الأربعاء، 2 نوفمبر، 2011

تبارك اسم الكوندوم



سأبدأ المقالة بالسّطر الأخير: تخلفوش كتير (أو بالمرة(!
فقد احتفل العالم، أمس الأول، بولادة طفل المليار السابع: الرفيقة دنيكا مي كماتشو دخلت التاريخ من أوسع أبوابه بمجرد إطلاقها لزعيقها الحادّ في توقيت حاسم. التاريخ ينتظر بطولاتها القادمة. لكنني أشك إذا ما كانت ولادتها بطولة ما أو حدثًا ذا فأل خير (على المستوى العام وليس الخاص. تتربى بعزّ أهلها). وكلمة عزّ هنا هي مربط الفرس: أيّ عز ينتظر الكوكب الأرضي مع عشر أو إثني عشرة مليار من الكائنات البشرية التي تدبّ على اثنتين (وتأكل وتتبرز مثل التي تدبّ على أربع)؟
جميع المؤشرات تدلّ على أننا كبشرية ماضون بسرعة كبيرة نحو انفجار سكّانيّ مُهلك. لقد بدأ الأمر في أفريقيا: أناس كثر وطعام وماء قليلان. إذا انهار الاتحاد الأوربي بعد سنتين مثلا (اللهم حافظ عليه، فلدينا بروبوزولات عديدة في الدُرج) فمن سيطعم مليارات الجائعين والمرضى والعطاشى؟ الغرب يدفع ضريبة استعماره الآن بمُسكّنات “إنسانية” فوتوجينيك، لكنها بالأساس حلول ووقاية يسعى من أجلها الغرب: فهو يطعم الجياع في بلدانهم كي لا يبدأوا الزحف باتجاه دُوله.
البشرية –كعادتها- غبية في المحصلة: حروبات ونزاعات وإهلاك قاتل لقطعة الأرض الصغيرة التي تقلنا منذ دهور سحيقة في رحلة كونية بلا خارطة. نتكاثر بلا وعي ونقول: الرزق على الله. المشكلة أنّ أحدًا لم يوقع عقدا معه بشأن المصروفات السنوية لإطعامنا. يسمونها “كوتا”. أين الكوتا أبا عيسى؟
الهندسة الوراثية التي تهدف لمضاعفة المحاصيل الزراعية تجعل من طعامنا مأكولات بلا طعم حاملة لوباء سرطانيّ محتمل سيحصد الأخضر واليابس. ما نحن بحاجة إليه اليوم هو “كيّ القرص الصلب” (بلغة الاحتلال الإسرائيلي الهايتكيّة) لمفهوم العائلة والتناسل والبقاء. فلنقل منذ اليوم: ابن(ة) -وربما اثنان- لا أكثر.
الكرة الأرضية ضاقت ذرعًا بنا: نلوثها كالمجانين ونمصّ خيراتها حتى الثمالة. نتركز في الصراعات المرحلية وننسى الصراع الأكبر بيننا وبين هذه المساحة المُعطاة الصغيرة من الأرض. نحن في مواجهة معضلة بسيطة جدا: كي يستمر الجنس البشري عليه أن يتقلص. بهذه البساطة. لا نريد (أنا على الأقل) 10 مليارات من الناس بعد عشرين سنة (على أكثر حدّ) فليكونوا سبعة مثل اليوم. فليكن عدد المولودين بعدد الراحلين. تحديد النسل الكوني هو أمر الساعة وملاذنا الأخير المتاح. لن ينفعنا “الآيفون سبعة” بعد عشر سنوات. هل سنأكل آبس بدلا من البندورة؟
هذه مهمة صعبة وأعتقد أنها شبه مستحيلة ولذلك يجب أن تكون دكتاتورية وقمعية. على كلّ دولة أن تجمع مواطنيها وتقول لهم: حسنا، لهونا كثيرًا وتضاجعنا كثيرًا، ولكن ردّدوا معنا الآن رجاءً بصوت واحد: ك..و..ن..د..و..م.. نعم بالميم وليس بالنون. الكوندوم هو مُخلص البشرية ولذلك يجب صنع بعض التماثيل له والدوران من حولها مرتين أو ثلاثا في السنة، فعدد سكان الأرض لا يسمح بموسم طواف واحد للجميع.
يا عمال العالم خلصوا برّه!” هو شعار المرحلة؛ تبّتْ يدا (وخصيتا) المخالفين ولتقع عليهم أقصى العقوبات. وإذا كانت البشرية بحاجة إلى “ستة-عشرة” أبناء وبنات في السّابق للفلاحة وكسب الرزق (والطوش الحمائلية)، فما الحاجة اليوم لثلاثة أو أربعة أو خمسة أطافيل؟ من يستطيع اليوم تعليمهم وتربيتهم وتنشئتهم كبشر منتجين ونافعين في ظروف الحياة الراهنة؟ ماذا سيأكلون وأين سيتعلمون وأين سيسكنون (هم وأزواجهم وأطافيلهم)؟
قد يبدو تحديد النسل القسري أمرًا غير ديمقراطي ولكن لا بأس- فلتذهب الديمقراطية للنوم في هذه المسألة، لا يهمّ؛ قليل من التعسفية تنقذ حياة الإنسان. لا مجال للالتماسات الآن وعلى جمعيات حقوق الإنسان أن تصمت في هذه المسألة وإلا فإنّ ناشطي حقوق الإنسان المرفهين سيضطرون بعد عشرين سنة لمشاركة الناس الذين يدافعون عنهم طعامهم وأسرَّتهم. بيناتنا: هل تريدون ذلك حقا؟
أخواتي وأخواني: توقفوا عن الإنجاب مثل الأرانب؛ فكروا بأطافيلكم والمستقبل الأسود الذي ينتظرهم. تذكّروا أحد الكليشيهات التي تحبّون تردادها بسطحية عابرة: الكيف لا الكمّ. خزّنوا طاقاتكم ووفروا مجهودكم لليلة واحدة ناصعة، تحتفلون فيها مع الأصدقاء والأحباب، تعلنون فيها: الليلة سنزرع ثمرة حياتنا وسنهتم بأن تكون متفرّدة وجميلة ولا تتكرر.

(ملاحظة من أجل النزاهة: محسوبكو شارك في إنجاب دُشة وإم الدشة مُصرة على ولد آخر، لكنني أرفض بتعنّت. لا أعرف إلى متى سأصمد. تقبل التبرعات بالفيزا والشيكات…)

الأحد، 26 يونيو، 2011

“لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”


نتآمر، دُشَّة وأنا، فنسرع إلى غرفة النوم. أحملها فتقف على الفرشة الواسعة وأعُدّ: واحد، تنين، تلاتي… تبدأ بالضحك بعد كلمة “واحد”، ثم ألقي بها إلى الخلف لتقع على المخدّات واللحاف فرِحةً صارخة. ثم تبدأ وصلة “الجَّحشَنة” التي لا تنظر إليها أم الدُشة بعين الرضا. لكننا –دُشة وأنا- نحبّها حبًا جمًا. نتصارع، نعضّ، “نُزغزغ”، نطرب فرحًا وضحكًا عند القيام بالحركات التي تحبّها الدُشة الممتلئة طاقة. في مثل هذه اللحظات أشعر بأنني خارج نفسي، خارج حدود المرئيّ والمسموع؛ أشعر بأنني ضيفٌ سعيدٌ مُرحَّب به في بساتين دُشة اللامتناهية.

دُشة صديقتي الحميمة. عمرُها الآن السنة ونصف السنة ورغم ذلك فإنها تشاطرني ساعات البيت بعد العمل، مثل رفيقة مخلصة. أفرش لها الطعام مرتيْن (على الأقل) قبل أن تنام. دُشة تحبّ الطعام. عندما أسألها “هَم؟” تبدأ بالركض صوب المطبخ والهمهمة بفرح: “هَم! هَم!”. دُشة أخذت مني شهيتي وكرشي وجبهتي الواسعة (أنا أدّعي أيضًا أنها أخذت مني العينين والخدّين والشعر وكل ما هو جميل فيها، ولكنني سأمتنع عن مثل هذه التصريحات لأنها تغيظ آل بكر أجمعين، وخصوصًا أم الدُشة).

دُشة تحملني على شحذ ذهني دومًا؛ فهي ممتلئة بالطاقة والحركة، تملّ بسرعة، تحبّ التشويق والتغيير والبحث الدائم. ترفض التكرار ولا تحبّ منه إلا ما يُضحكها- وحتى ذلك إلى حين. أضطرّ إلى مجاراتها في كلّ هذا، أنا الرّوتينيّ المنهَك دومًا من الروتين. أتذكّر الغناء فجأة، فأغني لها. أحبّ أن أغني لها “هالأسمر اللون” (بصيغة سناء موسى). وفي أحيان كثيرة أتذكّر صوت إم الدشة وهي تتحسّر: “ولك البنت رح تطلع خرسا إزا بتضل معك!” (دلالة على إقلالي في الكلام)، فأبدأ بالحديث معها وهي تجلس في العربة الخضراء وأنا أدفشهما في منتصف شارع بن عامي في عكا، فأسألها عن صحتها وعن رغبتها في الشرب أو الأكل، لأكتشف أنها نائمة بابتسامة سعيدة.

دُشة تعلمني الرسم من جديد. أتذكر أنني أحمل اللقب الجامعي الأول في الفنون الجميلة، رغم أنني اعتزلت الفن فور حصولي على الشهادة (وهذا كان من أجمد وأنجح القرارات التي اتخذتها في حياتي). نشتري لها الألوان والدفاتر الكبيرة ونتبطّح على السّجادة في الصالة ونرسم معًا. كرمالها تعلمت من جديد أن أرسم الأبقار والزّرافات والكلاب والدِّيَكة والشجر. ثم اكتشفتُ أنها تُحبّ أن أرسم نفسي لها، فلا تخلو جلسة رسم من بورتريه شخصي لي، يثير ضحك دُشة، خصوصًا عندما أرسم النظارة المربعة فوق العينين. تضحك باسمة ثم تصيح: “بابا”. فأذوب.

دُشة عكية حقيقية: جميلة، ذكية، قوية، جدعة، مشاكسة، عنيدة، مْحَصْنِة. ابنة السّاحل بجدارة، السّاحل الذي يحوّل سُكانه إلى “حربوقين” وجدعان، يرطنون بلغات الكون المطلوبة للتجارة ويطوّرون العادات اللازمة لمدن الساحل من الاختلاط بالأغراب واعتماد حياة الصيد (على جميع أنواعه!). أب دُشة فلاح بلا أرض ونازح بلا فخر، وأمها ساحلية تعمل ببطاريات دوراسيل، ودُشة تفوقنا الاثنين معًا- وبجدارة. إنها قنبلة طاقة، تستفزّ الجّسد الصّدِئ والنفس الهادئة (أو المُستسلمة). دُشة زنبرك الحياة ومَكُوكها، ومن لا ينضمّ إلى إيقاعها سيخسرها في برهة.

دُشة بدأت تتكشف عن ولع بالأحذية. مؤخرًا، صارت تدور في البيت حاملة حذاءها الصيفي الفضي، وتبرطم وحدها وهي تبرم فيه بالبيت. في البداية اعتقدتُ أنها صارت تحبّ الأحذية لأنها ترمز إلى إحدى الكلمات المفضلة عندها: “باي”. وباي هذه ترمز بكلّ وضوح إلى مشوار طارئ بعد الظهر أو إلى المشوار اليومي الصباحي إلى بيت حاضنتها، أم شادي. دُشة تحبّ أم شادي كثيرًا، وأم شادي تحبّ دُشة كثيرًا. وأية كلمة “باي” ترتبط عند دشة فورًا بأم شادي. لكنني –والحديث الآن عن الأحذية- أعتقد أنّ دُشة بدأت تطوّر العلاقة الحميمة المعروفة بين النساء والأحذية، منذ الآن. على هذا المنوال ستنتف البنت حاجبيْها الكثيفيْن بعد شهرين!

دُشة قوية حتى الفزع. عندما ننزل سوية مع الطابة للعب في الساحة الكبيرة المحاذية للمنزل، تستولي عادة على طابات الأولاد الآخرين الذين يكبرونها سنًا وحجمًا. في المرة الأخيرة اختطفتْ طابة التوأميْن ابني الثالثة أو الرابعة وبدأت تركض نحو البيت. بالكاد أمسكتها وأعدتها إلى السّاحة وهي تصرخ وتعربد، ولكنها أصرّت على احتضان الكرة والنظر بشكل مخيف صوب التوأمين وهما يُمسكان ببنطال والدهما بجزع بادٍ. مثل هذه المواقف تثير خوفي من قوة هذه الابنة، لكنها في الوقت نفسه تثير فرحي لأنّ ابنتي قوية. مثل هذه الحياة الخرائية بحاجة إلى عكية أصلية كدُشّة.

لم أكتب لدُشة أو عنها منذ المقالة الوحيدة التي كتبتها بعد ولادتها بشهر. كنتُ مشغولا حتى الآن بالتعلم، بدراسة طباعها والمهام المَنوطة بها. لقد سرقتني دُشة حتى نسيتُ الوعد الذي قطعته على نفسي بحرارة: أن أكتب لها وعنها كلّ شهر على الأقل (كنت رح أقلعِطكو). لقد تبخّر هذا الوعد وظلت دُشة حاضرة مثل قصيدة لا تنتهي، وأنا “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”. أريدها فوّاحة مُزدانة أبدًا، ولتذهب جميع النصوص الأخرى إلى الجحيم!

دُشة ساحرة فاتنة. عيناها باتساع الفرح كله، خدّاها كاحمرار المشمش البلدي في تموز، رموشها بغزارة الحبّ الأول. لها في العينين بريق أخّاذ، ساحر آمِر. هل يُسمّونه الكاريزما؟ فليكُنْ. شهية مثل الكرز الجِّشّيِّ. دُشة جميلة حتى الألم. سعادتنا بها أكبر من أيّة أبجدية. أكتب الآن لأنني سعيد بها حتى البكاء. لم أكتب لأنني سعيد، منذ قرون غابرة!

إنها نائمة الآن. عصرية يوم السبت القائظ هذا هزمت طاقتها التي لا تنضب، لكنني أعرف أنها ستستيقظ بعد قليل بهمّة أكبر، وعلي أن أجهّز منذ الآن لائحة الطعام حتى نومها، وتفاصيل الترفيه. سأتمشى معها إلى البحر. إنها تحبّ البحر كثيرًا. سنعرّج عند أشرف في مقهى “رزاز”، مقهى الدُشة الرّسمي وستكرع كوبًا كبيرًا من البرتقال المعصور الطازج. ثم ستركض وراء ظلها على الكورنيش مثل حورية. أعرف أنني أبوها، وكلّ أب سيقول الكلمات بعينها عن ابنته. وسيزيد. أعرف أنني لستُ موضوعيًا، ولن أكون، أعرف. لا بأس. يحقّ لجميع الآباء في العالم أن يتغزّلوا ببناتهم كما أفعل، وسيكونون مُحقين مثلي تمامًا. أعرف كل هذا، ولكنّ ابنتي أجمل وأشهى (سمايلي).

الخميس، 7 أبريل، 2011

عند خط التماس المستحيل، بينكَ وبينكَ

لقد مات جوليانو واقفًا. مثل الأشجار ومثل برقوق نيسان. لم ينحنِ ولم يُهادن. كان على المرء أن يتابع تفاصيل المسرح اليومية كي يعرف حجم العناد الذي تتطلبه حياة مثل حياة جول. أن تنتقل مع عائلتك إلى مدينة أخرى خارج الراحة الإسرائيلية التي كان من السهل جدًا أن يستسلم لها نجمًا في مسرح "الكاميري" أو بطلا في الأفلام السينمائية الإسرائيلية



"أنا لن أخرج من جنين إلا بطلقة في رأسي"- قال جوليانو خميس في الاجتماع الليلي المتأخر الذي جمعَنا هو والمخرج أودي ألوني وأنا. منذ أشهر عديدة نعمل على فيلم روائيّ طويل تحت عنوان "أنتيغونا في جنين". قصة مُمثلة من المخيم في المسرح تلقى حتفها في النهاية لأنها لم ترضَ أن تعيش وفق ما يطلبه المجتمع منها. وها هو بطل الفيلم يُقتل قبل بطلته.

كان جُولْ (هكذا نسمّيه تحببًا) يعي التهديدات التي عليه وعلى المسرح، لكنّ المثير لديه أنه كان يفكر بعقلية صاحب البيت، وليس بعقلية فنان ضيف من "الداخل" جاء ليساعد أبناء المخيم وسيمضي لاحقًا إلى شؤونه. هذا هو الفارق الصغير-الكبير الذي لا زال يفصلنا جميعًا عن جول. بيته في جنين ملازم لبيت رفيقه وصديقه زكريا زبيدي، وفي هذا البيت نمْنا وتناقشنا حتى الإنهاك. كان مشغولا بما يحدث في فلسطين وبحملة المقاطعة ضد إسرائيل، التي كان هو وألوني من رموزها المعروفين. يحلل الواقع من وجهة نظره الثائرة دائمًا، يدور في البيت كأسد هائج، يحمل ابنه "جيه" ويُهدهده وهو يصرخ عليّ وعلى أودي: "عن أيّ أفق تتحدثان؟.. ما هذه السذاجة؟!"

لكنه كان ساذجًا في حبّه للمسرح وللمخيم لدرجة الخيال أحيانًا. يروح ويجيء بسيارته الحمراء المعروفة التي قتل فيها، يتوقف في الأزقة، يمازح ويقبّل ويحتضن. "جول مِننا" يقول الشباب من حوله وهو يصرّ على التنكيت على العرب واليهود، فيبادلونه الضحك. جول "يهودي فلسطيني" صافٍ ونقيّ. إنه من أوجد هذا المصطلح بحذافيره. لم ينسَ يومًا أنه ابن آرنا اليهودية (اليسارية، المناضلة) ولكنه لم ينسَ أنه ابن صليبا خميس (المناضل). كان يراوح بينهما، ويبحث بصمت ومن دون كلمات عن مكان ينتمي إليه. تل أبيب لم تعد 
خيارًا، وخياراته في الداخل أيضًا تقلصت.

إنه ذئب وحيد، عاش وحيدًا في داخل أسئلته وانتماءاته، وقُتل وحيدًا أمام مدخل المسرح الذي بناه بالدّم والفرح. في الأيام الأخيرة كان يواجه أزمة كبيرة مع بلدية جنين ومحافظها حول المبنى الجديد للمسرح الذي بناه في مركز المدينة. منعوه لدواعٍ تخطيطية من الاستمرار، ولكنه في ابتسامة واحدة (مغيطة جدًا) قال لنا ببساطة: "مش مهم، أنا بعرف قطعة أرض أحسن..." هكذا، يعرف قطعة أرض أفضل لبناء المبنى ثانية!
لقد مات جوليانو واقفًا. مثل الأشجار ومثل برقوق نيسان. لم ينحنِ ولم يُهادن. كان على المرء أن يتابع تفاصيل المسرح اليومية كي يعرف حجم العناد الذي تتطلبه حياة مثل حياة جول. أن تنتقل مع عائلتك إلى مدينة أخرى خارج الراحة الإسرائيلية التي كان من السهل جدًا أن يستسلم لها نجمًا في مسرح "الكاميري" أو بطلا في الأفلام السينمائية الإسرائيلية.

كان يرى في مشروع الفيلم الجديد عصارة له، لتجربته، لما يرغب بقوله للعالم ولمخيم اللاجئين في جنين. فهذا الفيلم استمرار لمسرحه الشقيّ، الشجاع، العنيد الذي أصرّ على صنعه. قبل سنة أخرج "العذراء والموت" لمسرح "الميدان" في حيفا وخرجت من بين يديه مسرحية عاصفة، ملتهبة، صافعة مُدويّة. ثم أخرج قبل أشهر قليلة قصة "أليس في بلاد العجائب" ليحوّلها إلى قصة فتاة من جنين يجبرها أهلها على الزواج فتجد خلاصها ومهربها في عالم العجائب. لقد كان هاجس المجتمع يسيطر على كلّ ذرة منه. كنا نصرخ متفقين في الثالثة صباحًا وزكريا زبيدي معنا: لا يمكن تحرير الأرض من دون تحرير الإنسان! كان هذا ما أخافهم، أخاف قوى الظلام (كانوا من كانوا) التي رأت في المسرح والسينما "بدعة" وداسوسًا على المجتمع الفلسطيني.
لقد حاولوا في السابق أن يحرقوا مسرح "الحرية" ثم قبل أقلّ من شهرين أن يحرقوا سينما جنين. إنها حرب ضروس على طابع وهوية الفلسطينيّ الذي نريده لأنفسنا. نحن ندير معركة شرسة ضد الاحتلال والصهيونية، ولكن معركتنا الاجتماعية لا تقلّ ضراوة. علينا أن نجاهر بذلك، علينا أن نقول إنّ مناضلا مثل جول مات على مذبح فلسطين، ولم يمت لشأنٍ أقلّ أهمية من محاربة الاحتلال: لقد مات في حربه على مستقبلنا جميعًا، وهو لذلك شهيد للحرية.

قد يضحك جول الآن من هذه الكنية، هو الذي لم يستسلم في حياته لأية تسميات شعاراتية أو مبالغ فيها. في إحدى جلساتنا في مطلع السنة، قلنا له، أودي وأنا، إنه يقوم بأهم عمل ثقافي وسياسي في فلسطين التاريخية منذ الانتفاضة الثانية. ضحك بخجل. كان يضحك بخجل حين تُسمعه إطراءً ويغيّر الموضوع فورًا. ولكننا لم نسمح له هذه المرة. كان يهمّنا أن نقول له ذلك، أن يسمع هذه الكلمات منا وقتها، لأنه كان على شفا الانهاك. الإداريات الصعبة والتهديدات ومشاكل البلدية كلها بدأت تؤثر عليه، لكنه قبل شهر أو أكثر استقبلني بمرح كعادته وسألني فورًا من دون مقدمات: "بتستحيش على حالك تيجي كل جمعه من عكا ومتجبش سمك لأهل المخيم؟.. إنتي وطني إنتي؟"

لم أجلب سمكًا بعد لأهل المخيم، ولا أعتقد أنني سأجلبه لهم قريبًا. إنكسر فيّ (وربما فينا) بعض من الحنين الفوريّ غير المشروط للمخيم. أعرف أنه سيعود، لا شكّ، ولكننا الآن مثل الأب الغاضب على ابنه البكر لأنه آذى الابن الصغير. يحبّ الاثنين، و"يكره" الأول لساعات قليلة، ولكنه سيغطيهما بنفس الغطاء في الليل وسيقبّلهما نفس القبلة.

أقبلك جول لأنك أنرتَ لنا الكثير وكشفت الكثير من عوراتنا في سعيك المستمرّ والحثيث على خط التماس المستحيل، بينكَ وبينكَ. وها نحن الآن، نجهّز لمراسم دفن صديق آخر، مناضل آخر، فنان آخر، وسننكمش على أنفسنا أكثر. لقد انكمشنا بما فيه الكفاية في السّنوات الفلسطينية الأخيرة حتى تضاءل حلمنا حجمَ بذرة خردل. لكنك جول (المولود في يوم النكبة، المقتول في يوم قتل مارتن لوثر كينغ) زرعتَ فينا بدلا منها بذرة عباد الشمس، كي لا نتوقف عن النظر إلى الشمس واحتضان وجهك فيها.

الأحد، 6 مارس، 2011

بلاكبيري والخمسمئة دقيقة: Talkin’ To Me؟؟

عندها اقترب مني فخري وهمس لي بالجواب الذي يشرح سياسة الشركة في هذه الحالة، وجعلني أحلف ببُرداية معمر القذافي البنية بأنني لن أخبر أحدًا بالأمر، وإلا فصلوه فصلا مُميتًا، مما يقد يعني اندلاع نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان


مع أنني نادرًا ما أتحمّس للتجديدات والاختراعات التقنوية التي تغزو حيواتنا يومًا إثر يوم، إلا أنّ أناقة وفخامة ووسامة جهاز البلاكبيري (BlackBerry) أسرت لُبي، فاصطحبت المدامَ برأيها الرّشيد، لتراقب وتفحص وتحارب، فرأت واطمأنّت، ثم قالت: يدخل بيتي بسلام- فدخل.

والحقيقة أنّ الصدمة التي استولت عليّ جراء حمل جهاز مُعقد كهذا في جيبي تراجعت فورًا لتحتلّ محلها صدمة استهلاكية من نوع آخر، كُنهها المفارقة، والسخرية قدرها. فحين جلستُ إلى الرفيق (العربي) في شركة “بيليفون” (الترجمة من العبرية: مصّاصو الدماء) علمنا في بُرهة-سُرعة- ومضة البرق أنه صديق أخي، وأنه يعلم أنّ أحد المسؤولين الكبار في فرع الخدمات الذي كنا فيه واحد من أنسبائنا اللزم، ويعلم أيضًا أنّ عليه اقتراح أفضل الرّزم الموجودة في الشركة على الإطلاق، وإلا اشتعلت نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان.

قال لي الرفيق فخري (كرّم الله قميصه الأبيض البيليفونيّ الناصع): سأعطيك رزمة لم تحلم بها. وأنا صدّقوني، سوى الأرق المزمن الملازم لي منذ ليالٍ طويلة، لا أحلم إلا بكنبة صغيرة في مكتبي أضعها للاستلقاء ظهرًا، أو بتلفزيون قديم أنصبه بقربي في شارع البنوك وألعب عليه بلايستيشن معظم النهار. لكن فخري أصرّ وكشف تفاصيل الصفقة: جهاز بلاكبيري 9300 على سنٍّ ورُمحٍ؛ 1200 دقيقة اتصال لكلّ الشركات في الشهر؛ 1200 إس إم إس لجميع الشركات في الشهر؛ ورزمة إبحار في الإنترنت بسعة 2 غيغابايت في الشهر- وكل ذلك بـ 280 شيكلا شاملة لضريبة القيمة المضافة!

ورغم أنني جاهل أشدّ الجهل بعالم الخليويات وأصوله ولا أعرف النقاش أو المطالبة بأية أمور في هذا المجال، كما يفعل نزار طيلة النهار، إلا أنني شعرتُ وهو يشرح لي بأنّ هذه صفقة أخت شَليتة. ومما زاد من تأكدي اللكزة التي تلقيتها من كوع المدام فوق الطحال مباشرة، حيث لم أكد أنظر إليها متألمًا حتى ابتسمت ابتسامة عريضة وواسعة، أذكر أنها لم تبتسم لي مثلها إلا عندما تحشّرتْ بي وقتها في مكتب “عدالة” القديم في شفاعمرو، وهي تسألني بجانب ماكينة التصوير: إنتي جديد هون؟

والآن إلى المفارقة التي وعدتكم بها في أول المقالة: اتضح لعبدكم الفقير، وبعد تكتكات سريعة داهمة من الرفيق فخري، أنّ شركة “بيليفون” تكرهني أشدّ الكراهية كزبون، حيث أنّ معدل استخدامي للهاتف المحمول بلغ 170 دقيقة حكي شهريًا و160 إس إم إس لا غير! أي أنني بالكاد أتحدّث 6 دقائق يوميًا في هاتفي النقال وأبعث 5 رسائل نصية.

بعد أن نظر إليّ فخري من فوق لتحت، ومن تحت لفوق، بنظرة تعني “في منك على شوكالاطة؟”، قال إنّ هناك مشكلة جدية! اللكزة الثانية من المدام لم أفهمها ولكنها هدّدت هذه المرة سلامة الكلية اليمنى. قال فخري عزّ وجلّ: لازم تحكي 500 دقيقة بالشهر وإلا رح تدفع 80 شيكل بالشهر زيادة على الـ 280. لم أفهم في البداية، ولما أعاد تلاوة ما تيسّر من سورة الرّينغتون، سألتُه: بس ليش؟ مش من مصلحة الشركة أحكي أقلّ في قلب الرزمة؟… عندها اقترب مني فخري وهمس لي بالجواب الذي يشرح سياسة الشركة في هذه الحالة، وجعلني أحلف ببُرداية معمر القذافي البنية بأنني لن أخبر أحدًا بالأمر، وإلا فصلوه فصلا مُميتًا، مما قد يعني اندلاع نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان.

بعد أن خرجنا من مركز الخدمات وأنا متسلح “بثمرة العليق السوداء” (BlackBerry) شعرتُ بالورطة الحقيقية: من 170 دقيقة في الشهر عليّ أن أطوّر مقدرات كلامية تفوق الـ 500 دقيقة (وأنا حتى لا أفكر مجرد تفكير في الـ 1200 دقيقة المتاحة أصلاً)! فجأة شعرتُ بركبتيّ تضعفان: هل سأضطر إلى التحدث إلى الناس من الآن فصاعدًا بدلا من بعث إيميل أو إس إم إس؟ يا إلهي: 500 دقيقة في الشهر!!

وعليه، أصدقائي ومعارفي وكل من يملك رقم هاتفي، هذه دعوة مني صادقة وحقيقية: من يرغب بالتحدث معي هاتفيًا أرجو منه أن يرسل لي رسالة نصية بكلمة واحدة: “إحكيني” (Talk To Me!)، وسأبادر للاتصال بكم على الرّحب والسّعة.

ألم أعدكم بمفارقة؟… هل بلّغت؟ اللهم فسَمِّسْ (وبرجعلك)!

الأربعاء، 26 يناير، 2011

الكاتب كمخلوق أُمّيّ

(زوروا موقع قديتا)

إليكم بهذه المعضلة: كلما وجدت نفسي منغمسًا في العمل على مشروع جديد (مجموعة قصصية، رواية، مسرحية، فيلم، لعبة محبوسة) تحوّلت إلى أمِّيٍّ لا يقرأ ولا يعي ما يدور حوله؛ إذا كانت الكتابة انغماسًا حتى النخاع في الدنيا وقضاياها وتفاصيلها، فكيف يكتب المرء وهو منقطع عنها؟

قبل قليل سألني نايف، زميلي اللدود في مكتبي نصف-الجديد، إذا كنتُ قد رأيتُ كشف “الجزيرة” أمس حول محاضر المفاوضات السّرية بين إسرائيل والفلسطينيين، وأجبت فورًا: نعم. لكنني بعد برهة تذكرت أنني لم أشاهد “الجزيرة” ليلة أمس، ولا الليلة التي قبلها ولا التي قبل تلك (لأسباب كثيرة، أهمها أنني تعبت من مشاهدة “الجزيرة” مؤخرًا، فالشعور الذي يرافقك طيلة المشاهدة أنّ عليك الآن لبس طنجرة على رأسك والإمساك بالشُّوبَك المدوّر وإرسال زوجتك وطفلتك إلى الملجأ). لقد قرأتُ عن الموضوع في خبر “هآرتس” الموسع هذا الصباح. في كل ليلة أعود إلى البيت منهكًا من ضغط موعد تسليم مسودة الفيلم، وفي التاسعة مساءً ودقيقتين أجد نفسي ملقيًا على الكنبة في الصالة أشاهد فيلمًا لا أتابع أية كلمة فيه وأنا بين النوم واليقظة، أو كما نقول في القرية: “عيوني عم بتناكحوا” (طبعًا باستعمال الفعل الصريح والمشبرح).

أشحط نفسي للنوم وأنا أتجنب نظرات أنطون تشيخوف: اشتريت مجموعته الكاملة قبل فترة ولم أقرأ للآن إلا الكتاب الأول “القصص القصيرة”. وقد وعدت نفسي بأن أكتب مقالة مطولة عن الكتاب للموقع لكنني لم أكتب المقالة ولم أتقدم في قراءة الأجزاء الأخرى أيضًا. أشعر بالخجل من الرفيق أنطون. أمرق بجانب كتبه وأغضّ الطرف، كما أنني أغضّ الطرف عن مجموعة أخرى لتولستوي وكتاب “موبي ديك” بترجمة جديدة، وكتابين ثلاثة لهامنغوي، ودواوين شعرية أهداني إياها شعراء عرب التقيتهم في سفراتي الأخيرة، كما أغضّ الطرف عن بعض الأفلام “النوعية” التي تنتظر من أشهر أن أفضّ نايلونها لأشاهدها، بعضها لفليني والآخر لهيتشكوك والبعض لمخرجين روس.

منذ شهر أو أكثر وأنا أُمِّيٌّ، لا أقرأ ولا أتابع؛ أسير مثل الشبح بين الكتب ولا أكاد أقرأ خبرًا في الجريدة لأكثر من فقرته الأولى. أعتقد أنّ خبر المحاضر السرية هو الخبر الوحيد الذي قرأته بالكامل (مع التعليق المرافق) منذ أشهر طويلة. حياتي مليئة بالنصوص: المئات منها تصل الموقع كلّ شهر؛ أقرأ معظمها وأهمل بعضها؛ أتابع ما ينشره الزملاء في الموقع وما يحرّرونه وحتى عندما أكون “منطفئًا” من التعب، إذ أحسب حساب سؤال قد يبغتني حول مادة ما وردت في الموقع ولم أقرأها؛ يا للفضيحة عندها: رئيس تحرير الموقع ولم تقرأ المقالة؟

النصوص: كلمة بعد كلمة، حرفًا بعد حرف. تتزاحم في الذهن لبرهة ثم تنسحب مخلفة دمارًا في خلايا الذاكرة لا يُرمّم. على المرء أن يحسب ألف حساب لكلّ خلية ذاكرة في مخِّه، خصوصًا عندما يتجاوز الخامسة والثلاثين وآلاف الليترات من الكحول ومئات اللفائف من الماريحوانا. يجب على المرء ألا يسمح بدخول أيّ نصّ إلى مُخه ما لم يكن جديرًا. لكن الطامة (واللطمة) أنك لن تعرف مدى جودة النصّ إلا بعد قراءته. ناهيك طبعًا عن النصوص التي يجبرونك على قراءتها مثل لافتات الشوارع والبانرات في المواقع الإنترنتية والمواقع نفسها في الغالب. عليك أن تكون حذرًا في كمية النصوص التي تسمح لها بغزو دماغك، وإلا صرت مثلي: ماكنة تستقبل النصوص من هنا وتطلق سراحها من هناك، من دون أيّ تأثير يُذكر، سوى إنهاك خلايا الذاكرة. يعني مثل كتب باولو كويلو التافهة.

هل علينا أن نقرأ لمن نحبّ فقط وبقدر مقبول ليس إلا؟ هل نلبي نصيحة لوقيوس أيناوس سنكه حين طلب من كاتب شاب، وببساطة: “لا تقرأ إلا للمؤلفين المُمتازين. وعندما تشتهي التوجّه إلى شخص آخر، عُد إلى ما قرأته في السّابق”؟ لا شك أنكم رأيتم فيلم “روائع العقل”، الذي يروي قصة العالم العبقري. في الكتاب الذي شكل مصدر وحي للفيلم جاء: “لم يدافع ناش عن أفضال القراءة، فهو يؤمن بأنّ التعلم الزائد من مصدر ثانٍ سيقمع من حسّه الإبداعيّ والأصيل”. لكن اللورد جورج بايرون يخالف هذا الرأي كلية: “لو كان بمقدوري أن أنشغل بالقراءة دائمًا، لما كنت سأشتاق للمجتمع”.

أشعر بالذنب لأنني لا أقرأ ما أريد. أقرأ الكثير من النصوص المهنية والمتعلقة بالترجمات والعمل، لكنني لا أجد الوقت لرفع رجليّ على الطاولة وإشعال سيجارة دافئة والاستسلام للصفحات المتتالية. ومع ذلك أجد عزائي في مارك توين، الذي أتحمّض لقراءة روايته الخالدة مجددًا، إذ قال: “الإنسان الذي لا يقرأ كتبًا جيدة ليس أفضل بشي من الإنسان الذي لا يعرف القراءة”.

الآن: سأعود إلى العمل. لديّ نصّ مُملّ للترجمة!