الثلاثاء، 24 فبراير، 2009

يا كتاب العالم انتحروا!



أبحث في الإنترنت عن اسم عربي لهذه اللعبة، تعرفونها، الدائرة الفلينية التي تُعلق في البارات وتقسم إلى دوائر، لتلقوا السهام نحوها كي تصيبوا أقرب منطقة إلى الدائرة الحمراء الصغيرة في الوسط والتي تعود عليكم بمئة نقطة كاملة. الإنترنت لا يفهم عليّ لأنني لا أعرف صياغة السؤال بشكل دقيق. ألقي السهم تلو السهم وأعد النقاط. من حسن حظي أنني لم أولد في عصر يستوجب الرماية الحسنة.

أفكر في إشعال سيجارة. لا، الآن أطفأتها. آكل قليلا من "الأبروبو" وأنظر إلى الشاشة. ما زلت في المشهد الثاني. تُعسًا. أتذكّر ملاحظات عامر أخي على النصّ الذي يجب أن يتطور إلى مسرحية من إخراجه. أصعب ما في الكون أن تتلقى ملاحظات صائبة. فكيف ستحاربها إذًا، وكيف يمكن أن تتكاسل في وجهها؟ فعلى الرغم من كل شيء- توجد أخلاقيات للكسل!

الكرسي غير مريحة. أكاد اقول غبية. ساشتري له كرسيًا جيدًا في عيد ميلاده. متى عيد ميلاده؟ في تشرين الأول، في أكتوبر، شهرنا الرمزي. عيد ميلاد عمري في أكتوبر أيضًا. لقد تجاوز السنة بأربعة أشهر وصار "يطرطش" كلمات هنا وهناك. أتذكر عمري وأضحك وحدي. هذا أحد شروط الكتابة الأساسية: أن تجلس وتضحك أو تبكي أو تتكلم وحدك.

ما أصعبها هذه المهنة، الكتابة؛ أدور حول نفسي، أقوم، أقعد، أملأ كأسًا جديدة، أشعل سيجارة، أتأمل الكتب التي في مكتبة عامر وأحاول أن أتذكر أيّها لطشها مني عندما افترقت خطانا في خريف 2004، وقسمنا "التركة" المشتركة (هو أخذ كل شيء عمليًا لأنّ أم محمود أبت أن تُدخل عش الزوجية أيّ شيء من "كراكيب" شارع هيلل الحيفاويّ التي كانت تحتقرها وتتعامل معها بازدراء كبير). أتحايل على الكسل، على الصعوبة في التركيز في مشهد مسرحي يأبى أن يحلّ نفسه بنفسه.

عندما أصدر روايته الأخيرة، قبل شهور عديدة، قال حنا مينا لصحيفة "الأخبار" البيروتية: "حتى أنّني لم أكمل روايتي الأخيرة لضجري من الكتابة، هذه المهنة الشاقة". إنها مهنة شاقة وغادرة، لا يمكنك التمكّن منها أبدًا، كما لا يمكنك تركها. أحدهم قال مرة إنه يكتب لأنّ هذه أكثر مهنة يتقنها. بهذه البساطة. وكيف يمكن للمرء أن يعرف أنّ هذه أكثر مهنة يتقنها؟ هل أكون نجارًا أكثر مهارة من كوني كاتبًا وأنا لا أعرف؟ كيف أعرف ذلك؟

هل الكتابة مهنة الكسالى؟ لماذا أجلس الآن عاجزًا أمام شاشة اللابتوب ولا أعرف كيف أكتب جملة واحدة من الحوار الأول الذي سيفتتح المشهد الثالث؟

في البداية اعتقدتُ أنّني بحاجة إلى الوحدة كي أكون كاتبًا. "الشرط الأساسيّ للكتابة هو الوحدة"، كنتُ أصيح في المقاهي والبارات، وأكمل: "إذ كيف يمكن للمرء أن يكتب ويقرأ (عفوًا، أتراجع، القراءة هي الشرط الأساسي للكتابة) بصحبة الناس؟ أليس الكاتب/ة مخلوقًا أنتي إجتماعي وأنتي اختلاطي؟ وإلا، فكيف يبدع؟ لقد ظنّ الكثيرون أنّ الجلوس في مقاهٍ تدّعي الثقافة يصنع من المرء مثقفًا أو مبدعًا، أو على الأقل- يجعل الآخرين يعتقدون بأنه كذلك. على شاكلة: أنت في المقهى إذًا أنت غوستاف فلوبير!

أشتم جلاس المقاهي الكسالى وأنا لا أعرف كيف أتحرر من كسلي. ربما لا يكون كسلا. سأسميه مخاض الولادة. ما أجمل اللغة حين تعينك على غسل ضميرك. أنا في مخاض ولادة عسيرة لعمل مسرحي جديد. أشعر فجأة بأنني بطل تراجيدي إغريقي أو مشروع شهيد على الأقل. أغلق الموبايل. لا أريد إزعاجًا. تمرّ دقيقتان. هل اتصل أحد بي؟

أتعذب في تعريفي الجديد. أريد قهوة. أليس من يصنع القهوة لكاتب معذب؟ أبرم في شقة عامر. هربت إليها طلبًا للعزلة والآن أملّ العزلة. أبعث إيميل لأم محمود. خطوة خاطئة! ستردّ بالتأكيد: هل تركت البيت كي تبعث إيميلات؟ تعسًا للعالم! أيّ خطأ إستراتيجي هذا.

أنظر إلى الحوار في نهاية المشهد الثاني؛ هل هذا جيد؟ لماذا لا أكتب مسرحية "عادية"، بلا ساتيرا وسخرية؟ أليس من الأسلم أن أكون فلسطينيا جيدًا، يكتب عن آلام شعبه ويتأوّه مع الجماهير؟

قال أحدهم مرة إنّ كتابة الكوميديا هي من أكثر الأمور تراجيدية في العالم. صحيح يا عزيزي المجهول صحيح، ولكنّ القراءة الأولى للنصّ بعد يومين، وأنا في المشهد الثاني. هل هناك تراجيديا أكبر من هذه؟؟