السبت، 26 يناير، 2008

هيك مضبطة...

أقرّ الكنيست الإسرائيلي، أمس الأول الأربعاء، بالقراءة التمهيدية، قانوناً يمنع زيارة سجناء سياسيين ينتمون إلى فصائل تحتجز أسرى إسرائيليين، حيث ينصّ القانون على منع أيّ نوع من الزيارة من الأهل أو منظمات إنسانية أو مُحامين.

والحقيقة أنّ خيال اليمين الإسرائيلي الفاشي لم يعد يصدمنا، بقدر ما صار يثير حموضة خفيفة تتكون في المعدة، لتصعد نحو الفم، تاركةً فيه آثارًا من المرارة المشوبة بالقرف. فردّ الفعل البيولوجي هذا على هكذا قانون، بعد سلسلة قوانين فاشية سنّها الكنيست في السنوات الأخيرة، هو الردّ الأولي إثر سماع مثل هذه التشريعات، ولكنه ليس بالردّ الوحيد أبدًا.

فيمكن مثلا، في خضمّ هذه التشريعات، وبعد هذا التشريع الأخير حصرًا، الطلب من نائب عربي في الكنيست (ولنقل من "التجمع") تقديم اقتراح قانون ينص على منع محادثة كل فرد من العائلة والأصدقاء والمقربين، لكلّ جندي شارك أو يشارك في عمليات خطف واعتقال احتلاليين ضد فلسطيني، لنقل لشهرين على الأقل. كما يمكن أن ينصّ القانون على منع أيّ تواصل حميمي أو عاطفي بين أيّ جندي كهذا وبين زوجته أو صاحبته أو صاحبه، لفترة لا تقلّ عن عدد أيّام الاعتقال لكلّ مخطوفٍ فلسطينيٍّ، والتي تتجدّد أوتوماتيكيًا كل ستة أشهر بأمر اعتقال إداري، فيمكن عندها في نصّ اقتراح القانون استحداث مصطلح "أمر منع إداري" يكون مُخصّصًا لمُجرمي الحرب الإسرائيليين من جنود وقياديين.

كما يمكن تطوير هذا الاقتراح أكثر وتوسيع مداه ليشمل تجميد حياة كل جندي يشارك في جريمة حرب احتلالية كهذه، ليُمنع من مواصلة تعليمه بعد خدمته الفاشية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، أو منعه من بناء أو شراء بيت له، أو الزواج وإنجاب الأطفال، تمامًا كما يحدث مع كل فلسطيني يُختطف.

أما في حالات الاغتيال المتكررة يوميًا، إما من خلال قصف جوي "ذكي" أو من خلال حملات مداهمة "متخلفة"، فيجب طرح بند يُخيّر الجندي/الطيار المشارك في الاغتيال بين أمرين: الاستسلام الفوري والتقدم للمحاكمة في محكمة حقوق الإنسان الدولية، أو تقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني والعمل عشر سنوات في أعمال تطوعية في خدمة اللاجئين الفلسطينيين- طبعًا بعد أن يقضي محكوميته وفق القانون، عقابًا على القتل المتعمد والمخطط.

وبين المزاح والجدّ، لا بدّ أن يقوم نائب عربي (أو يهودي) ليطرح اقتراح قانون عبثي كهذا، كي يضع الجميع في محكٍّ وجوديّ غير سهل: إذا كنتم تسمحون لفاشيتكم بالتمادي إلى هذا الحدّ من الانحطاط، فلماذا لا نضع مرآة ساخرة أمام وجوهكم القبيحة ونجعلكم تتقيّأون استنكاراتٍ ليومين كاملين، في "ريشت بيت" والقناة الثانية؟

هل هذا الاقتراح أكثر جنونًا مما يحدث اليوم في الكنيست الفاشي؟ لا أعتقد. وأرجو أن يأخذه أحد ما على محمل الجدّ.

الاثنين، 21 يناير، 2008

بلاغة فلسطينية

الشاعر الجميل


اكتشفتُ شاعرًا جديدًا قبل أسبوع أو أكثر.


لا أقول إنه "جديد"، أي أنه بدأ بكتابة الشعر ونشره قبل أيام، بل أقول "جديدًا" لأنني أنا من لم يقرأ له من قبل، وهذه نقطة تُسجّل ضدي بالأساس. فوليد الشيخ، الشاعر الفلسطيني من رام الله، شاعر فذّ، مُتميّز، ولكنني أحبّ فيه بالأساس عدمَ خوفه من الشعر. وأعني بهذا، أنه لا يشعر بالنّقصِ أو بالدُونية في وجه مُتطلبات الشعر البلاغية والخطابية واللغوية، ولا يرضخ لإملاءات السياسة الفلسطينية اليومية، التي تُملي علينا من دون وعيٍ كيف يجب أن يكتب الفلسطينيون، في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ شعبنا: بجدية، بعنف، بقوة، بخيلاء، بما يساعد على الصّمود.

فوليد الشيخ يُعيد الرّونق إلى الكلمة الشعرية البسيطة، هائلة القوة والاختزال، الجميلة، التي لا تخلو من روح دعابة خلابة، آسرة، واثقة برونقها، فلا تجتهد ولا تتعب:

لي عادتان سرِّيتان يومياً
وعاداتٌ علنيّة
رغبات مدفونة في التّمثيل
بطولة مع مُنى زكي
أقبِّلها كُلّ خمسِ دقائقَ، دُونَ توظيفٍ دراميٍّ.


هي كتابة للمكان وللزمان، لتفاصيلهما اليومية "غير الجديرة" باهتمام شاعر، لما اختبأ في غياهب الذاكرة أو الأفكار اليومية العبثية والإنسانية، التي تضيع وسط ضوضاء الأسى والسياسة، فينتشلها وليد الشيخ من مخابئ الحياء ويجهر بها، مُخلفًا إصاباتٍ بالأجساد والحياء:

حقيبة ُ الكُحل والزّينةِ والأسرارِ الشهريّةِ
عَلى الكَتفِ
شَفتانِ غليظتان في دوّارِ المنارة
الأولادُ تَمنَّوا المَوتَ في شوارعِ تل أبيب
النساءُ شَتمْنَ حَظّهنَّ العاثرَ
وكُلَّما مَرّتْ،
يحترقُ الفلافلُ في الزّيتِ
وَيَنسى الحَلاّقونَ مِقصّاتِهم عَلى الرُّؤوسِ
وَتطيرُ مُخيَّلاتٌ فاسقة ٌ في شارعِ رُكَبْ.

دوّار المنارة الذي شَهدَ مئات الهجمات والاحتلالات والقتالات، وسقوط المحاربين ودموع الرجال والنساء، يحترق فيه الزيت حين تمرّ ذات الشفاه الغليظة، مُتأبطة حقيبتها المليئة بالأسرار. وليد الشيخ يعيد للفلسطيني الثقة بإنسانيته، بقدرته على البحث عن الجمال والفتنة والشهوة في ربوع الوطن المثقوبة بالرصاص. ولكنه، أيضًا، يُسجّل الرتابة والحياة في ظلّ الألم واليأس:

لا صدفة طيِّبة كي ألتقيَك، مثلاً
على بابِ سينما
لا سينما كي ألتقيك صدفة
ولا بنات في الحيّ
ليسهرَ الليلُ على الشّبابيك.

هي الوحشة الداكنة في جنبات فلسطين. أبيات شعرية كهذه أبلغ من موشحات سردية عن الحصار والقتل والجوع والحرمان. المكان غائب (لا سينما) والزمن غائب (لا صدفة) والإنسان غائب (لا بنات في الحيّ). ماذا تبقّى إذًا؟
تبقى القليل من الكَلبيّة السّاخرة تترصّد بالعدم القاتم المُوجع، والمثير للابتسام المَرَضيِّ (ربما) في حضرة قصيدة كهذه:

ليس عندي ما يستحقّ الذّكر

لا إيدز
ولا عرض من الحكومة لأكونَ وزيرَ ثقافة
أو بيئة
أو حكمٍ محليّ.

لا كرت إعاشةٍ من وكالةِ الغوث
ولا حزب شيوعيّ.

ليس عندي كالسيوم كفاية
لا غرين كارد
ولا حتّى فيزا لأمريكا

ولا دولة لأشكو لها من الأباتشي.

وهو الأمل أيضًا، والصمود، بمعانيه اليومية الصغيرة، بحسِّهِ المُرهف بتفاصيل البقاء. الصمود الذي تعجز عن كسره "المركفاه"، ليس بالبنادق ولا بالقنابل، بل بنشوة نساءٍ في الصباح، بَلَّ ريقهنّ ليلٌ طويلٌ:

عندما نصحُو على أصواتٍ مُبلّلة
لجاراتٍ فَرِحاتٍ بليلةِ الأمسِ
يَنشُرْنَ مَلابسهنَّ الخاصَّةَ
ويَتهامَسْنَ بألسنةٍ خَجُولةٍ
عَن عِظامِهنَّ التي نَخَرَتْها النّشوَةُ

تكونُ الميركافا في إِجازة.

وليد الشيخ شاعر جميل، فاتبعوا خطاه.


للمزيد من قصائد وليد الشيخ:
http://www.jehat.com/Jehaat/ar/KetabAljeha/books/WaleedAlshik.htm

قرأتُ لكم: ابن أسامة بن لادن في حديث واهن!

عمر بن لادن: لا انظر لوالدي كإرهابي والتاريخ يثبت ذلك

رسالة من الابن الى الوالد: "ابحث عن وسيلة اخرى لتحقيق اهدافك" * عمر بن لادن: لا انظر لوالدي كإرهابي والتاريخ يثبت ذلك



(في الصورة: عمر بن لادن مع زوجته الأعجمية)

القاهرة -وكالات: بعث نجل زعيم تنظيم القاعدة أسامه بن لادن برسالة، عبر CNN، إلى والده مفادها: "ابحث عن وسيلة أخرى للمساعدة أو لتحقيق أهدافك." وقال عمر بن لادن، ابن أكثر المطلوبين في العالم الذي ترصد الولايات المتحدة 50 مليون دولار مقابل اعتقاله، إن دافع خروجه من دائرة الصمت والحديث علانية هو رغبته في إنهاء العنف الذي استوحاه والده. وتوجه برسالة إلى والده، بلغة إنجليزية تلقنها مؤخراً من زوجته البريطانية، قائلاً: "أحاول أن أقول لوالدي.. حاول إيجاد وسيلة أخرى للمساعدة أو تحقيق هدفك.. هذه القنبلة.. هذه الأسلحة، ليس من الجيد توجيهها ضد أي كان." وأوضح أن طلبه ليس رسالة شخصية منه فقط بل بطلب من صديق لوالده ومن مسلمين يقولون فيها لزعيم تنظيم القاعدة إن "عليه تغيير طرقه."

وذكر عمر أنه لم يلتق والده منذ عام 2000، عندما غادر معسكرات تدريب القاعدة في أفغانستان بمباركة زعيم التنظيم، ونفى علمه بمكان اختبائه. واستبعد، بصورة مطلقة، إمكانية اعتقال والده نظراً للدعم المحلي الذي يتلقاه. ورد على سؤال بشأن إمكانية اختفاء والده في المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان قائلاً: "ربما نعم.. وربما لا.. على كل الناس هناك مختلفون.. لا يبالون بالحكومة." وأوضح عمر أنه يستعد، وزوجته البريطانية، لإطلاق حركة، تقوم على نقيض مبادئ تنظيم والده، وتهدف للترويج للسلام.
وأعرب عمر، 26 عاماً، عن اعتزازه وافتخاره باسم "بن لادن"، نافياً أنه ينظر لوالده كإرهابي، وتحدث عن إزدواجية المعايير التي تنتهجها واشنطن، التي نظرت إلى والده كبطل إبان محاربته القوات السوفيتية في أفغانستان. وأضاف متهكماً: "دعوها من قبل حرباً والآن يطلقون عليها إرهاب"، قائلاً إن والده يعتقد أن الواجب يحتم عليه حماية المسلمين من الهجمات. وأستطرد قائلاً: "يعتقد أن هذا واجبه.. مساعدة الناس.. لا أعتقد أن والدي إرهابي لأن التاريخ يثبت عكس ذلك."

سفير سلام
وكان عمر بن لادن اعلن قبل ايام إنه يرغب أن يكون "سفير سلام" بين المسلمين والغرب. وأضاف بن لادن الإبن، قائلا إنه يعتزم تنظيم سباق للخيول في شمال افريقيا لتعزيز السلام بين الأمم. وقال عمر إنه تمت دعوة فرق من أنحاء العالم للمشاركة في هذا السابق الذي سيقام على غرار سباق باريس داكار للسيارات الذي ألغي هذا العام.

وأردف "سمعت ان السباق ألغي بسبب تهديد القاعدة، ولا أعتقد أن ذلك سيحدث معي". وأشار إلى أن زوجته البريطانية ستشارك في السباق. ومضى يقول "الأمر يتعلق بتغيير الأفكار في العقل الغربي". ودون التنديد بوالده زعيم القاعدة، قال بن لادن إن هناك طرقا أفضل في الدفاع عن الاسلام من اللجوء إلى السلاح.

وقال عمر بن لادن في تصريحات أدلى بها في العاصمة المصرية القاهرة لوكالة أسوشيتدبرس للأنباء "إن الكثير من الناس يظنون ان العرب، وخاصة آل بن لادن، وعلى نحو خاص أبنائه، من الارهابيين وهذا ليس بالأمر الحقيقي". وعمر واحد من أبناء أسامة بن لادن البالغ عددهم 19. وقال عمر إنه عاش مع والده في السودان بعد أن جردته الرياض من الجنسية السعودية عام 1994.

ويقول عمر إنه انتقل عام 1996 إلى أفغانستان حيث تلقى تدريبا في معسكر للقاعدة، ولكنه قرر لاحقا ان هناك طريقا آخر فغادر والده عام 2000 وعاد إلى السعودية. وقال نجل زعيم القاعدة "لا أريد أن أكون ثانية في ذلك الموقف، ان أقاتل فقط، أرغب في السير في طريق آخر والذي قد يكون مثلما نفعل الآن نتجاذب أطراف الحديث".

وخلال الحديث حينها ، لم يوجه عمر انتقادا لوالده، قائلا إنه يحاول الدفاع عن قضية المسلمين. وقال إنه لم يشاهد والده أو يتصل به منذ مغادرته أفغانستان عام 2000. ويدير عمر الآن شركة مقاولات في السعودية ولكنه يقضي معظم وقته في مصر. وكان عمر قد أثار عاصفة إعلامية في العام الماضي إثر زواجه بالبريطانية جين فليكس براون، البالغة من العمر 52 عاما، والتي حملت لاحقا إسم زينة الصباح.


السبت، 19 يناير، 2008

يقطعني شو غامض!


أذكرُ، خيرًا اللهم اجعله خيرًا، أنّ أحدهم أصدر رواية (هكذا سمّاها على الأقل) قبل عشر سنين، تقلّ أو تزيد، شغلت القاصي والدّاني في أرخبيل "هيلل-مسادة" في حيفا، إذ أنّ الجميع "انبهر" من الرواية، كيف أنها "فلسفية" و"غامضة" و"فنية"، بدرجات هائلة، حتى أنّ أحدًا من المُتحدّثين المُتحمّسين المُتحَرجمين حول كؤوس الجعة، لم يفهم حرفًا واحدًا ممّا قرأه!


وقد شعرنا داخليًا بتعاظم الإحراج بيننا من أنّ قبيلة كاملة من الكُتاب وأنصاف الكُتاب وأرباع الكُتّاب والمُستكتِبين والمُثقفين والمستثقفين والمُتحرجمين حولهم مُنافسين على أحد هذه الألقاب، في ذلك الوقت من الزمن، لم تنجح في فكّ طلسم واحد من طلاسم السّطور المُتراصّة في الكتاب، فأخذت التفسيرات تزداد، والأصوات تعلو، كُلٌ مدافع عن طلسمه: فهذا يصرخ بأنّ الرواية تُسرَد على لسان نملة، وذاك يزعقُ بأنّ الرواية تُروى بالذات على لسان خُنفسة، وذاك يناضل من أجل تدعيم فكرته بأنّ الرواية كُتبت من النهاية إلى البداية، وآخر يقول إنها كُتبت من فوق إلى تحت، وآخرٌ يُشدّد على أنّ هذه الرواية هي فاتحة جانر جديد هو "جانر الغموض العربي"، مُتناسيًا أنّ مثل هذا الجانر بدأ منذ زمان، مع ولادة وليد جنبلاط.


وقد ازداد الإعجاب ونما حين بدأت الشائعات تصل حلقات الفكر (الخالية من الفكر) في المقاهي الحيفاوية عن شخصية الكاتب، وكيف أنه غامض بنفسه، في حياته وتصرفاته (يعني: مُعقد، ولكنّ السياق وقتها لم يسمح بمثل هذه التسميات)، فاستعر خيال المُتحلقين حول "توستات" الجبنة والمرتديلا، وصار أحدهم يهزّ رأسه شمالا، والآخر يسارًا، حتى اهتزّتِ الرؤوسْ، في هزٍّ ضَروسْ، فوق الصّحون والكُؤوسْ.


وكنتُ في ذلك العهد قد قطعتُ مراحلَ متقدمة (مُرضية، ولكن ليس بحجم ما هي عليه اليوم) من تطوير شخصيتي الفتية كوقح "لا يكلّ"، فتجرّأتُ في مَعمعان العراك الليليّ المُعجَب بغموض الكاتب وكتابه، ولفظتُ عبر أغبرة التحليلات المتطايرة من كل حدب وصوب (كانت كثيفة وهائلة، حتى خلتُ صاحبَ البقالة المُحاذية للمقهى الرصيفيّ يصرخ من الداخل وهو يُجري الحساب للمُسنّة البولندية: لا تنسوا التداعيات المخفية على مقوّمات الحبكة الدياليكتية!)، فتلفظتُ وقلتُ ببعض الحذر وبكثير من الشجاعة: "بس الكتاب خرى"!


في البداية أقنعتُ أحد الأصدقاء بوجهة نظري، في الصباح الذي تلا غزوة الكتاب في الليلة السابقة (وسأعفيكم من تفاصيل الغزوة الفكرية ضد المُرتدّ الزنديق (أنا) على كُفره وفجوره العظيمين، لأنها مؤلمة لي على المستوى الشخصي ولا زلتُ أتعاطى البروزاك من وقتها). وقد كان إقناع هذا الصديق سهلا، إذ أنه كان ينافس (مثلنا جميعًا) على لقب "كاتب"؛ ولأنه كان كسولا مُزمنا (مثلنا جميعًا في ذلك الوقت) فإنه لم ينظر بعين الرضا إلى ذلك الكاتب الغامض الذي أصدر كتابًا غامضًا وشغل القوم بطلاسمه، وبالتالي نجحتُ في استثارة "أناه" المتضخّمة (مثلنا جميعًا في ذلك الوقت) وجلبه إلى صفّي بأنّ "الكتاب خرى"، وهكذا تبدّدت وحشة وحدتي في معكسر الصريحين، وصرنا اثنين، بعد أن كنتُ واحدًا أحدًا، جلمودًا صمدًا. وخلال يومين "سقط القناع" ونجحتُ في إقناع الجميع بصدق حجتي وبأننا مُزيَّفون ونبحث عن استمناء فلسفي نحاول سَبغَه على كل ما يدور من حولنا، كي نقنع أنفسنا بأننا لسنا مجرد سِكّيرين مثيرين للشفقة نسهر حتى الصباح نجترع الجعة وكونياك "إكسترا فاين" (الشهير بأبي زبلة). بل هيهات ثم هيهات! فنحن مجموعة من الناس العميقين والفلسفيين، نُنتج وعيًا وثقافة وحِراكًا (كلمة "حِراك" كانت جديدة في ذلك الوقت، وكنا نستعملها بدلا من "ديناميكية" للتدليل على أننا مُطّلعون ومُتمكنون من العربية وخفاياها، فلكُلٍّ حِراكه، يدحشه في كل جملتين أو ثلاثٍ، والعار العار لمن قال ديناميكية، مع أنني لا أفهم لليوم في أيّ سياق يمكن أن ترد كلمة حِراك أو ديناميكية، في محادثة لخمسة شبان وشابات، في الثالثة صباحًا، يتحدثون على الناصية عن الصرصور الذي وجدته الرفيقة في حمامها!).


وكنا مقتنعين في تلك الأيام، كذلك، بما قاله الرفيق المناضل أوسكار وايلد: "كُلُّ ما أعجبَ الناسَ، فهو خطأ"، مُتناسينَ أنّ الناس قد تُعجب فينا يومًا (كما حصل مع بعضنا لاحقًا)، وأننا سنقع في مطبّ نخبويتنا المفرطة. وكان إيماننا بأنّ الثقافة والإبداع هما الأرقى، وباقي الناس همج يشاهدون القناة الثانية ويقرأون "معريف" و"الصنارة"، بينما نشاهد نحن "القناة الثامنة" ونقرأ "هآرتس" وملحق الكتب في صحيفة "صاندي تايمز" (ملحق جيد على فكرة). وكنا دائمًا نتبرّم من أنّ الناس لا تقرأ ما نكتب لأنّ الذين يقرأون الصحيفة التي كنا نعمل ونكتب فيها وقتها لم يزيدوا عن عدد كلمات المقالة نفسها (لا أعتقد أنّ الوضع تغير معي كثيرًا من يومها)، وهكذا كنا نحبّ أن نجلس لساعات وأن نسخر من عموم الناس، من الرعاع، من أذواقهم ومن سلالم أولوياتهم، وممّا يحبونه، وصرنا نكره أوتوماتيكيًا كلَّ شيءٍ يَرُوج وينتشر، فصار نزار قباني مَلطّة القعدة، ومن بعده انضمت أحلام مستغانمي إلى قائمة المَشتومين (مع أنها فعلا كاتبة رديئة وسخيفة)، ولا زلتُ أشفق على عمرو دياب وما لاقاه من ويلات عند الناصية إياها، مقارنة بعبد الوهاب وعبد المطلب.


بعد أن كبرتُ قليلا، صرتُ أسمع عمرو دياب، واستعدتُ بعضًا من حبي لنزار قباني، حتى إنني لم أعد أغلق الراديو في السيارة حين تظهر أليسا أو هيفاء، تغنيان، وفي الأغلب لم أعد أفعل ذلك خوفًا من غضب أم محمود، ولكنني تعلمت، بالتجربة والمقارعة، أنّ الناس أذكى مني، وسليقتهم لا تقلّ مكانةً وحكمةً عن ادعائياتي الفكرية والتنظيرية، وأنه علينا، نحن المتعربشين على حافلة الجدية و"الرّقي"، أن نعيد النظر قليلا فيما نقول ونفعل، ولكن والأهم، أن نهطل من عليّ تنظيرنا واستعلائنا على القوم، وأن نتحلى بما يكفي من الشجاعة كي نقول بهدوء وبثقة: أم كلثوم رائعة، ولكننا لا ننكر حب الناس لنانسي عجرم، فلماذا نحن المُحقّون وليس الناس؟ من نحن أصلا؟ هل إذا قرأنا ألفيْ كتاب وكتبنا ومثلنا وأخرجنا وغنينا، نصير قيّمين على الأذواق والرغبات؟ من قال إنّ نجاة الصغيرة ثقافة، وروبي ليست ثقافة؟ هل هو المضمون؟ وما المانع في أن ينتج المرء أمورًا من غير مضمون؟ هل يفكر أحدهم بمعاني كلمات أغنية "أخاصمك آه" وهو يهزّ خصره بعنفوان في قاعة العوادية؟؟ لماذا نستخفّ بحاجة الناس إلى ترفيه؟


وهكذا، ومن منطلق استعلائي بغيض (غير مفهوم لي اليوم بالمرة) اخترعنا أهمية ذاتية لما نحب ونستهلك، وصرنا نبجّل الغامض وغير المفهوم، و"الكثيف" و"المليء بالدلالات"، حتى لو لم نفهم هذه الدلالات، وحتى لو لم يكن الكاتب أو المبدع نفسه يفهم هذه الدلالات، عملا بمقولة أوسكار وايلد (مرة أخرى) الطريفة: "إنني ذكي جدًا، لدرجة أنني لا أفقه كلمة واحدة مما أقول". وقد وقع عبدكم المطيع ضحية هذه النزعة، في سابق عهده، حيث كتبت قصة أو اثنتين لا زلت لليوم لا أفهم منهما شيئًا، ولكن، ولأنّ دوائر الغموض تسيطر على النخب في كل مكان، أوردت قصة منهما في مجموعة حصلت على جائزة وأعطوني لقاءها نقودًا، ولو تجرأ أحد أعضاء اللجنة اليوم وقال إنه يفهم هذه القصة لعلقته في ساحة باب الدير الشفاعمرية!


ونعود إلى أوسكار وايلد، حيث قال المغفور له: "الشاعر الفذ، أقصد الشاعر الفذ بمعنى الكلمة، هو رجل خلت حياته من الشاعرية. أما صغار الشعراء فيسحرون الدنيا بشخصياتهم العجيبة، وكلما انحطت قوافيهم ارتفعوا في أعين الناس، حتى لتجد أنّ مجرد نشر ديوان من الشعر الرّكيك يجعل من صاحبه شخصية تأسر القلوب. فصغار الشعراء يمارسون الشعر الذي عجزوا عن قوله، وكبارهم يقولون الشعر الذي خافوا من ممارسته في الحياة". إذًا فهي تعويض، هذه الحاجة للغموض، للتميّز، لصنع هالة من هزّ الرؤوس (التي لم تفهم) بعد قراءة شعر أو قصة أو مشاهدة فيلم أو مسرحية. هي مباراة بين الجودة وبين هالة الجودة، بين الإتقان وبين وهم الإتقان. فتعالوا نكون صريحين مع بعضنا البعض: هل يمكن لأحد منكم أن يشتم عملاً إبداعيًا، إذا لم يفهمه؟


كان هذا فولتير الذي قال "كل رجل مذنب بسبب الأشياء العظيمة التي لم يفعلها". أعتقد أنّ كل مبدع مذنب لهذا السبب، خصوصًا أنه أجّل الأمور العظيمة التي كان يمكن أن يصنعها، لأنه كان يبحث عن مفردة ميتة في "لسان العرب" أو عن جملة مبهمة تنافس إبهام "في انتظار غودو"، كي يكتبوا عنه (من لم يفهموا شيئًا مما كتبه) أنه مُبهم وغامض.