السبت، 29 نوفمبر، 2008

يا شوفير دوس دوس...


إشتريتُ دراجة هوائية اليوم. بيضاءَ شامخة وفيرمتها "وينر"، حلم عكيّ جديد يتحقق في الأرض المقدسة، بخمسمئة شيكل جديد، اقتطعتها من ميزانية إيجار البيت للشهر القادم، عاملاً بالحكمة العربية الغبيّة: إصرف ما في الجيب يأتِك ما في الغيب.

كانت فرحتنا، أم محمود وأنا، كبيرةً لا تُضاهى: أنا فرحٌ بإنجازي التاريخيّ الذي "أفنطز" عليه منذ أن أفرغ أهالي عكا معداتهم في طاقية نابليون، وأم محمود فرحة لفرحتي الطفولية أمام مدخل جامع الجزار، حيث تقع دكانة "أبو داهود"، الذي يبيع الدراجات الهوائية على أنواعها (والحلق والأساور والبلاستيكيات الطفولية التي لا أفهم استعمالاتها).

ونظرًا لقياسات جسدي الحالية (التشديد على "الحالية"، إذا أنني سأنحف كثيرًا بعد انضمامي إلى الجِّم) استبدلتُ الكرسيّ الصغيرة بكرسي أخرى كبيرة، التي لم تنجح هي الأخرى في منع التعب "الطيزيّ" جراء ركوب الدراجة، ولكن حتى بوادر "السّماط" لم تفسد فرحتي بهذه الشّروة العبقرية. فتضاريس عكّا الساحلية جعلت من البلد بسيطة عريضة لا هضاب فيها ولا طلعات، وبالتالي فإنّ عملية الدوس والدعس على الدراجة لا تكلف الكثير من العناء والجهد، وهكذا وجدتُ نفسي راكبًا دراجتي الجديدة (بلا مْلاحظة) وعابًّا شوارع عكا الساحلية، قاصدًا الفنار عبر الكورنيش، "قاصًّا" بسهولة نحو الخان ثم الميناء ثم المحكمة القديمة.

أيّ إحساس جميل أن تحلق بقليل من الجهد بين الناس، أن تناور وتحاشر بين الرصيف وبين الشارع، تروح وتجيء بين السّيارات العالقة في أزمة مرور، مثل فراشة حرة طليقة، فتذكرتُ على الفور ما جاء في مسرحية "رُكَب"، كرّم الله وجهها:

"لديها دراجة مثل دراجات الخمسينيات والستينيات مع مقود واسع. أسرع إلى البيت وأجلب مخدة وأضعها على المقود. ومثل جنتلمان أدعوها للصعود فتفعل وهي متكئة على كتفي. من بولفار فولتير بدأنا السّير باتجاه الباستيل، أدور حول الدوّار خمس مرات كيف نقرر اتجاهنا، وكالعادة سان ميشيل ينتصر دائمًا. وهي جالسة هكذا على المقود لا أرى الشارع، ولذلك تضع جسدها العلويّ كله على صدري. وأنا، من أجل عبطة كهذه مستعد ليس لحرث باريس فقط، بل فرنسا كلها. نحن الاثنان فقط نتحرك في باريس (...) من سان ميشيل أقطع الطريق إلى سان جرمان على طول ساو جيرمان ديبري. نتوقف للحظة في مقهى موليير، نشرب بيرة واحدة على البار، وقوفًا، ونواصل إلى سان أنطوا(ن)، إلى سان مور والشاتليه."

في عكا يمكنني أن أكتب هذا المونولوج المُتناصّ مع مونولوج "رُكب":

لديّ دراجة جديدة، مع مقود واسع. أتذكر نصّ "رُكب" فأقول لأم محمود أن تركب عليه ونبرم في عكا. تنظر إليّ باستخراء مُريب، ثم أتراجع عن الفكرة وأقول لها إنني سأبرم قليلا برمتي الأولى على الدراجة. تصرخ: "دير بالك، مش تندهك، مش فاضي لمستشفيات!". أخرج من العمارة وأسير في الشارع المحاذي لها، المليء بعشرات الحفر، الكبيرة منها والصغيرة، فأكاد أقع على وجهي غير أنّ اللات احتضنتني بلطفها. أسير وحدي في الشوارع مسرعًا نحو كورنيش عكا على البحر كي أصله قبل اختفاء الشمس الغاربة. أصل الفنار سعيدًا وأركن الدراجة على السياج فوق البحر وأخرج كاميرتي وأصوّر لعبتي الجديدة. الشمس اختفت وراء بقايا قلعة على السّور وأحدهم ممن يعرفون وجهي وأعرف وجههم يقترب ويسأل: إلك البسَسْكَليت؟ أجيبه بفخر مبتسمًا، يسأل: قديش؟، أجيب: 500. يقول: ضحكوا عليك. تختفي ابتسامتي. أكرهه على الفور، أرغب بالصراخ في وجهه: هاي بتسوى كل الدنيا، أعدِل، أعتلي الدراجة بسرعة ومن هناك نحو الخان، ثم الميناء، ثم ساحة عرفة، وإلى البوابة ثم... ما هذا الصوت؟ صوت هواء؟ هواء؟ من أين الهواء؟ من الأسفل.. العجل الخلفي يصدر تنهّدات غريبة. أقترب بأذني: بَنشرْ!! (يعني "ثقب" لمن لا يعرف عربية عرب الداخل). بَنشرْ! من أول غزواتو!

أستلّ موبايلي الحزين وأتصل بفراس الروبي. هو من نصحني بشراء الدراجة وقد رآها فور شرائي لها وكانت بوادر الحسد تنهمر من عينيه الزرقاويْن. وصفة أكيدة للحسد! أصرخ: شو خيا؟ بنشر! يفتعل فراس الحزن وينصحني بالذهاب إلى أبي داهود، فأفعل صاغرًا. أحدهم أخبرني يومًا بأنّ العجل (يعني الدولاب) يتلف نهائيًا إذا سرتَ عليه وهو خالِ من الهواء، فحملتُ دراجتي المصابة وسرتُ من قرب الثكنة البحرية العسكرية حتى جامع الجزار، كرّم الله مجازره.

"شو خيا؟ خير؟" سألني أبو داهود حين رآني حاملا خيبتي على كتفي، منتصب القامة، روحي متفرفطة، متعرقًا. قلت له: "عين! عين حسودة! فش غير فراس الروبي!"... "فش غيرو"، أجابني مؤكدًا، فاطمأنيت إلى أنني لا "أتبلى" على الروبي ذي العينين الزرقاوين، فتمتمتُ في سرّي وفكرتُ بالاتصال بأمي كي "ترقي" الدراجة الجديدة وتحرق بضع عيدان من الميرامية، كما تحب أن تفعل كلما سعل أحد منا. عدلتُ حين رأيتُ أبا داهود وهو يخرج قطعة معدنية من العجل ويرفعها لي مثل جرّاح عريق وكأنه يخرج رصاصة من قلب قتيل. أخذتها بيدي ونظرتُ إليها مليًّا: عين! عين!

إتصلتُ بالروبي وأنا أغادر دكان أبي داهود. اتفقنا أن نلتقي عند "البيغ". كان فراس يجلس مع أشرف (البيغ) ويأكلان (وشخص ثالث) كبدة مقلية ودجاجًا فشدّوا بأكمامي كي آكل، إلا أنني رفضتُ مُصرًّا كي لا أمنح الروبي الحسود أية فرصة برشوتي. طلبتُ ثلثا من البيرة وصرتُ أشربها وأنا أتأمّل فمه كي أعرف إذا كانت أسنانه "فُرُق"، فتكتمل إذًا الحقيقة: "عيون زرق وسنان فرق". هذه مواصفات الحسود.

ما خفّف من غضبي هو الغزل الجميل الذي صار يكيله الجميع على دراجتي الجديدة البيضاء من فيرمة "وينر"، فهدأتُ قليلا وأمعنتُ النظر في أسنان الروبي. لم أتيقن من وجود فُرق فيها، لكنه فضح نفسه حين بدأ يزاود على دراجتي ويمدح بدرّاجته الهبيانة التي ينشحد عليها في سوق عكا القديمة.

ولكنني نسيت غضبي من الروبي الحسود حين انفتحت سيرة سرقة الدراجات في عكا ومنطقتها. تهيّأتُ وأنصتُّ. كانت لكلّ واحد قصة عن سرقة دراجة واحدة على الأقل: سارقًا أو مسروقًا. أحدهم أثار رعبي حقًا حين نفى بسرعة أية حماية يمكن أن يوفرها أيّ جنزير تربط به الدراجة إلى أيّ عمود أو سياج حديديّ: "أنا ربطت بسكليتي بالعمود بالليل والصبح ملقيتش غير البدّانية (بتشديد الدال- والأغلب أنها تحريف لكلمة "بدن"، أي جسد الدراجة من دون المقود والدولابين وباقي العدة). نظرتُ إلى بدّانية دراجتي. لم أتراجع، قلت: "وهاد الجنزير شوف ما أخملو، من عند شْلون، والقفل اتطلع ما أكبرو".

لم يُجدِ الأمر، عاجلني الجميع بالقول: "أيّا قفل خيا؟.. قال قفل!"

عدتُ فورًا إلى نظرية الحسد، فرأيت جميع الجالسين فجأة مثل الروبي: مع عينين زرقاوين وأسنان مفروقة. يا إلهي، كيف سأحمي دراجتي الجديدة؟ باغتني الهمّ فجأة، فانهممتُ. أخذت دراجتي وانسحبتُ بهدوء نحو البيت. قرب العمارة توقفتْ سيارة جاري أبو وردة ومعه العائلة، فباركوا لي بالدرّاجة ثم بدأ أبو وردة مونولوجًا عنيدًا حول الدراجتين اللتين سُرقتا منه، ثم صاح ابنه الصغير من المقعد الخلفي: "تحطش البسكليت على الفوتة! تحطش البسكليت على الفوتة!" وعلامات الحرقة في صوته المتهدّج...

تعسًا للعالم! أدخلتُ الدراجة في المصعد بعد أن رفعتُ الدولاب الأمامي نحو سقف المصعد كي تدخل الدراجة بالقوة. ربطتها إلى الدرابزين الحديديّ في الدرج المحاذي لشقتي في الطابق الرابع، بجنزيرين وقفلين، ثم نظرت حولي متأملا مطلع الدرج: أين يمكنني أن أنصب كاميرات مراقبة في هذا المكان؟..

أنا أكتب الآن هذه المداخلة ولم يمضِ على ربط دراجتي إلى الدرابزين أكثر من ساعة. يجب أن أخرج لتفقدها... ثانية فقط... ما زالت في مكانها. قد أنجح بعد أيام في نقل عدوى حبي للدراجة إلى أم محمود، فتصير مهمة الحراسة أسهل: ساعة هي وساعة أنا. هكذا نحمي وسيلة نقلي الجديدة، الخفيفة، السريعة، الودودة للبيئة. سأقول لها إنها عملية في التنقل ويمكنني أن "أنطّ" إلى السّوق كلّ يوم للتبضّع وشراء الخضروات والسّمك وطهي أشهى المأكولات لسموّ غضبها. ستقتنع لا شكّ فهي تحبّ أنني أطهو الطعام وهي تفرّ البلاد كلّ يوم بسيارتنا (تها) المُكلفة الفرنسية. سأفعل هذا وستُحلّ مشكلة ورديات الحراسة لا شكّ وسأنتصر على الروبي وحسده الأزرق اللعين!

أستحلفكم بالله أن تنظروا إلى الصُور المرفقة بهذه المداخلة؛ أليست دراجتي جنسية ومثيرة؟!


الخميس، 27 نوفمبر، 2008

بين رنين و"غنين": خفايا الخطاب البوست كولونيالي في الإيديولوجيا البوست بوست نيو صهيونية!


قبل أيام خرجت رنين (بولص) من برنامج "الأخ الكبير" الذي تبثه القناة الثانية الإسرائيلية. لم تخرج مظاهرات إلى الشوارع ولم تجتمع لجنة المتابعة في "واحة السلام"، مسقط رأس "غنين"، في اجتماع عاجل لبحث الموضوع، ولم يكتب أحد مقالا غاضبًا ولم تصلني أية رسالة بالبريد الإلكتروني تحتج وتعربد وتزبد. خرجت رنين ولم يحدث شيء.

هل هذا مؤشر على أنّ الأقلية العربية الصامدة في وطنها عافت هذه الخزعبلات؟ في كل سنة يبرز عربيّ في قناة ما، ويطلبون منا أن نعلق ونتحدث ونحلل: هل مشاركة عربي/ة في برنامج طبخ/ مسح/ رقص/ قيادة/ تفاهات على أنواعها هي بداية لمرحلة جديدة من "التعايش" و"التصالح" و"التناغش" بين العرب واليهود في البلاد؟

لم أشاهد أكثر من دقائق معدودة هنا وهناك من برنامج "الأخ الكبير"، أغلبها وأنا ألهث ملء رئتي على مسطح الجري في معهد اللياقة، وأنا أبحث عن شيء ما أشاهده وأنا أركض مقاوما كرشي بشراسة. ولكن الجميع من حولي يشاهدون البث المباشر من الفيلا، حيث يصورون كل شيء يحدث هناك عن لا شيء. هذا يتسفع في الشمس، وتلك تهمس لشخص ما، وذلك يحفر أنفه باصبعه وذاك يتجشأ. غريب. لماذا يتابع الناس هؤلاء الغريبين الذين يبحثون عن معنى لحيواتهم في عملية تصويت من سيبقى ومن سيخرج من هذه الفيلا، التي سيخرج الجميع منها في نهاية المطاف؟

في أحد مواقع المعجبين والمتابعين كتبت رنين عن نفسها أنها "أميرة عربية" (الكلمتان بالعبرية أجمل وأكثر جاذبية، بحكم الاستشراق، وبعض الاستغراب)؛ والحقيقة أنها تتصرف كأميرة (هكذا تعتقد)؛ ففي التقرير الذي أعدّوه عنها في موقع "كيشت"، تحدثت عن تجربتها وعن عودتها إلى البيت في "واحة السلام"، والحقيقة أنّ الزيف الذي يميزها طفح في السيارة التي كانت تجلس فيها، وأعتقد أنه تسبب ببعض الحوادث على طريق القدس-تل أبيب، بسبب لزوجته.

رنين تتحدث العبرية بالضبط كما يجب على العربي الراغب في الاندماج أن يتحدثها: بدلاعة، بزناخة، بالراء الملدوغة، بالعين المسلوخة، بالحاء المخموخة. عجيب، كيف يتقمص العربي الصورة التي بناها له الآخر، ويجهد من أجل تطبيقها بكل ما أوتي من قوة، فيصير "عبريًا" أكثر من العبرانيين، وكولا أكثر من الكوليين، وزنخا أكثر من الزنخين. كي تظهر على الشاشة الإسرائيلية في برنامج باهظ الريتينغ لا يمكنك أن تتحدث بالعين والحاء العربيتين، ولا يمكنك أن تتحدث بعبرية عربية، لا زناحة ولا دلاعة ولا صفاقة فيها.

رنين تمثل قطاعًا واسعًا من العرب الجدد في البلاد، ولتذهب جميع شعارات العروبة المعارضة لهذه المقولة إلى الجحيم. العربي الجديد، الأكاديمي (يعني اللي معو "بي أيه"، يعني أي واحد متوسط الذكاء بهالبلد)، الضالع في "السلانغ" الإسرائيلي (يعني التفاهات اللي بحكوها ولاد عمنا)، المتمكن من خفايا الخطاب البوست كولونيالي في الإيديولوجيا البوست بوست نيو صهيونية! مسخ غريب، لا يمكن فهمه إلا في سياق التشويه الذي نجحت إسرائيل في زرعه في الكثير منا، وفي اعتقادي الخاص جدًا (غير العلمي) أنهم يمثلون اليوم أغلبية "عرب إسرائيل".

رنين هي "عرب إسرائيل"، المختبئة وراء لغة ليست لغتها، وراء مجتمع ليس مجتمعها، وراء لقب "أميرة عربية". ماذا قصدت بأنها أميرة عربية؟ أعندها جَوارٍ وخصيان؟ هل يطبخون لها ويمسحون ويجلون وهل لها شعراء بلاط (وفورمايكا) يبجّلون حضرتها ليل نهار؟ أم أنها قصدت استيراد مفهوم "الأميرة" من قصص ألف ليلة وليلة لتلهب حماس أبناء عمنا كي يطلقوا صرختهم المفضلة (بعد صرخة: الموت للعرب): "واوووو!"

أي أنّ رنين "واو"، كلية النعمة، كاملة الأوصاف، ممتلئة وثارًا. أميرة بالنسب والحسب، وربما بالقوة، لا أعرف، ولكنها أميرة عربية تعرف من أين تؤكل الكتف، وتعرف كيف تكشف الكتف.

هي حرة في كل الأحوال، فلتظهر في أي برنامج تريد (وفي أية لقاءات صحافية بعده، وفي أية دعاية تجارية بعد أن أعلنت أنها اكتشفت موهبة عرض الأزياء في داخلها)؛ هذا من حقها، ومن حقنا أيضًا أن نتقيأ أمام ما تمثله وما تسعى لتمثيله، في دولة الخرى هذه.

تحيا رنين، تسقط رنين، "كبّارا" علينا جميعًا...


الجمعة، 7 نوفمبر، 2008

على الطائر الميمون، بين فيينا وبرلين

كان من الغباء بمكان أن أشاهد فيلم "رحلة 93" قبل سفري بليلة واحدة، على الطائر الميمون إلى برلين. فالفيلم يروي قصة إحدى الطائرات الأربع التي تفجرت في أمريكا صباح 11 أيلول الدامي، وهي قصة الطائرة الرابعة التي تفجرت في منطقة ريفية بالقرب من واشنطن والتي كانت في طريقها إلى البيت الأبيض، بعد أن فجرت طائرتان أخريان التوأمين في نيويورك والثالثة هطلت على البنتاغون.

الفيلم يشدّ الأعصاب، ويروي القصة من مكانين ومنظورين فقط: مكتب مراقبة الطيران الأمريكية والطائرة نفسها، التي استعاد كاتبو الفيلم ما حدث خلالها من خلال المكالمات التي جرت من الطائرة إلى أقرباء المسافرين، بواسطة الهواتف الموجودة في الطائرة. القصة الأساسية التي ترشح من الفيلم هي قصة العجز المطلق الذي ميز ذلك اليوم، من خلال المباغتة التي ألحقها الخاطفون بالمؤسسة الأمريكية، حيث بدا واضحًا عجز وتبلبل المسؤولين عن تسيير الرحلات الجوية في معرفة أية الطائرات اختطفت وأيها لم يُختطف، وكانوا هناك، في المركز، يرون الطائرات أثناء تحطمها في نيويورك والبنتاغون.

لم يكن ذكيًا بالمرة أن أشاهد هذا الفيلم قبل عدة ساعات من ركوبي للطائرة متوجهًا إلى برلين، وطوال مدة الرحلتين، من تل أبيب إلى فيينا ومن فيينا إلى برلين، كنت أنتظر اللحظة التي سيقوم فيها أحدهم ويصرخ وهو يكشف عن علبة بلاستيكية مربوطة إلى خاصرته مع بعض الأسلاك: "قنبلة! قنبلة!".

ولكن أحدًا لم يقف ويصرخ، وكنتُ أنا الوحيد الذي دخل الطائرة متأخرًا، لاهثًا، متعرقًا، يستقبل نظرات الجميع المستائين، الذين كانوا ينتظرون حضوري كي تقلع الطائرة.

"سيمياكي" حتى الموت!
والقصة أنني تبضعت قليلا في الديوتي فري في تل أبيب، وهي فرصة كي يشتري المرء قليلا من العطر والسجائر والكحول بأسعار لا تقصم الظهر، بل تحنيه بعض الشيء. إلى الطائرة أخذت معي قنينة العطر المعلبة التي اشتريتها بتوصية حارة من الرفيقة أم محمود، التي استعانت بجملة غير مهذبة تدور بين نساء القوم الصامدات في الوطن، تشير إلى فاعلية وجاذبية هذا النوع من العطور، في تأثيرها الكبير على النساء وجذبهن إلى الرجال ("سيمياكي"- لمن يهمّه الأمر). طبعًا، أم محمود أوضحت في نصها الخبيء (السَّبْ تِكْسْت) أنّ هذه المحفزات الإنجذابية لها وحدها، وأنا قبلتُ هذا التوضيح من دون نقاش خوفًا من اندلاع معركة ملتهبة ستفتح فيها لا شكّ تفاصيل تاريخي "العلاقاتيّ"، مع ما يرافقه هذا الفتح من شتائم وتشهير وقذف بالنساء اللواتي احتملنني مرة قبل أن أتعمد بمياه الزواج المقدسة.

حملت علبة "السيمياكي" وعلب السجائر العشر وقناني الويسكي الصغيرة التي أدحشها في محفظتي في غربتي الأوروبية، كي أطفئ بها، من ساعة إلى أخرى، لهيب الشوق إلى الأراضي المقدسة (لعنها الله من قدسية). قبل الإقلاع رششت القليل من العطر، لأتعرف على سرّ الرجولة المعلب في قنينة غريبة سعرها لا زال حتى هذه اللحظة يمدّ لي لسانه.

حطت الطائرة في فيينا بسلام، وأنا أتلو ما تيسر من مزامير وابتهالات وأدعية. عند وصولي إلى الفحص الأمني قبل دخول الطائرة قالت الموظفة النمساوية بألمانية عسيرة إنّ علبة العطر التي معي حجمها 125 مليلتر، وحسب القوانين الأوروبية يُسمح لي بالصعود إلى الطائرة مع علب تحوي سوائل لا يزيد حجمها عن 100 مليلتر. قصة مبدأ. لم أكن بحاجة إلى معرفة الألمانية كي أفهم الأرقام التي صفعتني وهي تشير بسبباتها العذبة نحو الرقم المطبوع على أسفل القنينة، ولكنني، وكما أفعل دائمًا في مثل هذه المواقف، ارتديت قناع البلاهة، وجنّدتُ نظرة الفلسطينيّ المعذّب في الأرض والذي سيبكي للتوّ، وسألتها ببراءة ابن أخي عمري، ابن السنة والشهر الواحد:

"excuse me?"

كانت إنجليزيتها مثل فرنسوياتي، ولكنني استمريتُ بالبلاهة المصطنعة، وشرحتُ لها بإنجليزيتي "العَرَفاتية":

"I just bought it. Very nice."

لم تهتم النمساوية العنيدة وشرحت لي مجددًا عن القوانين الأوروبية الجديدة التي تمنع اصطحاب سوائل إلى الطائرات إلا إذا شُريت وخُتمت بالشمع الأحمر في إحدى دول الاتحاد الأوروبي. الحلّ الوحيد الذي اقترحته هو إلقاء قنينة العطر في سلة المهملات الكبيرة التي وقفت خلفها، سوداء، بلاستيكية، مغلقة، تحوي لا شكّ عشرات قناني العطر والكحول التي سيتقاسمها هؤلاء النمساويون الاستعماريون في نهاية اليوم، فكبرتْ في رأسي، وصرختُ في نفسي المعذبة: "علينا يا مندلينا"؟؟! ثم ترجمتُ لها ما قلته لنفسي فورًا:

"Can I see the manager please?"

عندما أحسّ باقي رجال الأمن الشقر باحتدام المعركة، تحرجموا حوالينا بفضول، فأدركتُ أنني بتّ في قلب معركة ضارية مع الاستعمار اللعين، فاستجمعتُ ما تبقى ما شجاعتي المهزوزة، وتذكّرتُ ما قاله جدي عنترة العبسيّ في ساحة الوغى، حين تخيلتُ وجه أم محمود وهي تسمع خبرية فقدان عطرها المفضل في أوروبا الاستعمارية:

إذا قنعَ الفتى بذميمِ عيشِ / وَكانَ وَراءَ سَجْفٍ كالبَنات
وَلمْ يَهْجُمْ على أُسْدِ المنَايا / وَلمْ يَطْعَنْ صُدُورَ الصَّافِنات
ولم يقرِ الضيوفَ إذا أتوهُ / وَلَمْ يُرْوِ السُّيُوفَ منَ الكُماة ِ
ولمْ يبلغْ بضربِ الهامِ مجداً / ولمْ يكُ صابراً في النائباتِ
فَقُلْ للنَّاعياتِ إذا بكَتهُ / أَلا فاقْصِرْنَ نَدْبَ النَّادِباتِ
ولا تندبنَ إلاَّ ليثَ غابٍ / شُجاعاً في الحُروبِ الثَّائِراتِ
دَعوني في القتال أمُت عزيزاً / فَموْتُ العِزِّ خَيرٌ من حَياتي

لم أكن أتوقع صراحة أن يكون "المدير" امرأة غاية في الدماثة واللطافة، كلمتني بأدب جمّ امتصّ جامّ غضبي، فتراجعتُ عن السّيوف والدّفوف، وعدتُ إلى استراتيجية الفلسطينيّ المعذب، وقررت أن أفتح لها قلبي، فانبريتُ بحماسة:

"I just bought it here… My wife loves this so much."

كانت هذه استراتيجية مزدوجة: أن أجعلها تشعر بتأنيب الضمير لأنها ستجبرني على التنازل عن عطر اشتريته للتوّ، فأنا عدتُ بالفائدة الاقتصادية على بلدها (مع أنني اشتريتُ العطر في تل أبيب- ولكن الكذب في هذه الحالة أكثر بياضًا من شعر جون ميكين)؛ وثانيًا: أنها ستتعاطف معي بسبب البعد الرومانسي الواضح في قصتي، ولا شكّ أنها ستتعاطف مع هذا الرجل الشرقيّ المُستميت من أجل إرضاء ذوق زوجته، وستتذكر لا شكّ جميع المرات التي اشترى فيها زوجها هدايا لها تحبها أو أنه اشترى العطر الذي تحبه، كي تحبه أكثر، فأجابتني:

"Please sir, you can't get to the plane with this. This is final!"

أسقط في يدي! لم أحتمل الصدمة، فأمعنت النظر في علبة العطر الجديدة. ثم اكتشفتُ أنّ جميع الحراس، وبضمنهم المديرة، ينظرون إليّ صامتين، فقلتُ: "ولعت"، فأمعنتُ النظر أكثر، حتى سمعت المديرة تقول بحنية:

"You can send it by the post to your self."

نظرتُ إلى عينيها مليًّا. لمحتُ فيهما بارقة أمل، فأعجبتُ بالفكرة، وأشارت لي نحو مكتب البريد في المطار، فانطلقتُ وأنا أسمعها تناديني:

"don’t be late! You have couple of minutes…"

وجدتُ نفسي أعدو نصف عدو، فالتجارب علمتنا أنّ منظر عربي يركض في مطار هو مشهد يمكن أن يثير بعض البلبة التي قد تؤدي إلى قضاء ليلتي في قبو مظلم. بعد لهاث وصلت مكتب البريد الذي كان مغلقًا طبعًا، حيث كانت الساعة الثامنة وعشر دقائق مساءً. وقفت وأنا ألهث وأتعرّق، ونظرت حولي. كانت مقابلي دكان "ديوتي فري"، ويبدو أنهم كانوا ينوون إغلاق الدكان، حيث رأيت موظفة تسحب بوابة حديدية كبيرة في إحدى زوايا الدكان. من دون تفكير وجدت نفسي واقفا أمام النمساوي الفارع وأطلب منه أن يلف قنينة العطر بكيس أمنيّ محكم الإغلاق، كما تتطلب الأوامر. وهنا كذبت كذبة بيضاء أخرى:

"I bought this here 2 hours ago."

"No problem sir. Can I see the receipt?"

بلّمتُ تبليمة لعينة، ثم قلتُ له إنني أضعتُ الوصل، فتبرّم، فألححتُ، فتبرّم، فأصرّيتُ، فنادى على المديرة، فجاءتْ، فاستعدتُ، فأصرّتْ، فاستزدتُ، فكشّرتْ، فذهبتُ.

"Den shtraykhen fakhs?"
كان عقرب الساعة يشير إلى الثامنة والربع مساءً، وكانت هذه دقيقة انطلاق الطائرة المفترضة، التي "هيك هيك" تأخرت ساعة كاملة، وكنتُ على مبعد خمس دقائق من العدو واللهاث، فعضضتُ بأسناني على دشداشي وبدأتُ السّعي، فسعيتُ.
من بعيد رأيتُ مدخل البوابة رقم "سي 53"، البوابة المفضية إلى شتاء برلين، وهو يُغلق، وبدأت للتوّ أحسب ما في جيبي من يوروهات، وإذا ما كانت تكفي للمبيت ليلة طويلة في فندق تساقطت نجومه منذ زمن.

حين وصلتُ البوابة كانت المديرة، غير الرومانسية، تلمّ أغراضها فقرعت الباب، فاستدارت، فرأتني لاهثا متعرقا، أستجير برمضائها، فلانت وفتحت الباب. كنتُ أحمل علبة العطر الموءودة، فناولتها إياها، فلمحت الاستفسار في عينيها، فقلت صاغرًا:

"The post office was closed."

"Yes. I'm sorry. I forgot the time."

رافقتني في الممرّ الطويل المفضي إلى حضن الطائرة. كان باب الطائرة يُغلق ببثّ حيّ ومباشر، فرطنتْ بألمانية مخيفة أعادت إلى بالي جميع أفلام هوليوود عن النازية (وبعض أفلام البورنو الألمانية التي ترعرعنا عليها في قريتنا الوادعة)، ففتح سمسم البابَ. دخلتُ الطائرة لاهثا ومتعرقا. كان الجميع ينظرون إلى هذا الدخيل الشرقيّ، يحمل محفظته اللابتوبية ويبحث عن مقعده بخوف، وخلتهم سيصرخون على المديرة:

"akhsen fakhsen enten awkh!!"

حين أقلعت الطائرة نظرت عبر الشباك. كان المطر ينهمر ببطء رومانسي، وكنتُ أفكر في حال قنينة العطر السيمياكية-الشبقية، وخلت المديرة غير الرومانسية سترتدي الليلة البيبي دول الزهري الذي اشترته قبل 10 سنوات، وسترش نصف القنينة على زوجها المتشائل من هذه المفاجأة. للحظة شعرتُ ببعض الراحة والسرور بأنّ قنينة عطري النازحة ستبعث الدفء في فراش عاشقين عاطلين عن العمل، ونظرت بابتسام إلى الرجل الضخم الذي جلس إلى جانبي، يرفع يده الكبيرة صوب الأعلى ويضيء الإنارة فوقنا، فغزتني رائحة عرقه الحادة فانكفأت على وجهي وحبست أنفاسي.

كانت هذه لحظة مؤلمة في تاريخ العلاقات الفلسطينية-الألمانية، ولم أعرف ما كان عليّ فعله، حين سألني مبتسمًا بثقة:

"Den shtraykhen fakhs?"