الخميس، 29 أكتوبر، 2009

نصٌ للشتاءِ


(لا يقرأه إلا الثعابين)


الش
تاءُ هو الشهوةُ، لأنّ الشهوةَ حنينٌ إلى ارتعاشاتِ الجسدِ، والمطرُ ارتعاشاتُ الشتاءِ. في الشتاءِ يتفتّح الجّسدُ حينَ تنامُ الأشجارُ؛ فالعلاقة عكسية ٌ وهي عصية ٌ على الفهمِ إلا في حَضرةِ الجّسدِ. خُذوا جسدًا وألقوه في يَمِّ البردِ فتستيقظُ مسامُه. تبحثُ عن مَسامَّ أخرى تُؤنِسُها، عن جسدٍ آخرَ يعبثُ بهذه المساماتِ فيُسليها ويَحكي لها قصصًا عن الحبِّ والجنس، نهايتُها سعيدة (مُبكية). الشتاءُ اقترابُ الجّسدِ من أصُولِهِ، مِن درايتِه بأعضائِه وتفصيلاتِها، مِن معرفتِه بفتحاتِ اليقظةِ والنعاسِ حين تدْلهمُّ الغيومُ ويتزاحمُ المطرُ على أبوابِ الرائحةِ.

الشتاءُ قناعة ُ الجَّسدِ بأنّ البردَ حليفٌ وليس غريمًا، بأنّ المطرَ صديقٌ وليس عدوًا، بأنّ هذهِ الرائحة الرطبة الممتلئة هواءً مُقيمًا، هي نعمة ٌ وليست نقمة ً. الشتاءُ حنينُ الأصول إلى مُرادفاتِها وهو انبهارُ الأنفِ بروائحَ بدئيةٍ تتفتحُ في مساءٍ عابقٍ بالرّذاذ الخجلِ، بمشروعٍ لليلةٍ ماطرةٍ ستعيدُ الفرحة إلى الأغطية الشتوية الثقيلة. الشتاءُ حكاية ُ المَددِ التي تَحكيها القطراتُ السّاقطة ُ على الشّعرِ وعلى الأحذيةِ وعلى أكفِّ الأيادي الهاربة إلى مَوْئلٍ في الجّيوب المزدحمة بالنقودِ وعلب السّجائر والقدّاحات وأوراق العشق والكهرباء وتدوينات الأفكار السّابحة في الجوّ، الهاربة من ملل الشمس الساطعة.

*

الشتاءُ هو البحثُ عن الحقيقةِ في كذبةِ الشّمس الساطعةِ.

*

الشتاءُ هو الصباحُ. رعشة الجَّسد المصدوم بالبرد الصباحيِّ عند الخروج من تحت الغطاء السّميكِ (إلي إلى لِما شبقتني؟)، تضاهي رعشتَه وهو ينتفضُ لذة، حين يُفرغ حبّه في جسد الآخر المُستسلم للغيم. تلك الرعشة التي تتحايلُ على نشاط الجسد المُفتعَل، تصدمُه، تجعله يُعيدُ الغطاء إلى الجَّسدِ المُتمدِّدِ تحتَ سطوة حلمه الشبقيِّ الطازج، تجعله يبحث عن دفءٍ نابضٍ عنيف ينبعث في ثعابين البطن المتلوية، أسفله وداخله. الشتاء ثعابيننا الباحثة عن يد أخرى تبحثُ عن رعشة صباحية شتوية، هي الأخرى. يدان اثنتان تبحثان عن لذة الآخر، من دون جنس، من دون قُبل، من دون احتكاكٍ. يدٌ ويدٌ وثعبانٌ ومَخبأ مُظلم يختبئ تحت غابةٍ سوداءَ من القصائد.

*

هكذا يصيرُ الشتاءُ اكتفاءً!

*

إنها مؤامرة الصباح الصامتة، ريحٌ تحتكّ بريحٍ، جسدٌ يحتكّ بجسدٍ، يبحث عن معنًى لتكوّرات عجيزة نسائية في تحدُّبات جسدٍ رُجوليٍّ، يندمجان معًا في نومة "ملعقة"، يتكوّران في بعضهما البعض، يصمتان وهما يبتسمان لحركة الثعبان المُستيقظِ في خدر الصباح السريع، الهادئ، شبه الناعس. لا شيءَ مُستيقظًا إلا الثعابين. إنه البُطءُ، الخفة، الهمسُ، الإيجازُ وكلامِ الحبّ العِربيد. فهذه اللحظاتُ لهما فقط، ليسَ للجَّسديْن النائميْن-اليقظيْن، بل لها، للثعابين المتيقظة كحميرِ الوحشِ.

طوبى لمن تملّكت ثعابينهم زمامَ أمورهم في صباحٍ شتويٍّ، فأغدقوها سيلاً حارًا غامرًا يليق بأهزوجة "رجعت الشتوية". فهذا اليوم ليس للعمل وليس للدراسة وليس للتبضع وليس للاستجمام وليس للخروج وليس للدخول وليس للطبخ وليس للنفخ وليس للسياقة وليس لركوب الحافلات وليس للقطارات وليس للسفر البعيد وليس للسفر القريب وليس للجنازات وليس للأعراس وليس للزيارات وليس لجبر الخواطر وليس لكسر الخواطر وليس للمجاملات وليس للقاءات وليس للمقاهي وليس للمطاعم وليس للجلوس على الناصية وليس للتسكّع وليس للتهندم وليس للتغندر وليس للإسراع وليس للإبطاء وليس للسّعي وليس للعامة وليس للخاصة وليس للتلفاز وليس للصّحف وليس للكتب وليس للحاسوب وليس للكتابة وليس للقراءة وليس للمحادثات الهاتفية وليس للدواوين تُعقد على شبابيك الحارة وليس للشائعات تُقال على عجل وخوف وليس للأخبار تأتي ممّن لم نُزوّدِ وليس للتشاؤم وليس للتفاؤل وليس للتفكير وليس للتدبير وليس للترزق وليس للإقدام وليس للهروب وليس لفعل الخير وليس لفعل السوء وليس لأيّ أحد يطرق أيَّ باب- هذا اليومُ للشتاءِ.

رائحة الأرض والشجر الذي يستعدّ للنوم؛ ارتطام المطر بالمطر، ارتطام الجسد بالجسد. لا أعرف أيَّ الصوتين أجمل: ارتطام المطر بالأرض، بالشجر، بالرخام، بالأرصفة، أم صوت ارتطام الجسد بالجسد، صوت اللحم يتعرّق على اللحم، صوت اللحم يستقبل اللحم وينفتح على مساماته الصارخة بألف أغنية: أغنية للخوف، أغنية للبرد، أغنية للشكّ، أغنية لليقين، أغنية للحياة، أغنية للموت، أغنية للثورة، أغنية للخنوع، أغنية لثعبانها، أغنية لثعبانه، أغنية للأصابع المتحسّسة على أيقاع الأنفاس المتقطعة، أغنية لبصمات الماريحوانا في هذه المضاجعة تسير على مهلٍ كأنّ الريح ليست تحتهما، وكأنّ القلق ليس تحتهما، وكأنّ الشاعر لم يصرخ في عتمة الليل: وجدتُها! وجدتُها! وجدتُ قبلتها في غمرة المطر!

يُصليان في اليوم مضاجعتيْن وفي الليل مضاجعاتٍ ثم ينامان التراويح. يُسبّحان اسم خالق هذا الجسد وهذا المطر العنيد المُنسال على جدران ريحهما. شتاءٌ يهبّ على جسديْن فيصيران شعوذة مُربكة: ثعبانان شقيان لا يحترسان، فالقلب لا يحتمل هذه الشقاوة، والجسد على وشك أن يهرم وعلى وشك أن ينهزم وينهار تحت وطأة تناور الجسديْن، ويودّان لو يهدأ البنزين في محركيهما، فيغنيان تهليلة للنوم وتهليلة للسفر إلى راحة مُرتجاة. الشتاء تعب لذيذ وسرير حارّ لا يبرد. يصرخ السرير: أنا هنا، أنا هنا، فهاتِِ أكثر ولا تبخلْ يا شقيّ!

*

الشتاء عودة الروح إلى منابعها. الشتاء رجفة. الشتاء ارتجاف. الشتاء مؤامرة رذيلة ضدّ الفضيلة. الشتاء ليلة القدر امتدّت على فصل كامل!

(22 كانون الأول، عام المطر)


الجمعة، 23 أكتوبر، 2009

ثرثرات فوق السور (3)

  • حدثني الطبيب سامر خوري، مسؤول ملف الوليدة الوشيكة شذا (دُشّه) حليحل وأمها الحامل، فقال: "حدث منذ فترة طويلة أنني كنت أشرف على توليد امرأة عربية، وكانت ولادتها صعبة للغاية، فكانت تصرخ بملء ألمها، وتصيح طالبة زوجها: إسماعيل! إسماعيل! ولما سألتُ عن سرّ غياب زوجها عن غرفة الولادة قالوا إنه كان هنا إلا أنهم اضطروا لإخراجه لأنه كان "يتصبّب" على النساء الأخريات في غرفة التوليد! ولكن وضع المرأة أصبح صعبًا فخرجتُ وناديته، ولما دخل نظر إلى امرأته التي كانت تتمزق ألمًا وصاح بها: ليش بتصيحي هلقدي؟! كل الناس سامعه صوتك، أسكتي! وهكذا صمتت المرأة مرة واحدة وكأنّ أحدهم أخرس الصوت فجأة، واستمرّت في ولادتها العسيرة بلا أيّ صوت."- حتى هنا قصة خوري. في الطريق فكّرتُ كم اسماعيل على المرأة العربية أن تتحمل ريثما يموتون جميعهم، ويُولد جيل جديد من الإسماعيليين؟
  • تسلم الشاعر موسى حوامدة قبل فترة قصيرة رئاسة تحرير الملحق الثقافي في صحيفة "الدستور" الأردنية، ولم يستغرقه الأمر كثيرًا كي يضع بصمته المتميزة على الملحق الأسبوعي، الذي صار يُقرأ بتمعّن وتأنٍّ ومتعة. الغالب في التوجّه الجديد دمج السريع بالبطيء، القصير بالطويل، السلس بالكثيف. وحتى في المقالات أو المواد الموجزة لا تجد استسهالا أو سطحية. "الدستور" الأردنية دخلت منذ أسبوعين في قائمة زياراتي الشبكية الدائمة.
  • أقرأ كثيرًا في هذه الأيام عن فترة حصار نابليون لعكا، حيث أعكف على كتابة رواية تجري أحداثها في هذه الفترة. ما أبشع تاريخنا! ما أكثر القتل فيه، والدسائس والكراهية وحبّ التزعّم. من يقرأ تاريخ تلك الفترة وكميات المعارك الهائلة التي جرت بين الأمراء والولاة في أصقاع سورية الكبرى، لا يستغرب ما حدث لنا مع أحفادهم في العصر الحديث. ثم أنّ "الجزار" لم يصمد في وجه نابليون، بل يعود الفضل إلى آخرين. كيف؟... عليكم أن تقرأوا الرواية.
  • عندما اقتربتْ بيروت بعد إعلان نتائج "مسابقة بيروت 39"، بدأتْ تبتعد مرة أخرى. وأنا بالكاد أتقن الاقتراب من عكا.
  • ما هي وتيرة الكتابة في مدونة شخصية؟ مرة في الأسبوع؟ مرة في الشهر؟ مرة في الشهرين؟ هل هناك عقد بين كاتب(ة) المدونة وبين القراء؟ متى ييأس القارئ من المدونة ومتى ييأس الكاتب(ة) من المدونة؟ هل يجب الإلتزام بمواعيد نشر واضحة؟ ولماذا الإلتزام؟ إليس من طابع المدونة الشخصية الدوزنة على السجية؟ ولكن، من يسمع هذه الدوزنة من دون وعدٍ بالمزيد؟
  • واستمرارًا في الدوزنة: سأبدأ يوم الأحد القادم بتعلم العود على يد الجهبذي العنيد ذي العود الرشيد، حبيب شحادة حنا، في جمعية "المشغل" في حيفا. أنتم مدعوون إلى كونسيرت الصولو الأول لي في المدرج الغربي في جرش صيف 2010. الرجاء الحجز سلفًا فالأماكن محدودة!
  • "لم أستطعْ أن أراكِ اليومَ / ولكنني لسْتُ حَزينًا / إذا كانَ المطرُ الذي بَللني في الصّباحِ / قدْ بَللكِ أيضًا." (قصيدة "مطر" للشاعر حسين بن حمزة)

الأربعاء، 14 أكتوبر، 2009

كيف هرب «دياب» إلى أمجاده الغابرة!




فراس خطيب

لم يدخل العرب فلسطين. فقد احتدم الخلاف بينهم على أعتاب حطين، فعادوا أدراجهم، ليقرّر «دياب» أن يدخلها بمفرده لـ«محاربة جيش اليهود الجبّار». لكنّه وجد نفسه أسيراً في قاع سفينة أميركية، في قلب زنزانة مخنوقة، سوداء من شدّة الظلمة، يكسوها غبار الفحم. يبدو مترهل الملامح، منكسر الهيئة، أسيراً بين ماض وحاضر، يهرب من الهزيمة ــــ أي هزيمة ــــ بحديث عن أسطورة «الأمجاد» التي سبقتها. هزيمة جلية ومجدٌ يظلّ كلامياً، إلى أنْ يصدح بوق الباخرة، كأنها صيغة الأمر من حرّاسه، فيهمُّ دياب بجسدِه المتعب، حافي القدمين، ليملأ الصندوق فحماً، كي تمشي السفينة، فيعود إلى مجلسِه ويعاود الحديث عن أمجاد كانت وأخرى لم تكن.

مونودراما «دياب» التي احتفلت أخيراً بعرضها الخمسين في حيفا (وهو إنجاز بحد ذاته بالنظر إلى وضع المسرح الفلسطيني في الداخل)، استوحاها كاتبها علاء حليحل، من «تغريبة بني هلال». تلك السيرة الشعبية التي رَوَتْ عن ملاقاة «بني هلال» لـ«أعدائهم»، وحكت عن سيرهم في طريق الانتصارات. لكنّ حليحل أبدع في توظيفها بطريقة لا «تدغدغ» مشاعر المتلقي بمقدار ما تحاكي العقول. إذ يخلط في نصّه، بإتقان ووعي حذرين، بين أساطير الماضي (أنا دياب ورايتي رايِهْ، وأنا عربي وكرامتنا غايِهْ)، وهزائم الحاضر (يا ضو، وين رحت؟).

الحكاية يرويها دياب الذي بعثرته الروايات ورمته إلى قاع السفينة. إنّه فردٌ يشبه جماعته، لا يتقن ماضيه ولا يذوّت حاضره، حتى فقد بوصلته. تراه يتوسل حارسه تارةً «يا حارس، شُربة مي وحياة إمكْ»، وطوراً يحاكيه بلغة الممتطين صهوةَ جيادهم قبل الهجوم: «يا حارسْ! يا حارسْ! يا كلبَ البشرية! هل تُسلم أم تدفع الجزية؟».

لم يحلم دياب بأن يكون مثل حارسه، فقد قبل بالواقع وارتقى ليكون «قديساً معذباً» وهكذا كانت نهايته. وإذا امتلك رجال غسان كنفاني (في «رجال في الشمس») خيار طرق الخزان كي يحيوا، فإنّ دياب علق بين الغبار، من دون أن يمتلك خزاناً ليطرقه. وانتهت المسرحية، كما اختار كاتبها، بمغناة «صرت العبد، وصرت العبد».

بعد مسيرة قطعتها المسرحية، منذ فوزها في «مهرجان مسرحيد 2005»، يبدو الممثل عامر حليحل أكثر نضجاً ووعياً للحالة السياسية والعاطفية الطالعة من النص. يبدو أكثر سَكينةً من عروضه السابقة. ذلّل تحديات النص التي تخلط بين بساطة اللغة وصعوبة معانيها الكلاسيكية، فخلق توازياً بين النص وتجسيده على الخشبة. استطاع أن يتنقل بين «الكذب والحقيقة»، بين «المجد والهزيمة» بحركات مقنعة، تحت إيقاع موسيقي مُتقن وحسّاس (من تأليف الموسيقي حبيب شحادة).

لكن في المقابل، فإنّ الإخراج الذي حمل توقيع سليم ضو، بدأ إبداعياً مع فتح الستارة، ثم توقف نموّه بعد المشاهد الأولى، فوقع في خطأ «الاستقرار». كان ممكناً ــــ ومنعاً لهيمنة الروتين ــــ اللجوء إلى حركات تجعل من الزنزانة عالماً، تماماً كما السجين يراها عالمه الواسع رغم ضيقها. فكيف إذاً، يصمد الأسرى 30 عاماً في غرفة صغيرة؟ كيف يحيون ويموتون ويعشقون في تلك الرقعة الضيقة؟ كان لا بدّ من إقحام تلك التجربة أكثر من أجل دفع التمثيل والنص إلى الأمام، لا العكس.

تستمد مونودراما «دياب» مادتها من الواقع السياسي. إنّها عملٌ ذو صلة بالأحداث الآنية: أسرٌ وتهاون و«اعتدال» وهيمنة أميركية على كل شيء. من يتباهى بفرسه «الخضرا» التي اعتلاها لـ«تحرير فلسطين»، هو الذي يأكل «الماكدونلدز» في قاع الباخرة. وإلى متى سيظل عالقاً؟ لا أحد يعرف.

ألسنا جميعاً عالقين في قاع تلك السفينة/ الهيمنة، نراقص خيالاً ونبكي واقعاً؟!

(عن صحيفة "الأخبار")



الخميس، 8 أكتوبر، 2009

فرنسوا ثائرًا!



كانت المفاجأة كبيرة، لدرجة أنّ خروجك من القاعة عند انتهاء المسرحية لم يكن كافيا لتشكيل رأي عمّا شاهدته قبل لحظات، بل يزيد من حيرتك، ثم تستقرّ حيرتك على جملة واحدة مجلجلة في الرأس: "يحرق حريشك يا فرنسوا"!

فرنسوا هو فرنسوا أبو سالم، المسرحيّ المخضرم، والعرض هو مسرحية "أبو أوبو في سوق اللحامين" المنتجة بدعم الصندوق العربي للثقافة والفنون في عمان، والتي تُعرض في مهرجان المسرح الآخر في عكا، والذي يقفل أبوابه اليوم الخميس. يقف فرنسوا على المنصة إلى جانب الممثل الشاب الممتاز أدهم نعمان، وسوية يلعبان لعبة مسلية بعض الشيء، وسخيفة في بدايتها: لعبة الأب والابن اللذين يخططان للاستيلاء على مخترة الحمولة. فالاثنان يديران ملحمة العائلة وحياتهما مليئة باللحوم النيئة ورؤوس الخرفان المقطوعة. في لحظة ما، وبعد مرور حوالي عشرين دقيقة، تبدأ مسرحية أخرى، لعبة أخرى تتضح معالمها مع الوقت؛ إنها لعبة الجنون اللا نهائي، جنون واعٍ لنفسه حتى أدقّ التفاصيل، خروج على المألوف وإمعان في الغرابة والتغريب؛ إنه مسرح القسوة في تجلياته القصوى، والمشاهد يجلس مشدوهًا ممّا يجري أمامه.

يتحوّل اللحم النيّء ورؤوس الخرفان إلى أداة العمل الأساسية في المسرحية: يقطعانها، يطحنانها، يأكلان الكبد النيء على الخشبة، يلعبان باللحم، يحملان غالبية المسرحية رؤوس خرفان لتكون شخصيات المسرحية الأخرى. يفعلان كل هذا من دون اعتذار، "بوقاحة"، بطبيعية من يرى في حياته وحياة من حوله كتلة من اللحم تنتظر من يقطعها ويأكلها. تتحول الخشبة مع الوقت إلى ساحة مليئة بقطع اللحم والدم التي تطغى على كل شيء. حتى إنّ الابن يقوم في النهاية بتقطيع أبيه بالمنشار ليتطاير دمه على وجه ابنه وليلقي الابن رجل والده المقطوعة أمام الناس!

إنها لعبة خطيرة، حتى القرف أحيانًا؛ هي مغامرة مليئة بالدهاء قد أراهن وأقول إنها بحاجة إلى شخص مثل فرنسوا أبو سالم ليقوم بها؛ بحاجة إلى مسرحيّ يقف على الخشبة منذ أكثر من أربعين عامًا، أخرج ومثل وعمل كل ما يمكن عمله، والآن، من شيخوخته الشابة يطلّ علينا وعلى المسرح ويقول ساخرًا: الآن، سأريكم أيها الأوغاد. وفي جسارته هذه يطرح أبو سالم قصة تدور أحداثها في القدس، وترتكز إلى ثيمة السلطة والاحتراب عليها، إلى الطبيعة البشرية وإلى الفلسطيني الراضخ تحت الاحتلال وقد تحول بعد كل هذه السنين إلى إنسان نهمٍ يسعى لتملك القوة وممارستها على أبناء شعبه (أيذكركم هذا بشيء ما؟).

إنها أمثولة قاسية، عنيفة جدًا، فظة حتى أبعد الحدود، ولكنها في نفس الوقت ترتكز إلى كوميديا المفارقة وإلى السخرية الذاتية المفرطة التي تراوح طيلة الوقت بين الحدّ الفاصل الدقيق بين السّخافة نفسها وبين التسخيف المقصود. أليست هذه الحياة التي نحياها اليوم؟

في هذا العمل أثبت أبو سالم أنّ في جعبته المزيد، وأنّ بوسعه أن يفاجئ من جديد. لا أعتقد أنّ الجميع سيحبّ الفظاظة والسّوقية (معذرةً من الأسواق) والهمجية التي يتعامل فيها الممثلان مع اللحم النيء وحضوره الطاغي على الخشبة، ولكن هذا لا يهمّ؛ ما يهم أنّ هذه المسرحية تعيد الرونق المفقود إلى المسرح، إلى مهمته الأساسية: أن يصفعنا وأن يجعلنا نفكر في مسلماتنا (الفنية، التذوقية، الحياتية) من جديد.


"أبو أوبو في سوق اللحامين" * فكرة وإعداد بوحي من ألفرد جيري: فرنسوا أبو سالم، بمشاركة باولا فينفاك، أوليفيا ماجنان، جوي الهنان وعامر خليل * تمثيل: فرنسوا أبو سالم وأدهم نعمان * إضاءة: فيليب أندريكس * إنتاج: الصندوق العربي للثقافة والفنون- عمان والمركز الثقافي الفرنسي