الأربعاء، 24 سبتمبر، 2008

لا طريق ثالث دائمًا/ حنين زعبي


كان الأمر سيكون أفضل لو انتهت "المعارك" أو أية تسمية تختارونها (مشكلة، إشكالية، صراع، نقاش، خلاف، اختلاف) بعِبر؛ فحتى لو انتهت بخسارةٍ ما، كنا على الأقل سنربح العبرة. لكنّ أسوأ "المعارك" هي تلك التي لا تنهي بعبر، ولا تنتهي بمراكمة ما في التجربة الإنسانية أو في المفاهيم الاجتماعية الجّامعة.

وبالتالي، فإنّ مقولة "الضربة التي لا تُميتك تزيدك قوة" هي مقولة ناقصة، أو على الأقل مشروطة، مشروطة بوجود عبرة ما، تكون هي مصدر القوة. وللأسف، ما جرى على أثر نشر علاء حليحل مقاله حول رمضان، هو مؤلم لأمريْن: أولاً، لأنّ ردة الفعل الدرامية التي أثارها هي تعبير عن مجتمع مأزوم، لم يذوّت بعد نقاشَ ما يثيره بهدوء، وهي بمثابة شهادة بؤس، حيث لم تستطع أحداث سياسية درامية ومصيرية مرّت علينا خلال السنتيْن الأخيرتيْن أن تثير ربع هذا الاهتمام.

ومؤلم ثانيا، وهو الأهم، أنها من نوع تلك "المعارك" التي لم تنتهِ بعِبر، ولم تستطِعْ أن تنتج أو تطوّر نوعًا جديدًا من التعاطي مع إشكالية جديدة، نوعًا ما، بل تمّ التعامل معها عبر اصطفافات قديمة لإشكاليات ومفاهيم قديمة وتقليدية، والأهم متصادمة: مفهوم حقّ التعبير مقابل مفهوم "مشاعر الناس". وتم التعاطي مع هذه المفاهيم من منطلق اصطفافات تقليدية، لا تصلح لكلّ مقام ولا لكلّ مقال، فعَكَسَ النقاشُ الاصطفافَ التالي: التعامل مع حرية التعبير وكأنها حرية تخدم ليبراليين أو علمانيين دون غيرهم، والتعامل مع مشاعر الناس وكأنها مشاعر تخصّ المحافظين أو المتديّنين دون غيرهم.

ونسي الجميع في خضمّ ذلك، أنّ حرية التعبير تطالب بها الآن الحركات الإسلامية في العالم العربي، وأنها لا تعبّر عن مصلحة مقصورة لفئةٍ ما، ونسي آخرون أنّ المشاعر ليست حكرًا على المحافظين أو غير الليبراليين، وأنّ أكثر من تُستباح مشاعرهم ويتم الاستئناف على شرعية انتمائهم هم "الليبراليون" أو العلمانيون- أو سمُّهم ما شئتم.

والإشكالية جديدة، بمعنى أنه لا يكفي التعاطي معها بهذيْن المفهوميْن، وبمفهوم الاصطفاف بين: مع حرية التعبير ضد مشاعر الناس أو مع مشاعر الناس ضد حرية التعبير. لكن في نفس الوقت، وبرغم قصور ثنائية حرية التعبير- مشاعر الناس عن نقاش مقالة رمضان، نحن لا نستطيع تجاهل التناقض وضرورة الحسم بين هذين المفهومين على المستوى القيميّ النظريّ، حتى لو لم يكن هذا الحسم كافيًا لنقاش قضية المقال، مضمونه، مكان نشره وحرية نشره.

إنّ ثقافة الردّ التكفيرية القمعية التي أعقبت المقال، هي ما يجعل التأكيد على حقّ الفرد في التفكير والتعبير، ضرورة مُلحّة وأساسية، حتى من طرف أولئك الذين اعترضوا على بعض التعابير التي وردت. لأنّ تلك الثقافة فيها من العنف والقسوة والقمع ما هو أخطر بكثير من الإستعلاء والإستهتار اللذيْن اتهمت بهما مقالة حليحل. ثقافة الردّ التحريضية العنيفة هي أخطر، لسبب بسيط أنّ ما أثار الكثيرين في مقالة حليحل، لا يعدو أن يكون تعبيرًا أكاد أقول عرضيًا، لم يكُنْ من صلب مقولة المقال أو هدفه. لكنّ بعض الردود بأسلوبها وتعابيرها ولا محدودية عنفها وانتهازيّتها السياسية، تريد أن تفرض نفسها ورؤيتها كثقافة عامة.

وحتى ضمن هذا السياق، وبعيدًا عن الزّوبعة التي أثارها المقال، من الضّروري التأكيد على أنّ مشاعر أو "حساسيات" الكثيرين، هي تعبير مطاطيّ وبحكم تعريفها المطاطي غير الواضح هذا، لا يمكن إلا أن تكون أحد الأثمان التي تدفع في سبيل حرية التعبير كقيمة، وهي إحدى النتائج الحتمية لكل عملية تغيير اجتماعي في أيّ مجتمع.

كما أنّ طموح كل مجتمع واتجاه تطوّره هو في الحدّ من رقعة هذه "الحساسيات"، وليس في التعامل معها وكأنها مُعطًى ثابت، أو وكأنها قيمة بحدّ ذاتها. والأمر الأهمّ هو أنّ لهذا المفهوم متطلبات حقوقية، بمعنى أنه لا معنى لـ "حساسية المجتمع" في مجتمع لا يضع حقوق الفرد وحرياته في مركز احترامه، سوى مفهوم واحد، وهو الخوف من المجتمع، سواءً أكانت خوف الفرد المتدين في مجتمع متعصب للعلمانية، أو خوف الفرد العلماني في مجتمع متعصب للتدين.

الثقافة صريحة القمع، لا تحتاج حقيقة لمفهوم "مشاعر الناس"، فهي تكتفي بتحديد الحلال والحرام. من ناحية أخرى الثقافة مُموّهة القمع، هي التي تحتاج لمصطلح "مشاعر الناس"، وتستعمله بغير وجه حق كي تختبئ خلفه. لكن من يحتاج ويحق له استعمال مفهوم "مشاعر الناس" هم فقط أولئك الذين يتبنون القيم التي تعطي الحقّ للفرد بتحدّي تلك "المشاعر".

رغم هذا التشديد والتثقيف الضرورييْن والهامّيْن على مبدأ وقيمة حرية التعبير، وعلى أنها تشمل تلك التعابير التي قد تسيء لمشاعر الكثيرين، إلا أننا لسنا بصدد قضية حرية تعبير، فقط، لأنّ النقاش المطروح هو على مضمون هذا المقال العينيّ، وعلى تعابير عرضية، جعلته يقف في صدام مباشر مع الوجدان الثقافي للمجتمع، ومع عناصر هوية أساسية مكونة له.

وفي الوقت الذي تحسم فيه حرية التعبير بشكل إيجابي السؤال: هل يحق لحليحل التعبير عن آرائه تلك، لا تستطيع هذه الحرية أن تحسم السؤال: هل يحق للمقال أن ينشر في "فصل المقال"، وذلك لأنّ "فصل المقال"، كحاملة لمشروع تغيير سياسي-اجتماعي، والذي هو بالتعريف مشروع أيديولوجي، غير محايدة أبدًا لأيّ مضمون سياسيّ واجتماعيّ. بمعنى آخر: حرية التعبير هي مفتاح السؤال إذا كنا نتحدث بصدد تعبير فرديّ، لكنّ مشاريع التغيير الاجتماعي-السياسي لا تستطيع أن تكتفي بهذا السؤال. وبالتالي، السّؤال الذي تطرحه "فصل المقال" على نفسها عندما تنشر أيّ مقال ليس "هل هي مع أو ضد حرية التعبير"، بل: "هل هي مع أو ضد المضمون العيني للمقال"؟

وقد طرحت قيادة "التجمع" على نفسها هذا السّؤال، ورأت في المقال صدامًا مباشرًا، ليس مع مشاعر الناس، كحالة مزاجية عاطفية، بل كحالة احترام لوجدان ثقافيّ، هي مُركّب من مركبات هوية المجتمع -ربما نستطيع اعتبارها شيفرات ثقافية- والذي هو مُركّب من مركّبات مشروع "التجمع". ورمضان هنا ليس ركن العبادات الإسلامي فقط، وليس الفرض الديني للصائمين فقط، بل هو تلك الحالة الاجتماعية الثقافية المرتبطة بهوية الناس ووجدانهم، حتى لغير الصائمين، للمسيحيين وللعلمانيين.

هذا الاجتهاد الحزبي لا يرى أنّ النقاش يدور حول مضمون ثوريّ ما للمقال، أو حول نقاش فكريّ ما مُتحدّ يطرحه المقال، إذ لم يطالب المقال حقيقة بثورة في المفاهيم، ولم يطرح نقاشا جديا حول حقوق غير الصائمين مثلا، ولم يناقش حالة القمع التي يواجهها أحيانا غير الصائمين، بل يرى –هذا الاجتهاد للحزب- أنّ النقاش يدور حول أسلوب فُسِّر على أنه استهتار واستعلاء، ومن هنا اختار الحزب توضيح تحفظه ورفضه لتلك التعابير التي فُسِّرت كاستهزاء وكاستعلاء.

وللأسف، لم يقم "التجمع" بتوضيح وجه اعتراضه على المقال بشكل دقيق، وفسّر هذا الاعتراض من البعض على أنه اعتراض على مضمون مُتصادم مع مشاعر الجمهور، كما هو طبيعيّ أن يكون كل مضمون تغيير اجتماعي. هذا، مع أنه لم يكن المضمون الفكري هو وجه اعتراض "التجمع"، بل أسلوب بدا هازئًا ومستعليًا، بما يمكن أن نسميه "شيفرات ثقافية" لمجتمع، وأرجو أن أكون قد أجدت التسمية.

والفرق بين احترام هذه الشيفرات وعدم الاستهزاء بها، وبين نقاشها ونقاش محرماتها وكسر تلك المحرمات، يشبه الفرق بين احترام تدين المتدينين وبين نقاش تدينهم ومسلمات تدينهم، ويشبه الفرق بين احترام علمانية العلمانيين وبين نقاش علمانيتهم. احترام "شيفرات" وقناعات الآخرين لا علاقة لها أبدا بنقاش تلك القناعات وتحديها.

ما يؤسف في الأمر أنّ ما أغضب في المقال هو ما كان باستطاعة حليحل التنازل عنه بسهولة، وأنّ ما أغفله "التجمع"، هو ما كان يجب أن يشدّد على عدم التنازل عنه، وهو حق نقاش مُسلّمات آخرين، المنطلق من احترامها.

كل ما سبق وقلته، هو ما أردت أن أقوله، لكنه لا يلخص التحدي الذي يطرحه المقال وردة فعله. إذ لا أحد يعرّف التحدّي الذي يواجهه مجتمعنا على أنه عدم احترام شيفرات وجدانية، قد نفقد بفقدانها معظم أسس طروحاتنا السياسية، التي تستند على مركب الهوية في سيرورتها وديناميكيتها غير الثابتة. هنالك العديد من التحديات النظرية أو القادرة أن تطرح نفسها كتحدٍّ؛ لكن ما يهمنا هو التحديات المطروحة والمعاشة اليوم والآن وهنا، وما يلخص التحدي المعاش الآن وهنا، هو محاولات البتّ بأيّ موضوع إمّا عن طريق إغلاق باب النقاش وإما عن طريق تقليص حق التعبير إلى مجال الأفكار المهيمنة، أو عن طريق التحريض أو المسّ بسمعة الأفراد المشاركين في النقاش. هذه هي الأخطار والتحديات التي تواجه ثقافتنا العامة، والدليل أن ّغالبية وجه الاعتراض على ما جاء في مقال حليحل، أتى من أبواب نظرية بعيدة كلّ البعد عما أوردته هنا، وتحديدًا من أبواب الكفر- الايمان، ويصبّ في مصبّ كمّ الأفواه، وثقافة الإسكات بالقوة وبالتكفير.

في النهاية أقول، إنّ الحرص على الهيبة الثقافية لأيّ مجتمع، والتي هي حصانة وجدانية، نحتاجها نحن أكثر من غيرنا، كمركّب أساسيّ، ليس فقط في الهوية، وإنما وأيضا في مواجهة التحديات السياسية وتحديات الهيمنة الخارجية. ويجب ألا يخفى عنا أنّ الحصانة الوجدانية هذه، بحاجة بدورها لحصانة من متطرفيها ومن عمليات ومسارات تحجر ذاتيّ، هي خطر عليها، ليس أقلّ من خطر محاولات هدمها.

بالتالي، أمام "التجمع" مسار شاق، ليميّز فيه، وليثقف كوادره وجمهوره ومجتمعه، على الفرق بين احترام الشيفرات الثقافية لأيّ مجتمع، وبين نقاش مضامينها وحتى تحديها أو طرح بدائل لها. وعلى "التجمع" أن يحذر، وأن يحذّر كوادره، من مطاطية وغوغائية مفهوم "مشاعر الناس"، الذي قد لا يعني شيئا خارجا عن مفهوم الهيمنة الثقافية التي تناقض الكثير من القيم والمفاهيم التي تناقض مشروع "التجمع".

حرية المعتقد، حرية التعبير، حق الفرد في تحدّي مُسلّمات، رصانة وهدوء النقاش ولا عنفه، الابتعاد عن أساليب قامعة أو تحريضية أو عقابية، بناء شعور الانتماء ليس وفق أحادية الاجتهاد في هذا الانتماء، إنما وفق تعددية الاجتهاد فيه- هي كلها الحصانة التي تحتاجها هويتنا ووجداننا الثقافي. كما أنّ قدرة هويتنا ووجداننا الثقافي على تحمّل النقد، هي دالة لقوة هذا الوجدان وثقته بنفسه.

الاثنين، 22 سبتمبر، 2008

مقالة رمضان بالإنجليزية

تجدون في الرابط هنا مقالة "كابوس اسمه رمضان" مترجمة إلى الإنجليزية مع مقدمة كتبها الصديق سونيلا موباي، الذي ترجم المقالة أيضًا:

الجمعة، 12 سبتمبر، 2008

إنها بحق مسألة مشاعر/ راجي بطحيش

ما ان تثار قضية (كقضية علاء حليحل) ضد كاتب أو مفكر ما حتى تطفو معها مصطلحات أو جمل أتهامية كاملة لا يمكن إعرابها حتى فكريا، وقد تكون أخطرها هي جملة "المسّ بمشاعر المؤمنين... أو الصائمين... الآخرين"... ويشبه هذا الاتهام ما ينسب للناشطين السياسيين في الدول البوليسية من تهم تختبئ من وراء جمل بليغة وغير مفهومة ولا يمكن تأويلها قانونيا، ولذلك فهي تقود الى المعتقلات والمشانق أو النفي في أفضل الحالات. ومن أشهر تلك الجمل:

"إثارة البلبلة وتمويه الرأي العام"؛

"المس بالنسيج الإجتماعي وزرع الفتن"؛

"نشر أنباء كاذبة وتضليل العدالة".

وهذا يشبه بالضبط ما جاء في مقال تميم منصور في حديث الناس بتاريخ 12\9\08: "لقد سبب المقال المذكور بلبلة وأثار عضب 90% من الموطنين العرب في البلاد من كافة الطوائف". لم أكن أعرف أن السيد منصور يعمل في مديرية الإحصاء بالقدس كي يعطي هذا التقدير الجارف لمقدار البلبلة والغضب.

وما يثير غضبي وبلبلتي أنا (ورفاق لي علمانيين) هو: لماذا ولدى بزوغ شمس أزمات من هذه النوعية تضاف كلمة المشاعر للمتدينين أو المؤمنين، فيقال: مشاعر المؤمنين ومشاعر المصلين (للتوضيح فقط) وكأنّ الآخرين لا مشاعر لهم كي يتم مسها. فمن الواضح أنه وفي مجتمع لا يزال محكوما بالغيبيات الدينية والتراتبية الأبوية/ العائلية/ العشائرية/ الطائفية... لا مناص ولا أسهل من وصف الآخرين (الرموز العلمانية المتنورة والحرة) بالمراهقين والملحدين والمنحلين لتجاوز حالة الإزدواجية والزيف والتخبط التي تصبغ المجتمع على مختلف طوائفه الدينية. فالمشاعر الجياشة قيمة محتكرة لأصحاب الدين (لا يهم إن كانوا فاسدين مغتصبين مثلا)...

ولكن وبمسح ساذج أقول: لم تمس الديانات ومرفقاتها بمشاعر البشر وحسب بل أنها داستها وألقت بها في النفايات. فقد خلف الدين ورجاله قوافل من المقهورين من خلال الحروب باسمه والتأويلات غير المنطقية للنصوص التي تدوس أكثر ما تدوس المستضعفين على هذه الأرض وفي هذا المجتمع.

فباسم الدين تنتهك الحريات الشخصية للأفراد، وللنساء منهم بالذات، ويمنع مثلا الزواج بين الأديان، ويمنع حتى اختيار متواضع لمسار بسيط للحياة كما يقمع المختلفين ويوصمون. وتصادر حرية الخيارات الجنسية، ويُضطهد المثليون وغيرهم، وتصادر حياة الآلاف المؤلفة من الفتيات تحت تواطؤ ديني وبحجة الحفاظ على شرف مزبلة القيم المتوارثة.

وبما أنني فخور بكوني أنتمي الى مجموعة "المراهقين" و"الملحدين" و"المنحلين" فإنني أطالب المنابر والفضاءات التي أنشر وأتجول فيها (أنا وعصاباتي)، على الأقل، بتبني جمل مثل: "فلان مسّ بمشاعر المنحلين"، أو "علاّن أثار البلبلة في أوساط المستهترين".



لقاء ومقالات حول "أزمة مقالة رمضان"

في هذه المدونة ستجدون المواد التالية التي تخص الصدى الذي أثارته مقالة "كابوس امسه رمضان!" والهجمة الأوصلية المنفلتة التي أثيرت لمآرب حزبية وسياسية ضيقة:

حليحل: لقد دُفعت نحو الإستقالة
المقال الذي كتبه الزميل علاء حليحل في صحيفة "فصل المقال" قبل أسبوعين خلق نقاشًا حادًا داخل حزب التجمع الوطني الديمقراطي وامتدّ إلى أبعد من ذلك بكثير ووصل إلى مطالبة الحركة الإسلامية بإقالته * كيف بدأت القضية؟ وكيف اتخذ قرار التوضيح داخل المكتب السياسي؟ وكيف استقال حليحل من منصبه بعد أن فرض عليه التوضيح؟ وبماذا اتهم حليحل في خطب الجمعة؟ ومن وراء كل هذه القضية؟ * "المدينة" ترصد القصة كاملة بتفاصيلها وتحاور حليحل حول الحدث

لا طريق ثالث دائمًا/ حنين زعبي

من أين سنأتي بالأمل؟/ فراس خطيب
من أين سنأتي بالأمل حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية؟

إنها بحق مسألة مشاعر/ راجي بطحيش

الحريات ليست ترفا! / مرزوق الحلبي

ليس دفاعا عن حرية النشر بل من أجل حرية العقل/ نواف عثامنة

وهنا أيضًا مقالة بيار أبي صعب قبل حوالي أسبوعين:

علاء حليحل/ بيار أبي صعب

وهنا مقالة:

كابوس اسمه رمضان!




حليحل: لقد دُفعت نحو الإستقالة

المقال الذي كتبه الزميل علاء حليحل في صحيفة "فصل المقال" قبل أسبوعين خلق نقاشًا حادًا داخل حزب التجمع الوطني الديمقراطي وامتدّ إلى أبعد من ذلك بكثير ووصل إلى مطالبة الحركة الإسلامية بإقالته * كيف بدأت القضية؟ وكيف اتخذ قرار التوضيح داخل المكتب السياسي؟ وكيف استقال حليحل من منصبه بعد أن فرض عليه التوضيح؟ وبماذا اتهم حليحل في خطب الجمعة؟ ومن وراء كل هذه القضية؟ * "المدينة" ترصد القصة كاملة بتفاصيلها وتحاور حليحل حول الحدث

تقرير: مجد كيّال (عن صحيفة "المدينة" الحيفية)

"الملف الحليحلي" كان الاسم الذي أطلقه واحد من عشرات المدونين الذين ناقشوا بحدّه وعنف، من كل الطرفين الـ"متنازعين"، حول المقال الذي كتبه محرر صحيفة "فصل المقال" في حينه علاء حليحل، تحت عنوان "كابوس اسمه رمضان". النقاش امتدّ وتجاوز حدث المقال العادي بكثير.

كان الأسبوع الأول بعد نشر المقال "هادئًا نسبيًا"، وشهد ردود فعل غاضبة نوعًا ما من بعض قراء الصحيفة، الذين اعتبروا المقال "مستفزًا". في اليوم الثاني لنشر المقالة (يوم السبت) انعقد مجلس "التجمع" في الناصرة وفتح فيه تميم منصور، عضو المكتب السياسي للتجمع، النار على حليحل متهمًا إياه بـ "الكفر والإلحاد والزندقة والجهل"، وفسَّر مقاله على أنه "وقاحة وإهانة للمسلمين". لكنّ القضية كقضية، انفجرت بعد أسبوع من هذا، عند نشر منصور مقالاً في جريدة "حديث الناس" شنَّ فيه هجومًا كاسحًا على شخص حليحل ومقاله.

"التجمع" رأى من المناسب في مثل هذه الحالة أن ينشر "توضيحًا" للقراء في أعقاب المقالة. إلا أنَّ هذا التوضيح وصل أروقة الصحيفة ظهيرة يوم الخميس، من دون علم رئيس التحرير ومن دون مشاركته القرار. واعتبر التوضيح المقال "هذه التعابير لا تمثل موقف حزب التجمع وإدارة فصل المقال، وان نشرها في صحيفة فصل المقال كان خطأ"، الأمر الذي لم يقبله حليحل. وفي نهاية المطاف، قرّر حليحل الاستقالة من منصبه، وعدم قبول أن يفرض عليه توضيح للقرار من دون مشاركته، مبينًا أنّ أيّ توضيح من هذا القبيل أو غيره عليه أن يتم بالاتفاق مع رئيس التحرير على مضمونه، على الأقل، مع تشديده على رفضه المبدئي لأيّ توضيح كان.

بعد ثلاثة أيام من الحدث، اتخذت القضية شكلاً أكثر حادًا، حيث تقدم الناطق الرسمي باسم الحركة الإسلامية، زاهي نجيدات، برسالة إلى رئيس الكتلة البرلمانية للتجمع، النائب جمال زحالقة، طالب من خلالها بإقالة حليحل، واعتبر المقال يتضمن "استهتارًا واستهزاءً وشتيمةً لأحد أركان الإسلام الخمسة"، وأنه "مجموعة تطاولات على شهر رمضان المبارك وهو بالتالي مسّ بمشاعر كل مسلم ومسلمة." وطالبت الحركة الاسلامية "التجمع"، في خطوة غير مسبوقة لدى الأحزاب العربية، بإقالة حليحل من منصبه كرئيس تحرير.

الرسالة وصلت إلى كل المواقع الإلكترونية العربية، واحتلت الصفحات الأولى وحظيت باهتمام كبير. وردَّ الأمين العام للتجمع، عوض عبد الفتاح، للصحافة بعد رسالة الإسلامية هو أنّ حليحل كان قد قدّم إستقالته بعد كتابة المقال حين فُرض عليه نشر التوضيح المذكور. لكنَّ الامور لم تهدأ، وبدأ اهتمام القراء بها خاصة وأن التعليقات تجاوزت المعدل العام. كانت اللهجة الحادة ضد حليحل ومقالته واضحة إلى حدّ الإنفلات عليه، لكن أيضًا كان من بين المعلقين من اعتبر مقال حليحل يندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي، وأنّ من حق الكاتب أن يكتب بلهجته الساخرة.

وامتدّ النقاش حول القضية الاشكالية، وتجاوزت كونها في الشبكة، حيث علمت "المدينة" أنَّ القضية طرحت أيضًا في خطب الجمعة في المساجد في بعضٍ من البلدات العربية التي شنّت هجومًا كاسحًا على حليحل. واعتبر البعض الاتهامات لحليحل وصلت إلى وصفه أيضًا بـ "الكافر" و"المرتدّ". وقال حليحل، إنّ مثل هذا الهجوم "لا يمكن الاستخفاف به، ولا أعرف ماذا يمكن أن يختبئ من ورائه مستقبلاً".

"أنا لم أتغيّر"
"المدينة" طرحت على حليحل التساؤلات التي تطرحها أطراف متطلعة كثيرة حول التناقض بين حرية التعبير عن الرأي والمصلحة الحزبية. يقول حليحل: "حتى لحظة نشوء الأزمة لم أرَ أيّ تناقض بين الأمريْن. فأنا في حزب علماني منفتح وليبرالي يدعو لدمقرطة العرب ورئيسه يعلّم الديمقراطية للوطن العربي كله. برنامج الحزب وأدبياته تشير الى ذلك بوضوح. التناقض ينشأ في تغيّرات في الحزب نفسه، وليس في مبادئه. أنا لا أرى أيّ تناقض بين تحرير الجريدة وبين إيماني كفرد بحزب يمثل فكري ومبادئي."

يضيف حليحل: "الأمر المؤلم هو أنّ الطلقة الأولى في هذه الحرب خرجت من عضو مكتب سياسي للحزب وليس من خارج الحزب، والعضو ذاته نشر مقالا يهاجمني ويتهمني 11 مرة بالجهل والكفر والزندقة ويطالب بمحاربتي. هذا أعطى ضوءًا أخضر للحركة الإسلامية. لماذا نستغرب إذًا من الحركة الإسلامية؟! على الأقل الحركة الإسلامية لا تدّعي الليبرالية وتدافع بشراسة عن المقدسات والأمور الروحية ولا يدّعون الديمقراطية. هم لا يتحدثون عن العلمانية والتنوّر وفجأة إنتقلوا للتزمت، أي أنه ليس هنالك تحوّل عندهم، بل أنّ التحول عندنا، وأنا أربط كيفية تعاطي الحزب بهذه الأمور بالتحضير للإنتخابات وبحسابات إنتهازية غير مقبولة."

ويتابع: "من بدأ هذه الهجمة عليّ بدأها من منطلقات شخصية، ولمجرد أني طلبت منه تخفيف وتيرة الكتابة لإفساح مجال لكتاب آخرين في الصحيفة. فجأة يتحوّل هذا الشخص إلى مدافع شرس عن رمضان، في الوقت الذي كان قبل ستة أشهر يطالب بمنع النساء المحجّبات من دخول الجامعات، وكان من أعلام العلمانية الراديكالية."

انتقد البعض حليحل على استقالته من صحيفة "فصل المقال" و"تركه للمعركة"، بالرغم من أنّ حليحل يكشف أنه دُفع للإستقالة: "بالرغم من أني إنسان يميل للتمرّد وأحاول ان اجتاز كل الحدود، ولكني أؤمن بالنهاية بالمسؤولية الشخصية والهرمية المهنية والإدارية. عندما يريدني رئيس مجلس الإدارة أن أستقيل فلا يمكنني البقاء بالقوة. أنا دُفعت للإستقالة بشكل واضح، بعد أن فرضوا عليّ نشر التوضيح. هنالك قيادات في الصفّ الأمامي في الحزب ممّن تكلموا حاولوا امتصاص غضب الحركة الإسلامية بأني استقلت، وهذا أمر محزن ومهين لي وللتجمع، بدلا من أن يتصدى حزب التجمع لمحاولات فرض التدخل ويطالب بسحب طلب الحركة الإسلامية ويدافع عن نفسه ومؤسّساته وينتقل لموقع الهجوم كما يفعل أي جسم له هيبته وكرامته، ولكنّ الحزب لم يتصرف كبديل طلائعي ومتنور وعلماني، وأنا أستغرب من حزب يمشي وراء قائد تنويري يعلم العالم العربي الانفتاح والتنور، أن لا يحقق هذا الطرح في جريدته."

ويضيف: "بالأساس أرى أنّ هنالك سوء فهم أساسيًا لموقع رئيس التحرير. وظيفة رئيس التحرير لا أن يراجع عناوين الصحيفة ولا أن ينقح الأخطاء اللغوية، مع أنها من ضمن مهامه، وظيفته أن يضع أجندة الجريدة وخطها الفكري السياسي والإجتماعي، وظيفة الجريدة ومحررها هو أن يكشفا الفساد ويشعلا الحروب والنقاشات. يسألون لماذا رئيس التحرير يثير المشاكل؟ وظيفة رئيس التحرير هي عدم الخوف من المشاكل لإثبات قوة السلطة الرابعة. هذه هي هيبة الصحفي والصحيفة، وأنا بالأساس أجندتي الفكرية جزء منها من أدبيات الحزب وعزمي بشارة، وعملي هو تطبيق أسبوعي لفكر التجمع حسبما جاء في البيان القومي الديمقراطي وبرنامج الحزب وكتب بشارة، من لديه مشكلة فليُعِد قراءة هذه الأدبيات."

ويختم حليحل: "أنا كنت أمثل تيارًا، التيار الحرّ والليبرالي والمتنور، نحن تيار معارض للتحالف مع الحركة الإسلامية بأيّ ثمن، ولكن من المؤسف أنّ من عولتُ عليهم، والذين أشبعونا كلامًا وحديثا عن التنوّر وحرية المرأة والعلمانية وحرية التعبير، إختفوا فجأة. أين أنتم؟ يُحرَّض ضدّي في كل مساجد البلاد ولا أحد يكتب كلمة، حرفًا، لماذا هذا التخاذل؟ باستثناء ثلاثة مقالات داعمة لحرية التعبير بقلم نواف عثامنة ومرزوق حلبي وحنين زعبي لم ينبس أحد ببنت شفة. ولا الجمعيات ولا الأحزاب."

عبد الفتاح: نحترم حليحل ونختلف مع بعض ما جاء في المقال
ردًا على ما قال حليحل، يقول الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، عوض عبد الفتاح لـ "المدينة": "أولًا وقبل كل شيء نحن نفتخر بالكاتب والمثقف علاء حليحل كما يفخر كل مجتمع وحزب طلائعي بأدبائه ومثقفيه وكتابه. في المقال الذي كتبه حليحل أتت بعض الجمل والتعابير التي اعتبرها جزء من القراء مسًا بمشاعرهم، وقد كان نشرها خطأ في صحيفة تعرف بارتباطها بحزب التجمع الوطني الديمقراطي."

ويضيف عبد الفتاح: "نحن نتفق مع بعض ما جاء في المقال، ونشدّد على نبذ بعض العادات الاجتماعية السلبية في هذا الشهر مثل البذخ وعبودية النساء، أي سجن المرأة في المطبخ طوال الشهر. ولكنّ الكاتب طرح الموضوع بأسلوب لا يساهم في التغيير الإجتماعي الذي نؤمن به ويؤمن به الكاتب، ونحن نطالب بحوار حضاري وجدّيّ في القضايا الحساسة وغير الحساسة في مجتمعنا."

ويختم: "من جانب آخر نحن نرفض تدخل بعض الأوساط السياسية في إدارة صحيفتنا كوصيّ أخلاقيّ، ونستنكر تكريس هذا الموضوع لأغراض سياسية، فهذا ليس مسًا بحزب سياسي ولا حركة سياسية، بل هو مسّ بأحد أركان الإسلام، ونحن نرفض المسّ بأيّ ركن من أيّ دين ."



من أين سنأتي بالأمل؟/ فراس خطيب

من أين سنأتي بالأمل حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية؟

ما بالكم حين نجد أنفسنا، نحن الحالمين بكل عبارات "الغد الأفضل"، نعيش حالاً مؤقتةً، ومزمنةً بمضمونها، ندافع فيها عن زميلنا الكاتب علاء حليحل وعن حقه (حقنا) في التعبير عن رأيه في وقت تختفي فيه الأقلام، وتستل فقط عند اللاحاجة. ما قيمة القلم أصلاً حين لا ينتفض على الإجماع؟ وما قيمة حرية التعبير حين لا نكون بحاجة لها؟

نعم، إنَّها الحالة المأزومة ذاتها، حين تتحول المعتقدات الى "تابو" لا يكسر، فترانا صامتين أمام فيض التعليقات التحريضية ضد كاتب عبَّر عن رأيه، ونعجز في خضم ووابل الإتهامات وخطب أيام الجمعة في عددٍ من البلدات العربية، منحدرين نحو هاوية المجهول وسط تجاهل تام لأزماتنا الحقيقة.

من أين سنأتي بالأمل حين ينشغل بعض القادة بمقالة عن رمضان و"إسقاطاتها"، وحين يعود بعض "المحللين" إلى "حروب الردّة والمرتدين"، وتفتح الشكبة الإلكترونية على مصاريعها للهجوم على الكاتب، في وقت أنَّ الأزمات الحقيقية التي لا تحتمل التأجيل مستشرية ومتغلغلة ومتشعبة في اهتراء حاضرنا؟

قبل يومين فقط، قتلت إمرأة في عرب الشبلي في أعقاب "رصاصة طائشة"، وامرأة من أم الفحم قتلت بنفس الطريقة ولنفس السبب، وعشرات النساء يقعن ضحايا لـ "جرائم الشرف". القرى العربية يحتلها إطلاق النار، ولا أمن في المدن المختلطة على أنفسنا من أنفسنا، وهواة السلاح "غير المرخص" يطاردون الهواء بالرصاص في بلدات كانت قلاعًا وطنية. لكننا لم نلمس الإنشغال بهذه الجرائم كما شاهدنا الإنشغال بـ "مقال حليحل"؛ أليس القتل والإجرام مناقضًا لتعاليم الله؟

من أين سنأتي بالأمل، حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين، أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية، فمقولة "الناس بدها هيك"، تتغلب دائمًا، وتنعكس الحال على أنفاسنا في ظواهر تبدو وكأنها حضارية، لكنَّ مفعولها مثل أفيون يتسلل إلى صمت الشعوب: مراهقون رهينة "نور"، وشباب ترك المخدرات وأدمن على الشبكة. ومن يدور في القرى العربية ليلاً يشعر بمنع التجول. لا، ليس الحكم العسكري، إنهّ "العقيد" أبو شهاب في "باب الحارة". لقد تحول الشارع إلى جمهور من المتلقين، يعتنقون قوت اليوم ويتخوفون من إطلالة الغد. وماذا مع الشعب العالق في الحصار؟ لا بأس، "الجزيرة" ترصد الحدث. وماذا مع التضامن مع الشعوب المستضعفة؟ لقد تضامنا وناقشنا في "الفيس بوك". هكذا، يخرج مليون متظاهر في لندن ضد احتلال العراق وبالكاد يجتمع خمسون على إحياء لذكرى نكبة فلسطين في فلسطين، وعذرًا للبشرية، فنحن منشغلون الآن بمقالة خُيّل لبعض "المجتهدين" أنَّها "ضد رمضان".

نعم، نحن ندافع عن حرية التعبير عن الرأي مهما كانت، وبكل إشكالياتها وتفاصيلها ونقاشاتها وجدالاتها. وكنا أوائل من تضامنوا وكتبوا عن محاكمة رئيس تحرير "صوت الحق والحرية" التابعة للحركة الاسلامية (ومنهم حليحل) ودافعنا عن مقالة نشر في الصحيفة، ووقفنا الى جانب "صوت الحق" حين صدر أمر بإغلاقها من قبل "الشاباك". كنا إلى جانب "فصل المقال" في مواجهة السلطات الشرسة، وجئنا من عائلات احتفظت في الماضي بصحيفة "الاتحاد" حين كانت ممنوعة. ونحن أنفسنا، ندافع اليوم عن حرية تعبير الكاتب من دون قيدٍ أو شرط، من دافع الرصيد، لا الموضة، وندحض التحريض على الكاتب والزميل من دافع القوة لا الضعف. والدفاع ليس شخصيًا عن حليحل، فهو مبدع وصاحب قلم لاذع، نتكل على موقفه ويعرف كيف يدافع عن نفسه عند المحكّ، لكن دفاعنا يندرج أيضًا ضمن المبدأ وحرق معايير الازدواجية المستفزة. ألا يكفي خوض غمار الصمت والإزدواجية؟ وكيف لنا أن نبني بيتًا من الكلمة، حين يرمي بنا المنبر إلى غير رجعه؟

ننظر إلى يومنا، ويطرق بابنا بيان آخر، البعض من قادة "الوسط العربي"، يحلون ضيوفًا على مائدة رئيس الدولة، شمعون بيرس، ليتناولوا "الإفطار". هل تذكرون بيرس؟ قانا؟ أين البيانات والإدانات إذًا؟ ليت النيران التي وجهت للمقال أن توجه إلى الحالمين بـ "العيش والملح" مع "رئيس الدولة".

حلمنا ذات يوم ببناء أفق في السماء ومقاومة المستحيل في عهد يطوّق الأحلام. حلمنا بواقع أفضل فيه الحضارة والرأي والجريدة والمقهى، لكنَّ اختلال التوظيفات فينا أبعدَنا عن ذلك الهدف المنشود، المبتعد أكثر من عام إلى عام. وتقلص الحلم، هل تعرفون إلى أي حدٍ تقلص؟ إلى حدٍ صرنا نحلم بأن يختلف إثنان على فكرة في أحد المقاهي، ويغادران الطاولة مبتسمين... وسالمين.


الحريات ليست ترفا! / مرزوق الحلبي


لا فارق بين إقالة علاء حليحل، من رئاسة تحرير أسبوعية "فصل المقال" وبين استقالته ما دامت ملابسات ذلك هو كما أُعلن، وفي محورها مقاله النقدي الحادّ لسلوك جماعي يرافق حلول شهر رمضان. فهذا الوجه الظاهر للموضوع والذي يحبّ الغاضبون على علاء أن يبرزوه. لكن هناك الوجه الآخر الكامن في مفهومنا لحرية الرأي والإبداع وهو ما يتواضعون في الحديث عنه ومناقشته، وليس صدفة طبعا. وتأخذنا موضوعة حرية التعبير إلى الوضع الحرج لمن اختاروا الكتابة حياة لهم وحقلا لوجودهم. فاستقالة علاء أو إقالته في نهاية الأمر إقالة أو استقالة لحرية التعبير.

كان مقال حليحل نقديا بامتياز لم ينحصر في نقد ما نُجمع على نقده بل انبرى بذاتية إلى تبيان ما يضايق الكاتب شخصيا من الصائمين. وكان الأمر كافيا لسيل من ضغوط على "التجمّع الوطني" الذي تصدر "فصل المقال" عن شراكة اقتصادية لأوساط فيه ومحسوبة عليه. وخيّل إليّ في لحظة ما أن مظاهرات ستخرج تنديدا بالكاتب وفتاوى ستصدر بإهدار دمه. وقد قرأنا في التعليقات الإنترنيتية في عديد من المواقع نزعة كهذه. لكننا قد لا نتوقع من الأصولية الدينية مهما تكن مسمياتها إلا أن تمارس "حقّها" في فرض تصورها أو إيمانها على غير المتدينين. لكننا نستهجن حديث المشاعر وضرورة احترامها وهو الادعاء الأساس في الانقضاض على حليحل. فتصوّروا أن حديث المشاعر هذا طغى وتجبّر، عندها لن تقوم لنا حرية أوسع من خرم إبرة ليس تجاه الدين فحسب بل تجاه التاريخ وتجاه طائفة وتجاه مجموعة وتجاه قرية وتجاه حزب! ولنفترض أن حليحل كان أحدّ مما ينبغي، فهل هذا سبب كاف مقنع لإقالته/استقالته؟ ألا يحقّ أن يكون له أسلوبه المميز الخاص في التعبير الذي قد لا يروق لي أو لك أو لها؟ أليس امتحان حرية التعبير هو بالذات عندما لا نتفق مع اتجاه ممارسة هذه الحرية؟ وهو بالذات عندما نسمع الرأي الآخر أو النقيض؟ ألا تتقاطع أو تتشاطب حجة المشاعر بضرورة التسامح مع المختلف؟ ام أن كل ثقافتنا السياسية ما هي إلا شعارات كبيرة فارغة لا رصيد لها عندما تقع الواقعة؟

وفي موضوعة حرية التعبير بعد آخر هنا وهو هل هي تشمل الحقّ في نقد "المقدّس"؟ ولا نقصد هنا المقدّس الديني فقط بل "المقدّس" المفترض، أو "الثوابت" في الخطاب الوطني. إلى أي حدّ يستطيع واحدنا أن يشكل قانون النفي لهذا المقدّس من موقع الجماعة ومن داخلها؟ أجدني شخصيا من المؤمنين بحرية الاجتهاد في نقد "المقدّس" مهما يكن مصدره وفي الاستئناف على مجرّد اعتباره كذلك. ولا أعتقد وجود ضرر من حرية الاجتهاد مقابل الأديان والمعتقدات وعلى خط المواجهة معها ومع الموروث المرتبط بها. وهي ليست حالة غريبة في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، وينبغي ألا تحجب مشاهد الأصولية والظلامية الراهنة، كما تجلّت في الانقضاض على حليحل ـ ومن قبل منع الفنانة أمل مرقس من إقامة عرضها الغنائي "نعنع يا نعنع" ـ حقيقة انفتاح الثقافة العربية في مراحل ممتدة منها على تيارات ومذاهب واجتهادات مدونة أثرت الثقافة العربية والعرب وارتقت بهما. ويكفي أن نشير إلى عصر التنوير العربي لندلّل على أن المشهد الأصولي الراهن ليس قدرا ولا هو في حكم "المقدّس" المطلق والنهائي! سيتبدّل المشهد مثلما تبدّل غيره وإن كان مُمضًا قاسيا على العقول بشكل خاص. لا نهوض بدون حريات ولا تنوير بغير حرية إبداع واستئناف واكتشاف وتقويض وتفكيك باعتبارها أفعال تجسّد القانون الثابت الوحيد وهو أن لا شيء ثابت.

والسؤال الأساس موجّه للقائمين على أسبوعية "فصل المقال" الذين لم يمنحوا كما يبدو الكاتب حليحل حيزا كافيا من حرية مأمولة من كل كاتب محترف خاصة إذا كان ساخرا أو قاطعا شوطا طويلا في هذا الباب. صحيح أن المُقدم على العمل في صحيفة حزبية يُُدرك أنه سيكون مقيّدا بحدود النظرية والعقيدة وتخوم التنظيم الحزبي ومصالحه. لكنه، يتوخى، أيضا، أن يُمنح متسعا ليعمل بحرية ما. موقع إشكالي ومُربك يقضي بتطوّر ورم كتابي خطير اسمه الرقابة الذاتية يصيب نفسية الكاتب. فيلجأ إلى الاختزال أو الإلغاء في تعامله مع نفسه المُبدعة. ويصبح "لا مبدع" في المحصّلة. وهنا، عندما قرر حليحل رفع الرقابة الذاتية عن ذاته أتته الرقابة الخارجية مدججة بكل الذرائع. ويبدو أن حظه سيء لأن مقاله أتي في وقت يغازل "التجمع" فيه الحركة الإسلامية حول صيغة قائمة تحالف عشية الانتخابات البرلمانية. فكيف يستوي الغزل مع الهجاء ـ إذا صحّ التعبير؟ أو كيف سنوفّق بين حرية التعبير وبين المصلحة الانتخابية في حال يبدو فيها "التجمّع" الأكثر تهافتا على التحالف؟ لا يُمكننا أن ننسب لأسبوعية "فصل المقال" التي لا نستطيع "اتهامها" ـ كأي صحيفة لحزب أو تيار أو حركة هنا ـ البلاء الحسن فيما يتعلّق بحماية حرية التعبير. لكننا نتوقّع بعد هذا العمر وهذه "النضالات" ضد القمع السلطوي وخنق الحريات ودوس الحقوق ومن أجل إعلاء شأن الذات العربية في هذه البلاد، أن تفتح أذرعها قليلا لتتسع لشطحات علاء حليحل أو غيره ولحرية التعبير حتى وإن طرفت العين أو لسعت القلب! والحقيقة أنها لم تشذّ في تعاملها مع مقال حليحل عن صحف أخرى ومنابر كثرت مثل الزبدة على العرب دون أن تُتيح تعددية حقيقية في الرأي وجريانا حرا للمعلومات حتى لكتابها أو العاملين فيها.

كنا جزمنا من قبل أن الأصولية ليست هناك خلف الحدود بل هنا، أيضا، تنمو وتمتدّ كأنها المقياس لكل شيء، محور العالم ونقطة البيكار فيه والحكم والحاكم. هذا فيما العقلاء منّا والمنفتحون والمتحررون من أنشوطة الذات والهوية و"المقدّس" يتذرعون بانشغالهم بمواجهة اضطهاد الآخر وظلامية سياساته متوهمون أننا لا بدّ سنكسب الرهان. بينما الحقيقة أن كل تنازل للأصولية اليوم وكل رضوخ لمقدّسها وكل مسايرة غرضية، وكل تجاهل لحقيقة الاستبداد إنما يقرأ الفاتحة على روح حرية التعبير وقيم الحياة الأخرى وفي أساسها كرامة الإنسان وحقّه في أن يكون كما يحلو له. وعليه، وجب أن نقف مع حليحل وإن اختلفنا معه ومع حرية التعبير وإن كانت تبدو، في بعض الأحيان، في اتجاه معاكس. حرية التعبير ليست مسألة مختلف عليها بيننا وبين السلطة الإسرائيلية فحسب، بل هي موضع خلاق بيننا وبين السلطة الدينية أو الحزبية أو الذكورية داخل مجتمعنا. وحريّ بالذي يدّعي أن يواجهها على صعيد العلاقة مع الآخر أن يُقنعنا أنه يواجهها في مستوى العلاقة مع الذات وإلا فليكفّ عن الكلام!


(دالية الكرمل marzuqh@gmail.com)

ليس دفاعا عن حرية النشر بل من أجل حرية العقل/ نواف عثامنة


أن يضطر محرر صحيفة فصل المقال للاستقالة (مجبرا لا بطل)، فهذه حالة تعكس بؤس حالة مجتمعنا والضحالة الثقافية التي نعيشها، أما أن يقوم حزبه بإصدار بيان يتنكر فيه لمحرر الصحيفة الناطقة باسمه فهي حالة من التخاذل والتملق (رحم الله ميكيافلي وأميره).

كان حزب التجمع بسلوكه هذا قد دفع الزميل علاء حليحل للاستقالة بأعقاب نشر مقالته "كابوس اسمه رمضان" بتاريخ 22.08.2008 في فصل المقال. وجاء ذلك متزامنا مع حملة تطاول شرسة قادتها الحركة الإسلامية حيث وصلت بها الوقاحة المطالبة بإقالة علاء حيلحل. فمهما كان مضمون وأسلوب مقالة حليحل، لا يحق لأي كان المطالبة بصلبه وجلده. فحرية الرأي فوق "حساسية" الحركة الإسلامية وأهم من تشنجاتها.

لا أكتب هذا المقال دفاعا عن "حرية النشر" رغم أهميتها، بل دفاعا عن حرية العقل. فمقالة الزميل علاء حليحل تقع ضمن الحريات الطبيعية الثابتة التي لا يجوز المساس بها بأي ذريعة كانت. وخاصة أنها تعبر في مضمونها عن موقف صادق وصحيح لا يختلف عليه عاقلان. وهي صرخة الم واحتجاج عما أقحم عنوة وزورا على شهر الفضيلة المبارك. وردت في المقالة بعض التعابير غير الموفقة، كان حري به عدم استعمالها. كما تضمن المقال تعابير استعلائية مرفوضة. ولكنها تبقى تعابير هامشية غثة لا تلغي سمنة وصدقية المضمون، ولا يجوز استغلالها شماعة نعلق عليها جهلنا وتخلفنا لشن هجمة تحريض وتكفير.

موقف الحركة الإسلامية لم يكن مفاجئا، وخاصة وأننا قد خبرنا على مدار عدة سنين حملاتها المعادية لكل ما هو تقدمي ومتنور. أما المفاجئ والمخيب للآمال، فهو موقف وسلوك حزب التجمع؛ هذا الحزب الذي يطرح نفسه حزبا ديمقراطيا ليبراليا وعلمانيا، يحمل برنامج تحرر نهضوي. فبدل الوقوف مع محرر الناطقة بلسان حال الحزب والدفاع عن الموقف السليم، فضل التجمع نشر بيان أقل ما يقال فيه أنه متخاذل ومهادن. أما إن لم يكن هذا الموقف مفاجئا بل يعبر عن موقف التجمع، فهنا الطامة الكبرى. في هذه الحالة يكون التجمع قد خان رفاقه وتنكر لرسالته هو.

إن ما طرحه الزميل علاء حليحل في مقالته، هو في صميمه دفاع عن شهر الفضيلة وعن أهدافه. من يسيء حقا لهذا الشهر، هم أولائك المبذرون والمسرفون والمتباهون بكروشهم.

شهر رمضان المبارك هو شهر التواضع والتقشف والإيمان. وفي هذا السياق صدق الزميل علاء حليحل بنقده لما أُقحم علي شهر رمضان زورا وبهتانا من عادات أفرغته من مضمونه وأفسدت رسالته. ثمة جملة أو اثنتان في مقالة حليحل كان من الضروري الاستغناء عنهما، لما تتضمنه من مس بمشاعر الصائمين، الأمر الذي يجب ادانته. ما عدا ذلك فكل ما ورد في المقال صحيح وعلى كل مؤمن عاقل أن يتبناه.

وعطفا على ما ذكر في مقالة علاء حليحل نذكر أن أمتنا العربية من محيطها إلى خليجها تتربع على أسفل درجات الإنتاج، تعاني من الفقر ومن الجهل. وكان حريا بها استغلال شهر الفضيلة لمراجعة الذات والبحث عن طرق لإصلاح حالها. لكن الواقع عكس ذلك تماما. فبدل معالجة الأمية المستشرية في هذه الأمة، يتم استغلال رمضان لتعميقها. فخلال هذا الشهر وبسبب "توقيت رمضان" يخسر بناتنا وأبناؤنا نحو نصف يومهم الدراسي. فما علاقة ذلك برمضان، لماذا يجب أن يبدأ اليوم الدراسي الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة وينتهي الساعة الثانية عشر ونصف؟ اليس في هذا مساهمة في الجهل والتجهيل؟ والشيء ذاته بما يتعلق بيوم العمل. فهل نحن في وفرة من الإنتاج حتى نسمح لأنفسنا بخسارة نصف شهر العمل خلال رمضان؟ أليس في هذا التصرف تشجيع للكسل، والسلبية والاتكالية؟

وبما أننا أمام هذا التشويه الذي اعترى شهر رمضان، وما دمنا لا نستطيع تخليصه من الشوائب وإعادة مضمونه الأصلي إليه، فأضعف الإيمان أن يكون بيننا من يجرؤ على قول كلمة حق.

الخميس، 11 سبتمبر، 2008

علاء حليحل/ بيار أبي صعب

جئنا نحتفي بزميلنا علاء حليحل، في مناسبة صدور روايته «الأب والابن والروح التائهة» عن «دار العين» القاهريّة (راجع المقالة في مكان آخر من صفحة «كتب»)... فإذا بنا نتضامن معه، وندافع عن حقّه في التعبير والتفكير.

في مجلّة «فصل المقال» التي تصدر من فلسطين التاريخيّة (22 آب/ أغسطس الماضي)، يتوقّف الكاتب الفلسطيني الشاب أمام «البذخ والتملق والنفاق والكذب والضحك على اللحى...» في رمضان. بأسلوب لا يخلو من الجرأة ــــ لكن ما عسانا ننتظر من الكاتب، أي كاتب، إلا الجرأة في مواجهة مجتمعه وعصره؟ ــــ يتناول المظاهر الاستهلاكيّة الطاغية عليه، متأففاً من جوّ يخوّل فيه المرء نفسه ممارسة الرقابة على الآخرين، و«يربّح ربّه جميلة» أنه صائم! يطلق حليحل العنان لرؤيته الساخرة التي تستمد جذورها ونبضها من مدرسة إميل حبيبي، فتبدو مرافعته الهذيانيّة، للوهلة الأولى، كأنّها ضدّ الشهر الكريم نفسه، وخصوصاً من خلال عنوانها الاستفزازي: «كابوس اسمه رمضان»، فيما هي لعبة أدبيّة تتعمّد التضخيم، متّسمة بخفّة الظل التي عوّدنا إياها علاء... ونقدٌ اجتماعيٌّ وسياسيٌّ يفكك الظواهر البشريّة التي تقف خلف الدين وطقوسه وشعائره.

تلقّى جمال زحالقة رئيس قائمة «التجمع الوطني الديموقراطي» في الكنيست، رسالة من «الحركة الإسلامية» رأت في المقالة «استهتاراً واستهزاءً وشتيمةً...»، فازداد الضغط على علاء الذي استقال من رئاسة تحرير المجلّة الناطقة باسم الحزب المذكور. إنّه القهر الجماعي يحكم علينا الحصار، يشلّ العقل ويزجّ بالأفراد في ظلام التعصّب والتحريم. وكلما مضينا في انحطاطنا، ربح العدو الإسرائيلي جولة جديدة!