان والحدث. بعد تجربة عسيرة تعلمت ألا أمشي وحدي في الشارع. من الصعب أن تقنع الشباب الذين يقتعدون الأرصفة والمقاهي أنني لست أجنبية “سهلة”، سائبة، يمكن العبث بها وبجسدها. لقد تعلمت أن آخذ حذري، أن أتصرف وفق أصول ورموز المكان الاجتماعية والثقافية.”

هل يزعجك هذا؟ هل يحبطك، أتساءل. “في البداية انزعجت جدًا، ثم اقتنعت بأنني يجب أن أكون هنا رغم كل شيء. أنا هنا لفعل شيء محدد، واضح، سأفعله لأنني مقتنعة به. أحسّ بعدم الراحة اجتماعيًا كأجنبية، ولكنه ثمن بخس أدفعه مقابل ما يمرون به هنا.”
القصص التي يخرج بها الممثلون هنا عنيفة، صدمة، مرعبة. قصص عن نساء تُقتل ونساء تُشوّه بالكبريت والنار. حالة اجتماعية مخيفة، تصدمك رغم توقعك بأنّ الحال هنا “أكثر محافظة” من الداخل. ولكنّ حجم الظاهرة يشلك. كيف يمكن أن نتحدث عن حق المرأة على جسدها بينما يناضلون هنا على حق المرأة بأن تخرج من البيت لرؤية مسرحية؟ في جنين سينما جديدة، “سينما جنين”. أنشأها ويديرها عدد من المتطوعين الألمان. الجميع يُجمع هنا وبلا تردد أن مسألة حرقها مسألة وقت لا أكثر. عندها ستصيبنا الخيبة جميعا: محبي المسرح والسينما والثقافة، الغرب، العالم، سنبرم أبوازنا وسنقول كلمات مثل “تخلف”، “تأخر”، ولكنّ المتطوعة الألمانية أذهلتني عندما رفعت سبابتها وألصقتها بجانب جبهتها وقالت بهدوء: “الاحتلال هنا”.

هل هذا استنتاج شائع هنا؟؟

يهودي! يهودي!
بدأت الأسبوع الماضي العمل على كتابة فيلم روائي طويل عن اجتياح إسرائيلي لجنين. عليّ كي أكتبه كما يجب أن أقضي الكثير من الأوقات مع أهل المخيم كي يكون الوصف والتفاصيل قريبة قدر الإمكان من حقيقتهم، لا حقيقتي. ليلة الأربعاء/الخميس كنت أقف مع أكثر من 15 شخصًا فوق سطح البيت الذي يقطنه جوليانو مع زوجته وابنه الطفل في جنين وألتقط الصور لبحر الأضواء المنزلية التي تملأ المرج الواسع المظلم. العفولة في الواجهة، خلف جنين، ونحن نتحدث عن بشاعة “بلدات التطوير” التي بنتها إسرائيل ليهود شمال أفريقيا لاستيعاب هجرتهم في الخمسينيات. نتحدث عن بشاعة الخضيرة أيضًا، ونتانيا وأوفكيم وغيرها. نتحدث عن البشاعة واليأس طيلة الليل.

ألفّ مع جوليانو في أزقة المخيم. أذكره شذرًا لكنه يحفظه عن ظهر قلب. الدعوات لتناول القهوة تصدر بكرم، لكنّ بعض الأطفال يشيرون إليه: “يهودي، يهودي”… يقترب جوليانو منهم ويتحدث إليهم عن اليهود والمسلمين وسرعان ما يحتضونه جميعًا في صورة تذكارية. أقرب ما يمكن إلى “الديسونانس” الخارق.

سأروح وأجي إلى المخيم كثيرًا في الشهرين القادمين وسأكتب بما استطعت من الصراحة، رغم الكثير من الحبر السريّ. عليكم أن تبحثوا عن الكلمات المختئبة من وراء هذا الحبر…

الأربعاء، 25 أغسطس، 2010

الطريق الصواب

نشر موقع “يديعوت أحرونوت” الإلكتروني، صباح اليوم الأربعاء، خبرًا حول قيام 4 شبان من طمرة في الجليل باختطاف وتعذيب وضرب قريب لهم من العائلة يبلغ من العمر 19 عامًا، وذلك لأنه لم يرتدع عن كونه مثليًا جنسيًا!

ويقول الخبر الذي نشرته بعض المواقع العربية إنّ الشاب تعرّض لعدة أيام لتهديدات هاتفية من طرف الشبان الذين لم يعجبهم أنّ ابن عائلتهم قرّر الانتقال إلى تل أبيب وممارسة حياته الجنسية والعاطفية والاجتماعية كما يرغب ويريد، بل شعروا بالإهانة ربما في البلد، خصوصًا إذا كانت شلة أخرى من الشبان قد عايرتهم في “القهوة” وهم يشربون الأرغيلة: “روحوا ضبوا ابن عمكو (أو ابن خالكو) الهومو”…

إنها الوصاية الأخلاقية التي يعتقد المجتمع العربي المنغلق أنه يتمتع بها على أفراده. مجتمع قبلي ورجعي يحاول أن يحرس أبناءه وبناته ليلَ نهارَ؛ يهتمّ بألا يخرج أحدهم عن التلم أو “الطريق الصواب”. والطريق الصواب المرسوم لهذا الشاب من طمرة معروف: ثانوية، جامعة أو قصارة، تعمير بيت، التزوج من بنت 18 عذراء، إنجاب 5 أولاد في 5 سنوات، العمل مثل الحمار، تزويج الأبناء والبنات وبناء البيوت وشراء الجهاز ثم التقاعد على “سطيحة” البيت وحمل المسبحة ولعب الشيش بيش حتى القبر. أعتقد أنه أحسن فعلاً عندما رفض هذا الخيار البائس!

ولكن أن يتجرّأ أحدهم، فيتمرّد على هذا المسار وينتقل للسكن في تل أبيب (تل أبيب كملاذ وحيد)، كما فعل الشاب المخطوف، ويختار درب حياة مستقلا بعيدًا عن القرية، فهذه وقاحة “وسيابة” و”انحلال” لا ثانيَ له! وسنقول في سبيل تبسيط وتسطيح المعضلة إنّ بعض المتفهمين سيتفهمون عملة شبان العائلة النشامى، لأننا “شعب حامي ومحافظ”، والجميع كان سيطبل لهم ويزمر لو أنّ هذا الشاب مثلا ظلّ في القرية ومارس نزعاته وميوله. ولكنه خرج منها ورحل بعيدًا- أليس هذا كافيًا كي تتركوه وشأنه؟؟ نسأل من باب التبسيط الشعبوي.

وهكذا، سيدور الحديث الآن في الصالونات والمقاهي والكوافيرات حول بعض المآثر التي نعرفها: “هني بطلعلهنش يعملوا هيك أكيد، بس خيتا بتعرفي هوي شو بعمل؟”؛ أو: “رفعوا راس البلد”؛ أو: “هاي عاداتنا وتقاليدنا وشرفنا”؛ أو: “منيح اللي علموه درس. وينتا طالعين الشباب من الحبس؟ لازم نزورهن”.

وسيتلخبط الليبراليون المحافظون في أحزابنا وجمعياتنا: “نعم إكس ولكن واي؛ يمكن زد ولكن سي؛ فكرك صاد بس عين؟… إحنا مع شين بالتأكيد، ولكن شو مع طاء؟” وكالعادة، سيتخربط هؤلاء وسيغرقون في تفاهتهم وانفصام شخصياتهم المُزمن في كل ما يخصّ مواجهة المجتمع داخليًا.

وهذا الشاب الطمراويّ؟ يخطفونه عنوة برشّ غاز الفلفل عليه وعلى صديقه في وضح النهار ويشبعونه ضربًا. هل اعتقدوا أنه إذا أكل قتلة سيشعر فجأة بحبّ جارته ابنة الـ 17 عامًا وسيتزوجها مع سحجة لموسى الحافظ؟
؟

Pub الحارة



(نُشرت المقالة في موقع "قديتا.نت")

لا يختلف التأثير الذي يخلفه مسلسل “باب الحارة” عن التأثير الذي تخلفه سكرة كحولية: غيبوبة وعي وتفكير. يتحول السّكير بعد بطحة العرق إلى إنسان سهل، طيّع، خالٍ من القدرة على الحُكم المعرفي أو الخاصّ بالوعي- وهكذا أمتي، تتحوّل إلى مستهلكة لاجترارات ضحلة وغبية عن زمن ولى كان يجدر تناوله بمنظار نقديّ وتاريخي، وليس بالتمحّن على شوارب معتز ليلَ نهارَ.

لقد حاول البعض سابقًا الترويج لمسلسل المُبحلقين (شفتوا كيف بضلهن يبحلصوا؟) على أنه يروّج للنخوة العربية والتقاليد والعالم العربي المفقود في معمعان الراهن المعاصر. وكم كانت هذه المحاولة ممجوجة من أصلها؛ فالرائي لهذه التفاهة يلاحظ مستوى التمثيل الغبي (لم استعمل “هابط” عن وعي؛ إنه تمثيل غبيّ!) والإخراج التقني الذي يعتمد على حركة كاميرا مرسومة سلفا لدرجة الانتحار مللا: “وايد”، زوم إن، تِلتْ، ثم زوم إنننننن على وجه أحدهم، شريطة أن يكون ذا شوارب.

ناهيك عن أنّ الاستنتاج حتميّ: إذا كانت أيام زمان هيك فأهلا بالاغتراب ما بعد الحداثويّ.

كما أنّ الاحتراف في مطّ اللحظة حتى أقصاها يُحرج حقًا جميع الفلاسفة الذين كتبوا ونظروا عن الوقت والزمن. فالوقت في “باب الحارة” جامد، يُمطّ حسب الحاجة إلى تطويل الحلقة الليلية، غير آبهين بتطوّر القصة (كنت سأقول حبكة، ولكنني تذكرت أنّ لا حبكة سوى الشوارب العربية المرسومة بالكحل والرّدح النسائي النمطيّ).

كم من المخجل أن تكون عربيًا في هذه الأيام، وأنت تعرف أنّ 300 مليون شخص (غالبيتهم على الأقل) يجلسون كلّ ليلة بعد إفطار جامد ويستسلمون بمحض إراداتهم لهذا الهراء التافه. على الناس أن تعرف أنها تافهة؛ لم يعد بالامكان الاختباء وراء القناة المنتجة أو المخرج أو الكاتب أو الممثلين النجوم. الناس التي تفتح بيوتها لهذا الإدمان الشعبوي السطحي ليست عميقة أو ذكية بشكل خاص. أعرف أنني أتحدث عن بعض عائلتي وأصدقائي وأبناء بلدتي والجليل والمثلث والنقب وفلسطين التاريخية والشرق الأوسط والهلال الخصيب والمغرب العربي وشبه الجزيرة. ولكنهم كذلك!

مسلسل “باب الحارة” يذكرني بأحد الصحافيين الأمريكيين حين سألوه عن صحيفة منافسة، فأجاب: هذه الصحيفة يكتبها أناس لا يعرفون الكتابة، وينقحها أناس لا يعرفون التنقيح ويحررها أناس لا يعرفون التحرير ويقرأها أناس لا يعرفون القراءة. وكذا باب الحارة: يمثلها أناس لا يعرفون التمثيل، ويكتبها أناس لا يعرفون الكتابة، ويخرجها أناس لا يعرفون الإخراج، ويشاهدها مشاهدون لا يعرفون المشاهدة.

مرحى للنمس!

(شكرا للرفيق هشام نفاع على العنوان الهادف)

الاثنين، 16 أغسطس، 2010

إطلاق موقع "قديتا.نت" على الشبكة: ثقافة وسياسة وإبداع


أطلقت مجموعة من الكتاب والمبدعين والمثقفين، صباح اليوم الإثنين، موقع إنترنت جديدًا اسمه "قديتا.نت"، وسيعنى الموقع بالثقافة والسياسة على وسعهما وامتدادهما، وتأتي تسمية الموقع على اسم قرية "قديتا" الجليلية التي هُجرت في نكبة العام 1948.

(www.qadita.net)

يشغل الكاتب والناقد والصحافي أنطوان شلحت مهام المحرر المسؤول، فيما يشغل الكاتب والصحافي علاء حليحل مهام مدير التحرير. وتتألف هيئة التحرير من: هشام نفاع، أفنان إغبارية، محمود أبو هشهش، رشا حلوة، فراس خطيب، رازي نجار، ياسمين ظاهر، مروان مخول، راجي بطحيش، أسماء عزايزة، سامي مطر، شربل عبود ومجد كيال.

ويحوي الموقع موادّ خاصة وحصرية لكتاب وكاتبات من فلسطين والعالم العربي، حيث يُعرّف الموقع نفسه على أنه مساحة "لإعادة الاعتبار إلى الكلمة المنشورة في عجالة اليوميّ والرّاهن، ومَركزتها ثانية كحالة أدبية وثقافية وسياسية واجتماعية، لها ما تقول، بعمق وإصرار ومن دون مداهنة. ستكون الجودة المعيار الأول والأساسيّ، ولن تقع كتابة متمردة أو “غير محافظة” ضحية الشطب لأنّ نشرها سيغضب البعض أو سيثير “الحساسية”. نحن نعتقد أنّ هامش الحرية في النشر باللغة العربية آخذ في الانحصار، في ظلّ التوترات السياسية والاجتماعية والاصطفافات المختلفة، وفي ظلّ المشهد العربي-الإسلامي السّاعي يومًا بعد يوم (بمعزل عن الأسباب) نحو تضييق الخناق على الإبداع الخَلاق."

ويركز الموقع الجديد على المواد والكتابات في مجال الأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلي والسياسة، وسيحوي ولأول مرة زاوية للكتابة المثلية العربية، بالتعاون مع مؤسسة "القوس" للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني.

وتؤكد الهوية التأسيسية للموقع على أنّ "الإبداع الخَلاق هو غايتنا. وحين نتحدث عن الإبداع الخَلاق فإننا نتحدّث في الأساس عن حقّ الكاتب(ة) في كتابة وصوغ ما يخالف النهج المتبع، ما يشهر سيفًا على البقرات المقدّسة، ما يستفزّ الحياء العام والأصحّ- ما يستفز الجُبن العام. هذه هي غاية الإبداع الأساسية: أن يعيد النظر في المسلمات، أن يسائلها وأن يُمهّد لطريق أخرى، مخالفة، متباينة، ريادية. نحن لسنا حياديين؛ لن ندّعي الموضوعية ولن نختبئ وراء صياغات فضفاضة لا تغني ولا تسمن. نحن منحازون للانفتاح على الجهات الأربع، على إعادة النظر والفحص، على تحدّي الحدود والخطوط الحمراء بشكل دائم ومثابر. هذا لا يعني أننا سنكون فوضويين من أجل الاستفزاز؛ سنحاول أن نكون جريئين وسبّاقين من أجل حماية حرية الكلمة والنشر والتعبير.

"نحن نؤمن بأنّ الجودة الإبداعية هي الحلّ لحالة الشرذمة الفكرية والثقافية التي يستبغ بها حالنا العربيّ الراهن. ما نريده هو أن نكون منصّة منتصرة للمبدع وليس ضده؛ أن نتعامل مع النصّ على أنه اللبنة الأساس في صوغ الأفكار والمستقبل. نحن نحلم بمستقبل أفضل يحفظ مكانًا لائقًا للإبداع والخَلق، لا للارتكان والتسليم."

السبت، 7 أغسطس، 2010

على هذه الأرض ما يستحق الذمّ!



لا يصمد فيلم "كما قال الشاعر" في امتحان الزمن؛ فمخرجه نصري حجاج اعتمد على انفعال اللحظة بعد موت الشاعر محمود درويش وحاول أن يعبّر عن غياب الشاعر بشريط وجدانيّ شبه تجريديّ، يعتمد على صوت الشاعر وشعراء آخرين يتلون شعره، وفي الخلفية فيديو صُور في محطات درويش الأساسية: البروة، الجديدة، حيفا، رام الله، بيروت، باريس، تونس... إلا أنّ التصوير والإخراج العادييْن (في أحسن الأحوال) حوّلا هذا الشريط التلفزيوني إلى ما يشبه الراديو المتكلم.
لا يصمد هذا الشريط الذي بثته قناة "أخبار المستقبل" ليلة اليوم السبت (7 آب) في امتحان الزمن لأنه وليد اللحظة، ابن السرعة غير المفهومة في تصوير مثل هذا الفيلم بعد موت الشاعر مباشرة، من دون التمتع (والاشتعال ببطء) بموقدة الزمن والنظرة الهادئة عن بُعد. إنه شريط قصير النفس، خالٍ من العمق السينمائي (الشكليّ والمضمونيّ) الذي كان من الممكن أن يرفعه إلى مرتبة فنية أعلى بكثير. الأثر الذي تركه الشريط ربما على المشاهدين بعد موت الشاعر بقليل انتهى واختفى، وظلّ الامتحان الآن سينمائيًا لا غير. بلا "خصوصية اللحظة".
لهذا، تُضحي مشاهدة الشريط بعد الدقائق الأولى معاناة تُثقل على المرء صورة بعد صورة، وتجعل المشاهد (أنا في هذه الحالة) يتساءل عن سبب صنع هذا الشريط: أهو استذكار نوستالجيّ أم محاولة سريعة وغير ناضجة لإنتاج ما يشبه أيقونات (رسمية) للذاكرة عن الشاعر؟ كما أنّ المشاهدة التراكمية، دقيقة بعد دقيقة، تحوّل هذه المحاولة السينمائية إلى كيتش دبق يمنعك في بعض لحظات الفيلم (المرأة التي تتجول في مكتب مجلة "شؤون فلسطينية" في بيروت، مثلا) من التضامن حتى مع موضوع الفيلم.
لا يشفع للشريط أنّ نخبة ممتازة من الشعراء حول العالم قرأت قصائد لدرويش مترجمة إلى لغات الشعراء المختلفة، حيث أنّ أقوى لحظات القراءة كانت لجوقة الفتيات في بداية الشريط وللشاب الذي ألقى قصيدة بلغة الإشارات. وبموازاة هذيْن المثاليْن، لا يمكنني الإشارة إلى أية لحظة درامية في الشريط، رغم الإمكانيات الكامنة المحتملة الكثيرة فيه. لقد قتل هذا الشريط أيّ مَجاز مُمكن، وصارت الصورة فيه ترجمة حرفية للنصّ المَلقيّ، حتى لتخال الفيلم في لحظاته السّيئة جدًا دعاية تجارية لحُرج جميل أو لفندق فاخر.
إنه شريط بلا هوية أو مُميز يُذكر. يتخبط في أسئلة حبّذا لو أنه طرحها على الشاشة بقوة: كيف يُمكن تخليد الشاعر وصورته؟ هل الشاعر هو شعره أم جميع التفاصيل الأخرى التي تحيط بشعره؟ كيف يمكن الحديث عن درويش بصوته من دون الوقوع في فخ الاستسلام السّهل لإلقائه الساحر، وبالتالي التكاسل البائن والظاهر في المعالجة السينمائية؟
وإذا كان القصد تأليف قصيدة سينمائية لدرويش، أي كتابة الشعر بالكاميرا كما يحبّ عشاق وصُناع السينما "الفنية" أن يقولوا، فأين هي القصيدة السّينمائية؟ التصوير عاديّ وتحت العاديّ في الغالب؛ الأفكار الإخراجية "صغيرة"، لا تحمل أية بشرى سينمائية؛ القصة معروفة للجميع فأين ما وراء القصة؟
(وتُعسًا للعالم: متى سيتوقف مخرجونا عن لقطات "البانوراما" التي تبدأ بكاميرا ثابتة ثم تبدأ الكاميرا بالدوران كي "تلتقط" المشهد؟ أليست هذه اللغة التصويرية-الإخبارية-التقريرية-الملائمة لتقارير الفضائيات عكس كلّ ما هو سينمائيّ وإبداعيّ شكلانيًا؟)

الأربعاء، 21 يوليو، 2010

واحة الإسكندر: هنا دُفنت الحقيقة

بتأخير فاحش إنتهيت أمس من قراءة رواية "واحة الغروب" للروائي المصري بهاء طاهر (الطبعة السابعة، دار "الشروق المصرية)، وهي الرواية الحائزة على جائزة "بوكر" للرواية العربية للعام 2008. ومن العصيّ أن تجتمع في رواية واحدة عناصر عدة تعمل كلها على مستوى واحد من السرد الخطي (لينيئار)، رغم الإستعادات التي كانت تتخلل الرواية، وخصوصًا لدى بطلي الرواية المأمور محمود وزوجته كاثرين. فالسرد في هذه الرواية تقليدي بامتياز من هذه الناحية، إلا أنه جريء وحافل بما يمكن تسميته "التجاوزات البنيوية"، وبذلك يبرز التجديد والحيوية الكامنين في هذه الرواية عند الانتهاء من قراءتها.

ولعلّ أبرز هذه "التجاوزات" إبراز شخصية الإسكندر الأكبر كشخصية مركزية حاضرة في الرواية وتفاعلاتها، رغم غيابه وبُعدنا عن تفاصيله الصغيرة التي استعان بها الكاتب لبلورة الشخصيات الأخرى، وقد نجح طاهر في استحضار الإسكندر الكبير بشكل لافت وحميمي عن طريق بحث كاثرين المثابر والعصابي بعض الشيء عن مقبرته المفقودة. كما أنّ البحث عن قبر الإسكندر في واحة سيوة المنعزلة بدلا من الإسكندرية يشكل مجازًا قويًا لمعظم شخصيات الرواية، وخصوصًا للمأمور محمود، الذي ينتظر الموت ويبحث عن القبر الذي سيأوي إليه.

العناصر المجتمعة التي لمستها في بناء الرواية تحوي (من ضمن ما تحوي): البطل الرئيس الذي يصارع عوامل داخلية وخارجية، تنضم إليه شخصيات ثانوية بعضها مركزي (مثل كاثرين زوجته) وبعضها هامشي رغم حضورها الطاغي (مثل مليكة والشيخ يحيى والشيخ صابر وأخت كاثرين ورفاق المأمور). إنه الغَزْل بمعناه التقليدي: خيوط تتداخل فيما بينها لتستند على الخيط المركزي الكبير، لتصنع جميعها سجادة ملونة غنية، تمتدّ على عوالم متفرقة، بعيدة، متنافرة (لدرجة الجمع بين القاهرة ودبلن في إيرلندة)، لتنجح في الموالفة بين هذه العوالم بجدارة.

الرواية غنية بتفاصيلها وبهاء طاهر كاتب حذق ("خالتي صفية والدير"، "لم أكن أعرف أنّ الطواويس تطير")، يمارس حرفته الكتابية بنفس طويل واهتمام مرئي ومحسوس بالتفاصيل الصغيرة التي تبني العوالم لدى الشخصيات وتغنيها. إنها فراسة المتأمل والباحث في ذات الوقت، وهكذا نرى طاهر يعود إلى كتب التاريخ ويقرأها ويستفيد منها (معلوماتيًا واستيحاءً) ويبني عليها مُتخيّله حول تلك الحقبة التاريخية التي يتحدث عنها، والتي تلت فشل الثورة العرابية في مصر ضد الاحتلال الإنجليزي.

وليس أجمل من واحة منعزلة في وسط الصحراء كي تكون "ميكروكوزموس" متكاملاً يستطيع من خلاله طاهر أن يبرز مكامن الضعف والقوة في بني البشر، مواد كتاباته المتميزة. فالانغلاق الذي تعيش فيه واحة سيوة، بشقيها الغربي والشرقي، يبعث المأمور محمود على التفكير مليًا –في معظم صفحات الرواية- بحياته وقراراته وبحياة المصريين وقراراتهم. الصحراء الممتدة تستفزّ الذهن، رغم أنها قتلت علاقته الحميمية مع زوجته.

رغم ذلك، لا أظنّ أنّ الرواية كانت تحتمل قصة حب مبتورة، غير واضحة المعالم، بين محمود وأخت زوجته فيونا التي تأتي إلى الواحة لتموت فيها. أعتقد أنّ هذه القصة أضرّت بنهاية بلورة قصة محمود (الشخصية الرئيسة) بصفاء وجلاء من دون الحاجة إلى "أنتيغونست" جديد.

رواية "واحة الغروب" ممتعة، شيقة، مكتوبة باحتراف كبير. لم أقرأ معظم الروايات التي وصلت وقتها إلى اللائحة القصيرة لجائزة الرواية العربية ونافست "واحة الغروب"، ولكن من خلال قراءتي لهذه الرواية أعتقد أنها جديرة بالجائزة، وفق معطياتها المستقلة.


الاثنين، 5 يوليو، 2010

ضمير المتكلم (والصامت)


قراءة في رواية سيد قشوع الجديدة "ضمير المتكلم" (גוף שני יחיד): حبكة محبوكة وأسلوب ناضج



ينجح سيد قشوع في كتابه الأخير، "ضمير المتكلم" (גוף שני יחיד)، بتخطي مرحلة جديدة من مراحل تطوره ككاتب متميز، نحو نضج أدبي وروائي وسردي. فـ "ضمير المتكلم" رواية مركبة، سرديًا وتقنيًا ونفسانيًا، أكثر من سابقتها "ليكن صباحًا"، وذلك لاختيار قشوع السّير في مبنى سرديّ غير تقليدي، يذهب ويرجع على محوريْ الزمان والمكان، كما أنّه يختار بطليْن يسرد بواسطتهما القصة: المحامي (بلا اسم في الرواية) وأمير، يتنقل بينهما في فصول يُخصّص كل واحد منها لأحد البطلين في الرواية على التوالي.


ولكن لو تتبعنا اسم الرواية لرأينا أنّ قشوع اختار أن يستخدم ضمير المتكلم السردي مع أمير، "أنا"، بينما سرد قصة المحامي بضمير الغائب، "هو". يبدو لي أنّ هذا الخيار كان بديهيًا حيث أنّ سيرة أمير، كطالب جامعي من المثلث في جامعة القدس، تتساوق وتقترب من بعض السيرة الذاتية لقشوع، وأعني التفاصيل الحياتية اليومية التي يبني من خلالها الكاتب عوالم أبطاله، ولا أقصد بالضرورة المحطات الحياتية التي تصنع "قصة" شخص ما.

كما أنّ هذه التفسيرات تختزل معانيَ أخرى يمكن اشتقاقها من الاسم الأصليّ العبريّ للرواية، حيث يمكن تقسيم العنوان إلى ثلاث كلمات تشكّل كل واحدة منها عمودًا من الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها الرواية: "جسد" (גוף)، "ثانٍ" (שני) و"وحيد" (יחיד). الجسد جسد يونتان في الأساس (وجسد ليلى)؛ الثاني هو أمير بالنسبة للمحامي، والمحامي بالنسبة لأمير؛ والوحيد- هما أمير والمحامي سوية، وكل على حدة.

كما أنّ الضمير ليس للمتكلم فقط، بل لأمير الصامت المراقب للعالم من حوله. ولن أدخل في تفسيرات أخرى كي أمنع نفسي من فضح معلومات وتطورات قد تفسد القراءة للراغبين.


يُسجَّل لصالح قشوع في هذه الرواية قدرته السردية الممتازة، التي تؤهله لبناء قصة تحدث من خلال محورين كتابيين متوازيين في البداية، ثم ليتقاطعا في النهاية. هذه تقنية غير جديدة في السرد الروائي (خصوصًا في السنوات الأخيرة)، ومع ذلك تظلّ خطيرة وفيها من الرهان الكثير، حيث أنّ أيّ ترهّل في تطوّر السرد سيجعل من الانتقال بين شخصيتي الرواية أمرًا مُملا ومتعبًا، وهذا لم يحدث لدى قشوع بالمرة؛ فالانتقال من فصل إلى آخر كان محفوفًا دائمًا بالتشويق والرغبة في معرفة المزيد عن المحامي وعن أمير في نفس الوقت.

كما يُسجّل لصالح قشوع نضجه الأسلوبيّ وعدم ارتكانه إلى الكلبية (cynicism) كما فعل في كتابه الأول، "العرب الراقصون"، وفي بعض روايته الثانية، وكما يفعل في كلّ أسبوع في عموده الشخصي في ملحق "هآرتس". فهو يلجأ في هذه الرواية الأخيرة إلى صياغات محسوبة وجمل تحمل الكثير من النصوص الخبيئة (subtexts) من دون تزويقات أو ملاحظات لاسعة تتكرّر بكثرة. قشوع يقرر أن يمنح القصة نفسها وتعقيدات شخصياتها مركز الحلبة، ليتنحى جانبًا ككاتب مع أسلوب مميز، مما قد يصدم بعض القراء للأسلوب "غير الملائم" لسيد قشوع الساخر. ما فعله قشوع هنا يشبه سعي الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير إلى كتابة أدب لا يمكن التعرف فيه البتة على أسلوب الكاتب، وبكلمات فلوبير: "على الكاتب أن يكون مثل الله: لا يُرى ولكنه موجود في كلّ مكان". هذا ما فعله قشوع قياسًا بكتاباته المألوفة حتى اليوم.

أنا أعتقد أنّ هذه نقطة لصالحه، كونها تدلّ على تطوره الدائم ككتاب من دون الإرتكان إلى سهولة السخرية والفذلكات الجميلة في كتاباته السريعة. إنها طريق وعرة لأي كاتب "يملك أسلوبًا" وعلامة فارقة: من يجرّ من، الكاتب أم أسلوبه؟
كما أنّ قشوع يكتب بحساسية كبيرة قصص النساء في الرواية، وهذه مهمة غير سهلة أيضًا لكاتب رجل. ناهيك طبعًا عن أنّ الحبكة نفسها مثيرة، مليئة بالتجديد على مستوى الأفكار القصصية، غير نمطية حتى في مقاطعها النمطية المتعلقة بقوميات الشخصيات ومكانتها الاجتماعية. كما أنّ البُعد "البوليسي" الذي تكتسبه قصة أمير لاحقًا، من دون تبني هذا الجانر بحذافيره، تفتح بابًا جديدًا على قدرات قشوع وإمكانية جديدة لطرقها.

ومن فرط رغبته في إكساب المضامين لشخصياته وعوالمها تخاله أحيانًا محاضرًا إنتروبولوجيًا، يُعلم أبناء عمنا اليهود، بلغتهم، بعضًا من المعلومات والدروس اللازمة عن العرب والفلسطينيين. لا بأس، فليتعلموا- فهم بحاجة إلى هذا. ولو لم تكن هذه الرواية مكتوبة على يد عربي بالعبرية لليهود، لكانت هذه الملاحظة سلبية في أساسها: الإطناب والميل إلى الكتابة التدريسية في بعض مواقع السرد.

من جهة أخرى، يؤخذ على قشوع أمران أساسيان، في نظري، يتعلق الأول بإصراره الحثيث، بعد كلّ ما كتبه، أدبيًا وتلفزيونيًا، على الاستمرار في التنكيل بشخصية العربيّ، بجوانبها السيئة أو المنفرة أو غير المحمودة على أقلّ تقدير. لا أقول هذا من باب التحفظ من النقد، على العكس فأنا من مريديه المتحمّسين، بل أقوله حرصًا على قشوع من أن تتحول هذه التوصيفات إلى فزاعة تقف عاليًا كراية حمراء تميّز كتاباته.

أما الأمر الثاني فيتعلق بالنهاية: فمع تقدم الحبكة بدأتُ أقتنع بأنّ قشوع يأخذنا إلى متاهة غير منتهية، غير محلولة، عن عمد، وإذ به يرتب لنا لقاءً بين شخصيتي الرواية، وبنظري هذه أضعف حلقة في الرواية. فمثل هذا اللقاء الحتميّ أفسد ما بناه قشوع طيلة الرواية من العالميْن المتوازييْن وكنتُ أشعر بلذة خفية أثناء القراءة مُدركًا (عن خطأ) أنّ قشوع سيصدمنا بنهاية غير متوقعة حتمًا، لا يلتقي فيها البطلان. ولن يشفع له أنه ترك لنا علامة سؤال في الفقرة الأخيرة من الرواية، فقد أتت في رأيي غير مقنعة ومصطنعة بعض الشيء.


الأحد، 4 يوليو، 2010

6 ملاحظات على المونديال: "زيكُوكِيم"*



1
الكثيرون يستغربون لماذا أشجع ألمانيا. فهو ليس فريقًا "جذابًا"، "سكسيًا"، لا يوجد فيه أطافيل معجزات ولا نجوم براقة ولا تفتا هندي. ألمانيا؟ يسألون باستهجان،
وبدلا من البحث عن جميع حسنات هذا الفريق أفكر بالسبب الأكثر منطقية وطبيعية وغريزية للعبة مثل كرة القدم: أبي يشجع ألمانيا. كانت مباريات المونديال حدثًا في البيت يجمعنا أطفالا في الصالة إلى جانب أبي ويجعلنا نفرح حين يهلل أبي لهدف ألمانيّ، ونحزن حتى البكاء حين يغلق أبي التلفاز ويتنهّد بحسرة: "يحرق دينن"!

أيوجد سبب أفضل من هذا السبب؟ إنه السبب الذي جعلني أحمل أمتعتي وعائلتي عصر أمس وأيمّم شطر الجش كي أشاهد اللعبة الحاسمة التي ستقرّر (في نظري المتواضع) حامل الكأس لهذه السنة. حتى ظرافة وطلاقة ونغاشة دُشة الضاحكة لم تستطع منع أبي من الجلوس أمام التلفاز معي ومشاهدة المباراة. في كلّ مرة كان يخطئ الألمان ضربة أو يفوّتون فرصة أقول بعصبية: "يحرق دينن!" ليتمتم أبي (الصائم المُصلي اليوم): "أستغفر الله".



2

ومع ذلك: الروح الجماعية، الانضباط، الانضباط، الانضباط. صار الانضباط مَسبّة في زمن "الزيكوكيم" هذا. فالمفترض بـ "الزيكوكيم" التي ينتجونها لنا كلّ سنتين أو ثلاث أن تُرقّصنا لأنّ "الزيكوك" رقص أو نغرّد لأنه ضرب الكرة "سالْطة". صار الفرد نجمًا ومركزًا في لعبة جماعية، والخطر، كما رأيناه في لعبة الأمس بين الأرجنتين وألمانيا، أن ينهار الفريق حين ينهار النجم. ميسي نجم ورقيّ وليد الساعة، مثار الإعجاب، "زيكوك"، لكنه ليس قائدًا، لا يركض اللاعبون خلفه ويفدونه بعرقهم وجهدهم، خاصة إذا كان يركض كي يلحق حاله بهدف يتيم في المونديال حفظًا لماء وجهه (وعقود عمله مع النوادي الأوروبية).

في ألمانيا يوجد قائد: يواخيم، المدرب. توجد هرمية، احترام للجهد الجماعي، الإخلاص للهدف، كتفًا إلى جانب كتف. قد لا يكون كلوزه وميلر ومان وغيرهم "جذابين" و"سكسيين" و"نغشين" مثل ميسي وروني وبكهام وغيرهم من فطريات النجومية السابقة والراهنة والآتية، إلا أنهم يتقنون أمرًا واحدًا أساسيًا: الانضباط والطاعة. لهذا أحبّهم. أنا في النهاية إنسان "مربّع"، أومن بالهرمية والانضباط واحترام الهدف والطريق. لا أومن بالفوضوية الطفولية ولا برومانسية البطل الذي سيأتي من أول الملعب إلى آخره، هائمًا بنفسه، يطير على أثير نفسه، ليثبت نفسه، أمام نفسه (والعالم).


3
راهنتُ بيني وبين نفسي على أنّ لعبة الأرجنتين وألمانيا ستكون لعبة "الأرجنتين أو ألمانيا": لعبة طاحنة، بلا تسويات، بلا حَسمسات. ولم يكن من الطبيعيّ أن يتوقع مشجع لفريق يحبه أن يكون هذا الفريق طرفًا مطحونًا في مثل هذه المعادلة، ولكنني توقعت أن ينهار الفريق الألماني كما انهار الأرجنتيني، في حال غيروا من مفهومهم للّعبة في مواجهة ميسي ومرادونا. كانت هذه خشيتي الكبرى ولكنها لم تتحقق. يواخيم: خليك هيك.


4
المشجعون غوغائيون، متحمّسون، غير منطقيين، غير عقلانيين ولذلك فإنهم لا يرون العمود الذي في عيون فرقهم، يعتقدون أنها "ميسي ولو طارت". من حقّ كلّ مشجع أن يدافع عن معبوده، عن مثاله، عن "زيكوكه"، ولكن رجاءً تـَفـْتِفـوا التنظيرات على خيبتكم بعيدًا عنا. قبل ثلاثة أيام إنهارت البرازيل (فطريات نجومية أخرى) تحت أقدام الهولنديين. في عكا، حيث أسكن، يحبون البرازيل. يحبونها إلى درجة أنّ بعضهم خرجوا يصرخون إلى الشارع، ثم تناول أحد المشجعين البرازيليين المتفحمين علم البرازيل وأخذ يمزقه وهو يصرخ بأعلى صوته: "ولكو أنا برازيلي! ولكو أنا برازيلي!"

المشجعون لا يفقهون الكثير، خصوصًا القدامى وأصحاب المعرفة والإحصائيات وساعات المشاهدة اللانهائية. أقول هذا كمشجِّع موسمي يستيقظ من سباته في كلّ أربع سنوات ليشجّع فريقه الألمانيّ في المونديال، ثم يعود إلى شؤونه البعيدة عن كرة القدم. ويخلف على حماي أبو حمّوده الذي يأتي عندنا أحيانًا لمتابعة ألعاب فريقه المفضل برشلونة (وميسي طبعًا) ويفقعني محاضرات لا نهائية عن حبيبه الأرجنتيني الذي مَغطوه بالقوة كي يَطوَل قليلاً. رأيت ميسي في لحظاته الكبيرة، الخلابة في مباريات برشلونة، ولكنني رأيته أيضًا في الأسفل، في القاع السحيقة، واستطعت أن أفرّق بين الحالتيْن.

لا أدّعي أنني أكثر ذكاءً من غيري، ولكنني لست مُلوّثًا، لا أجمع الأخبار والعناوين كلّ يوم، لسنين طويلة، كي أثبت أمرًا أريد إثباته بأيّ ثمن: "كاكا ولو طارت". عندما لعبت ألمانيا مع غانا شتمتُ فريقي وانتقدته؛ لقد لعبوا بشكل سيء ومهين وغبيّ، تمامًا كما لعبت الأرجنتين أمس مع ألمانيا.

5
البرازيل ونجومه لا يقلون تفاهة عن الأرجنتين ونجومها، ولكنّ مشجعي البرازيل (متأسف على التعميم) غوغائيون أكثر من أيّ مشجعين آخرين. لماذا؟ لأنهم يلوكون عنجهيتهم التي تتحطم سنة بعد سنة، وهم يعتقدون أنهم يلوكون شوكولاتة سويسرية. ما يشبه "الجقارة بطيزي بشخّ بكلسوني" (متأسف على الفظاظة).

6
أعتقد أنّ ألمانيا ستفوز بكأس العالم. إذا حدث ولم تفز فسأحزن كثيرًا، وإذا خسرتْ بسبب غبائها فإنني سأشتمها مثلكم. فأنا لست أعمى ألوان العلم الألماني.



* إلى قارئات وقراء المدونة من أرجاء العالم العربي (وهم كُثرُ حسب برنامج العدّ والإحصاء في المدونة): "زيكوكيم" كلمة عبرية تعني المفرقعات النارية، ومفردها "زيكوك"، أي مُفرقع ناريّ، سريع الاشتعال، سريع الانطفاء.


الخميس، 24 يونيو، 2010

شماس – شماس: "بْعرض إمي" إشي فلـِع!


من الصعب تسمية العرض الذي يقدّمه الفنان حنا شماس في الأيام الأخيرة "ستاند أب" بالمعنى الكامل والمتداول للكلمة- ولكنه عرض "جامد"، إذا سمح لي شماس بتبني توجّهه الخطابيّ في العرض. فشماس لا يقلد إيدي ميرفي (مثلا) في عروضه الستاند أبية، من ناحية اللجوء إلى "سليبستيك" كـ "مُكبّر صوت وحركة" للمضامين التي يسردها، بل تراه في معظم العرض يلجأ إلى حميمية ما مع جسده، مع صوته، مع وقفته على المسرح، على عكس المتوقع من ممثل يقف على الخشبة وحده أمام قرابة 350 شخصًا وعليه أن "يعمل دبّ وسعدان" كي لا يملّ الجمهور الآتي للضحك بالأساس.

كان أطزج عرض لـ "بْعرض إمي" الذي يقدّمه شماس كعرض وحيد (one man show) أمس الأربعاء، 23 حزيران، في القاعة الكبرى في مسرح "الميدان" في حيفا، وكانت القاعة ممتلئة- إذا كان هذا المقياس يهمّ هواة العدّ. إنه العرض الثالث في سلسلة العروض وهو الأول الذي أشاهده، وبشهادة من رأى العرضيْن السابقيْن (أو أحدهما) فإنّ العرض الأخير كان قفزة واضحة، على عكس البدايات. وبالفعل: حنا شماس رائع!

عندما يدخل شماس إلى المنصة على خلفية شانسون فرنسي تتبادر إلى ذهنك فورًا شخصية "مستر بين" التي تشبه شماس شكلا ومَسلكيًا. عندها توجّستُ. فشماس الذي بدأ الرقص على ألحان هذه الأغنية بدا أنه سيرتكن إلى السّهولة الفورية الكامنة في شخصيته الكوميدية وسيتأتئ وينسى النصّ وسيستنفد ويستنزف جميع الوقفات والصّفنات والحديث عن اللخات، وهي أمور قدّمها شماس في مسيرته الفنية حتى هذا العرض. لكنّ شماس يُدهشك في المشوار الذي قطعه من وقت "شماس-نحاس" (اللذيْن أحببناهما- في البدايات بالأساس) وحتى هذا العرض المتفرّد، حتى تخاله اختمر طوال سنواته الأربعين (تقريبًا) كي يقف ويحكي القصّة من أولها: من آدم وحواء وحتى إعلانه البطولي الفتاك: "أنا مش زلمه"!

أنت ترى حنا شماس جديدًا، ساطعًا، لا يخجل من تعثره اللفظي أحيانًا أو عفويته الجسدية في وقفته على المسرح؛ يتحدّث بصدق كبير، بتفاصيل مُخجلة أحيانًا عنه، بغضّ النظر عمّا إذا كانت أوتوبيوغرافية حقًا أو لا- ما يهمّ أنها تُروى أمام جمهور النساء والرجال على أنها حياته الشخصية. إنه انتحاريّ فدائيّ لا تدري كيف خرج من مسيرة شماس التي تعثرت بعض الشيء مؤخرًا، وربما لهذا السبب وضع شماس بيضاته (بجميع ما تحمله الكلمة من معانٍ) في سلة هذا العرض- وعليه وعلى أعدائه.

منذ زمان لم أرَ أو أقرأ أو أسمع مثل المونولوج الطويل الذي يتلوه شماس على المنصّة، ذابحًا فيه كلّ التابوهات والبقرات الاجتماعية: العادة السرية (عند الشباب والصبايا على حدّ سواء!)، السكس، النفاق، التلون، العادة الشهرية، مجلات السكس، مواقع الانترنت، الدقائق الأربع التي تستغرقه كي "يُبعبع". حتى في قاموس المصطلحات والكلمات ذبح بقرة أو اثنتين، مثل "على زبي"، "أخو منيوكة"، "تعريصة"، "كس أخت"، الخ من درر اللغة العربية الجميلة التي علمونا أنها "قذرة" و"مهينة" و"عيب"، مع أنها من الركائز الأساسية في تطوير شخصية كلّ عربي فخور. ولا ينسى شماس النفاق السياسيّ والنكبة (ما قبلها وما بعدها) والحالة السوريالية التي يحياها العربي في ديارنا.

يقف شماس أمام جمهوره ويقدم "ستاند أب وجودي" إذا أردتم؛ ستاند أب لا يخجل بالتراجيديا التي يتحدث عنها ولا يتوانى عن عيش لحظات صدق محزنة ودرامية في منتصف الضّحك (طالت أكثر من اللازم في موقع أو اثنين). إنها الكوميديا العنيفة، مسرح القسوة، الفن الملتزم في تجليه، رغم سخرية شماس نفسه من الفن الملتزم في العرض نفسه. شماس ملتزم بهمومه، بهواجسه، بشخصه، بعائلته، ببلده؛ هل هناك ما يمكن الإلتزام به أكثر من هذا؟ وإذا كان الشاعر الأمريكي المخضرم تشارلز بوكوفسكي قال "الكتابة الحذرة هي كتابة ميتة"، فإنّ شماس حيٌ، ممتلئ حياةً.

كما أنّ الجمهور أبدى نضجًا في التفاعل مع "بذاءات" و"سفالات" حنا، ولم ينسَ أن يصغي بتمعّن أيضًا وهو يضحك، فكان التصفيق يتلو نقدًا جارحًا يقوله شماس- وهذه شهادة تُذكر، رغم التساؤل الذي تساءلناه أنا وصديق في نهاية العرض: هل يمكن عرض هذا الستاند أب في مجد الكروم أو الناصرة أو إم الفحم، أم أنه سيُستساغ فقط لدى جمهور حيفا؟

حنا شماس منعش، موجع، مضحك، مثير للتفكير. من يبحث عن إضحاك سهل، سطحي، تنكيتي، عليه البحث عن عرض آخر. أنا سأضحك وسأُصْدَم ثانية مع شماس، أنّى سنحت لي الفرصة.


(نُشرت المقالة يوم الجمعة، 25 حزيران، في جريدة "أخبار المدينة")

الاثنين، 21 يونيو، 2010

هلوسات "غوغلية": طفل ومعاش وكندا


لم أعرف كيف أهضم ما فعله بريد "جيميل" معي قبل عدة أيام؛ فهم يَدرجون منذ فترة طويلة على وضع إعلانات تجارية في أعلى صفحتك في الأيميل، على شكل عنوان لموقع ما، يُبشر عادة بالدين أو بمكنسة كهربائية جديدة أو بصفقة فياغرا سترفع رأسك عاليًا.

ومن خلال اطلاعاتي الما-ورائية في عالم الإنترنت قرأتُ فيما يقرأ الخائف من المخابرات والملاحقات أنّ شركة "غوغل" تلائم الإعلانات التي تظهر في أعلى صفحتك البريدية لتنقلاتك وتحرّكاتك في الإنترنت، من خلال مراقبة وتتبع الصفحات التي تزورها والكلمات التي تبحث عنها في محرك "غوغل" (إليكم نصيحة مجانية تعلمتها من مُهَلوس آخر مثلي أقدّمها مجانًا من أجل قراء مدوّنتي الوقورة: إذا أردتم الإبحار في مواقع حسّاسة (سكس، أمن، سكس، أمن) أو البحث عن كلمات أكثر حساسية في محرك "غوغل"، ولم ترغبوا في أن تتعقب ماما "غوغل" تحرّكاتكم وتدرسها وتحفظها، عليكم أن تخرجوا من الجيميل (سايْن آوْت) قبل هذه الأفعال المشينة وهكذا تفقد "غوغل" القدرة على توثيق تحرّكاتكم. ولا تنسوْا: مدونة علاء حليحل تكفيكم وتغنيكم!).

فإذا نشطتَ هذا الأسبوع، مثلا، في نكش المواقع الإباحية ستظهر إعلانات في أعلى صفحة بريدك تبشّرك بدواء سحريّ يُطيل عضوك بإنشات كثيرة، قد تدبّ الخلاف بين المفاوض الإسرائيلي والمفاوض الفلسطيني حول من سيحصل على أكبر عدد من هذه الإنشات الفيّاضة كونك عربيًا-فلسطينيًا-مواطنًا-إسرائيليًا (إنتهبوا إلى اللعب بالكلمات في كلمة "فيّاضة"- للتنويه فقط).

وهكذا، وبلا "طول" سيرة، وجدتُ اليوم إعلانًا قصيرًا بسيطًا في أعلى الإيميل: "هل ترغب في العمل والهجره إلى كندا؟" الجواب طبعًا في موقع إنترنت لن أورد عنوانه خشية أن أُتّهم بتشجيع الهجرة من الأراضي المقدسة (أكبر مزبلة في التاريخ المعاصر)، مع أنني شخصيًا أرغب بذلك بحرقة كبيرة. ولكنني تساءلتُ فورًا: هل هذه صدفة محضة أم أنّ "غوغل" يساعد أفيغدور ليبرمان على تطفيشنا من هنا؟ هل وردت هذه الدعاية في صفحات غوغلية أخرى في العالم، أم أنها حصرية لعرب الداخل؟

من الصّعب طبعًا أن أجيب عن هذه التساؤلات، لكنني تأبطتُ شرًا وأرسلتُ رسالة تساؤلية-اتهامية-مُزاودية كما نتقن نحن الفلسطينيين أن نفعل، إلى فرع المساعدة في شركة "غوغل"، مفادها: بعرض إمكو، مقصودة والا لأ؟؟ وقد انتبهتُ لاحقًا إلى أنّ قسم الإعلانات في قارة "غوغل" يعد بأن ينظر في جميع التوجّهات التي تصله بخصوص الإعلانات المنشورة، إلا أنه لا يردّ ردودًا مباشرة للمتوجّهين والمواضيع التي يطرحونها. يعني راح الآيتم.

ولكن قبل نعي الآيتم: لا بدّ أنّ عددًا من المسؤولين في "غوغل" يجلسون الآن في اجتماع طارئ، ينحنون على الطاولة المدوَّرة المصنوعة من المَرمَلادا (هل رأيتم صور مكاتب هذه الشركة؟ إشي ببعص!)، يتحلقون حول الهاتف المصنوع من الشوكولاتة البيضاء وأحدهم يتحدّث إلى سيرغي (المدير الكبير) عبر السّماعة:

"وصلتنا رسالة من عربي يقول إنه فلسطيني من إسرائيل، هل هذا معقول؟..."

لا بدّ أن سيرغي قد غَوْغَلَ هذه الكلمات في محرّكه الشخصيّ تبع أبوه ولا شكّ أنه يحاول الآن قراءة جميع التقارير التي أصدرها "عدالة" ومركز "الجليل" و"مساواة" ومركز "حماية العرب من الغرق في الشطآن"، ويحاول أن يفكّ المعضلة.

"المهم، ما المهم؟؟" سيسأل سيرغي بسرعة بعد أن يغرق في التفاصيل، وسيجيب أحد المرؤوسين الذي يقف حول الطاولة ومن ورائه كرسيه الوثير المصنوع من ريش عصافير الجنة:

"إنه يشتكي من أننا وضعنا له في صفحة بريده إعلانا يشجّع على الهجرة إلى كندا وأننا نتعاون مع أفيغدور ليبرمان على طرد العرب من إسرائيل. ماذا سنفعل؟ نحن نخشى أن تصبح هذه قضية أكبر من قضية أسطول غزة، ويصبح هذا المِلحاح معروفًا أكثر من هانين زوآابي..."

ولا شكّ في أنّ سيرغي سيبحث عندها عن اسم ليبرمان في محرّك أبيه وأمه، وما أن يرى صورة أفيغدور المرعبة حتى ينظـُز إلى الوراء ويصرخ:

"ما الذي فعلتموه؟؟! هل سنعلق مع مجانين الشرق الأوسط؟!"

ستحصل بالتأكيد حالة ارتباك، وسيأمر مدير القسم سائر الموجودين في الغرفة بمغادرتها، وسينحني فوق الهاتف ويهمس لسيرغي:

"يمكننا أن نتجاهل الرسالة."

"ولكن لماذا ننشر أصلاً إعلانات تشجّع على الهجرة إلى كندا؟ ماذا يوجد في كندا أصلاً؟"

"هذا بالضبط ما جعلهم ينشرون الإعلان. لا أحد يريد الذهاب إلى هناك."

"والعمل؟"

تفكّر مدير قسم الإعلانات في "غوغل" قليلا، ثم قال بهدوء:

"ربما وجّهنا نسخة عبرية من هذا الإعلان إلى اليهود في إسرائيل. عندها سينشأ توازن بين العرب واليهود ولن يجرؤ أيّ طرف على التبرّم من هذا الإعلان."

"هل تريد نشر إعلان يدعو اليهود للهجرة من إسرائيل؟ هل تريد أن نعلق بقصص الهولوكوست وعذابات الشعب اليهودي منذ أن اضطروا لاحتمال تأتآت موسى غير المفهومة؟"

لحظة صمت.

"ماذا قلت؟" سأل سيرغي مدير الإعلانات بفارغ صبر.

"سنتجاهله. ماذا يمكن أن يفعل؟"

"سيخرج بحملة إيميلات ضدنا، ثم في الفيسبوك... ألا تذكر كم إيميل يرسل الفلسطينيون في اليوم؟"

"نعم، نعم..."

"فلنقترح عليه وظيفة."

صفن مدير قسم الإعلانات إثر سماعه لاقتراح سيرغي صاحب محرّك "غوغل".

"وظيفة؟"

"نعم، وظيفة، بضعة آلاف من الدولارات شهريًا لسنة مكسيموم. هل سيرفض مثل هذا العرض؟"

"وأية وظيفة سنقترح عليه؟"

"مراقب للإعلانات بالعربية في بريد "جيميل"."

"هذه فكرة عبقرية!"

إبتسم سيرغي لهذه التلحيسة المداهمة من مرؤوسه. فهو لم ينجح يومًا في مقاومة تأثير هذه التلحيسات والمداهنات عليه، رغم أنه يعرف أنها مزيفة. لكنه كان يحبّ وقعها، الأثر الذي تتركه في نفسه، شعوره بالتميّز، بالتفرّد، بقدرته على إخضاع الناس لأهوائه، بحبّه لنفسه وحبّه لممارسة هذا الحبّ (معذرة، لم أقصد أن أكون عميقًا لهذه الدرجة...).

"ولا تنسَ التحدث إلى ليبرمان هذا..."

"ليبرمان؟"

"نعم. قل له إننا بحاجة إلى مراقب إعلانات في "غوغل" بالعبرية."

"...."

"أم تفهم؟ من أجل التوازن! هل تعرف ما سيفعله بي اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية إذا عينتُ فلسطينيًا فقط لمراقبة الإعلان؟... ألا تذكر كم إيميلاً يرسل هؤلاء في اليوم؟"

تنهّد مدير قسم الإعلانات ثم انتهت المحادثة. رفع السّماعة وطلب رقمًا داخليًا:

"إسمع، إبعثوا رسالة إلى هذا الفلسطيني وقولوا له إننا نظرنا في رسالته ونعتبرها خطأً ونحن نسعى لتفاديه مستقبلاً، ولذلك نطلب منه أن يعمل معنا مراقبًا للإعلانات باللغة العربية بمرتب 4000 دولار شهريًا... نعم، نعم، لا تجادل... واسمع، اتصل بمكتبنا في إسرائيل. لتيحدثوا إلى مكتب أفيغدور ليبرمان (شهقة عبر سماعة الهاتف من الطرف الآخر)... نريد مراقب إعلانات باللغة العبرية أيضًا... نعم، نعم، لا تجادل هذه أوامر سيرغي."

منذ أيام وأنا أنتظر إيميل التعيين ولكنه لم يأتِ، حتى إنني اتصلت اليوم صباحًا إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية لأتحدث إلى ليبرمان وأسأله عن اتصال "غوغل" به ولكنهم أغلقوا الخط في وجهي.

مع ذلك، أعيش منذ أيام حالة من الانتشاء الغامر، حيث أنتظر طيلة اليوم إيميل التعيين من شركة "غوغل"، وأحلم بأنني سأسدّد العجز المزمن في حسابي البنكيّ وسأشتري لابتوب جديدًا بدلا من لابتوبي الذي يعمل على الديزل. وإذا عملتُ لسنة واحدة على الأقل يمكنني عندها أن أغامر وأردّ على المدام ونوصي على الطفل القادم قريبًا؛ حتى إنني أتخيلها منذ يومين حبلى وحالتها ريعه وأبتسم في سرّي. ثم تذكرتُ أنّ حبيبتها/عزيزتها إيفا هي التي حبلت قبل أيام، فهل يكون حبيبي/عزيزي رازي هو الذي تلقى اتصال "غوغل" وبدأ يعمل معهم في الإعلانات؟!

لا، لا، "غوغل" تنتظرني أنا. وستحبل المدام وسأشتري لابتوب جديدًا وسيُولد محمود في كندا وسيحصل على الجنسية ويُجنّسنا معه إلى الأبد.

اللهم آمين!




الاثنين، 14 يونيو، 2010

الآن الآن وليس غدًا: هشام نفاع لرئاسة تحرير "الاتحاد"


نزلنا، هشام نفاع وأنا، درج مبنى جريدة "الاتحاد" السّابق في حي وادي النسناس (شارع الفارابي)، وكنا نيمّم شطر فلافل ميشيل كي نتناول غداءنا المنهجيّ المتفق عليه: الفلافل. كان هشام يُسدي لي النصائح في كيفية إدارة وتحرير ملحق "عيش وملح"، الذي كنا نخطط لإصداره في الجريدة وتبقت على خط الموت (دِد لاين) أربعة أيام لا غير.

وقد أثار تسلّمي لتحرير الملحق الجديد وقتها غبارًا ورمادًا في أروقة الجريدة وخارجها، حيث كنت وقتها تلميذ أبو الأديب (وائل واكيم) على حاسوب الماكنتوش الذي كنا نُمنتِج عليه الجريدة، وكانت مهاراتي التفاحية (نسبة لشركة "apple" الشهيرة، قبل أن يكتشفها الرعاع) في تبلوُر مستمرّ تحت رعاية وتوجيهات "أبي الأديب". فكيف يُسلّم ملحق جديد في الجريدة لمونتاجير، هو أصلا لاجئ من قسم التدقيق اللغوي، حيث لم يُعمّر هناك طويلا بعد أن نزف فيه أخطاء لغوية ومطبعية فاحشة أحرجت الحزب والجريدة.

خزّنتُ نصائح هشام ("بو نايفة") وقتها وعملتُ قدر الإمكان بموجبها. كان هشام يسبقني باعًا وخبرة في الصحافة، وكنتُ بحاجة إلى الكثير من السنوات بعدها كي أتبيّن حجم فضله الكبير عليّ، كصديق وزميل ومعلم. ولكنني لست الوحيد الذي يحتاج إلى عدد هائل من السّنوات كي يكتشف البديهيات؛ أحزابنا تحتاجها أيضًا.

فالرفيق "بو نايفة" يعمل في "الاتحاد" سجالا وتباعًا منذ سنوات طويلة، يأتي ويذهب، يتفاءل ويستسلم، ثم يتفاءل ثانية. وفي كلّ مرة كان يعيد كَتْب كتابه على الجريدة الهرمة كنا (بعض الأصدقاء وأنا) نوسعه سبًا ولومًا وشتمًا (أمامه ومن وراء ظهره) لإنه يُلذع للمرة العاشرة من نفس الثقب.

لكنّ عودته الأخيرة إلى "الاتحاد" تختلف هذه المرة، لعدة أسباب، أهمّها وفاة رئيس التحرير السّابق أحمد سعد وخلوّ كرسي رئاسة التحرير، وعدم تعيين خليفة له حتى كتابة هذه السطور. فالحزب هنا غير مجبر على فصل أحد ولا على إعادة النظر أو التقييم أو المراجعة بحقّ أحد، كما أنه غير مجبر الآن على البتّ بين معسكرات أو توجّهات في المكتب السياسي أو اللجنة المركزية تتعلق برئيس التحرير الموجود، مقابل ذلك الموعود.

ولمن لا يعلم، فإنّ هشام نفاع هو أصلح من يكون لرئاسة تحرير هذه الجريدة منذ عزل إميل حبيبي حتى اليوم (بحكم امتحان النتيجة والممارسة)، برغم تعاقب الرؤساء والمرؤوسين من وقتها. إلا أنّ الماكينة الحزبية لا تسمح بتعيين صحافي فذّ كهشام، لا يُعدّ في ضمن قائمة "أمرك سيدي" (yes man). وكي لا تُفهم هذه المقالة على أنها تقريظ بحق الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي لا أحبه ولا يحبني، أقول وألحّ أنّ هذا صحيح في جميع الأحزاب قاطبة.

إلا أنّ ما يدفع إلى كتابة هذه المقالة غير الاعتيادية، سُنوح فرصة ذهبية كي ينقذ الحزب الشيوعي، وقبل فوات الأوان، جريدته-جريدتنا. فـ "الاتحاد" جريدة هامة رغم أفول نجمها وشبابها وتاريخها الذهبي وترهل جسدها وتورم مفاصلها؛ هامة في نوستالجيتها وتاريخها وهامة في دورها الذي يمكن أن تلعبه، رغم كلّ الظروف. تعيين هشام رئيسًا للتحرير سيزيد من هذه الإمكانيات بدرجات كبيرة جدًا، وقد يؤدي بشكل ما إلى إعادة الاعتبار إلى الصحيفة التي صاغت صحافيينا وصاغوها، هذّبتهم وهذّبوها، نافستهم ونافسوها. عودة "الاتحاد" كصحيفة ندّية، قوية، لها حضورها، سيجبر الجميع على التعامل المختلف مع المشهد الصحافي والإعلامي، حتى لو اقتصر الأمر على الصحف الحزبية المنافسة.

لست من المؤمنين الكبار بقدرة السياسيين والحزبيين على اجتراح القرارات الملائمة في الأوقات الملائمة. لكنني أومن أحيانًا ببعض الحتمية التاريخية (رغم أنني لست شيوعيًا البتة)، ومن ضمن هذه الحتميات انتصار الجودة على الاعتبارات الضيقة، انتصار الثقافة على السياسة، انتصار الخيار الأصحّ (والأصعب) على الخيار الأسهل (والأسوأ).

قبل سنوات كتبتُ مقالة دعت إلى تعيين أيمن عودة سكرتيرًا عامًا للجبهة، رغم صغر سنّه وقتها واستنفار الكثيرين ضدّه. وبعد نشر المقالة اتصل بي أحد الخبثاء وقال إنّ مقالة مني بالذات داعمة لأيمن ستقضي على أيّ احتمال بانتخابه، من باب: أنظروا من يروّج له...

لا أعرف إذا كان هذا سيُقال اليوم أيضًا حول تعيين هشام نفاع رئيسًا للتحرير، من نفس الباب أيضًا، ولكنني أعزّي نفسي دائمًا، بقليل من المتعة، أنّ عودة انتخب حقًا سكرتيرًا عامًا للجبهة بعد كتابة مقالتي تلك. يبدو أنّ الحتمية التاريخية قد تنتصر أحيانًا على الحزب الذي يحمل رايتها. في حالة هشام سيكون هذا الانتصار لنا جميعًا.


الخميس، 10 يونيو، 2010

5 ملاحظات على أسطول الحرية: حنين زعبي كمثال



1
من المتبع في مناحينا أن نخجل من شخصنة النضالات وأن نسعى بكلّ صيحاتنا كي نسبغ القضية العينية لقائد/ة بشعارات الوحدة و"كلنا" و"قضيتنا جميعًا". ومن الجائز أن يكون هذا الأمر مُحبذًا عندما يكون الفرد الذي في الواجهة انتهازيًا بجدارة أو منتحلا، مثل أن تنشر عن تهديد على حياتك بعد شهر من وقوعه، لمجاراة العناوين الآنية. ولكنّ هذه النزعة سيئة أيضًا في حالة النائب حنين زعبي، التي برزت –هي ورائد صلاح- في الإعلام الإسرائيلي والعربي بعد مجزرة أسطول الحرية.

نحن بحاجة إلى نساء قائدات وبحاجة ماسّة إلى إبرازهنّ بالاسم والصوت والصورة وعدم الاختباء وراء "نحن" مفتعل أو مبالغ به، لاعتبارات تنافسية حزبية (الأحزاب مقابل بعضها البعض والأحزاب على نطاق صراعاتها الداخلية). يجب أن يظلّ اسم حنين زعبي في العناوين رغم الحساسية و"الحَكّة" اللتين يمكن أن يسببهما هذا للكثيرين؛ فالسياسة في عصرنا عناوين وصورة أو كليب من ثلاثين ثانية. أنا كعربي في الدولة لا اسم لي ولا صورة إلا أسماء وصور قياديينا وآخرين من أهل الثقافة والفن، يرانا العالم من خلالهم. يجب أن نحمي هذه الصور والأسماء وأن نبرزها عاليًا، فكلما برزت زاد حضورنا في العالم.

إلى الأمام حنين زعبي ولا تتنازلي عن أيّ لقاء صحافي أو عنوان أو صورة. نحن بحاجة إليك في العناوين.

2
لماذا لم يكد أحد أن "يلتكش" لرئيس لجنة المتابعة العليا، محمد زيدان، العائد من وغى مجزرة الأسطول، كما حدث مع زعبي وصلاح؟ حتى إنّ الكثيرين –بعد كل هذه الضجة في الأيام الأخيرة- لم يسمعوا بوجوده أو لو يسمعوا له صوتًا. أهو تقصير من إعلامنا العربي أم أنّ إعلامنا وجمهورنا باتا يائسيْن من لجنة المتابعة المهترئة إلى هذه الدرجة؟

3
أعجب من التنظيمات النسوية العربية في البلاد (واليهودية طبعًا، ولكن لنترك هذا الآن)، التي لم تحرّك ساكنًا نسويًا بعد الهجمة الشوفونية الذكورية الساقطة على حنين زعبي في الكنيست. كما أنني أعجب وأتساءل حقيقة كيف تعمل هذه التنظيمات النسوية (المعدودة على "الجبهة" و"التجمع" على حدّ سواء)، وبأيّ عقل تفكّر. فالتنظيمات النسوية في العالم تنتظر فرصة لا تتكرر أبدًا كهذه كي تحمل قضية نموذجية بجدارة وتغزو الشوارع والإعلام. ماذا تنتظر هذه التنظيمات؟ وإذا كان الأمر سيكون "مفهومًا" مع هزة رأس عاتبة بما يخصّ التنظيمات النسوية "الجبهوية"، فماذا مع الباقي؟ هل فكر أحدهم بأنّ ربط قضية زعبي بالأجندة النسوية قد يقود إلى مسار خلافيّ لدى جماهيرنا الصامدة؟ وفي حال كان هذا صحيحًا أليس من اللازم على جميع نسويات البلد أن يقررن نهائيًا والآن: أنتنّ حزبيات أم نسويات؟ الاثنتان لا تجتمعان وإذا اجتمعتا فالحسم دائمًا لصالح الحزب. أنظروا إلى "الجبهة" و"التجمع" وسترون الأمر ببساطته.

أين الندوات؟ أين المقالات؟ أين الحملات؟ أين النشاطات؟ أين الأجندة النسوية؟ أين إبراز أنّ زعبي نسوية بارزة ورائدة؟ وأين رفض الذكورية علنا والإشارة إليها كموبق لا يقلّ خطورة عن الاحتلال بذاته؟... إمرأةُ تُهان في المشهد الجماهيري-السياسي العام لأنها امرأة (عزباء في الـ 38 من عمرها) وجميع نسويات البلد غائبات (عن الأفعال النسوية وليس الحزبية). النسوية فعل صداميّ مستمرّ وليست رحلة تسويات مريحة مانعة للإحراجات.

هذا فشل عَرمْرَم يستوجب ألف سؤال وألف محاسبة!


4
أستعجب أيضًا أن يقول سياسيّ بارز من عندنا إنه يغفر لتركيا 400 عام من الاحتلال بعد مجزرة الأسطول. عفوًا؟... من قال إنّ تركيا المهدي المخلص، ولماذا نهبّ كالأطفال السُذج –في كل مرة من جديد- لننقاد وراء حماسة تبرد لاحقًا، متناسين أنّ تركيا دولة مستقلة لها مصالحها وصراعاتها الداخلية المستفحلة، والحزب الإسلامي الحاكم يستخدم غزة وفلسطين في صراعه الكبير مع المحكمة العليا التركية والجيش العلمانيين؟ تركيا ليست ملاكًا يبكي على أقدام الفلسطينيين، وإلا لما اكتفت بالاستنكار كالنعاج عندما فلحوا غزة قبل أقلّ من سنة. وكيف يمكن أن ننسى تخلف وغباء وإكراه 400 عام من الاستعمار لمجرد أنّ الرئيس التركي غضب على دولة إسرائيل؟ أين أسطوله الحربي الذي توعّد به؟ من المفترض بالسياسيين أن يقودوا الناس، أن يوجّهوهم، أن يصوّبوهم، لا أن يركبوا على موجات الحماسة الشعبوية الإنفعالية.

نشكر تركيا على دورها الحالي ونأمل أن لا يتغير موقفها أو أداؤها وفقا لتطورات علاقاتها وغزلها الدائم مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

5
كان من الخطأ أن يقاطع النواب العرب جلسة الكنيست التي ناقشت مسألة تجريد النائب حنين زعبي من بعض امتيازاتها. لماذا مقاطعة مثل هذه الجلسة وعدم مقاطعة النقاش في الهيئة العامة أو لقاء في القناة الثانية مثلا؟ في جميع هذه الأماكن اللعبة "مَبيوعة" إذا كان هذا السبب. يجب أن نكون حذرين في مسألة المقاطعة هذه. من يرغب في لعب اللعبة السياسية والإعلامية عليه أن يكون مثابرًا فيها وواضح الرؤية. كان على زعبي أن تكون هناك أيضًا، وأن تقشر المزيد من طبقات الحقارة التي يرتع فيها الكنيست الإسرائيلي.


السبت، 8 مايو، 2010

موراكامي على الشاطئ


يُحوّلك هاروكي موراكامي إلى عجينة طيّعة في يده. حين تقرأ روايته "كافكا على الشاطئ" تنجرّ رويدًا رويدًا إلى العالم الذي يبنيه لك كقارئ، لتصبح مع الوقت أسير الغرائبية الكبيرة (الميتافيزيقية) بحيث تتحول هذه الغرائبية إلى معطى "طبيعي"، "سويّ"، لا يبعث على العجب، حتى حين تمطر الدنيا سمكًا وديدان علق.

وكما يحدث معك عند مشاهدة مطر الضفادع الكبيرة في فيلم "مغنوليا"، تتعجب من قدرة موراكامي على تسجيل الغرائب و"المعجزات" بجرة قلم، والأدهى أنه يقنعك بحدوثها بسلاسة ومن دون أية محاولة لإقناعك بصوابها أو واقعيتها. ويستطرد صاحب "الغابة النرويجية" في تناول قصة "كافكا"، الشاب ابن الخامسة عشرة، الذي قرر الفرار من بيته في طوكيو، ليخرج في رحلة غريبة تجعل تصنيف هذه الرواية في ضمن روايات "ساينس فيكشن" (العلم المتخيّل) تصنيفًا جديرًا، رغم محاولة الكاتب الكبيرة في "البقاء بقدميه على الأرض" من حيث معطيات العالم الذي يبنيه؛ فهو واقعي ولا شيء غريبًا فيه رغم أنه مليء بالغرابة والأعجوبية.

موراكامي كاتب كبير. إنه فنان السّرد بلا منازع. يبدأ الرواية في أطراف خيوط متناثرة، ممتدة السنوات والأمكنة، ليجمعها كلها في قصتين مركزيتين في نصف الرواية الأخير، لينتقل من الفتى كافكا إلى المُسنّ ناكاتا في متتالية مشهدية حريصة وثابتة: مشهد كافكا ومشهد لناكاتا، حيث ينجح من خلال هذه التقسيمة في رواية قصص الشخصيات الرئيسة والثانوية بعمق وقرب وحب كبير. حتى عندما تنضم إلى الرواية شخصية هوشينو سائق الشاحنة في الثلث الأخير من الرواية تشعر بأنه كان هناك منذ الصفحة الأولى.

لن أسهب في توصيف الشخصيات وقصصها وبعض الحبكة لأنّني لا أريد أن أفسد عليكم متعة القراءة. فعملية الاكتشاف البطيئة التي يدخل القارئ فيها شريكًا توازي متعة النص نفسه. إنها مؤامرة صغيرة ينجح الكاتب في زجّكم فيه، تصبحون شريكين فيها من حيث لا تدرون، تنتظرون الفصل القادم بشوق وتحاولون فك معالم ما سيحدث، من دون نجاح في الغالب.

هذه هي الرواية الأولى التي أقرأها لهذا الكتاب (معذرة على التأخير) وصدرت له روايات أخرى عديدة أهمها "جنوب الحدود، غرب الشمس" و"سبوتنيك الحبيبة" (الكتب الأربعة الواردة هنا صدرت بالعربية ويمكن شراؤها عبر الإنترنت من هنا). سأبحث عنه دائمًا وسأقرأه بمتعنٍ مرتين: مرة كقارئ يطلب المتعة اللذيذة المخدّرة في نصّ روائيّ مَتين ومُشوّق، ومرّة ككاتب يسعى ليدرس مفاتيح السّرد المتقنة في نصوص فنانين كبار.

كلمة
صدر هذا الكتاب في ضمن المشروع الضخم للترجمة، "كلمة" (مع المركز الثقافي العربي)، الذي انطلق قبل سنوات قليلة وهدفه ترجمة مئة كتاب (في المرحلة الأولى) من اللغات الأجنبية إلى العربية. وهي "مبادرة طموحة غير ربحية تموّل ترجمة أرقى المؤلفات والأعمال الأدبية الكلاسيكية والمعاصرة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية ومن ثمّ طباعتها وتوزيعها"، كما جاء في الموقع الرسمي، حيث يمكن الاستزادة عن المبادرة والمشروع هناك.
بورك هذا المشروع وبورك القائمون عليه.

لمحة عن حياة هاروكي موراكامي
من مواليد كيوتو عام 1949، ويعيش حالياً قرب طوكيو. يُعتبر من أبرز كتّاب الرواية في اليابان والعالم، تُرجمت أعماله إلى 34 لغة، ونال عدة جوائز بينها جائزة يوميوري الأدبية وبوكرز للرواية. كل رواية لموراكامي هي حدث تتناوله الصفحات الثقافية في صحف العالم الكبرى. وينتظرها القراء بشغف، وتطبع ملايين النسخ بعدة لغات.