
02 نوفمبر, 2011
تبارك اسم الكوندوم

سأبدأ المقالة بالسّطر الأخير: تخلفوش كتير
(أو بالمرة(!
فقد احتفل العالم، أمس الأول، بولادة طفل المليار
السابع: الرفيقة دنيكا مي كماتشو دخلت التاريخ من أوسع أبوابه بمجرد إطلاقها لزعيقها
الحادّ في توقيت حاسم. التاريخ ينتظر بطولاتها القادمة. لكنني أشك إذا ما كانت ولادتها
بطولة ما أو حدثًا ذا فأل خير (على المستوى العام وليس الخاص. تتربى بعزّ أهلها). وكلمة
عزّ هنا هي مربط الفرس: أيّ عز ينتظر الكوكب الأرضي مع عشر أو إثني عشرة مليار من الكائنات
البشرية التي تدبّ على اثنتين (وتأكل وتتبرز مثل التي تدبّ على أربع)؟
جميع المؤشرات تدلّ على أننا كبشرية ماضون بسرعة
كبيرة نحو انفجار سكّانيّ مُهلك. لقد بدأ الأمر في أفريقيا: أناس كثر وطعام وماء قليلان.
إذا انهار الاتحاد الأوربي بعد سنتين مثلا (اللهم حافظ عليه، فلدينا بروبوزولات عديدة
في الدُرج) فمن سيطعم مليارات الجائعين والمرضى والعطاشى؟ الغرب يدفع ضريبة استعماره
الآن بمُسكّنات “إنسانية” فوتوجينيك، لكنها بالأساس حلول ووقاية يسعى من أجلها الغرب:
فهو يطعم الجياع في بلدانهم كي لا يبدأوا الزحف باتجاه دُوله.
البشرية –كعادتها- غبية في المحصلة: حروبات ونزاعات
وإهلاك قاتل لقطعة الأرض الصغيرة التي تقلنا منذ دهور سحيقة في رحلة كونية بلا خارطة.
نتكاثر بلا وعي ونقول: الرزق على الله. المشكلة أنّ أحدًا لم يوقع عقدا معه بشأن المصروفات
السنوية لإطعامنا. يسمونها “كوتا”. أين الكوتا أبا عيسى؟
الهندسة الوراثية التي تهدف لمضاعفة المحاصيل الزراعية
تجعل من طعامنا مأكولات بلا طعم حاملة لوباء سرطانيّ محتمل سيحصد الأخضر واليابس. ما
نحن بحاجة إليه اليوم هو “كيّ القرص الصلب” (بلغة الاحتلال الإسرائيلي الهايتكيّة)
لمفهوم العائلة والتناسل والبقاء. فلنقل منذ اليوم: ابن(ة) -وربما اثنان- لا أكثر.
الكرة الأرضية ضاقت ذرعًا بنا: نلوثها كالمجانين
ونمصّ خيراتها حتى الثمالة. نتركز في الصراعات المرحلية وننسى الصراع الأكبر بيننا
وبين هذه المساحة المُعطاة الصغيرة من الأرض. نحن في مواجهة معضلة بسيطة جدا: كي يستمر
الجنس البشري عليه أن يتقلص. بهذه البساطة. لا نريد (أنا على الأقل) 10 مليارات من
الناس بعد عشرين سنة (على أكثر حدّ) فليكونوا سبعة مثل اليوم. فليكن عدد المولودين
بعدد الراحلين. تحديد النسل الكوني هو أمر الساعة وملاذنا الأخير المتاح. لن ينفعنا
“الآيفون سبعة” بعد عشر سنوات. هل سنأكل آبس بدلا من البندورة؟
هذه مهمة صعبة وأعتقد أنها شبه مستحيلة ولذلك يجب
أن تكون دكتاتورية وقمعية. على كلّ دولة أن تجمع مواطنيها وتقول لهم: حسنا، لهونا كثيرًا
وتضاجعنا كثيرًا، ولكن ردّدوا معنا الآن رجاءً بصوت واحد: ك..و..ن..د..و..م.. نعم بالميم
وليس بالنون. الكوندوم هو مُخلص البشرية ولذلك يجب صنع بعض التماثيل له والدوران من
حولها مرتين أو ثلاثا في السنة، فعدد سكان الأرض لا يسمح بموسم طواف واحد للجميع.
“يا عمال العالم خلصوا برّه!” هو شعار المرحلة؛ تبّتْ يدا (وخصيتا) المخالفين
ولتقع عليهم أقصى العقوبات. وإذا كانت البشرية بحاجة إلى “ستة-عشرة” أبناء وبنات في
السّابق للفلاحة وكسب الرزق (والطوش الحمائلية)، فما الحاجة اليوم لثلاثة أو أربعة
أو خمسة أطافيل؟ من يستطيع اليوم تعليمهم وتربيتهم وتنشئتهم كبشر منتجين ونافعين في
ظروف الحياة الراهنة؟ ماذا سيأكلون وأين سيتعلمون وأين سيسكنون (هم وأزواجهم وأطافيلهم)؟
قد يبدو تحديد النسل القسري أمرًا غير ديمقراطي
ولكن لا بأس- فلتذهب الديمقراطية للنوم في هذه المسألة، لا يهمّ؛ قليل من التعسفية
تنقذ حياة الإنسان. لا مجال للالتماسات الآن وعلى جمعيات حقوق الإنسان أن تصمت في هذه
المسألة وإلا فإنّ ناشطي حقوق الإنسان المرفهين سيضطرون بعد عشرين سنة لمشاركة الناس
الذين يدافعون عنهم طعامهم وأسرَّتهم. بيناتنا: هل تريدون ذلك حقا؟
أخواتي وأخواني: توقفوا عن الإنجاب مثل الأرانب؛
فكروا بأطافيلكم والمستقبل الأسود الذي ينتظرهم. تذكّروا أحد الكليشيهات التي تحبّون
تردادها بسطحية عابرة: الكيف لا الكمّ. خزّنوا طاقاتكم ووفروا مجهودكم لليلة واحدة
ناصعة، تحتفلون فيها مع الأصدقاء والأحباب، تعلنون فيها: الليلة سنزرع ثمرة حياتنا
وسنهتم بأن تكون متفرّدة وجميلة ولا تتكرر.
(ملاحظة من أجل النزاهة: محسوبكو شارك في إنجاب
دُشة وإم الدشة مُصرة على ولد آخر، لكنني أرفض بتعنّت. لا أعرف إلى متى سأصمد. تقبل
التبرعات بالفيزا والشيكات…)
26 يونيو, 2011
“لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”
نتآمر، دُشَّة وأنا، فنسرع إلى غرفة النوم. أحملها فتقف على الفرشة الواسعة وأعُدّ: واحد، تنين، تلاتي… تبدأ بالضحك بعد كلمة “واحد”، ثم ألقي بها إلى الخلف لتقع على المخدّات واللحاف فرِحةً صارخة. ثم تبدأ وصلة “الجَّحشَنة” التي لا تنظر إليها أم الدُشة بعين الرضا. لكننا –دُشة وأنا- نحبّها حبًا جمًا. نتصارع، نعضّ، “نُزغزغ”، نطرب فرحًا وضحكًا عند القيام بالحركات التي تحبّها الدُشة الممتلئة طاقة. في مثل هذه اللحظات أشعر بأنني خارج نفسي، خارج حدود المرئيّ والمسموع؛ أشعر بأنني ضيفٌ سعيدٌ مُرحَّب به في بساتين دُشة اللامتناهية.
دُشة صديقتي الحميمة. عمرُها الآن السنة ونصف السنة ورغم ذلك فإنها تشاطرني ساعات البيت بعد العمل، مثل رفيقة مخلصة. أفرش لها الطعام مرتيْن (على الأقل) قبل أن تنام. دُشة تحبّ الطعام. عندما أسألها “هَم؟” تبدأ بالركض صوب المطبخ والهمهمة بفرح: “هَم! هَم!”. دُشة أخذت مني شهيتي وكرشي وجبهتي الواسعة (أنا أدّعي أيضًا أنها أخذت مني العينين والخدّين والشعر وكل ما هو جميل فيها، ولكنني سأمتنع عن مثل هذه التصريحات لأنها تغيظ آل بكر أجمعين، وخصوصًا أم الدُشة).
دُشة تحملني على شحذ ذهني دومًا؛ فهي ممتلئة بالطاقة والحركة، تملّ بسرعة، تحبّ التشويق والتغيير والبحث الدائم. ترفض التكرار ولا تحبّ منه إلا ما يُضحكها- وحتى ذلك إلى حين. أضطرّ إلى مجاراتها في كلّ هذا، أنا الرّوتينيّ المنهَك دومًا من الروتين. أتذكّر الغناء فجأة، فأغني لها. أحبّ أن أغني لها “هالأسمر اللون” (بصيغة سناء موسى). وفي أحيان كثيرة أتذكّر صوت إم الدشة وهي تتحسّر: “ولك البنت رح تطلع خرسا إزا بتضل معك!” (دلالة على إقلالي في الكلام)، فأبدأ بالحديث معها وهي تجلس في العربة الخضراء وأنا أدفشهما في منتصف شارع بن عامي في عكا، فأسألها عن صحتها وعن رغبتها في الشرب أو الأكل، لأكتشف أنها نائمة بابتسامة سعيدة.
دُشة تعلمني الرسم من جديد. أتذكر أنني أحمل اللقب الجامعي الأول في الفنون الجميلة، رغم أنني اعتزلت الفن فور حصولي على الشهادة (وهذا كان من أجمد وأنجح القرارات التي اتخذتها في حياتي). نشتري لها الألوان والدفاتر الكبيرة ونتبطّح على السّجادة في الصالة ونرسم معًا. كرمالها تعلمت من جديد أن أرسم الأبقار والزّرافات والكلاب والدِّيَكة والشجر. ثم اكتشفتُ أنها تُحبّ أن أرسم نفسي لها، فلا تخلو جلسة رسم من بورتريه شخصي لي، يثير ضحك دُشة، خصوصًا عندما أرسم النظارة المربعة فوق العينين. تضحك باسمة ثم تصيح: “بابا”. فأذوب.
دُشة عكية حقيقية: جميلة، ذكية، قوية، جدعة، مشاكسة، عنيدة، مْحَصْنِة. ابنة السّاحل بجدارة، السّاحل الذي يحوّل سُكانه إلى “حربوقين” وجدعان، يرطنون بلغات الكون المطلوبة للتجارة ويطوّرون العادات اللازمة لمدن الساحل من الاختلاط بالأغراب واعتماد حياة الصيد (على جميع أنواعه!). أب دُشة فلاح بلا أرض ونازح بلا فخر، وأمها ساحلية تعمل ببطاريات دوراسيل، ودُشة تفوقنا الاثنين معًا- وبجدارة. إنها قنبلة طاقة، تستفزّ الجّسد الصّدِئ والنفس الهادئة (أو المُستسلمة). دُشة زنبرك الحياة ومَكُوكها، ومن لا ينضمّ إلى إيقاعها سيخسرها في برهة.
دُشة بدأت تتكشف عن ولع بالأحذية. مؤخرًا، صارت تدور في البيت حاملة حذاءها الصيفي الفضي، وتبرطم وحدها وهي تبرم فيه بالبيت. في البداية اعتقدتُ أنها صارت تحبّ الأحذية لأنها ترمز إلى إحدى الكلمات المفضلة عندها: “باي”. وباي هذه ترمز بكلّ وضوح إلى مشوار طارئ بعد الظهر أو إلى المشوار اليومي الصباحي إلى بيت حاضنتها، أم شادي. دُشة تحبّ أم شادي كثيرًا، وأم شادي تحبّ دُشة كثيرًا. وأية كلمة “باي” ترتبط عند دشة فورًا بأم شادي. لكنني –والحديث الآن عن الأحذية- أعتقد أنّ دُشة بدأت تطوّر العلاقة الحميمة المعروفة بين النساء والأحذية، منذ الآن. على هذا المنوال ستنتف البنت حاجبيْها الكثيفيْن بعد شهرين!
دُشة قوية حتى الفزع. عندما ننزل سوية مع الطابة للعب في الساحة الكبيرة المحاذية للمنزل، تستولي عادة على طابات الأولاد الآخرين الذين يكبرونها سنًا وحجمًا. في المرة الأخيرة اختطفتْ طابة التوأميْن ابني الثالثة أو الرابعة وبدأت تركض نحو البيت. بالكاد أمسكتها وأعدتها إلى السّاحة وهي تصرخ وتعربد، ولكنها أصرّت على احتضان الكرة والنظر بشكل مخيف صوب التوأمين وهما يُمسكان ببنطال والدهما بجزع بادٍ. مثل هذه المواقف تثير خوفي من قوة هذه الابنة، لكنها في الوقت نفسه تثير فرحي لأنّ ابنتي قوية. مثل هذه الحياة الخرائية بحاجة إلى عكية أصلية كدُشّة.
لم أكتب لدُشة أو عنها منذ المقالة الوحيدة التي كتبتها بعد ولادتها بشهر. كنتُ مشغولا حتى الآن بالتعلم، بدراسة طباعها والمهام المَنوطة بها. لقد سرقتني دُشة حتى نسيتُ الوعد الذي قطعته على نفسي بحرارة: أن أكتب لها وعنها كلّ شهر على الأقل (كنت رح أقلعِطكو). لقد تبخّر هذا الوعد وظلت دُشة حاضرة مثل قصيدة لا تنتهي، وأنا “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”. أريدها فوّاحة مُزدانة أبدًا، ولتذهب جميع النصوص الأخرى إلى الجحيم!
دُشة ساحرة فاتنة. عيناها باتساع الفرح كله، خدّاها كاحمرار المشمش البلدي في تموز، رموشها بغزارة الحبّ الأول. لها في العينين بريق أخّاذ، ساحر آمِر. هل يُسمّونه الكاريزما؟ فليكُنْ. شهية مثل الكرز الجِّشّيِّ. دُشة جميلة حتى الألم. سعادتنا بها أكبر من أيّة أبجدية. أكتب الآن لأنني سعيد بها حتى البكاء. لم أكتب لأنني سعيد، منذ قرون غابرة!
إنها نائمة الآن. عصرية يوم السبت القائظ هذا هزمت طاقتها التي لا تنضب، لكنني أعرف أنها ستستيقظ بعد قليل بهمّة أكبر، وعلي أن أجهّز منذ الآن لائحة الطعام حتى نومها، وتفاصيل الترفيه. سأتمشى معها إلى البحر. إنها تحبّ البحر كثيرًا. سنعرّج عند أشرف في مقهى “رزاز”، مقهى الدُشة الرّسمي وستكرع كوبًا كبيرًا من البرتقال المعصور الطازج. ثم ستركض وراء ظلها على الكورنيش مثل حورية. أعرف أنني أبوها، وكلّ أب سيقول الكلمات بعينها عن ابنته. وسيزيد. أعرف أنني لستُ موضوعيًا، ولن أكون، أعرف. لا بأس. يحقّ لجميع الآباء في العالم أن يتغزّلوا ببناتهم كما أفعل، وسيكونون مُحقين مثلي تمامًا. أعرف كل هذا، ولكنّ ابنتي أجمل وأشهى (سمايلي).
07 أبريل, 2011
عند خط التماس المستحيل، بينكَ وبينكَ
لقد مات جوليانو واقفًا. مثل الأشجار ومثل برقوق نيسان. لم ينحنِ ولم يُهادن. كان على المرء أن يتابع تفاصيل المسرح اليومية كي يعرف حجم العناد الذي تتطلبه حياة مثل حياة جول. أن تنتقل مع عائلتك إلى مدينة أخرى خارج الراحة الإسرائيلية التي كان من السهل جدًا أن يستسلم لها نجمًا في مسرح "الكاميري" أو بطلا في الأفلام السينمائية الإسرائيلية
"أنا لن أخرج من جنين إلا بطلقة في رأسي"- قال جوليانو خميس في الاجتماع الليلي المتأخر الذي جمعَنا هو والمخرج أودي ألوني وأنا. منذ أشهر عديدة نعمل على فيلم روائيّ طويل تحت عنوان "أنتيغونا في جنين". قصة مُمثلة من المخيم في المسرح تلقى حتفها في النهاية لأنها لم ترضَ أن تعيش وفق ما يطلبه المجتمع منها. وها هو بطل الفيلم يُقتل قبل بطلته.
كان جُولْ (هكذا نسمّيه تحببًا) يعي التهديدات التي عليه وعلى المسرح، لكنّ المثير لديه أنه كان يفكر بعقلية صاحب البيت، وليس بعقلية فنان ضيف من "الداخل" جاء ليساعد أبناء المخيم وسيمضي لاحقًا إلى شؤونه. هذا هو الفارق الصغير-الكبير الذي لا زال يفصلنا جميعًا عن جول. بيته في جنين ملازم لبيت رفيقه وصديقه زكريا زبيدي، وفي هذا البيت نمْنا وتناقشنا حتى الإنهاك. كان مشغولا بما يحدث في فلسطين وبحملة المقاطعة ضد إسرائيل، التي كان هو وألوني من رموزها المعروفين. يحلل الواقع من وجهة نظره الثائرة دائمًا، يدور في البيت كأسد هائج، يحمل ابنه "جيه" ويُهدهده وهو يصرخ عليّ وعلى أودي: "عن أيّ أفق تتحدثان؟.. ما هذه السذاجة؟!"
لكنه كان ساذجًا في حبّه للمسرح وللمخيم لدرجة الخيال أحيانًا. يروح ويجيء بسيارته الحمراء المعروفة التي قتل فيها، يتوقف في الأزقة، يمازح ويقبّل ويحتضن. "جول مِننا" يقول الشباب من حوله وهو يصرّ على التنكيت على العرب واليهود، فيبادلونه الضحك. جول "يهودي فلسطيني" صافٍ ونقيّ. إنه من أوجد هذا المصطلح بحذافيره. لم ينسَ يومًا أنه ابن آرنا اليهودية (اليسارية، المناضلة) ولكنه لم ينسَ أنه ابن صليبا خميس (المناضل). كان يراوح بينهما، ويبحث بصمت ومن دون كلمات عن مكان ينتمي إليه. تل أبيب لم تعد
خيارًا، وخياراته في الداخل أيضًا تقلصت.
إنه ذئب وحيد، عاش وحيدًا في داخل أسئلته وانتماءاته، وقُتل وحيدًا أمام مدخل المسرح الذي بناه بالدّم والفرح. في الأيام الأخيرة كان يواجه أزمة كبيرة مع بلدية جنين ومحافظها حول المبنى الجديد للمسرح الذي بناه في مركز المدينة. منعوه لدواعٍ تخطيطية من الاستمرار، ولكنه في ابتسامة واحدة (مغيطة جدًا) قال لنا ببساطة: "مش مهم، أنا بعرف قطعة أرض أحسن..." هكذا، يعرف قطعة أرض أفضل لبناء المبنى ثانية!
لقد مات جوليانو واقفًا. مثل الأشجار ومثل برقوق نيسان. لم ينحنِ ولم يُهادن. كان على المرء أن يتابع تفاصيل المسرح اليومية كي يعرف حجم العناد الذي تتطلبه حياة مثل حياة جول. أن تنتقل مع عائلتك إلى مدينة أخرى خارج الراحة الإسرائيلية التي كان من السهل جدًا أن يستسلم لها نجمًا في مسرح "الكاميري" أو بطلا في الأفلام السينمائية الإسرائيلية.
كان يرى في مشروع الفيلم الجديد عصارة له، لتجربته، لما يرغب بقوله للعالم ولمخيم اللاجئين في جنين. فهذا الفيلم استمرار لمسرحه الشقيّ، الشجاع، العنيد الذي أصرّ على صنعه. قبل سنة أخرج "العذراء والموت" لمسرح "الميدان" في حيفا وخرجت من بين يديه مسرحية عاصفة، ملتهبة، صافعة مُدويّة. ثم أخرج قبل أشهر قليلة قصة "أليس في بلاد العجائب" ليحوّلها إلى قصة فتاة من جنين يجبرها أهلها على الزواج فتجد خلاصها ومهربها في عالم العجائب. لقد كان هاجس المجتمع يسيطر على كلّ ذرة منه. كنا نصرخ متفقين في الثالثة صباحًا وزكريا زبيدي معنا: لا يمكن تحرير الأرض من دون تحرير الإنسان! كان هذا ما أخافهم، أخاف قوى الظلام (كانوا من كانوا) التي رأت في المسرح والسينما "بدعة" وداسوسًا على المجتمع الفلسطيني.
لقد حاولوا في السابق أن يحرقوا مسرح "الحرية" ثم قبل أقلّ من شهرين أن يحرقوا سينما جنين. إنها حرب ضروس على طابع وهوية الفلسطينيّ الذي نريده لأنفسنا. نحن ندير معركة شرسة ضد الاحتلال والصهيونية، ولكن معركتنا الاجتماعية لا تقلّ ضراوة. علينا أن نجاهر بذلك، علينا أن نقول إنّ مناضلا مثل جول مات على مذبح فلسطين، ولم يمت لشأنٍ أقلّ أهمية من محاربة الاحتلال: لقد مات في حربه على مستقبلنا جميعًا، وهو لذلك شهيد للحرية.
قد يضحك جول الآن من هذه الكنية، هو الذي لم يستسلم في حياته لأية تسميات شعاراتية أو مبالغ فيها. في إحدى جلساتنا في مطلع السنة، قلنا له، أودي وأنا، إنه يقوم بأهم عمل ثقافي وسياسي في فلسطين التاريخية منذ الانتفاضة الثانية. ضحك بخجل. كان يضحك بخجل حين تُسمعه إطراءً ويغيّر الموضوع فورًا. ولكننا لم نسمح له هذه المرة. كان يهمّنا أن نقول له ذلك، أن يسمع هذه الكلمات منا وقتها، لأنه كان على شفا الانهاك. الإداريات الصعبة والتهديدات ومشاكل البلدية كلها بدأت تؤثر عليه، لكنه قبل شهر أو أكثر استقبلني بمرح كعادته وسألني فورًا من دون مقدمات: "بتستحيش على حالك تيجي كل جمعه من عكا ومتجبش سمك لأهل المخيم؟.. إنتي وطني إنتي؟"
لم أجلب سمكًا بعد لأهل المخيم، ولا أعتقد أنني سأجلبه لهم قريبًا. إنكسر فيّ (وربما فينا) بعض من الحنين الفوريّ غير المشروط للمخيم. أعرف أنه سيعود، لا شكّ، ولكننا الآن مثل الأب الغاضب على ابنه البكر لأنه آذى الابن الصغير. يحبّ الاثنين، و"يكره" الأول لساعات قليلة، ولكنه سيغطيهما بنفس الغطاء في الليل وسيقبّلهما نفس القبلة.
أقبلك جول لأنك أنرتَ لنا الكثير وكشفت الكثير من عوراتنا في سعيك المستمرّ والحثيث على خط التماس المستحيل، بينكَ وبينكَ. وها نحن الآن، نجهّز لمراسم دفن صديق آخر، مناضل آخر، فنان آخر، وسننكمش على أنفسنا أكثر. لقد انكمشنا بما فيه الكفاية في السّنوات الفلسطينية الأخيرة حتى تضاءل حلمنا حجمَ بذرة خردل. لكنك جول (المولود في يوم النكبة، المقتول في يوم قتل مارتن لوثر كينغ) زرعتَ فينا بدلا منها بذرة عباد الشمس، كي لا نتوقف عن النظر إلى الشمس واحتضان وجهك فيها.
06 مارس, 2011
بلاكبيري والخمسمئة دقيقة: Talkin’ To Me؟؟
عندها اقترب مني فخري وهمس لي بالجواب الذي يشرح سياسة الشركة في هذه الحالة، وجعلني أحلف ببُرداية معمر القذافي البنية بأنني لن أخبر أحدًا بالأمر، وإلا فصلوه فصلا مُميتًا، مما يقد يعني اندلاع نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان
مع أنني نادرًا ما أتحمّس للتجديدات والاختراعات التقنوية التي تغزو حيواتنا يومًا إثر يوم، إلا أنّ أناقة وفخامة ووسامة جهاز البلاكبيري (BlackBerry) أسرت لُبي، فاصطحبت المدامَ برأيها الرّشيد، لتراقب وتفحص وتحارب، فرأت واطمأنّت، ثم قالت: يدخل بيتي بسلام- فدخل.
والحقيقة أنّ الصدمة التي استولت عليّ جراء حمل جهاز مُعقد كهذا في جيبي تراجعت فورًا لتحتلّ محلها صدمة استهلاكية من نوع آخر، كُنهها المفارقة، والسخرية قدرها. فحين جلستُ إلى الرفيق (العربي) في شركة “بيليفون” (الترجمة من العبرية: مصّاصو الدماء) علمنا في بُرهة-سُرعة- ومضة البرق أنه صديق أخي، وأنه يعلم أنّ أحد المسؤولين الكبار في فرع الخدمات الذي كنا فيه واحد من أنسبائنا اللزم، ويعلم أيضًا أنّ عليه اقتراح أفضل الرّزم الموجودة في الشركة على الإطلاق، وإلا اشتعلت نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان.
قال لي الرفيق فخري (كرّم الله قميصه الأبيض البيليفونيّ الناصع): سأعطيك رزمة لم تحلم بها. وأنا صدّقوني، سوى الأرق المزمن الملازم لي منذ ليالٍ طويلة، لا أحلم إلا بكنبة صغيرة في مكتبي أضعها للاستلقاء ظهرًا، أو بتلفزيون قديم أنصبه بقربي في شارع البنوك وألعب عليه بلايستيشن معظم النهار. لكن فخري أصرّ وكشف تفاصيل الصفقة: جهاز بلاكبيري 9300 على سنٍّ ورُمحٍ؛ 1200 دقيقة اتصال لكلّ الشركات في الشهر؛ 1200 إس إم إس لجميع الشركات في الشهر؛ ورزمة إبحار في الإنترنت بسعة 2 غيغابايت في الشهر- وكل ذلك بـ 280 شيكلا شاملة لضريبة القيمة المضافة!
ورغم أنني جاهل أشدّ الجهل بعالم الخليويات وأصوله ولا أعرف النقاش أو المطالبة بأية أمور في هذا المجال، كما يفعل نزار طيلة النهار، إلا أنني شعرتُ وهو يشرح لي بأنّ هذه صفقة أخت شَليتة. ومما زاد من تأكدي اللكزة التي تلقيتها من كوع المدام فوق الطحال مباشرة، حيث لم أكد أنظر إليها متألمًا حتى ابتسمت ابتسامة عريضة وواسعة، أذكر أنها لم تبتسم لي مثلها إلا عندما تحشّرتْ بي وقتها في مكتب “عدالة” القديم في شفاعمرو، وهي تسألني بجانب ماكينة التصوير: إنتي جديد هون؟
والآن إلى المفارقة التي وعدتكم بها في أول المقالة: اتضح لعبدكم الفقير، وبعد تكتكات سريعة داهمة من الرفيق فخري، أنّ شركة “بيليفون” تكرهني أشدّ الكراهية كزبون، حيث أنّ معدل استخدامي للهاتف المحمول بلغ 170 دقيقة حكي شهريًا و160 إس إم إس لا غير! أي أنني بالكاد أتحدّث 6 دقائق يوميًا في هاتفي النقال وأبعث 5 رسائل نصية.
بعد أن نظر إليّ فخري من فوق لتحت، ومن تحت لفوق، بنظرة تعني “في منك على شوكالاطة؟”، قال إنّ هناك مشكلة جدية! اللكزة الثانية من المدام لم أفهمها ولكنها هدّدت هذه المرة سلامة الكلية اليمنى. قال فخري عزّ وجلّ: لازم تحكي 500 دقيقة بالشهر وإلا رح تدفع 80 شيكل بالشهر زيادة على الـ 280. لم أفهم في البداية، ولما أعاد تلاوة ما تيسّر من سورة الرّينغتون، سألتُه: بس ليش؟ مش من مصلحة الشركة أحكي أقلّ في قلب الرزمة؟… عندها اقترب مني فخري وهمس لي بالجواب الذي يشرح سياسة الشركة في هذه الحالة، وجعلني أحلف ببُرداية معمر القذافي البنية بأنني لن أخبر أحدًا بالأمر، وإلا فصلوه فصلا مُميتًا، مما قد يعني اندلاع نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان.
بعد أن خرجنا من مركز الخدمات وأنا متسلح “بثمرة العليق السوداء” (BlackBerry) شعرتُ بالورطة الحقيقية: من 170 دقيقة في الشهر عليّ أن أطوّر مقدرات كلامية تفوق الـ 500 دقيقة (وأنا حتى لا أفكر مجرد تفكير في الـ 1200 دقيقة المتاحة أصلاً)! فجأة شعرتُ بركبتيّ تضعفان: هل سأضطر إلى التحدث إلى الناس من الآن فصاعدًا بدلا من بعث إيميل أو إس إم إس؟ يا إلهي: 500 دقيقة في الشهر!!
وعليه، أصدقائي ومعارفي وكل من يملك رقم هاتفي، هذه دعوة مني صادقة وحقيقية: من يرغب بالتحدث معي هاتفيًا أرجو منه أن يرسل لي رسالة نصية بكلمة واحدة: “إحكيني” (Talk To Me!)، وسأبادر للاتصال بكم على الرّحب والسّعة.
ألم أعدكم بمفارقة؟… هل بلّغت؟ اللهم فسَمِّسْ (وبرجعلك)!
26 يناير, 2011
الكاتب كمخلوق أُمّيّ
(زوروا موقع قديتا)
إليكم بهذه المعضلة: كلما وجدت نفسي منغمسًا في العمل على مشروع جديد (مجموعة قصصية، رواية، مسرحية، فيلم، لعبة محبوسة) تحوّلت إلى أمِّيٍّ لا يقرأ ولا يعي ما يدور حوله؛ إذا كانت الكتابة انغماسًا حتى النخاع في الدنيا وقضاياها وتفاصيلها، فكيف يكتب المرء وهو منقطع عنها؟
قبل قليل سألني نايف، زميلي اللدود في مكتبي نصف-الجديد، إذا كنتُ قد رأيتُ كشف “الجزيرة” أمس حول محاضر المفاوضات السّرية بين إسرائيل والفلسطينيين، وأجبت فورًا: نعم. لكنني بعد برهة تذكرت أنني لم أشاهد “الجزيرة” ليلة أمس، ولا الليلة التي قبلها ولا التي قبل تلك (لأسباب كثيرة، أهمها أنني تعبت من مشاهدة “الجزيرة” مؤخرًا، فالشعور الذي يرافقك طيلة المشاهدة أنّ عليك الآن لبس طنجرة على رأسك والإمساك بالشُّوبَك المدوّر وإرسال زوجتك وطفلتك إلى الملجأ). لقد قرأتُ عن الموضوع في خبر “هآرتس” الموسع هذا الصباح. في كل ليلة أعود إلى البيت منهكًا من ضغط موعد تسليم مسودة الفيلم، وفي التاسعة مساءً ودقيقتين أجد نفسي ملقيًا على الكنبة في الصالة أشاهد فيلمًا لا أتابع أية كلمة فيه وأنا بين النوم واليقظة، أو كما نقول في القرية: “عيوني عم بتناكحوا” (طبعًا باستعمال الفعل الصريح والمشبرح).
أشحط نفسي للنوم وأنا أتجنب نظرات أنطون تشيخوف: اشتريت مجموعته الكاملة قبل فترة ولم أقرأ للآن إلا الكتاب الأول “القصص القصيرة”. وقد وعدت نفسي بأن أكتب مقالة مطولة عن الكتاب للموقع لكنني لم أكتب المقالة ولم أتقدم في قراءة الأجزاء الأخرى أيضًا. أشعر بالخجل من الرفيق أنطون. أمرق بجانب كتبه وأغضّ الطرف، كما أنني أغضّ الطرف عن مجموعة أخرى لتولستوي وكتاب “موبي ديك” بترجمة جديدة، وكتابين ثلاثة لهامنغوي، ودواوين شعرية أهداني إياها شعراء عرب التقيتهم في سفراتي الأخيرة، كما أغضّ الطرف عن بعض الأفلام “النوعية” التي تنتظر من أشهر أن أفضّ نايلونها لأشاهدها، بعضها لفليني والآخر لهيتشكوك والبعض لمخرجين روس.
منذ شهر أو أكثر وأنا أُمِّيٌّ، لا أقرأ ولا أتابع؛ أسير مثل الشبح بين الكتب ولا أكاد أقرأ خبرًا في الجريدة لأكثر من فقرته الأولى. أعتقد أنّ خبر المحاضر السرية هو الخبر الوحيد الذي قرأته بالكامل (مع التعليق المرافق) منذ أشهر طويلة. حياتي مليئة بالنصوص: المئات منها تصل الموقع كلّ شهر؛ أقرأ معظمها وأهمل بعضها؛ أتابع ما ينشره الزملاء في الموقع وما يحرّرونه وحتى عندما أكون “منطفئًا” من التعب، إذ أحسب حساب سؤال قد يبغتني حول مادة ما وردت في الموقع ولم أقرأها؛ يا للفضيحة عندها: رئيس تحرير الموقع ولم تقرأ المقالة؟
النصوص: كلمة بعد كلمة، حرفًا بعد حرف. تتزاحم في الذهن لبرهة ثم تنسحب مخلفة دمارًا في خلايا الذاكرة لا يُرمّم. على المرء أن يحسب ألف حساب لكلّ خلية ذاكرة في مخِّه، خصوصًا عندما يتجاوز الخامسة والثلاثين وآلاف الليترات من الكحول ومئات اللفائف من الماريحوانا. يجب على المرء ألا يسمح بدخول أيّ نصّ إلى مُخه ما لم يكن جديرًا. لكن الطامة (واللطمة) أنك لن تعرف مدى جودة النصّ إلا بعد قراءته. ناهيك طبعًا عن النصوص التي يجبرونك على قراءتها مثل لافتات الشوارع والبانرات في المواقع الإنترنتية والمواقع نفسها في الغالب. عليك أن تكون حذرًا في كمية النصوص التي تسمح لها بغزو دماغك، وإلا صرت مثلي: ماكنة تستقبل النصوص من هنا وتطلق سراحها من هناك، من دون أيّ تأثير يُذكر، سوى إنهاك خلايا الذاكرة. يعني مثل كتب باولو كويلو التافهة.
هل علينا أن نقرأ لمن نحبّ فقط وبقدر مقبول ليس إلا؟ هل نلبي نصيحة لوقيوس أيناوس سنكه حين طلب من كاتب شاب، وببساطة: “لا تقرأ إلا للمؤلفين المُمتازين. وعندما تشتهي التوجّه إلى شخص آخر، عُد إلى ما قرأته في السّابق”؟ لا شك أنكم رأيتم فيلم “روائع العقل”، الذي يروي قصة العالم العبقري. في الكتاب الذي شكل مصدر وحي للفيلم جاء: “لم يدافع ناش عن أفضال القراءة، فهو يؤمن بأنّ التعلم الزائد من مصدر ثانٍ سيقمع من حسّه الإبداعيّ والأصيل”. لكن اللورد جورج بايرون يخالف هذا الرأي كلية: “لو كان بمقدوري أن أنشغل بالقراءة دائمًا، لما كنت سأشتاق للمجتمع”.
أشعر بالذنب لأنني لا أقرأ ما أريد. أقرأ الكثير من النصوص المهنية والمتعلقة بالترجمات والعمل، لكنني لا أجد الوقت لرفع رجليّ على الطاولة وإشعال سيجارة دافئة والاستسلام للصفحات المتتالية. ومع ذلك أجد عزائي في مارك توين، الذي أتحمّض لقراءة روايته الخالدة مجددًا، إذ قال: “الإنسان الذي لا يقرأ كتبًا جيدة ليس أفضل بشي من الإنسان الذي لا يعرف القراءة”.
الآن: سأعود إلى العمل. لديّ نصّ مُملّ للترجمة!
08 نوفمبر, 2010
سلامتك أبو نزار، ويلعن أبو الصحافة!
فجأة أحسستُ بالمسؤولية: نحن موقع ثقافي ويجب أن نفي هذا الشاعر الفذ حقه بكلّ شيء: بخبر الوفاة، بتغطية الجنازة، بإعداد ملف أدبيّ/ نقديّ/ ثقافيّ/ بصريّ عنه. عدتُ لأصبح صحافيًا مُحتقرًا (بفتح القاف وكسرها)
إستنجدت بي مراسلة صديقة من صحيفة “هآرتس” قبل قليل (الساعة 22:12). اتصلت وبقلق كبير سألتني: “هل مات الشاعر طه محمد علي؟ لقد وصل إلى الجريدة الآن نعي للنشر.”
أحسستُ بفراغ كبير يملأ قفصي الصدريّ دفعة واحدة. سألتها من أين لها هذه الأخبار وبدأت على الفور بالتنقل بين المواقع الإخبارية العربية المعروفة ولكنني لم أجد أثرًا لطه محمد علي. أعطيتها رقم بيته في الناصرة وهممتُ بالاتصال به ولكنني عَدَلتُ. ماذا سأقول؟ هل مات أبو نزار؟ إرتعشتُ للحظة ثم وضعت المحمول مكانه.
دخلت إلى “غوغل نيوز”. لا شيء. ثم برمة أخرى في المواقع العربية الإخبارية. لا شيء. ولكنني في قمة بغتتي وانبغاتي بدأت أفكر كمحرر لموقع “قديتا”: يجب تحضير خبر يليق بالفاجعة. يجب تحضير ملف سريع. أحسستُ بالندم الكبير لأنني لم أستمع لطلب الزميل فراس خطيب قبل افتتاح الموقع: “تعال نفتتح الموقع بملف عن طه محمد علي”.
قضمتُ أصابعي وعضضتُ على فضاء خيبتي.
إستدرتُ رأسًا إلى الخلف وتطلعت إلى الرفّ العلوي في المكتبة التي تقف ورائي بكتبها الغاصّة، تسجّل تفاصيل حياتي وهي تمضي وأنا مُنكب فوق حاسوبي النقال الهرم. استللتُ خمسة دواوين شعرية لطه محمد علي ومجموعة من قصائده ترجمها للعبرية أنطون شماس ونشرتها دار “أندلس” في العام 2006. قلبت الدواوين ببطء وألم. توقفت عند قصائد أضحكتني وأخرى أبكتني وأخرى جزمتُ وقت قراءتها أنها من أفضل ما كُتب بالعربية على الإطلاق.
بدأت بكتابة الخبر، فصغتُ العنوان: “الموت يُغيّب الشاعر الفلسطيني الكبير طه محمد علي”. ثم توقفت بعد العنوان. هل أكتب خبر وفاته قبل موته؟ أيّ جنون هذا؟؟ يلعن أبو الصحافة ما أحقرها!
استندت إلى الخلف وبدأت بقراءة بعض القصائد من “حريق في مقبرة الدير”، ديوانه الثالث. قرأت “عبدالله ومدللة” وقصيدة “لم يكن” التي يفتتح بها الديوان وقررتُ أنّ هذه القصيدة يجب أن تختتم الخبر الذي يجب أن أبدأ بإعداده. فجأة أحسستُ بالمسؤولية: نحن موقع ثقافي ويجب أن نفي هذا الشاعر الفذ حقه بكلّ شيء: بخبر الوفاة، بتغطية الجنازة، بإعداد ملف أدبيّ/ نقديّ/ ثقافيّ/ بصريّ عنه. عدتُ لأصبح صحافيًا مُحتقرًا (بفتح القاف وكسرها) ودفنت في ثانية الكاتب المُحبّ لهذا الشاعر المتمسك به حتى النهاية، ليحل محله المحرر الصحافي.
وضعت مقدمة الخبر عن ولادته في صفورية وتلخيص لحياته ودكانه في سوق الكازانوفا، ثم مجموعة إصداراته الكاملة، وترجمتُ عن العبرية التظهير الذي كتبه أنطون شماس للطبعة العبرية. ثم استعوقتُ الزميلة من “هآرتس” التي من المفترض أنها اتصلت ببيت العائلة في الناصرة لتستفسر. هل يعني تأخرّها تأكيدًا للوفاة وهي الآن تُعدّ الخبر بسرعة كي ينزل إلى الطباعة قبل وقت إغلاق الصحيفة (الساعة الآن الحادية عشرة ليلاً)؟ أرسلت لها رسالة نصية. مرت دقائق ولم تردّ. يبدو أنّه فارقنا.
عدتُ إلى الخبر وبدأت بضبط إملائه وصياغاته وتحضيره في “الأدمينيستريشين” لنشره في الموقع فور تأكد الخبر. العنوان جيد، سأبقي عليه. يجب أن يكون الخبر معلوماتيًا ولكن تحليليًا ونقديًا لإبراز أهمية أبي نزار كشاعر لا يتكرر. تأكدتُ من أنّ ديوانه الأول “القصيدة الرابعة وعشر قصائد أخرى” موجود أمامي ويمكنني نسخ فقرات من المقالة الافتتاحية الممتازة للديوان التي كتبها أحمد حسين وقتها. ماذا أيضًا؟ أنا بحاجة إلى صور. “غوغل فوتوز”. ولكن رسالة الزميلة من هآرتس إلى محمولي أوقفت كلّ شيء: “وضعه مستقر. كان هذا إنذارًا كاذبًا. شكرًا جزيلاً”.
شكرًا جزيلاً؟؟ على ماذا؟ أنني كتبت خبر وفاة شاعر أحبّه بكلّ لغتي، قبل أن يموت؟
أنا أكره الصحافة، أكره الأخبار، أكره الحقارة في ضرورة كتابة مثل هذا الخبر، الحقارة في كتابة الخبر قبل الوفاة.
الآن، سيقول الساخرون مبتسمين: أصبح لديك خبر شبه جاهز فيما إذا لو…
إخرسوا! سأمحوه فورًا. لا أريده في حاسوبي. لن أحتاجه قريبًا. فأبو نزار بخير والشعر بخير.
(حتى لحظة نشر هذه المقالة في الموقع لم أمحُ الخبر من حاسوبي بعد…)
(11:32 ليلاً)
31 أكتوبر, 2010
فديتكَ تشيخوف: كيف يموت مثل هذا الكاتب؟
القراءة في بيوغرافيا أنطون تشيخوف التي ألفها هنري تروايا، مهمة لذيذة ومُخدّرة، إلا أنها صادمة ومُحزنة. صفحة بعد صفحة ترافق هذا الكاتب العبقريّ في سيره نحو نهايته المحتومة: الموت المبكر بالسّل...
توفي أنطون تشيخوف في الساعة 20:21 مساء الأربعاء الماضي (20 تشرين الأول الجاري 2010)، وأنا أجلس وحدي في مطار أمستردام الدولي، آكل قطعة بيتسا حقيرة وأحتسي كأسًا من بيرة هولندية سقيمة. أقصد أنني وصلت الصفحة رقم 501 من كتاب البيوغرافيا الذي بدأت قراءته قبل أسبوع من تأليف هنري تروايا. دمعت عيناي وأحسست بحاجة كبيرة للبكاء، فنزلت بعض الدموع الخجلة ومسحتها بسرعة.
ذهبت في خلال أسبوع إلى رحلة عاصفة شيقة هي حياة الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف. رافقته في أيام طفولته البائسة وظلم والده المتديّن له وإجباره على الجلوس في الدكان العائلي المظلم في شتاء روسيا القارص وترديد الصلوات والتراتيل لساعات مرهقة وغير معقولة. رافقته وهو يراقب عائلته تنهار بعد إفلاس الدكان وتفرّق العائلة واضطراره للبقاء وحيدًا في قريته النائية. وما صدمني في بداية الكتاب أنني عرفتُ أنّ تشيخوف ينحدر من عائلة أقنان، عبيد. وقد عمل جده بجهد كبير كي يفتدي أبناء العائلة ونجا أبوه من هذا المصير لحسن حظنا جميعًا.
عندما بدأ تشيخوف دراسة الطب تحقيقًا لرغبته في أن يصبح طبيبًا يطبب الناس، بدأ يكتب بعض القصص “التافهة” كما نعتها للمجلات الروسية التي كانت تدفع بعض القروش لقاء كل سطر وكان ممنوعًا من كتابة قصص بأكثر من عشرين سطرًا كي تكون جذابة وسريعة في أعين القراء. وقد أدت هذه التقييدات إلى إجبار تشيخوف على اتباع أسلوب بسيط ومتقشف في الكتابة، بعيدًا عن الإطناب الروسي في الكتابة (والكلام)، ومتمردًا على أسلوب تولستوي ومجايليه آنذاك. وانطلاقًا من هذه الكتابات التي كان ينجزها من أجل النقود تطورت مهاراته الكتابية وصار يكتب بغزارة وبسرعة وبتكثيف كبير. ومع أنه تقدّم في هذا المجال بسرعة، إلا أنه ظلّ يقول: الطب زوجتي الشرعية أما الأدب فهو عشيقتي السرية.
من المستحيل التوقف عند محطات حياة تشيخوف على طول هذا الكتاب الممتاز. إلا أنّ اكتشاف مرض السلّ لدى تشيخوف في مطلع عشرينياته جعل من حياته سباقًا مع الزمن. وبحكم كونه طبيبًا كان يعرف أنّ نهايته لا ريب ستكون على يد هذا المرض المزمن اللئيم، إلا أنه عاش حتى سنته الأخيرة في حالة إنكار تامة لسوء وضعه الصحي، ورغم ذلك ظلّ يتنقل بين البيوت والإقطاعات في الريف الروسي وموسكو وبطرسبرغ وباريس ونيس وإيطاليا. كان يبحث عن الشمس دائمًا: يبحث عنها حرفيًا من أجل صحته ويبحث عنها مجازًا في كتاباته. كان يهمه أن يوثق الحياة الروسية كما هي، ببساطة وصفها وبدقة تفاصيلها وكان ينأى بنفسه عن الديباجات والإطنابات التي ميزت الأدب الروسي حينها.
لم يكن تشيخوف رجل الشعارات الرنانة، بل كرّس كل حياته وأمواله لبناء المدارس والمكتبات وتجنيد التبرعات لمحاربة الأوبئة. كان المعيل الوحيد لعائلته واضطر أن يوازن بين رغبته في العطاء وبين مصاريف العائلة الكبيرة. وأعتقد من خلال فهمي لما قرأت أن حالة المَساس التي كانت تنتابه لشراء البيوت والإقطاعات نبتت من أصل عائلته كعائلة عبيد سعت للاستقلال والعيش بحرية وكرامة وأعتقد أنه رأى في البيت الرمز الأول والأخير للاستقلالية والكرامة.
كانت علاقات تشيخوف مع النساء غريبة كل الغرابة؛ فطيلة حياته لم “يرتبط” بأكثر من ثلاث أو أربع نساء، وحتى هؤلاء كانت العلاقة معهن غير مستقرة، غير مفهومة. وقد وصف نفسه في أكثر من مكان في رسائله وأحاديثه أنه ليس ملهوفًا على الجنس إطلاقا. وقد اضطر للانتظار حتى سن الثانية والأربعين، قبل موته بعامين، كي يقع في غرام الممثلة أولغا كنايبر من “مسرح الفن” الذي أسسه نميروفيتش-داشينكو وستانيسلافكي، والذي أخرج وقدم جميع مسرحيات تشيخوف. فالتعاون مع “مسرح الفن” كان بالنسبة له حبل النجاة ولولا هذا المسرح لتوقف تشيخوف عن كتابة المسرح بعد أول مسرحية له حيث أهين هو ومسرحيته وأضحى أضحوكة الوسط الثقافي. إلا أنّ نهج التمثيل الذي كان يختلف في هذا المسرح أعاد الثقة إلى تشيخوف وقرر كتابة المسرح لهذه الفرقة.
يمكننا أن نستدلّ الكثير عن أسلوب تشيخوف في الكتابة والتفكير عن الكتابة (وهو أسلوبي المفضل) إذا قرأنا هذا المقطع من إحدى رسائله للكاتب الروسي الشاب (آنذاك) جوركي، الذي كان قد بعث له بمخطوطات وطلب رأيه. يكتب له تشيخوف: “إنك تستخدم الكثير من الأوصاف بحيث يصعب على القارئ أن يقرر أيها يستحق اهتمامه بشكل خاص وهذا ما يتعبه. فإذا كتبت “جلس رجل على العشب”، فهذا المعنى واضح ومفهوم ولا يتطلب إعادة قراءة، غير أنه سيصعب عليك أن تتابعني بسهولة من دون أن ترهق دماغك لو أنني كتبت: “رجل طويل ذو صدر ضيق ولحية حمراء متوسط الطول جلس دونما ضجة وهو يسترق النظر حوله بتخوف وتوجس على رقعة من العشب الأخضر الذي داسته أقدام المشاة!” فالذهن لا يستطيع استيعاب كل هذه الأوصاف في الحال، والمهارة الفنية في الموضوع تتجلى فيما يمكن استيعابه وفهمه مباشرة وعلى الفور”. (ص 342) وقد أوجز هذا الرأي في رسالة لأخيه ألكسندر: “الإيجاز قرين الموهبة”. (ص 456)
كان تشيخوف كما تشهد رسائله ورسائل الآخرين والمحادثات التي وثقت، إنسانًا حادّ الذكاء وسريع الفطنة ومتقدًا بروح دعابة ساخرة ولاذعة، لكنه لم يكن كَلبيًا بالمرة مع الناس أيًا كانوا. كان أحيانًا يجلس لساعات يستمع إلى محادثات ضيوفه الكُثُر الذين كانوا يزعجون وحدته، يبصق دمًا من السلّ ويتحرق للكتابة ويبتسم لكل هؤلاء الغرباء ابتسامة واسعة.
حارب لأشهر طويلة في أيامه الأخيرة لكتابة آخر مسرحياته، “بستان الكرز”، وكانت زوجته الممثلة أولغا تحثه برسائلها على إنهاء المسرحية، حيث أنّ موعد العروض قد تحدد وهو لم يُنهها بعد. كانت هذه مهمته الأخيرة، إلا أنه ولأول مرة في حياته كان عاشقًا بحقّ وكان بُعده عن أولغا مصدر عذاب له لا يُوصف. كانت معنوياته ككاتب في الحضيض وهو يشعر بأنه يحتضر ببطء، وكتب لزوجته أولغا: “إنني بعيد كل البعد عن كل شيء بحيث أنني بدأت أحسّ بالقنوط. أشعر أنني انتهيت ككاتب، وكل جملة أكتبها تبدو عقيمة القيمة، ولا فائدة منها على الإطلاق”. (ص 469)
في الثانية عشرة والنصف ليلا من 3 تموز (يوليو) 1904 قعد تشيخوف في الفراش في منتجع معزول قرب برلين حيث كان مع زوجته، وطلب الطبيب. كانت هذه المرة الوحيدة في حياته التي يطلب فيها الطبيب. وعندما حضر قال له تشيخوف ببساطة بالألمانية “Ich sterbe”- “أنا أموت”. وقد رفض تشيخوف أن يرسل الطبيب في طلب أنبوبة أكسجين لأنه لا فائدة من ذلك، وبدلا من هذا جُلبت قنينة شمبانيا. “أفرغ كأسه ببطء وتمدد على جانبه الأيسر، وبعد لحظات قليلة توقف تنفسه وانتقل إلى عالم الموت بنفس البساطة التي طالما اتصف بها”. (ص 501).
لا يمكن للمرء أن يصف أهمية الانكشاف على حياة الكاتب الذي تحبّ. فجأة تفكّ الكثير من الرموز ويتضح الكثير من الصور، ويصبح نتاجه أكثر منالية ووضوحًا. لقد دفنتُ قبل أيام تشيخوف والآن أنا متحير كلّ الحيرة بين أن أبدأ بقراءة البيوغرافيا عن شكسبير، أم الاستسلام لأسبوع أو أكثر للرواية الأمريكية العظيمة “موبي ديك” من جديد وبعد سنوات طويلة من قراءتها…
لا أعرف، لم أقرر بعد، ولذلك أنا أقرأ حاليًا رواية ساحرة لإسماعيل كاداريه الألباني.
_________
“أنطون تشيخوف”. تأليف: هنري تروايا، ترجمة: حصة منيف، إصدار: المشروع القومي للترجمة، 2000
هلوسات مانشسترية والكثير من البطّ
“رزق الهبل عالمجانين”- أسمي هذه الظاهرة. فهناك من يشتري لك تذكرة سفر بالطائر الميمون، يدفع لقاء مبيتك في الفندق (غرفة “جنسية” موفقة هذه المرة) ويمنحونك مصروفًا يوميًا معقولا ويدفعون لك أجرَ حضوركِ، كي تجلس على المنصّة مع كاتب آخر أو اثنين وتقرأا عشر دقائق (كلّ واحد)، ثم تجيبان على بعض الأسئلة… وخلص.
أروج وأجيء إلى بريطانيا مثل البندول. ولولا تعلقي الشّره بالفطور الإنجليزي الشهير (يُنظر القصيدة في الأسفل) لما كنت متأكدًا من تلبية الدعوات للمشاركة في مؤتمرات أدبية، بعضها يكون جماهيريًا مثيرًا (”هاي فستيفال” قبل ثلاثة شهور) وبعضها يكون حميميًا حدّ الوحدة (مهرجان “ليفربول”، أمس الأحد (17 تشرين الأول 2010)). في اليوم التالي عرّجت على مانشستر للمشاركة في قراءة أدبية أخرى في مهرجان مانشستر الأدبي. وقياسًا بما حدث في مهرجان الثقافة العربية في ليفربول (تشبه صفد في حقارتها)، فقد كانت القراءة والنقاش في مانشستر أشبه بالاحتفاء بثلاثتنا بجائزة بوكر البريطانية مينيموم (ثلاثتنا: ياسين عدنان وعبد القادر بن علي وحضرتي)!
“رزق الهبل عالمجانين”- أسمي هذه الظاهرة. فهناك من يشتري لك تذكرة سفر بالطائر الميمون، يدفع لقاء مبيتك في الفندق (غرفة “جنسية” موفقة هذه المرة) ويمنحونك مصروفًا يوميًا معقولا ويدفعون لك أجرَ حضوركِ، كي تجلس على المنصّة مع كاتب آخر أو اثنين وتقرأا عشر دقائق (كلّ واحد)، ثم تجيبان على بعض الأسئلة… وخلص.
ولكنني اليوم فكّرت في الموضوع أكثر وأنا ألتهم تشيز بورغر بالـ “هام” والمُخلل و”باين” من الغينيس الإنجليزي الأسود، وتوصلتُ إلى نتيجة مفادها أنني أنا من يصنع لهم معروفًا وليسوا هم.
نعم، هكذا، بكلّ وقاحة. فيما يلي التسويغات:
أنا كفلسطيني ضحية الإمبريالية البريطانية. الآن وقت السّداد. الرجاء الدفع باليورو أو بالإسترليني؛
أنا وقح وأدحش كلمة “فاكِن” في حديثي أكثر من مرة، فيُحرَج البريطانيون المهذبون ويضحكون في الأمسية، فتنجح وتنفرج أسارير المنظمين فأنقذهم من ارتباك التهذيب المُملّ؛
نجيب محفوظ توفي وأدونيس اعتزل الشعر وسعدي يوسف لا يحبّ المهرجانات؛
مواصفاتي ومواهبي المتعدّدة: أنا عربي وهذه خانة؛ أنا فلسطيني وهذه خانة؛ أنا رجل ليبرالي منفتح وهذه خانة؛ أنا أنتي صهيوني وهذه خانة؛ أنا أكتب عن القضايا الاجتماعية ولا أكتفي بالسياسة كما هو متوقع من الفلسطينيين وهذه خانة؛ أنا متعاون وأحترم المواعيد وأردّ على الإيميلات بسرعة وهذه خانة؛ الكثير من قصصي مترجمة للإنجليزية مما يسهل عملية القراءة في المهرجانات وهذه خانة؛ أنا لا أتطلب كثيرًا ولا أتبرم كثيرًا وهذه خانة؛ أنا “الآخر” في أكثر من سياق وهذه خانتان على الأقل.
نـُط يا بط!
جلس عبد القادر بن علي (مغربي-هولندي) وياسين عدنان (مغربي) إلى يميني وجلس الجمهور قبالتنا وقرأنا، ثم سألونا فأجبنا، ثم صفقوا لنا فابتسمنا، فابتسموا، فوقـّعنا على الكتب فوقعنا في الفخ: هذه تحبّ الفلسطينيين، وذلك يريد أن يفهم أكثر وأولئك جميعًا ينتظرون أن يقولوا لك كم كان مثيرًا ومضيئًا لهم (illuminating). ثم انتقلنا إلى الأمور الهامة حقًا في كلّ مهرجان أدبيّ أو فنيّ: العشاء والقهوة والبيرة وجرد المشهد الثقافي-التقوّلاتي من المحيط الحاسر إلى الخليج الخاسر.
صرتُ أتعب وأملّ من السفر. تخبط رجلاك في أرصفة غريبة، وحيدًا بلا رفيق. تفكّر في دُشة الديناصورة الصغيرة وأمها، وتبحث عن أقرب دكان للملابس كي تمارس “شوبينغ” عنيفًا، فتشتري للدشة 74983279847 بلوزة و324093820948 كنزة للشتاء. تمارس شوقك بشراء الملابس لابنتك الخلابة. هل صرتُ إمبرياليًا إلى هذه الدرجة؟ أنفض عني غبار تأنيب الضمير لأنني لا أشتري لنفسي شيئًا في أية سفرة. أعتقد أنّ هذا يبعد عني شبهة التسوّق الرأسمالي الشّره.
أشتاق الآن، وأنا أجلس بالفانيله البيضاء على شاطئ الحرّ الخريفي الخرائي في عكا، أشتاق إلى برد مانشستر الذي تتساقط الخصيتان لشدّته. أنا رجل الشتاء، أين الشتاء؟ الحضارة في الشمال عند المطر، والجهل والتأخر في الجنوب عند الحرّ والشمس والصحراء. أنا أكره الصحراء وأكره شمس الوطن وأحبّ غيوم بريطانيا وفرنسا أكثر من أطلال الغابسية وسحماتا. هل يصحّ ذلك؟؟
إنها فرصة مثيرة أن يجد المرء نفسه بعيدًا لثلاثة أو أربعة أيام عن بؤرة الخمول التافهة التي نحيا فيها، وأن ينظر من بُعد آلاف الأميال إلى عكا أو حيفا ويشعر بسعادة غامرة لأنّ الطبق الصيني الذي طلبه للتوّ مليء بالبطّ. البط؛ هذا الاختراع الجميل.
البط، سيداتي آنساتي سادتي، البط هو ذروة كل مهرجان أدبيّ بلا منازع!
نعم، والفطور الإنجليزي…
فطور إنجليزي
في الثامنة صباحًا
أداعب النقانق المُحمرّة مثل خدّ امرأة خجلى.
تسبح قطع البيكون
في صفار البيض
ولا يحتمل البيض المقلي اغتراب الشوكة والسكين
في جسده الأبيض.
إنها ترنيمة للفطور الإمبريالي-
من قال إنّ الاستعمار يفسد للشهية قضية؟
ولا ننسى –فلتنسَني يميني!-
رقائق البطاطا والبصل المقلية
بزيت الخريف البارد.
مرحى للبودينغ الأسود المشبوه
مثل عميل مدسوس…
في الثامنة صباحًا
من كل صباح-
يقتلني الفطور الإنجليزي الدّسم
فأندَسمُ !
16 أكتوبر, 2010
كل عام وأنت بخير، أوسكار وايلد
لا يمكن للمبدع أن يكون جزءًا من المجموع، يجب أن يسلخ نفسه عنه كي يحبه من بعيد، كي ينتقده ويُشرّحه وكي ينصره بأدوات أفضل. هذا ما تركه صديقي أوسكار وايلد لي. هذه وصيته التي قرأتها في كتاباته
القليل من الكتب تلك التي يتذكر الواحد منا متى قرأها أول مرة (في باريس)، وقليلة من بينها الكتب التي تتركك صريعًا في الفراش بعد الانتهاء منها، لا ترغب بقراءة أيّ شيءٍ بعدها. "صورة دوريان غراي" (The Picture of Dorian Gray) لأوسكار وايلد هو واحد من هذه الكتب.
قليلون هم الكتاب الذين يَرقون بروح دعابتهم أو ببعض أقوالهم المفذلكة إلى مستوى كتابيّ ودراميّ وفنيّ يجعل من هذه الفذلكات جواهرَ ودررًا تزين التاج الكبير المتقن، ولا تكون التاج نفسه. فالجمل الكثيرة الذكية التي تملأ هذه الرواية تُكسب القراءة فيها، تراكميًا، حالة من الذهول اللذيذ، يتحول إلى خدرٍ ثم إلى استسلام كامل لعبقرية كاتبها.
وُلد أوسكار وايلد في 16 تشرين الأول 1854 في دبلن في إيرلندة وتوفي في 30 تشرين الثاني 1900. ومنذ تشكل وعيه قرر أن يُجاهر بميوله الجنسية المثلية خارجًا بهذا على جميع المعتقدات والأعراف الاجتماعية في إنجلترة آنذلك، التي انتقل إليها وهو في السابعة عشرة من عمره. لم يَخفْ وايلد من هويته الجنسية ومن آرائه الحادة الثاقبة النفاذة، بل ضمّنها في هذه الرواية وفي مسرحياته (أشهرها "مروحة السيدة فندرمير" و"أهمية أن تكون جديًا") ومقالاته ومسلكياته الاجتماعية. وقد دفع ثمنا لذلك حين اعتقل في 6 نيسان 1895 وقُدم للمحاكمة بعد أربعة أيام، حيث وصف مُدّعي الدولة وايلد بأنه مجرم أفسد الشبيبة "لأنه حوّل الأخلاقيات إلى كلمة مستهجنة، وحوّل "الهودينيّة" (مذهب اللذة) إلى أداة فساد، ودفع عددًا كبيرًا من أبناء الشبيبة إلى ممارسة المثلية بتأثير منه". وأعلن المُدعي أنّ كتاب "صورة دوريان غراي" هو كتاب مُفسِد وحقير "وقد قرأته بصعوبة بالغة".
في 25 أيار أدين وايلد بممارسة "اللواط والتسيّب المُطلق" وحُكم بالسجن لسنتين مع الشغل والنفاذ. بعد خروجه من السجن انتقل إلى باريس وتوفي جراء التهاب في غشاء المخ.
لقد كان وايلد كاتبًا بالغ الذكاء شديد اللذع ممُعنًا في الكَلبية الأدبية والاجتماعية؛ في رواية "دوريان غراي" يُشرح وايلد حالة النفاق الاجتماعي والسياسي والأخلاقي التي سادت آنذاك. فعندما تحدث عن رجل سياسة في الرواية كتب عنه: "لقد اعتزل السلك الدبلوماسي في لحظة غضب لأنهم لم يقترحوا عليه أن يكون سفيرًا في باريس، إذ أنه يعتقد أنه الأحق بهذه الوظيفة نظرًا لأصله وكسله والإنجليزية الجيدة التي يكتب بها برقياته، إلى جانب شهوته الفائقة للملذات".
لقد احتقر وايلد ثقافة القطيع ورأى في الفردانية المبدعة أصل الأشياء وأهمها: "أن تكون خيّرًا معناه أن تكون في هرمونيا (انسياب) مع نفسك... التنافر ينشأ عندما تُجبَر على أن تكون في هرمونيا مع الآخرين. حياة الإنسان الخاصة هي الأهمّ مطلقًا... الفردانية هي الأسمى. الأخلاقيات العصرية مرهونة بالانصياع لمعايير الفترة التي تحيا فيها. وأنا أرى أنّ رجل الثقافة الذي يقبل بمعايير عصره يتصف بانعدام مُقرف للأخلاق."
وايلد هو كاتب التفرّد (بمعنى: التميز؛ بمعنى: الفرد) بجدارة. يسأل في دوريان غراي (على لسان اللورد هنري باستخفاف: "إذا أردت أن تكون محبوبًا، فكن من الوسطيين". إنها الوسطية التي تقتل المبدع، تجعله كائنًا رماديًا غارقًا في "المشهد العام"؛ في "قوانين اللعبة"، في المفاضلة والقياس اللانهائييْن لـ "ما يصحّ ولما لا يصحّ". إنه كائن غريب، أوسكار وايلد، حادّ وساخر بشكل مؤلم أحيانًا،حتى في تعامله مع النقد الأدبي الذي لم يُنصفه أبدًا وقتها. في ردّ على نقد خبيث كُتب عليه قال: "كلّ نصّ نقديّ هو ما يُشبه السيرة الذاتية لكاتبه، سواءً أكان ممتازًا أم هابطًا".
إلا أنّ وايلد لم يكن خاليًا من التناقضات. فتفرّده ونظرته المزدرية للمجتمع لم تمنعه من أن يكون شخصية اجتماعية معروفة، نجمًا في عصر لم يعرفوا بعد ما تعنيه هذه الكلمة. كان هندامه أنيقًا إلى أبعد الدرجات وكان يعاقر الخمر والرجال والحياة الثقافية بشهية كبيرة، حتى بعد أن تزوّج. لقد كان على دراية بالنفوس الفاعلة من حوله في "المجتمع المخمليّ" الاجتماعيّ والثقافيّ، لدرجة أنه قال عنهم: "لا يوجد ما هو أسوأ من أن يتكلم الناس عنك، سوى أن لا يتكلموا عنك". إنها شبه نبوءة صغيرة، متواضعة، سبقت عصر الإعلام والصور والنجوم والتقولات وصناعة الـ "بَزّ" (buzz) الإعلامي.
لقد كان في قمة سخريته ضد المُسلّمات حين رفض ما يدور حوله من تقديس للتجربة والنضوج وما إلى ذلك من الزيف الاجتماعي الذي يلفّ الأوساط التي يدور فيها، حتى كتب: "التجربة تفتقر لأيّ بُعد أخلاقيّ- فهي ليست إلا كلمة يُطلقها الناس على أخطائهم". ثم هاجم المحافَظَة الاجتماعية وزمَ الشفاه وبرم الأبواز المنافقة التي تدّعي التأدَّب والجِّدية، فكتب: "السبيل الوحيد للانتصار على الشهوة- الاستسلام لها".
لا يمكن أن يوافق المرء مع جميع ما كتبه وقاله وايلد، خصوصًا في نظرته الطهرانية إلى الفن ودعوته إلى نفيه وتجريده عن أيّ شيء آخر، بمعنى "الفن لأجل الفن". كتب: "ثمة عالمان فقط: الأول قائم من دون ضرورة التحدث عنه وهو العالم الحقيقي. الثاني هو عالم الفن ويجب أن نتحدث عنه باستمرار وإلا اختفى". ككاتب يؤمن بالعلاقة الوشائجية العميقة بين الفن والبيئة (الاجتماعية، السياسية، الأخلاقية...) أختلف مع وايلد تمام الاختلاف، وأرى أنه من ضمن تناقضاته اللذيذة أنه خلّف وراءه أدبًا ومسرحًا مُتصليْن اتصالاً وثيقًا بالمجموع والبيئة. أن تكره القطيع لا يعني أن لا تكتب عنه؛ على العكس: كراهيتك له ستطلق العنان للصّدق والحقيقة في نصوصك (ولغضب القطيع وجعاره).
لقد صرخ وايلد بنعومته المألوفة ضد الزيف والتزيف، ضد ما سُمي وقتها بـ "الأخلاق الحميدة": "ليس هناك ما يُسمى كتابًا أخلاقيًا أو غير أخلاقي. يمكن للكتاب أن يكون مكتوبًا بشكل جيد أو بشكل سيء. هذه كلّ القصة." لم يُحبّ السعي اللاهث للمجتمع من حوله وراء المظاهر والتزيّي: "المُوضة تعبير كريهٍ للبشاعة، لدرجة أننا نضطرّ لتغييرها كلّ ستة أشهر!" على المرء أن يكون بعيدًا عن الحسابات الاجتماعية وعن اللعبة المدروسة والمرسومة سلفًا، عليه أن يخرج ضد الجُبن والاختباء وراء الحياء المصطنع: "الإنسان يعبّر عن نفسه بضآلة عندما يتحدث باسمه الصريح. إمنحوه غطاءً وسيخبركم بالحقيقة." كان يرى الحياة بمنظار سبق عصره: منظار التعرّي. كان ينظر عبره إلى الناس ويرى عبر ملابسهم ووقفاتهم وأحاديثهم الحقيقة المخفية: "غالبية الناس أناس آخرون. أفكارهم أفكار شخص آخر، حيواتهم تقليد، شهواتهم اقتباس."
كما أنّ الدين لم ينجُ من براثن هذا الثائر الجميل: "المسيح هو أفضل الأمثلة: حتى عندما يُضحّي المرءُ بحياته فإنه لا يكون مُحقـًّا بالضرورة".
أنا أحبّ وايلد حبًا جمًا. أعتبره صديقًا شخصيًا. أقرأ له بهدوء، ببطء شديد. أتمتع بكل جملة ونقلة ومزاج. أغفر له تشنجاته وكَلبيّته (الكَلبية: السخرية شديدة النقد، cynicism) الفطرية لأنه سبق عصره. فصل نفسه عن القطيع وأطلّ عليه من بعيد. لا يمكن للمبدع أن يكون جزءًا من المجموع، يجب أن يسلخ نفسه عنه كي يحبّه ويكرهه من بعيد، كي ينتقده ويُشرّحه وكي ينصره بأدوات فنية أفضل. هذا ما تركه وايلد لي. هذه وصيته التي قرأتها في كتاباته. هذا ما أحاول فعله ولمّا أبدأ بعد.
والخاتمة له طبعًا: "من هو الكَلَبيّ؟ إنه الذي يعرف سعر كلّ شيء، ولا يعرف قيمة لأيّ شيء"...
هنا جنين: استقرار ومرارة
الاقتصاد يسير إلى جانب الأمن: حافلات مجانية من الناصرة إلى جنين ونابلس لتشجيع التبضع، وآلاف كثيرة من الجنود والشرطيين الفلسطينيين خريجي معاهد الجنرال دايتون العسكرية في الضفة الغربية. نحن "عرب إسرائيل" هنا. يحبوننا ولكنهم يبغضوننا في نفس الوقت. نوع من الأخوَّة المشوّهة
مدخل
الجنود على الحاجز يعرفون جيدًا الممثل جوليانو خميس، مدير ومؤسس مسرح “الحرية” في جنين. عندما نتوقف عند حاجز الجلمة المؤدي إلى جنين ينظر الجندي إلى الكرسي الخلفي في السيارة، حيث جيني (زوجة جوليانو) وابنه جيه جيه (جهاد)، فيقول له جوليانو: “هادا ابني الصغير… البنت مش معي اليوم”. يهزّ الجندي رأسه ويسجل رقم السيارة في السجل الطويل الذي معه ويعيد إلينا بطاقات الهوية. نحن نحمل بطاقات هوية إسرائيلية، زرقاء، وهي مُرحّب بها في جنين اليوم، بعد سنوات طويلة من منع حامليها من دخول مناطق “أ” الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية “الكاملة”. إنه عصر جديد من تشجيع سياحة عرب الداخل إلى جنين ونابلس ورام الله. الأسباب اقتصادية بحتة: فليأتِ عرب الداخل الذين يلتقطون قوتهم بصعوبة في دولة اليهود ولينفقوه في الضفة الغربية.
الاقتصاد يسير إلى جانب الأمن: حافلات مجانية من الناصرة إلى جنين ونابلس لتشجيع التبضع، وآلاف كثيرة من الجنود والشرطيين الفلسطينيين خريجي معاهد الجنرال دايتون العسكرية في الضفة الغربية. نحن “عرب إسرائيل” هنا. يحبوننا ولكنهم يبغضوننا في نفس الوقت. نوع من الأخوَّة المشوّهة. أخوة اثنان في عائلة واحدة، يعيشون جنبًا إلى جنب ولكنهم يعيشون على تفاعلات عاطفية وتاريخية غريبة، مستعصية.
أعود إلى مخيم جنين للمرة الأولى بعد زيارة قمتُ بها في اجتياح العام 2002 مع جوليانو نفسه، التقينا وقتها زكريا زبيدي، المطارد رقم واحد وقتها. اليوم، يحيا زكريا في حياة جديدة بعد اتفاق الهدنة الموقع العام 2007، عندما تنازلت المقاومة الفلسطينية عن السلاح في مقابل وقف ملاحقة المقاومين الأمنية وتصفيتهم. شاب آخر يدرس التمثيل في مدرسة التمثيل في مسرح “الحرية” في مخيم جنين، يقول لي على فنجان قهوة في مقهى “ديليكيت” في مركز جنين: “قاومت سبع سنين”، يرفع بلوزته ويرينا القُطَب التي على خاصرته. أكثر من عشرين قطبة. “أنا بكِلية وحدة اليوم… بس بتعرف؟ هاي الانتفاضة الثانية كانت دمار كبير رجّعنا مية سنة لورا.”
بعد يومين في جنين لا تعرف كيف تهضم هذا الهدوء المَشوب بالملل. هل نامت جنين ومخيمها بعد البطولة إياها؟ ما الذي يبحث عنه الناس هنا؟ خيار المقاومة بات باهتًا، بعيدًا، أشبه بذكرى حلوة ومقيتة في نفس الوقت. لا تغرنكم الشعارات والكلام الكبير عن المقاومة والصمود، رغم إنها شعارات صحيحة؛ فالمقاومة والصمود كانا عجيبيْن فعلاً وقتها، لكن الشعارات تُغفل التفاصيل. التفاصيل اليومية، القصص، الفساد، التعفن، التعب، الخمول، اليأس، التسليم باللاجدوى. ليس هذا كلامًا للنفي أو للتقريظ الفارغ؛ إنه حال جنين اليوم، جنين البطولة والصمود.
أحارسٌ لأختي أنا؟
يقوم مسرح “الحرية” بأهمّ ما يمكن للمسرح أن يفعله في أية حاضرة متمدنة أو عريقة: ينبش الجروج وينكأها. لا شيء ممنوع أو محرم. يقول لي المقاوم في المقهى: “الاحتلال هنا”، ويضع سبابته على جانب جبهته بقوة. يغرز أصبعه مرة تلو الأخرى في جانب جبهته ويردد: “الاحتلال هنا، الاحتلال هنا”. أصدّقه وأقبل نظريته، لا لأنها تلائم نظريتي، بل لأنها تصدر عن مطارد نام في الكهوف والشوارع وتشرد بين بيوت جنين لسبع سنوات. الممارسة لديه سبقت النظرية، وليس مثلنا، نظرياتنا تنتظر الممارسة بفارغ صبر.
سيذهب إلى رام الله لتمثيل فيلم. سيلعب دور البطولة. تُبرق عيناه وتلمعان بفرح طفولي. مقاوم مسلح يبحث عن فلسطين في عدسة الكاميرا بعد أن يئس من فوهة البندقية. هل هو الذي يئس منها أم هي التي يئست منه؟
يحذرني جوليانو والمخرج أودي ألوني (من مؤسسي وقياديي حملة المقاطعة الثقافية ضد إسرائيل) من عدم كتابة كل شيء. أوافق. لست صحافيًا الآن يريد أن يصدم القارئ بسبق تصريحيّ يدوم لساعتين قبل تنحّيه جانبًا. سمعت وسأسمع قصصًا مريبة، غريبة، وأخرى تبعث على الاشمئزاز من تحوّل المقاومة إلى مهنة كأية مهنة. من أنا لأحكم عليهم؟ ألا يستحق المقاوم معاشًا يشتري به السجائر والطعام والذخيرة؟ ولكن المعاشات سيطرت، ومنابع النقود التي كانت تصل من “رموز” السلطة تحوّلت إلى مستنقع كبير آثم.
يتلمس ألوني طريقه بحذر وسط الشوارع. نتحدث بالإنجليزية خوفًا وحذرًا. مع أنّ ألوني من المبادرين لحملة المقاطعة الدولية على إسرائيل من منطلقات مناهضة للصهيونية، إلا أنّ المكان لا يتفهم مثل هذه التفاصيل. إنه يهودي يمشي وسط جنين وعليه أن يتعكز على العربي الذي معه كي يكتسب شرعية السائح “الصديق”.
حدثتني المتطوعة الألمانية فقالت: “جئت إلى هنا كي أتطوع لثلاثة أسابيع، ووجدت نفسي أمدد الفترة لثلاثة أشهر أخرى. أعمل مع فرق من الشبان والشابات، أحبهم وأتعلم منهم الكثير. ولكنني أظلّ غريبة رغم أنني هنا، في المكان والحدث. بعد تجربة عسيرة تعلمت ألا أمشي وحدي في الشارع. من الصعب أن تقنع الشباب الذين يقتعدون الأرصفة والمقاهي أنني لست أجنبية “سهلة”، سائبة، يمكن العبث بها وبجسدها. لقد تعلمت أن آخذ حذري، أن أتصرف وفق أصول ورموز المكان الاجتماعية والثقافية.”
هل يزعجك هذا؟ هل يحبطك، أتساءل. “في البداية انزعجت جدًا، ثم اقتنعت بأنني يجب أن أكون هنا رغم كل شيء. أنا هنا لفعل شيء محدد، واضح، سأفعله لأنني مقتنعة به. أحسّ بعدم الراحة اجتماعيًا كأجنبية، ولكنه ثمن بخس أدفعه مقابل ما يمرون به هنا.”
القصص التي يخرج بها الممثلون هنا عنيفة، صدمة، مرعبة. قصص عن نساء تُقتل ونساء تُشوّه بالكبريت والنار. حالة اجتماعية مخيفة، تصدمك رغم توقعك بأنّ الحال هنا “أكثر محافظة” من الداخل. ولكنّ حجم الظاهرة يشلك. كيف يمكن أن نتحدث عن حق المرأة على جسدها بينما يناضلون هنا على حق المرأة بأن تخرج من البيت لرؤية مسرحية؟ في جنين سينما جديدة، “سينما جنين”. أنشأها ويديرها عدد من المتطوعين الألمان. الجميع يُجمع هنا وبلا تردد أن مسألة حرقها مسألة وقت لا أكثر. عندها ستصيبنا الخيبة جميعا: محبي المسرح والسينما والثقافة، الغرب، العالم، سنبرم أبوازنا وسنقول كلمات مثل “تخلف”، “تأخر”، ولكنّ المتطوعة الألمانية أذهلتني عندما رفعت سبابتها وألصقتها بجانب جبهتها وقالت بهدوء: “الاحتلال هنا”.
هل هذا استنتاج شائع هنا؟؟
يهودي! يهودي!
بدأت الأسبوع الماضي العمل على كتابة فيلم روائي طويل عن اجتياح إسرائيلي لجنين. عليّ كي أكتبه كما يجب أن أقضي الكثير من الأوقات مع أهل المخيم كي يكون الوصف والتفاصيل قريبة قدر الإمكان من حقيقتهم، لا حقيقتي. ليلة الأربعاء/الخميس كنت أقف مع أكثر من 15 شخصًا فوق سطح البيت الذي يقطنه جوليانو مع زوجته وابنه الطفل في جنين وألتقط الصور لبحر الأضواء المنزلية التي تملأ المرج الواسع المظلم. العفولة في الواجهة، خلف جنين، ونحن نتحدث عن بشاعة “بلدات التطوير” التي بنتها إسرائيل ليهود شمال أفريقيا لاستيعاب هجرتهم في الخمسينيات. نتحدث عن بشاعة الخضيرة أيضًا، ونتانيا وأوفكيم وغيرها. نتحدث عن البشاعة واليأس طيلة الليل.
ألفّ مع جوليانو في أزقة المخيم. أذكره شذرًا لكنه يحفظه عن ظهر قلب. الدعوات لتناول القهوة تصدر بكرم، لكنّ بعض الأطفال يشيرون إليه: “يهودي، يهودي”… يقترب جوليانو منهم ويتحدث إليهم عن اليهود والمسلمين وسرعان ما يحتضونه جميعًا في صورة تذكارية. أقرب ما يمكن إلى “الديسونانس” الخارق.
سأروح وأجي إلى المخيم كثيرًا في الشهرين القادمين وسأكتب بما استطعت من الصراحة، رغم الكثير من الحبر السريّ. عليكم أن تبحثوا عن الكلمات المختئبة من وراء هذا الحبر…
11 سبتمبر, 2010
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)




