الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2008

من غزة لعكا...



"مصر يا أم الدنيا، أليست غزة من الدنيا؟"- كُتب على اللافتة الورقية الزرقاء التي رفعها أحد أطفال عكا العرب في
المظاهرة التي جرت عصر أمس الاثنين. كانت المظاهرة صاخبة ضاجة وكان الغضب يخرج من جميع الحناجر. الجميع يهتف ولكن جميع الهتافات ضد الحكام العرب (والمسلمين) وبالتحديد- حسني مبارك، الزعيم المصري، الذي يؤكد الهتاف أنه جبان وأنه عميل للأمريكان.

في الجوانب همسات وهمهمات. الشباب لا يفهمون لماذا لا تسير المظاهرة في الشوارع ولماذا لا يخرج الجميع سائرين في عكا لإيصال الكلمة والألم. "هاي مظاهرة هاي؟"، قال أحدهم، ثم سألني بارتياب "لمين بتصور؟". هي الرغبة الدفينة في إسماع صوتنا للعالم، صوت غزة وصوت عكا وغيرها من الداخل الفلسطيني، الرغبة في عمل شجاع مِقدام يعبّر عن الألم والغضب، إلا أنّ الخوف من "الشين البيت" الذي يصوّر وينقل الوشوشات إلى المخابرات الإسرائيلية يظلّ حاضرًا حتى في لحظات الهبّة الصادقة.

في منتصف المظاهرة تعالت نداءات المُنظمين للدخول إلى الجامع (جامع الجزار)، فتعجّب الكثيرون: "ليش بالجامع؟.. بدنا نعتصم لحالنا جوا؟ مين بشوفنا؟"، ثم قال أحدهم وهو يعبر من أمامنا، بسخرية كبيرة أغاظت الكثيرين: "خلصت المسرحية"؟

الحقيقة أنّ هذه المظاهرة لم تكن مسرحية بالمرة؛ فقد هتف الجميع، الأطفال والنساء والرجال، بكلّ حناجرهم، وكان الصدق يرشح من كل هتاف ومن كل كلمة. كان المطر الغزير يغدر بالمتظاهرين ولكنهم لم يهربوا منه، بل تحوّلت المظلات (الشمسيات) إلى سلاح فتاك ضد العدوّ الداهم: المطر. "عالأقل إحنا معنا شمسيات واللي بغزة؟"- تساءلت صبية تتدثر بالكوفية الفلسطينية وتحمل شعارًا ورقيًا أبيض مُلطخًا بالأحمر.

في النهاية حاول المنظمون بأيّ ثمن منع عشرات الشباب والصبايا من الخروج إلى مسيرة في أحياء عكا القديمة، ولما لم تعد تُجدي الرّجاءات عبر مكبّرات الصوت، نزل أحد المنظمين وحاول ردّهم، ولما لم ينجح انضمّ إليهم! مشهد عبثيّ يعيد إلى الأذهان الحذر الذي يلفّ عكا منذ أحداثها الأخيرة والتي بعث أثناءها أهلُ غزة وجميع الفلسطينيين نداءات التضامن معها، وهو ما قاله سمير العاصي، إمام جامع الجزار، وأحد المنظمين: "بالأمس وقفتم مع عكا واليوم نحن نقف معكم".

وفجأة، بعد أن تحرّكت المسيرة رغم معارضة المنظمين، ظهر من وراء الجامع من عكا القديمة وفد سياحي أجنبي توقف مذهولا مرة واحدة من الشباب الصارخ والأعلام ونداءات "الله أكبر". المساكين. لا بدّ أنهم ذعروا خوفًا، خاصة عندما صرخ بعض المنظمين على الشباب والصبايا مطالبين بعدم التعرّض للسياح، إذ أنهم لم يفهموا ما معنى الصراخ فاشتدّ حذرهم أكثر ووقفوا جميعهم مُتراصّين أمام مطعم الحمص ريثما تعبر المسيرة العفوية. ذلك المشهد جذب الكثير من الحاضرين الذين أخرجوا كاميراتهم وهواتفهم وبدأوا بتصوير الأجانب. قد تكون هذه المرة الأولى التي يتحوّل فيها السياح إلى موضوع للتصوير في عكا وليس العكس!

المشاعر جياشة من كل حدب، والحمية تغلب على الشبان والصبايا. النار تشتعل فيهم وتلمس أمامك ما يعنيه "التواصل" و"شعب واحد لا يموت". كانوا يصرخون: "نموت وتحيا فلسطين"، وفي عكا كما في عكا لا بدّ من نكات وروح دعابة، ولا بدّ من أحد ما يخرج بمزحة لكسر القلق والتوتر في الجو، فقال أحدهم بهتاف خجول: "نموت وتحيا يوفنتس"!

وبين المزاح والجدّ جاب شباب وصبايا عكا أزقتها وهم يتوقون إلى غزة ويرفعون إليها جميع هتافاتهم ودموعهم... ونكاتهم العكية.


قصائد عن الحرب/ هارولد بينتر


(عن الإنجليزية: علاء حليحل)



فوتبول أمريكي
هللويا!
لقد نَجَحْنا.
لقد نكحْناهُم فتطايرَ خراؤُهُم.

لقد نكحناهُم فتطايرَ خراؤُهُم من مؤخّراتِهم
وَمنْ آذانِهم اللعينةِ.

لقد نجحنا.
لقد نكحْناهُم فتطايرَ خراؤُهم.
إنهم يَختنِقُونَ بخَرائِهم!

هللويا.
سبِّحُوا إله الأشياءِ الحَسَنةِ كُلِّها.

لقد قصفناهُم فأضحَوْا خَراءً.
إنهم يأكُلونَ الخراءَ.

سبِّحُوا إله الأشياءِ الحَسَنةِ كُلِّها.

لقد فجَّرنا خِصيَهُم فأضحتْ نتفًا وَهَباءً،
أضحَتْ نتفًا مِن الغبارِ.

لقد فعلناها.

والآنَ أريدِكُم أن تأتوا إلى هنا وأن تُقبِّلوني
على فمِي.



القنابل
لم تتبقَّ كلماتٌ لنقولَها
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تنطلقُ عنيفةً من رؤوسِنا
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تمتصُّ ما تبقّى من دِمائِنا
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تُلمِّعُ جماجمَ الميِّتين


بعدَ الغداءِ
وَبعدَ الظهيرةِ أتتِ المَخلوقاتُ حَسَنةُ المَلبسِ
كَي تَتَشمّم فوقَ المَوتى
وَتتناوَلَ غداءَها

وَكُلّ هذهِ المخلوقاتِ حَسَنةِ المَلبسِ اقتلعتِ
الأفوكادو المُنتفخ مِن بينِ الغُبارِ
وَحَرّكتْ حَساءَ المينسترونا بالعِظامِ الضّالةِ

وَبعْدَ الغَداءِ
اسْترْخَوْا وَتَدَلّوْا وَهُم
يَصبُّونَ الخَمرَ الأحمرَ في الجَّماجمِ السّانِحةِ


اللهمَ باركْ أمريكا
ها هُم ينطلقُونَ ثانيةً،
اليانكيز فِي مواكِبِهم المُدرَّعةِ
يُرنّمُونَ أغاني فرحِهم الرّاقصةِ
وهُم يَرمَحُونَ عبْرَ العالمِ الكبيرِ
يُبجّلونَ إله أمريكا.

الجداولُ مَسدودةٌ بالموتى
بأولئِكَ الذينَ لم يَنجحُوا بالانضمامِ
بالآخرين الذين رفضُوا الغناءَ
بأولئكَ الذينَ يفقدونَ أصواتَهُم
بأولئكَ الذين نَسوْا اللحنَ

الرّاكبُونَ يحمِلونَ أسواطًا جارحَةً.
تتدَحرَجُ رأسُكَ على الرَّملِ
رأسُكَ حَوضٌ مُوحِلٌ في القذارةِ
رأسُكَ لَطخةٌ في الغُبار
عيناكَ إنتُزِعِتا وأنفكَ
لا يَشمُّ إلا نتانة الموتى
وكُلّ هواءِ الميِّتين حَيٌّ
مَع رائحة إله أمريكا.


السبت، 27 ديسمبر، 2008

الجثث


غزة جثث على التلفاز.

تروح وتجيء وفق إيقاع "مونتاج" متكرر. الصور تتزاحم وتتكرر لتخرق العينين فتدمعان.

قد تكون غزة آخر ما يثير الدموع في العيون في زمن الرداءة هذا.

غزة دموع تحمي العينين من صورها الدامية.

غزة جثث على التلفاز.

نحن جثث أمام التلفاز.

الجمعة، 19 ديسمبر، 2008

الصرماية وأصول الرماية


فرحتُ، مثل سائر الفرحين في العالم، للصرماية التي صوّبها الصحافي العراقي منتظر الزيدي تجاه المجرم جورج بوش، وحزنتُ مع جحافل الحزينين في العالم إذ أخطأ المنتظر الإصابة مرتيْن- فطعن الفؤاد طعنتيْن. وبعد هذه الرماية نصف المُوفقة أعتقد أنّ اسم الصحافي، منتظر، صار رمزيًا طافحًا بالدلالات، حتى إنّ البعض تذكّر جميع المنتظَرين في دياناتنا وثقافاتنا وحضاراتنا، المنتظرين الذين لا يأتون رغم الأدعية والابتهالات.

والحقيقة أنّ فرحي بدأ يتضاءل تدريجيًا، نتيجة لتحويل هذه الرماية نصف الموفقة إلى أهمّ حدث في تاريخ الأمة العربية، بعد وحدة مصر وسورية وصمود المقاومة في لبنان. ففجأة بدأنا نسمع أنّ هذا الردّ هو "أبلغ ردّ" و"أصدق ردّ" و"أجمل ردّ"، وصارت القصائد تكتب تناصًّا مع جملة الصحافي المنتظر: "هذه قبلة الوداع من الشعب العراقي أيها الكلب". ولا مانع طبعًا من فرح شعبي عرمرم يجتاح الأمة من المحيط إلى الخليج، في زمن رديء مُحبط، وهذا فرح حقيقي لا نقاش فيه، نشارك فيه بكامل انفعالاتنا الوحدوية، إلا أنّ تحويل هذه الفعلة إلى القشة التي نتعلق بها اليوم، وكأنها أعادت كرامتنا ورفعت رأسنا ومطت رقابنا، هو هروب من الواقع، وهي عادة عربية أصيلة ترتكز إلى "أضعف الإيمان" الذي قتلنا شرّ قتلة.

فحذاء المنتظر، "أضعف الإيمان"، صار سلعة مطلوبة: أمراء من السعودية بدأوا يعرضون المبالغ الخيالية لشراء هذا الحذاء العربي الأصيل، حيث وصل آخر مبلغ ورد في المواقع الإخبارية إلى مليون دولار، كفاكم المولى شرّهم. السعودي (وغالبية العرب) الذي لا يحرّك ساكنا لنصرة العراق أو فلسطين أو لبنان (بل يتآمر ضدّها في الغالب) تنتصب قامته الدولارية لحذاء عراقيّ مغبر بدماء أبنائه. هذه ليست حمّية وطنية، هذه دعارة هابطة مردّها الشعبوية المفرطة النفعية أو الوطنية الرومانسية التي تغلب علينا نحن كأمة عربية وإسلامية: نبكي لمناظر الدماء على التلفاز ثم نقول بنفاق مريب: إمشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة. يعني بالعربي: بدي أطعمي الولاد. ولا يهم أن الأولاد يأكلون الخراء وسيأكلونه مستقبلا بالمغرفة مع هكذا أمة وهكذا شعوب شعبوية.

نحن ننفعل للمبادرات الشعبوية التي تشفي غليلنا ولا بأس، فنحن بشر مقهورون، نبحث عن أية بادرة تبعث الفخر أو الابتسام فينا. المشكلة أننا نتوقف هناك وفقط هناك. العربي الذي صفق لحذاء المنتظر لا يحرك ساكنا لقمعه في دولته الدكتاتورية القمعية، ولا يحرك ساكنا لاحتلال أمته وقتل الملايين ولا يحرك ساكنا لنصرة الأقصى والقدس وغزة وبغداد، مع أنه يملأ الدنيا صراخًا من أجل كاريكاتير يمسّ "مشاعره الدينية"، وكأنّ احتلال العراق وتدمير بيروت وإحراق غزة لا علاقة لها بالمشاعر الدينية.

وأعتقد أنّ الفكرة ستأتي بعد السّكرة: فالزيدي شيوعي كان عضوًا في حزب العمال الشيوعي الذي حلّ نفسه قبل سنتين واندمج مع الحزب الشيوعي العراقي، وكان عضوًا في اتحاد طلبة العراق الذي يعتبر إحدى واجهات هذا الحزب. وأعتقد أنّ مثل هذه المعطيات تجعله في أقلية قليلة في العالم الإسلامي والعربي، ولا بدّ أن يأتي أحد ما في فضائية ما ليذكّر بهذا، إذا ما برز تهديد يومًا ما بأن تطغى شعبيته على شعبية شيوخ الفضائيات أو مُنظّري القنوات.

مرحى للصرماية، ولكنني نطالب بأمرين: الرماية الدقيقة في المستقبل، والخروج من دائرة التطبيل والتزمير العربية المزمنة إلى دائرة الفعل الحقيقية.