الأربعاء، 25 أغسطس، 2010

الطريق الصواب

نشر موقع “يديعوت أحرونوت” الإلكتروني، صباح اليوم الأربعاء، خبرًا حول قيام 4 شبان من طمرة في الجليل باختطاف وتعذيب وضرب قريب لهم من العائلة يبلغ من العمر 19 عامًا، وذلك لأنه لم يرتدع عن كونه مثليًا جنسيًا!

ويقول الخبر الذي نشرته بعض المواقع العربية إنّ الشاب تعرّض لعدة أيام لتهديدات هاتفية من طرف الشبان الذين لم يعجبهم أنّ ابن عائلتهم قرّر الانتقال إلى تل أبيب وممارسة حياته الجنسية والعاطفية والاجتماعية كما يرغب ويريد، بل شعروا بالإهانة ربما في البلد، خصوصًا إذا كانت شلة أخرى من الشبان قد عايرتهم في “القهوة” وهم يشربون الأرغيلة: “روحوا ضبوا ابن عمكو (أو ابن خالكو) الهومو”…

إنها الوصاية الأخلاقية التي يعتقد المجتمع العربي المنغلق أنه يتمتع بها على أفراده. مجتمع قبلي ورجعي يحاول أن يحرس أبناءه وبناته ليلَ نهارَ؛ يهتمّ بألا يخرج أحدهم عن التلم أو “الطريق الصواب”. والطريق الصواب المرسوم لهذا الشاب من طمرة معروف: ثانوية، جامعة أو قصارة، تعمير بيت، التزوج من بنت 18 عذراء، إنجاب 5 أولاد في 5 سنوات، العمل مثل الحمار، تزويج الأبناء والبنات وبناء البيوت وشراء الجهاز ثم التقاعد على “سطيحة” البيت وحمل المسبحة ولعب الشيش بيش حتى القبر. أعتقد أنه أحسن فعلاً عندما رفض هذا الخيار البائس!

ولكن أن يتجرّأ أحدهم، فيتمرّد على هذا المسار وينتقل للسكن في تل أبيب (تل أبيب كملاذ وحيد)، كما فعل الشاب المخطوف، ويختار درب حياة مستقلا بعيدًا عن القرية، فهذه وقاحة “وسيابة” و”انحلال” لا ثانيَ له! وسنقول في سبيل تبسيط وتسطيح المعضلة إنّ بعض المتفهمين سيتفهمون عملة شبان العائلة النشامى، لأننا “شعب حامي ومحافظ”، والجميع كان سيطبل لهم ويزمر لو أنّ هذا الشاب مثلا ظلّ في القرية ومارس نزعاته وميوله. ولكنه خرج منها ورحل بعيدًا- أليس هذا كافيًا كي تتركوه وشأنه؟؟ نسأل من باب التبسيط الشعبوي.

وهكذا، سيدور الحديث الآن في الصالونات والمقاهي والكوافيرات حول بعض المآثر التي نعرفها: “هني بطلعلهنش يعملوا هيك أكيد، بس خيتا بتعرفي هوي شو بعمل؟”؛ أو: “رفعوا راس البلد”؛ أو: “هاي عاداتنا وتقاليدنا وشرفنا”؛ أو: “منيح اللي علموه درس. وينتا طالعين الشباب من الحبس؟ لازم نزورهن”.

وسيتلخبط الليبراليون المحافظون في أحزابنا وجمعياتنا: “نعم إكس ولكن واي؛ يمكن زد ولكن سي؛ فكرك صاد بس عين؟… إحنا مع شين بالتأكيد، ولكن شو مع طاء؟” وكالعادة، سيتخربط هؤلاء وسيغرقون في تفاهتهم وانفصام شخصياتهم المُزمن في كل ما يخصّ مواجهة المجتمع داخليًا.

وهذا الشاب الطمراويّ؟ يخطفونه عنوة برشّ غاز الفلفل عليه وعلى صديقه في وضح النهار ويشبعونه ضربًا. هل اعتقدوا أنه إذا أكل قتلة سيشعر فجأة بحبّ جارته ابنة الـ 17 عامًا وسيتزوجها مع سحجة لموسى الحافظ؟
؟

Pub الحارة



(نُشرت المقالة في موقع "قديتا.نت")

لا يختلف التأثير الذي يخلفه مسلسل “باب الحارة” عن التأثير الذي تخلفه سكرة كحولية: غيبوبة وعي وتفكير. يتحول السّكير بعد بطحة العرق إلى إنسان سهل، طيّع، خالٍ من القدرة على الحُكم المعرفي أو الخاصّ بالوعي- وهكذا أمتي، تتحوّل إلى مستهلكة لاجترارات ضحلة وغبية عن زمن ولى كان يجدر تناوله بمنظار نقديّ وتاريخي، وليس بالتمحّن على شوارب معتز ليلَ نهارَ.

لقد حاول البعض سابقًا الترويج لمسلسل المُبحلقين (شفتوا كيف بضلهن يبحلصوا؟) على أنه يروّج للنخوة العربية والتقاليد والعالم العربي المفقود في معمعان الراهن المعاصر. وكم كانت هذه المحاولة ممجوجة من أصلها؛ فالرائي لهذه التفاهة يلاحظ مستوى التمثيل الغبي (لم استعمل “هابط” عن وعي؛ إنه تمثيل غبيّ!) والإخراج التقني الذي يعتمد على حركة كاميرا مرسومة سلفا لدرجة الانتحار مللا: “وايد”، زوم إن، تِلتْ، ثم زوم إنننننن على وجه أحدهم، شريطة أن يكون ذا شوارب.

ناهيك عن أنّ الاستنتاج حتميّ: إذا كانت أيام زمان هيك فأهلا بالاغتراب ما بعد الحداثويّ.

كما أنّ الاحتراف في مطّ اللحظة حتى أقصاها يُحرج حقًا جميع الفلاسفة الذين كتبوا ونظروا عن الوقت والزمن. فالوقت في “باب الحارة” جامد، يُمطّ حسب الحاجة إلى تطويل الحلقة الليلية، غير آبهين بتطوّر القصة (كنت سأقول حبكة، ولكنني تذكرت أنّ لا حبكة سوى الشوارب العربية المرسومة بالكحل والرّدح النسائي النمطيّ).

كم من المخجل أن تكون عربيًا في هذه الأيام، وأنت تعرف أنّ 300 مليون شخص (غالبيتهم على الأقل) يجلسون كلّ ليلة بعد إفطار جامد ويستسلمون بمحض إراداتهم لهذا الهراء التافه. على الناس أن تعرف أنها تافهة؛ لم يعد بالامكان الاختباء وراء القناة المنتجة أو المخرج أو الكاتب أو الممثلين النجوم. الناس التي تفتح بيوتها لهذا الإدمان الشعبوي السطحي ليست عميقة أو ذكية بشكل خاص. أعرف أنني أتحدث عن بعض عائلتي وأصدقائي وأبناء بلدتي والجليل والمثلث والنقب وفلسطين التاريخية والشرق الأوسط والهلال الخصيب والمغرب العربي وشبه الجزيرة. ولكنهم كذلك!

مسلسل “باب الحارة” يذكرني بأحد الصحافيين الأمريكيين حين سألوه عن صحيفة منافسة، فأجاب: هذه الصحيفة يكتبها أناس لا يعرفون الكتابة، وينقحها أناس لا يعرفون التنقيح ويحررها أناس لا يعرفون التحرير ويقرأها أناس لا يعرفون القراءة. وكذا باب الحارة: يمثلها أناس لا يعرفون التمثيل، ويكتبها أناس لا يعرفون الكتابة، ويخرجها أناس لا يعرفون الإخراج، ويشاهدها مشاهدون لا يعرفون المشاهدة.

مرحى للنمس!

(شكرا للرفيق هشام نفاع على العنوان الهادف)

الاثنين، 16 أغسطس، 2010

إطلاق موقع "قديتا.نت" على الشبكة: ثقافة وسياسة وإبداع


أطلقت مجموعة من الكتاب والمبدعين والمثقفين، صباح اليوم الإثنين، موقع إنترنت جديدًا اسمه "قديتا.نت"، وسيعنى الموقع بالثقافة والسياسة على وسعهما وامتدادهما، وتأتي تسمية الموقع على اسم قرية "قديتا" الجليلية التي هُجرت في نكبة العام 1948.

(www.qadita.net)

يشغل الكاتب والناقد والصحافي أنطوان شلحت مهام المحرر المسؤول، فيما يشغل الكاتب والصحافي علاء حليحل مهام مدير التحرير. وتتألف هيئة التحرير من: هشام نفاع، أفنان إغبارية، محمود أبو هشهش، رشا حلوة، فراس خطيب، رازي نجار، ياسمين ظاهر، مروان مخول، راجي بطحيش، أسماء عزايزة، سامي مطر، شربل عبود ومجد كيال.

ويحوي الموقع موادّ خاصة وحصرية لكتاب وكاتبات من فلسطين والعالم العربي، حيث يُعرّف الموقع نفسه على أنه مساحة "لإعادة الاعتبار إلى الكلمة المنشورة في عجالة اليوميّ والرّاهن، ومَركزتها ثانية كحالة أدبية وثقافية وسياسية واجتماعية، لها ما تقول، بعمق وإصرار ومن دون مداهنة. ستكون الجودة المعيار الأول والأساسيّ، ولن تقع كتابة متمردة أو “غير محافظة” ضحية الشطب لأنّ نشرها سيغضب البعض أو سيثير “الحساسية”. نحن نعتقد أنّ هامش الحرية في النشر باللغة العربية آخذ في الانحصار، في ظلّ التوترات السياسية والاجتماعية والاصطفافات المختلفة، وفي ظلّ المشهد العربي-الإسلامي السّاعي يومًا بعد يوم (بمعزل عن الأسباب) نحو تضييق الخناق على الإبداع الخَلاق."

ويركز الموقع الجديد على المواد والكتابات في مجال الأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلي والسياسة، وسيحوي ولأول مرة زاوية للكتابة المثلية العربية، بالتعاون مع مؤسسة "القوس" للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني.

وتؤكد الهوية التأسيسية للموقع على أنّ "الإبداع الخَلاق هو غايتنا. وحين نتحدث عن الإبداع الخَلاق فإننا نتحدّث في الأساس عن حقّ الكاتب(ة) في كتابة وصوغ ما يخالف النهج المتبع، ما يشهر سيفًا على البقرات المقدّسة، ما يستفزّ الحياء العام والأصحّ- ما يستفز الجُبن العام. هذه هي غاية الإبداع الأساسية: أن يعيد النظر في المسلمات، أن يسائلها وأن يُمهّد لطريق أخرى، مخالفة، متباينة، ريادية. نحن لسنا حياديين؛ لن ندّعي الموضوعية ولن نختبئ وراء صياغات فضفاضة لا تغني ولا تسمن. نحن منحازون للانفتاح على الجهات الأربع، على إعادة النظر والفحص، على تحدّي الحدود والخطوط الحمراء بشكل دائم ومثابر. هذا لا يعني أننا سنكون فوضويين من أجل الاستفزاز؛ سنحاول أن نكون جريئين وسبّاقين من أجل حماية حرية الكلمة والنشر والتعبير.

"نحن نؤمن بأنّ الجودة الإبداعية هي الحلّ لحالة الشرذمة الفكرية والثقافية التي يستبغ بها حالنا العربيّ الراهن. ما نريده هو أن نكون منصّة منتصرة للمبدع وليس ضده؛ أن نتعامل مع النصّ على أنه اللبنة الأساس في صوغ الأفكار والمستقبل. نحن نحلم بمستقبل أفضل يحفظ مكانًا لائقًا للإبداع والخَلق، لا للارتكان والتسليم."

السبت، 7 أغسطس، 2010

على هذه الأرض ما يستحق الذمّ!



لا يصمد فيلم "كما قال الشاعر" في امتحان الزمن؛ فمخرجه نصري حجاج اعتمد على انفعال اللحظة بعد موت الشاعر محمود درويش وحاول أن يعبّر عن غياب الشاعر بشريط وجدانيّ شبه تجريديّ، يعتمد على صوت الشاعر وشعراء آخرين يتلون شعره، وفي الخلفية فيديو صُور في محطات درويش الأساسية: البروة، الجديدة، حيفا، رام الله، بيروت، باريس، تونس... إلا أنّ التصوير والإخراج العادييْن (في أحسن الأحوال) حوّلا هذا الشريط التلفزيوني إلى ما يشبه الراديو المتكلم.
لا يصمد هذا الشريط الذي بثته قناة "أخبار المستقبل" ليلة اليوم السبت (7 آب) في امتحان الزمن لأنه وليد اللحظة، ابن السرعة غير المفهومة في تصوير مثل هذا الفيلم بعد موت الشاعر مباشرة، من دون التمتع (والاشتعال ببطء) بموقدة الزمن والنظرة الهادئة عن بُعد. إنه شريط قصير النفس، خالٍ من العمق السينمائي (الشكليّ والمضمونيّ) الذي كان من الممكن أن يرفعه إلى مرتبة فنية أعلى بكثير. الأثر الذي تركه الشريط ربما على المشاهدين بعد موت الشاعر بقليل انتهى واختفى، وظلّ الامتحان الآن سينمائيًا لا غير. بلا "خصوصية اللحظة".
لهذا، تُضحي مشاهدة الشريط بعد الدقائق الأولى معاناة تُثقل على المرء صورة بعد صورة، وتجعل المشاهد (أنا في هذه الحالة) يتساءل عن سبب صنع هذا الشريط: أهو استذكار نوستالجيّ أم محاولة سريعة وغير ناضجة لإنتاج ما يشبه أيقونات (رسمية) للذاكرة عن الشاعر؟ كما أنّ المشاهدة التراكمية، دقيقة بعد دقيقة، تحوّل هذه المحاولة السينمائية إلى كيتش دبق يمنعك في بعض لحظات الفيلم (المرأة التي تتجول في مكتب مجلة "شؤون فلسطينية" في بيروت، مثلا) من التضامن حتى مع موضوع الفيلم.
لا يشفع للشريط أنّ نخبة ممتازة من الشعراء حول العالم قرأت قصائد لدرويش مترجمة إلى لغات الشعراء المختلفة، حيث أنّ أقوى لحظات القراءة كانت لجوقة الفتيات في بداية الشريط وللشاب الذي ألقى قصيدة بلغة الإشارات. وبموازاة هذيْن المثاليْن، لا يمكنني الإشارة إلى أية لحظة درامية في الشريط، رغم الإمكانيات الكامنة المحتملة الكثيرة فيه. لقد قتل هذا الشريط أيّ مَجاز مُمكن، وصارت الصورة فيه ترجمة حرفية للنصّ المَلقيّ، حتى لتخال الفيلم في لحظاته السّيئة جدًا دعاية تجارية لحُرج جميل أو لفندق فاخر.
إنه شريط بلا هوية أو مُميز يُذكر. يتخبط في أسئلة حبّذا لو أنه طرحها على الشاشة بقوة: كيف يُمكن تخليد الشاعر وصورته؟ هل الشاعر هو شعره أم جميع التفاصيل الأخرى التي تحيط بشعره؟ كيف يمكن الحديث عن درويش بصوته من دون الوقوع في فخ الاستسلام السّهل لإلقائه الساحر، وبالتالي التكاسل البائن والظاهر في المعالجة السينمائية؟
وإذا كان القصد تأليف قصيدة سينمائية لدرويش، أي كتابة الشعر بالكاميرا كما يحبّ عشاق وصُناع السينما "الفنية" أن يقولوا، فأين هي القصيدة السّينمائية؟ التصوير عاديّ وتحت العاديّ في الغالب؛ الأفكار الإخراجية "صغيرة"، لا تحمل أية بشرى سينمائية؛ القصة معروفة للجميع فأين ما وراء القصة؟
(وتُعسًا للعالم: متى سيتوقف مخرجونا عن لقطات "البانوراما" التي تبدأ بكاميرا ثابتة ثم تبدأ الكاميرا بالدوران كي "تلتقط" المشهد؟ أليست هذه اللغة التصويرية-الإخبارية-التقريرية-الملائمة لتقارير الفضائيات عكس كلّ ما هو سينمائيّ وإبداعيّ شكلانيًا؟)