الأحد، 31 أكتوبر، 2010

فديتكَ تشيخوف: كيف يموت مثل هذا الكاتب؟

القراءة في بيوغرافيا أنطون تشيخوف التي ألفها هنري تروايا، مهمة لذيذة ومُخدّرة، إلا أنها صادمة ومُحزنة. صفحة بعد صفحة ترافق هذا الكاتب العبقريّ في سيره نحو نهايته المحتومة: الموت المبكر بالسّل...

توفي أنطون تشيخوف في الساعة 20:21 مساء الأربعاء الماضي (20 تشرين الأول الجاري 2010)، وأنا أجلس وحدي في مطار أمستردام الدولي، آكل قطعة بيتسا حقيرة وأحتسي كأسًا من بيرة هولندية سقيمة. أقصد أنني وصلت الصفحة رقم 501 من كتاب البيوغرافيا الذي بدأت قراءته قبل أسبوع من تأليف هنري تروايا. دمعت عيناي وأحسست بحاجة كبيرة للبكاء، فنزلت بعض الدموع الخجلة ومسحتها بسرعة.
ذهبت في خلال أسبوع إلى رحلة عاصفة شيقة هي حياة الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف. رافقته في أيام طفولته البائسة وظلم والده المتديّن له وإجباره على الجلوس في الدكان العائلي المظلم في شتاء روسيا القارص وترديد الصلوات والتراتيل لساعات مرهقة وغير معقولة. رافقته وهو يراقب عائلته تنهار بعد إفلاس الدكان وتفرّق العائلة واضطراره للبقاء وحيدًا في قريته النائية. وما صدمني في بداية الكتاب أنني عرفتُ أنّ تشيخوف ينحدر من عائلة أقنان، عبيد. وقد عمل جده بجهد كبير كي يفتدي أبناء العائلة ونجا أبوه من هذا المصير لحسن حظنا جميعًا.
عندما بدأ تشيخوف دراسة الطب تحقيقًا لرغبته في أن يصبح طبيبًا يطبب الناس، بدأ يكتب بعض القصص “التافهة” كما نعتها للمجلات الروسية التي كانت تدفع بعض القروش لقاء كل سطر وكان ممنوعًا من كتابة قصص بأكثر من عشرين سطرًا كي تكون جذابة وسريعة في أعين القراء. وقد أدت هذه التقييدات إلى إجبار تشيخوف على اتباع أسلوب بسيط ومتقشف في الكتابة، بعيدًا عن الإطناب الروسي في الكتابة (والكلام)، ومتمردًا على أسلوب تولستوي ومجايليه آنذاك. وانطلاقًا من هذه الكتابات التي كان ينجزها من أجل النقود تطورت مهاراته الكتابية وصار يكتب بغزارة وبسرعة وبتكثيف كبير. ومع أنه تقدّم في هذا المجال بسرعة، إلا أنه ظلّ يقول: الطب زوجتي الشرعية أما الأدب فهو عشيقتي السرية.
من المستحيل التوقف عند محطات حياة تشيخوف على طول هذا الكتاب الممتاز. إلا أنّ اكتشاف مرض السلّ لدى تشيخوف في مطلع عشرينياته جعل من حياته سباقًا مع الزمن. وبحكم كونه طبيبًا كان يعرف أنّ نهايته لا ريب ستكون على يد هذا المرض المزمن اللئيم، إلا أنه عاش حتى سنته الأخيرة في حالة إنكار تامة لسوء وضعه الصحي، ورغم ذلك ظلّ يتنقل بين البيوت والإقطاعات في الريف الروسي وموسكو وبطرسبرغ وباريس ونيس وإيطاليا. كان يبحث عن الشمس دائمًا: يبحث عنها حرفيًا من أجل صحته ويبحث عنها مجازًا في كتاباته. كان يهمه أن يوثق الحياة الروسية كما هي، ببساطة وصفها وبدقة تفاصيلها وكان ينأى بنفسه عن الديباجات والإطنابات التي ميزت الأدب الروسي حينها.
لم يكن تشيخوف رجل الشعارات الرنانة، بل كرّس كل حياته وأمواله لبناء المدارس والمكتبات وتجنيد التبرعات لمحاربة الأوبئة. كان المعيل الوحيد لعائلته واضطر أن يوازن بين رغبته في العطاء وبين مصاريف العائلة الكبيرة. وأعتقد من خلال فهمي لما قرأت أن حالة المَساس التي كانت تنتابه لشراء البيوت والإقطاعات نبتت من أصل عائلته كعائلة عبيد سعت للاستقلال والعيش بحرية وكرامة وأعتقد أنه رأى في البيت الرمز الأول والأخير للاستقلالية والكرامة.
كانت علاقات تشيخوف مع النساء غريبة كل الغرابة؛ فطيلة حياته لم “يرتبط” بأكثر من ثلاث أو أربع نساء، وحتى هؤلاء كانت العلاقة معهن غير مستقرة، غير مفهومة. وقد وصف نفسه في أكثر من مكان في رسائله وأحاديثه أنه ليس ملهوفًا على الجنس إطلاقا. وقد اضطر للانتظار حتى سن الثانية والأربعين، قبل موته بعامين، كي يقع في غرام الممثلة أولغا كنايبر من “مسرح الفن” الذي أسسه نميروفيتش-داشينكو وستانيسلافكي، والذي أخرج وقدم جميع مسرحيات تشيخوف. فالتعاون مع “مسرح الفن” كان بالنسبة له حبل النجاة ولولا هذا المسرح لتوقف تشيخوف عن كتابة المسرح بعد أول مسرحية له حيث أهين هو ومسرحيته وأضحى أضحوكة الوسط الثقافي. إلا أنّ نهج التمثيل الذي كان يختلف في هذا المسرح أعاد الثقة إلى تشيخوف وقرر كتابة المسرح لهذه الفرقة.
يمكننا أن نستدلّ الكثير عن أسلوب تشيخوف في الكتابة والتفكير عن الكتابة (وهو أسلوبي المفضل) إذا قرأنا هذا المقطع من إحدى رسائله للكاتب الروسي الشاب (آنذاك) جوركي، الذي كان قد بعث له بمخطوطات وطلب رأيه. يكتب له تشيخوف: “إنك تستخدم الكثير من الأوصاف بحيث يصعب على القارئ أن يقرر أيها يستحق اهتمامه بشكل خاص وهذا ما يتعبه. فإذا كتبت “جلس رجل على العشب”، فهذا المعنى واضح ومفهوم ولا يتطلب إعادة قراءة، غير أنه سيصعب عليك أن تتابعني بسهولة من دون أن ترهق دماغك لو أنني كتبت: “رجل طويل ذو صدر ضيق ولحية حمراء متوسط الطول جلس دونما ضجة وهو يسترق النظر حوله بتخوف وتوجس على رقعة من العشب الأخضر الذي داسته أقدام المشاة!” فالذهن لا يستطيع استيعاب كل هذه الأوصاف في الحال، والمهارة الفنية في الموضوع تتجلى فيما يمكن استيعابه وفهمه مباشرة وعلى الفور”. (ص 342) وقد أوجز هذا الرأي في رسالة لأخيه ألكسندر: “الإيجاز قرين الموهبة”. (ص 456)
كان تشيخوف كما تشهد رسائله ورسائل الآخرين والمحادثات التي وثقت، إنسانًا حادّ الذكاء وسريع الفطنة ومتقدًا بروح دعابة ساخرة ولاذعة، لكنه لم يكن كَلبيًا بالمرة مع الناس أيًا كانوا. كان أحيانًا يجلس لساعات يستمع إلى محادثات ضيوفه الكُثُر الذين كانوا يزعجون وحدته، يبصق دمًا من السلّ ويتحرق للكتابة ويبتسم لكل هؤلاء الغرباء ابتسامة واسعة.
حارب لأشهر طويلة في أيامه الأخيرة لكتابة آخر مسرحياته، “بستان الكرز”، وكانت زوجته الممثلة أولغا تحثه برسائلها على إنهاء المسرحية، حيث أنّ موعد العروض قد تحدد وهو لم يُنهها بعد. كانت هذه مهمته الأخيرة، إلا أنه ولأول مرة في حياته كان عاشقًا بحقّ وكان بُعده عن أولغا مصدر عذاب له لا يُوصف. كانت معنوياته ككاتب في الحضيض وهو يشعر بأنه يحتضر ببطء، وكتب لزوجته أولغا: “إنني بعيد كل البعد عن كل شيء بحيث أنني بدأت أحسّ بالقنوط. أشعر أنني انتهيت ككاتب، وكل جملة أكتبها تبدو عقيمة القيمة، ولا فائدة منها على الإطلاق”. (ص 469)
في الثانية عشرة والنصف ليلا من 3 تموز (يوليو) 1904 قعد تشيخوف في الفراش في منتجع معزول قرب برلين حيث كان مع زوجته، وطلب الطبيب. كانت هذه المرة الوحيدة في حياته التي يطلب فيها الطبيب. وعندما حضر قال له تشيخوف ببساطة بالألمانية “Ich sterbe”- “أنا أموت”. وقد رفض تشيخوف أن يرسل الطبيب في طلب أنبوبة أكسجين لأنه لا فائدة من ذلك، وبدلا من هذا جُلبت قنينة شمبانيا. “أفرغ كأسه ببطء وتمدد على جانبه الأيسر، وبعد لحظات قليلة توقف تنفسه وانتقل إلى عالم الموت بنفس البساطة التي طالما اتصف بها”. (ص 501).
لا يمكن للمرء أن يصف أهمية الانكشاف على حياة الكاتب الذي تحبّ. فجأة تفكّ الكثير من الرموز ويتضح الكثير من الصور، ويصبح نتاجه أكثر منالية ووضوحًا. لقد دفنتُ قبل أيام تشيخوف والآن أنا متحير كلّ الحيرة بين أن أبدأ بقراءة البيوغرافيا عن شكسبير، أم الاستسلام لأسبوع أو أكثر للرواية الأمريكية العظيمة “موبي ديك” من جديد وبعد سنوات طويلة من قراءتها…
لا أعرف، لم أقرر بعد، ولذلك أنا أقرأ حاليًا رواية ساحرة لإسماعيل كاداريه الألباني.

_________
“أنطون تشيخوف”. تأليف: هنري تروايا، ترجمة: حصة منيف، إصدار: المشروع القومي للترجمة، 2000

ليست هناك تعليقات: