الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2008

من غزة لعكا...



"مصر يا أم الدنيا، أليست غزة من الدنيا؟"- كُتب على اللافتة الورقية الزرقاء التي رفعها أحد أطفال عكا العرب في
المظاهرة التي جرت عصر أمس الاثنين. كانت المظاهرة صاخبة ضاجة وكان الغضب يخرج من جميع الحناجر. الجميع يهتف ولكن جميع الهتافات ضد الحكام العرب (والمسلمين) وبالتحديد- حسني مبارك، الزعيم المصري، الذي يؤكد الهتاف أنه جبان وأنه عميل للأمريكان.

في الجوانب همسات وهمهمات. الشباب لا يفهمون لماذا لا تسير المظاهرة في الشوارع ولماذا لا يخرج الجميع سائرين في عكا لإيصال الكلمة والألم. "هاي مظاهرة هاي؟"، قال أحدهم، ثم سألني بارتياب "لمين بتصور؟". هي الرغبة الدفينة في إسماع صوتنا للعالم، صوت غزة وصوت عكا وغيرها من الداخل الفلسطيني، الرغبة في عمل شجاع مِقدام يعبّر عن الألم والغضب، إلا أنّ الخوف من "الشين البيت" الذي يصوّر وينقل الوشوشات إلى المخابرات الإسرائيلية يظلّ حاضرًا حتى في لحظات الهبّة الصادقة.

في منتصف المظاهرة تعالت نداءات المُنظمين للدخول إلى الجامع (جامع الجزار)، فتعجّب الكثيرون: "ليش بالجامع؟.. بدنا نعتصم لحالنا جوا؟ مين بشوفنا؟"، ثم قال أحدهم وهو يعبر من أمامنا، بسخرية كبيرة أغاظت الكثيرين: "خلصت المسرحية"؟

الحقيقة أنّ هذه المظاهرة لم تكن مسرحية بالمرة؛ فقد هتف الجميع، الأطفال والنساء والرجال، بكلّ حناجرهم، وكان الصدق يرشح من كل هتاف ومن كل كلمة. كان المطر الغزير يغدر بالمتظاهرين ولكنهم لم يهربوا منه، بل تحوّلت المظلات (الشمسيات) إلى سلاح فتاك ضد العدوّ الداهم: المطر. "عالأقل إحنا معنا شمسيات واللي بغزة؟"- تساءلت صبية تتدثر بالكوفية الفلسطينية وتحمل شعارًا ورقيًا أبيض مُلطخًا بالأحمر.

في النهاية حاول المنظمون بأيّ ثمن منع عشرات الشباب والصبايا من الخروج إلى مسيرة في أحياء عكا القديمة، ولما لم تعد تُجدي الرّجاءات عبر مكبّرات الصوت، نزل أحد المنظمين وحاول ردّهم، ولما لم ينجح انضمّ إليهم! مشهد عبثيّ يعيد إلى الأذهان الحذر الذي يلفّ عكا منذ أحداثها الأخيرة والتي بعث أثناءها أهلُ غزة وجميع الفلسطينيين نداءات التضامن معها، وهو ما قاله سمير العاصي، إمام جامع الجزار، وأحد المنظمين: "بالأمس وقفتم مع عكا واليوم نحن نقف معكم".

وفجأة، بعد أن تحرّكت المسيرة رغم معارضة المنظمين، ظهر من وراء الجامع من عكا القديمة وفد سياحي أجنبي توقف مذهولا مرة واحدة من الشباب الصارخ والأعلام ونداءات "الله أكبر". المساكين. لا بدّ أنهم ذعروا خوفًا، خاصة عندما صرخ بعض المنظمين على الشباب والصبايا مطالبين بعدم التعرّض للسياح، إذ أنهم لم يفهموا ما معنى الصراخ فاشتدّ حذرهم أكثر ووقفوا جميعهم مُتراصّين أمام مطعم الحمص ريثما تعبر المسيرة العفوية. ذلك المشهد جذب الكثير من الحاضرين الذين أخرجوا كاميراتهم وهواتفهم وبدأوا بتصوير الأجانب. قد تكون هذه المرة الأولى التي يتحوّل فيها السياح إلى موضوع للتصوير في عكا وليس العكس!

المشاعر جياشة من كل حدب، والحمية تغلب على الشبان والصبايا. النار تشتعل فيهم وتلمس أمامك ما يعنيه "التواصل" و"شعب واحد لا يموت". كانوا يصرخون: "نموت وتحيا فلسطين"، وفي عكا كما في عكا لا بدّ من نكات وروح دعابة، ولا بدّ من أحد ما يخرج بمزحة لكسر القلق والتوتر في الجو، فقال أحدهم بهتاف خجول: "نموت وتحيا يوفنتس"!

وبين المزاح والجدّ جاب شباب وصبايا عكا أزقتها وهم يتوقون إلى غزة ويرفعون إليها جميع هتافاتهم ودموعهم... ونكاتهم العكية.


قصائد عن الحرب/ هارولد بينتر


(عن الإنجليزية: علاء حليحل)



فوتبول أمريكي
هللويا!
لقد نَجَحْنا.
لقد نكحْناهُم فتطايرَ خراؤُهُم.

لقد نكحناهُم فتطايرَ خراؤُهُم من مؤخّراتِهم
وَمنْ آذانِهم اللعينةِ.

لقد نجحنا.
لقد نكحْناهُم فتطايرَ خراؤُهم.
إنهم يَختنِقُونَ بخَرائِهم!

هللويا.
سبِّحُوا إله الأشياءِ الحَسَنةِ كُلِّها.

لقد قصفناهُم فأضحَوْا خَراءً.
إنهم يأكُلونَ الخراءَ.

سبِّحُوا إله الأشياءِ الحَسَنةِ كُلِّها.

لقد فجَّرنا خِصيَهُم فأضحتْ نتفًا وَهَباءً،
أضحَتْ نتفًا مِن الغبارِ.

لقد فعلناها.

والآنَ أريدِكُم أن تأتوا إلى هنا وأن تُقبِّلوني
على فمِي.



القنابل
لم تتبقَّ كلماتٌ لنقولَها
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تنطلقُ عنيفةً من رؤوسِنا
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تمتصُّ ما تبقّى من دِمائِنا
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تُلمِّعُ جماجمَ الميِّتين


بعدَ الغداءِ
وَبعدَ الظهيرةِ أتتِ المَخلوقاتُ حَسَنةُ المَلبسِ
كَي تَتَشمّم فوقَ المَوتى
وَتتناوَلَ غداءَها

وَكُلّ هذهِ المخلوقاتِ حَسَنةِ المَلبسِ اقتلعتِ
الأفوكادو المُنتفخ مِن بينِ الغُبارِ
وَحَرّكتْ حَساءَ المينسترونا بالعِظامِ الضّالةِ

وَبعْدَ الغَداءِ
اسْترْخَوْا وَتَدَلّوْا وَهُم
يَصبُّونَ الخَمرَ الأحمرَ في الجَّماجمِ السّانِحةِ


اللهمَ باركْ أمريكا
ها هُم ينطلقُونَ ثانيةً،
اليانكيز فِي مواكِبِهم المُدرَّعةِ
يُرنّمُونَ أغاني فرحِهم الرّاقصةِ
وهُم يَرمَحُونَ عبْرَ العالمِ الكبيرِ
يُبجّلونَ إله أمريكا.

الجداولُ مَسدودةٌ بالموتى
بأولئِكَ الذينَ لم يَنجحُوا بالانضمامِ
بالآخرين الذين رفضُوا الغناءَ
بأولئكَ الذينَ يفقدونَ أصواتَهُم
بأولئكَ الذين نَسوْا اللحنَ

الرّاكبُونَ يحمِلونَ أسواطًا جارحَةً.
تتدَحرَجُ رأسُكَ على الرَّملِ
رأسُكَ حَوضٌ مُوحِلٌ في القذارةِ
رأسُكَ لَطخةٌ في الغُبار
عيناكَ إنتُزِعِتا وأنفكَ
لا يَشمُّ إلا نتانة الموتى
وكُلّ هواءِ الميِّتين حَيٌّ
مَع رائحة إله أمريكا.


السبت، 27 ديسمبر، 2008

الجثث


غزة جثث على التلفاز.

تروح وتجيء وفق إيقاع "مونتاج" متكرر. الصور تتزاحم وتتكرر لتخرق العينين فتدمعان.

قد تكون غزة آخر ما يثير الدموع في العيون في زمن الرداءة هذا.

غزة دموع تحمي العينين من صورها الدامية.

غزة جثث على التلفاز.

نحن جثث أمام التلفاز.

الجمعة، 19 ديسمبر، 2008

الصرماية وأصول الرماية


فرحتُ، مثل سائر الفرحين في العالم، للصرماية التي صوّبها الصحافي العراقي منتظر الزيدي تجاه المجرم جورج بوش، وحزنتُ مع جحافل الحزينين في العالم إذ أخطأ المنتظر الإصابة مرتيْن- فطعن الفؤاد طعنتيْن. وبعد هذه الرماية نصف المُوفقة أعتقد أنّ اسم الصحافي، منتظر، صار رمزيًا طافحًا بالدلالات، حتى إنّ البعض تذكّر جميع المنتظَرين في دياناتنا وثقافاتنا وحضاراتنا، المنتظرين الذين لا يأتون رغم الأدعية والابتهالات.

والحقيقة أنّ فرحي بدأ يتضاءل تدريجيًا، نتيجة لتحويل هذه الرماية نصف الموفقة إلى أهمّ حدث في تاريخ الأمة العربية، بعد وحدة مصر وسورية وصمود المقاومة في لبنان. ففجأة بدأنا نسمع أنّ هذا الردّ هو "أبلغ ردّ" و"أصدق ردّ" و"أجمل ردّ"، وصارت القصائد تكتب تناصًّا مع جملة الصحافي المنتظر: "هذه قبلة الوداع من الشعب العراقي أيها الكلب". ولا مانع طبعًا من فرح شعبي عرمرم يجتاح الأمة من المحيط إلى الخليج، في زمن رديء مُحبط، وهذا فرح حقيقي لا نقاش فيه، نشارك فيه بكامل انفعالاتنا الوحدوية، إلا أنّ تحويل هذه الفعلة إلى القشة التي نتعلق بها اليوم، وكأنها أعادت كرامتنا ورفعت رأسنا ومطت رقابنا، هو هروب من الواقع، وهي عادة عربية أصيلة ترتكز إلى "أضعف الإيمان" الذي قتلنا شرّ قتلة.

فحذاء المنتظر، "أضعف الإيمان"، صار سلعة مطلوبة: أمراء من السعودية بدأوا يعرضون المبالغ الخيالية لشراء هذا الحذاء العربي الأصيل، حيث وصل آخر مبلغ ورد في المواقع الإخبارية إلى مليون دولار، كفاكم المولى شرّهم. السعودي (وغالبية العرب) الذي لا يحرّك ساكنا لنصرة العراق أو فلسطين أو لبنان (بل يتآمر ضدّها في الغالب) تنتصب قامته الدولارية لحذاء عراقيّ مغبر بدماء أبنائه. هذه ليست حمّية وطنية، هذه دعارة هابطة مردّها الشعبوية المفرطة النفعية أو الوطنية الرومانسية التي تغلب علينا نحن كأمة عربية وإسلامية: نبكي لمناظر الدماء على التلفاز ثم نقول بنفاق مريب: إمشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة. يعني بالعربي: بدي أطعمي الولاد. ولا يهم أن الأولاد يأكلون الخراء وسيأكلونه مستقبلا بالمغرفة مع هكذا أمة وهكذا شعوب شعبوية.

نحن ننفعل للمبادرات الشعبوية التي تشفي غليلنا ولا بأس، فنحن بشر مقهورون، نبحث عن أية بادرة تبعث الفخر أو الابتسام فينا. المشكلة أننا نتوقف هناك وفقط هناك. العربي الذي صفق لحذاء المنتظر لا يحرك ساكنا لقمعه في دولته الدكتاتورية القمعية، ولا يحرك ساكنا لاحتلال أمته وقتل الملايين ولا يحرك ساكنا لنصرة الأقصى والقدس وغزة وبغداد، مع أنه يملأ الدنيا صراخًا من أجل كاريكاتير يمسّ "مشاعره الدينية"، وكأنّ احتلال العراق وتدمير بيروت وإحراق غزة لا علاقة لها بالمشاعر الدينية.

وأعتقد أنّ الفكرة ستأتي بعد السّكرة: فالزيدي شيوعي كان عضوًا في حزب العمال الشيوعي الذي حلّ نفسه قبل سنتين واندمج مع الحزب الشيوعي العراقي، وكان عضوًا في اتحاد طلبة العراق الذي يعتبر إحدى واجهات هذا الحزب. وأعتقد أنّ مثل هذه المعطيات تجعله في أقلية قليلة في العالم الإسلامي والعربي، ولا بدّ أن يأتي أحد ما في فضائية ما ليذكّر بهذا، إذا ما برز تهديد يومًا ما بأن تطغى شعبيته على شعبية شيوخ الفضائيات أو مُنظّري القنوات.

مرحى للصرماية، ولكنني نطالب بأمرين: الرماية الدقيقة في المستقبل، والخروج من دائرة التطبيل والتزمير العربية المزمنة إلى دائرة الفعل الحقيقية.


السبت، 29 نوفمبر، 2008

يا شوفير دوس دوس...


إشتريتُ دراجة هوائية اليوم. بيضاءَ شامخة وفيرمتها "وينر"، حلم عكيّ جديد يتحقق في الأرض المقدسة، بخمسمئة شيكل جديد، اقتطعتها من ميزانية إيجار البيت للشهر القادم، عاملاً بالحكمة العربية الغبيّة: إصرف ما في الجيب يأتِك ما في الغيب.

كانت فرحتنا، أم محمود وأنا، كبيرةً لا تُضاهى: أنا فرحٌ بإنجازي التاريخيّ الذي "أفنطز" عليه منذ أن أفرغ أهالي عكا معداتهم في طاقية نابليون، وأم محمود فرحة لفرحتي الطفولية أمام مدخل جامع الجزار، حيث تقع دكانة "أبو داهود"، الذي يبيع الدراجات الهوائية على أنواعها (والحلق والأساور والبلاستيكيات الطفولية التي لا أفهم استعمالاتها).

ونظرًا لقياسات جسدي الحالية (التشديد على "الحالية"، إذا أنني سأنحف كثيرًا بعد انضمامي إلى الجِّم) استبدلتُ الكرسيّ الصغيرة بكرسي أخرى كبيرة، التي لم تنجح هي الأخرى في منع التعب "الطيزيّ" جراء ركوب الدراجة، ولكن حتى بوادر "السّماط" لم تفسد فرحتي بهذه الشّروة العبقرية. فتضاريس عكّا الساحلية جعلت من البلد بسيطة عريضة لا هضاب فيها ولا طلعات، وبالتالي فإنّ عملية الدوس والدعس على الدراجة لا تكلف الكثير من العناء والجهد، وهكذا وجدتُ نفسي راكبًا دراجتي الجديدة (بلا مْلاحظة) وعابًّا شوارع عكا الساحلية، قاصدًا الفنار عبر الكورنيش، "قاصًّا" بسهولة نحو الخان ثم الميناء ثم المحكمة القديمة.

أيّ إحساس جميل أن تحلق بقليل من الجهد بين الناس، أن تناور وتحاشر بين الرصيف وبين الشارع، تروح وتجيء بين السّيارات العالقة في أزمة مرور، مثل فراشة حرة طليقة، فتذكرتُ على الفور ما جاء في مسرحية "رُكَب"، كرّم الله وجهها:

"لديها دراجة مثل دراجات الخمسينيات والستينيات مع مقود واسع. أسرع إلى البيت وأجلب مخدة وأضعها على المقود. ومثل جنتلمان أدعوها للصعود فتفعل وهي متكئة على كتفي. من بولفار فولتير بدأنا السّير باتجاه الباستيل، أدور حول الدوّار خمس مرات كيف نقرر اتجاهنا، وكالعادة سان ميشيل ينتصر دائمًا. وهي جالسة هكذا على المقود لا أرى الشارع، ولذلك تضع جسدها العلويّ كله على صدري. وأنا، من أجل عبطة كهذه مستعد ليس لحرث باريس فقط، بل فرنسا كلها. نحن الاثنان فقط نتحرك في باريس (...) من سان ميشيل أقطع الطريق إلى سان جرمان على طول ساو جيرمان ديبري. نتوقف للحظة في مقهى موليير، نشرب بيرة واحدة على البار، وقوفًا، ونواصل إلى سان أنطوا(ن)، إلى سان مور والشاتليه."

في عكا يمكنني أن أكتب هذا المونولوج المُتناصّ مع مونولوج "رُكب":

لديّ دراجة جديدة، مع مقود واسع. أتذكر نصّ "رُكب" فأقول لأم محمود أن تركب عليه ونبرم في عكا. تنظر إليّ باستخراء مُريب، ثم أتراجع عن الفكرة وأقول لها إنني سأبرم قليلا برمتي الأولى على الدراجة. تصرخ: "دير بالك، مش تندهك، مش فاضي لمستشفيات!". أخرج من العمارة وأسير في الشارع المحاذي لها، المليء بعشرات الحفر، الكبيرة منها والصغيرة، فأكاد أقع على وجهي غير أنّ اللات احتضنتني بلطفها. أسير وحدي في الشوارع مسرعًا نحو كورنيش عكا على البحر كي أصله قبل اختفاء الشمس الغاربة. أصل الفنار سعيدًا وأركن الدراجة على السياج فوق البحر وأخرج كاميرتي وأصوّر لعبتي الجديدة. الشمس اختفت وراء بقايا قلعة على السّور وأحدهم ممن يعرفون وجهي وأعرف وجههم يقترب ويسأل: إلك البسَسْكَليت؟ أجيبه بفخر مبتسمًا، يسأل: قديش؟، أجيب: 500. يقول: ضحكوا عليك. تختفي ابتسامتي. أكرهه على الفور، أرغب بالصراخ في وجهه: هاي بتسوى كل الدنيا، أعدِل، أعتلي الدراجة بسرعة ومن هناك نحو الخان، ثم الميناء، ثم ساحة عرفة، وإلى البوابة ثم... ما هذا الصوت؟ صوت هواء؟ هواء؟ من أين الهواء؟ من الأسفل.. العجل الخلفي يصدر تنهّدات غريبة. أقترب بأذني: بَنشرْ!! (يعني "ثقب" لمن لا يعرف عربية عرب الداخل). بَنشرْ! من أول غزواتو!

أستلّ موبايلي الحزين وأتصل بفراس الروبي. هو من نصحني بشراء الدراجة وقد رآها فور شرائي لها وكانت بوادر الحسد تنهمر من عينيه الزرقاويْن. وصفة أكيدة للحسد! أصرخ: شو خيا؟ بنشر! يفتعل فراس الحزن وينصحني بالذهاب إلى أبي داهود، فأفعل صاغرًا. أحدهم أخبرني يومًا بأنّ العجل (يعني الدولاب) يتلف نهائيًا إذا سرتَ عليه وهو خالِ من الهواء، فحملتُ دراجتي المصابة وسرتُ من قرب الثكنة البحرية العسكرية حتى جامع الجزار، كرّم الله مجازره.

"شو خيا؟ خير؟" سألني أبو داهود حين رآني حاملا خيبتي على كتفي، منتصب القامة، روحي متفرفطة، متعرقًا. قلت له: "عين! عين حسودة! فش غير فراس الروبي!"... "فش غيرو"، أجابني مؤكدًا، فاطمأنيت إلى أنني لا "أتبلى" على الروبي ذي العينين الزرقاوين، فتمتمتُ في سرّي وفكرتُ بالاتصال بأمي كي "ترقي" الدراجة الجديدة وتحرق بضع عيدان من الميرامية، كما تحب أن تفعل كلما سعل أحد منا. عدلتُ حين رأيتُ أبا داهود وهو يخرج قطعة معدنية من العجل ويرفعها لي مثل جرّاح عريق وكأنه يخرج رصاصة من قلب قتيل. أخذتها بيدي ونظرتُ إليها مليًّا: عين! عين!

إتصلتُ بالروبي وأنا أغادر دكان أبي داهود. اتفقنا أن نلتقي عند "البيغ". كان فراس يجلس مع أشرف (البيغ) ويأكلان (وشخص ثالث) كبدة مقلية ودجاجًا فشدّوا بأكمامي كي آكل، إلا أنني رفضتُ مُصرًّا كي لا أمنح الروبي الحسود أية فرصة برشوتي. طلبتُ ثلثا من البيرة وصرتُ أشربها وأنا أتأمّل فمه كي أعرف إذا كانت أسنانه "فُرُق"، فتكتمل إذًا الحقيقة: "عيون زرق وسنان فرق". هذه مواصفات الحسود.

ما خفّف من غضبي هو الغزل الجميل الذي صار يكيله الجميع على دراجتي الجديدة البيضاء من فيرمة "وينر"، فهدأتُ قليلا وأمعنتُ النظر في أسنان الروبي. لم أتيقن من وجود فُرق فيها، لكنه فضح نفسه حين بدأ يزاود على دراجتي ويمدح بدرّاجته الهبيانة التي ينشحد عليها في سوق عكا القديمة.

ولكنني نسيت غضبي من الروبي الحسود حين انفتحت سيرة سرقة الدراجات في عكا ومنطقتها. تهيّأتُ وأنصتُّ. كانت لكلّ واحد قصة عن سرقة دراجة واحدة على الأقل: سارقًا أو مسروقًا. أحدهم أثار رعبي حقًا حين نفى بسرعة أية حماية يمكن أن يوفرها أيّ جنزير تربط به الدراجة إلى أيّ عمود أو سياج حديديّ: "أنا ربطت بسكليتي بالعمود بالليل والصبح ملقيتش غير البدّانية (بتشديد الدال- والأغلب أنها تحريف لكلمة "بدن"، أي جسد الدراجة من دون المقود والدولابين وباقي العدة). نظرتُ إلى بدّانية دراجتي. لم أتراجع، قلت: "وهاد الجنزير شوف ما أخملو، من عند شْلون، والقفل اتطلع ما أكبرو".

لم يُجدِ الأمر، عاجلني الجميع بالقول: "أيّا قفل خيا؟.. قال قفل!"

عدتُ فورًا إلى نظرية الحسد، فرأيت جميع الجالسين فجأة مثل الروبي: مع عينين زرقاوين وأسنان مفروقة. يا إلهي، كيف سأحمي دراجتي الجديدة؟ باغتني الهمّ فجأة، فانهممتُ. أخذت دراجتي وانسحبتُ بهدوء نحو البيت. قرب العمارة توقفتْ سيارة جاري أبو وردة ومعه العائلة، فباركوا لي بالدرّاجة ثم بدأ أبو وردة مونولوجًا عنيدًا حول الدراجتين اللتين سُرقتا منه، ثم صاح ابنه الصغير من المقعد الخلفي: "تحطش البسكليت على الفوتة! تحطش البسكليت على الفوتة!" وعلامات الحرقة في صوته المتهدّج...

تعسًا للعالم! أدخلتُ الدراجة في المصعد بعد أن رفعتُ الدولاب الأمامي نحو سقف المصعد كي تدخل الدراجة بالقوة. ربطتها إلى الدرابزين الحديديّ في الدرج المحاذي لشقتي في الطابق الرابع، بجنزيرين وقفلين، ثم نظرت حولي متأملا مطلع الدرج: أين يمكنني أن أنصب كاميرات مراقبة في هذا المكان؟..

أنا أكتب الآن هذه المداخلة ولم يمضِ على ربط دراجتي إلى الدرابزين أكثر من ساعة. يجب أن أخرج لتفقدها... ثانية فقط... ما زالت في مكانها. قد أنجح بعد أيام في نقل عدوى حبي للدراجة إلى أم محمود، فتصير مهمة الحراسة أسهل: ساعة هي وساعة أنا. هكذا نحمي وسيلة نقلي الجديدة، الخفيفة، السريعة، الودودة للبيئة. سأقول لها إنها عملية في التنقل ويمكنني أن "أنطّ" إلى السّوق كلّ يوم للتبضّع وشراء الخضروات والسّمك وطهي أشهى المأكولات لسموّ غضبها. ستقتنع لا شكّ فهي تحبّ أنني أطهو الطعام وهي تفرّ البلاد كلّ يوم بسيارتنا (تها) المُكلفة الفرنسية. سأفعل هذا وستُحلّ مشكلة ورديات الحراسة لا شكّ وسأنتصر على الروبي وحسده الأزرق اللعين!

أستحلفكم بالله أن تنظروا إلى الصُور المرفقة بهذه المداخلة؛ أليست دراجتي جنسية ومثيرة؟!


الخميس، 27 نوفمبر، 2008

بين رنين و"غنين": خفايا الخطاب البوست كولونيالي في الإيديولوجيا البوست بوست نيو صهيونية!


قبل أيام خرجت رنين (بولص) من برنامج "الأخ الكبير" الذي تبثه القناة الثانية الإسرائيلية. لم تخرج مظاهرات إلى الشوارع ولم تجتمع لجنة المتابعة في "واحة السلام"، مسقط رأس "غنين"، في اجتماع عاجل لبحث الموضوع، ولم يكتب أحد مقالا غاضبًا ولم تصلني أية رسالة بالبريد الإلكتروني تحتج وتعربد وتزبد. خرجت رنين ولم يحدث شيء.

هل هذا مؤشر على أنّ الأقلية العربية الصامدة في وطنها عافت هذه الخزعبلات؟ في كل سنة يبرز عربيّ في قناة ما، ويطلبون منا أن نعلق ونتحدث ونحلل: هل مشاركة عربي/ة في برنامج طبخ/ مسح/ رقص/ قيادة/ تفاهات على أنواعها هي بداية لمرحلة جديدة من "التعايش" و"التصالح" و"التناغش" بين العرب واليهود في البلاد؟

لم أشاهد أكثر من دقائق معدودة هنا وهناك من برنامج "الأخ الكبير"، أغلبها وأنا ألهث ملء رئتي على مسطح الجري في معهد اللياقة، وأنا أبحث عن شيء ما أشاهده وأنا أركض مقاوما كرشي بشراسة. ولكن الجميع من حولي يشاهدون البث المباشر من الفيلا، حيث يصورون كل شيء يحدث هناك عن لا شيء. هذا يتسفع في الشمس، وتلك تهمس لشخص ما، وذلك يحفر أنفه باصبعه وذاك يتجشأ. غريب. لماذا يتابع الناس هؤلاء الغريبين الذين يبحثون عن معنى لحيواتهم في عملية تصويت من سيبقى ومن سيخرج من هذه الفيلا، التي سيخرج الجميع منها في نهاية المطاف؟

في أحد مواقع المعجبين والمتابعين كتبت رنين عن نفسها أنها "أميرة عربية" (الكلمتان بالعبرية أجمل وأكثر جاذبية، بحكم الاستشراق، وبعض الاستغراب)؛ والحقيقة أنها تتصرف كأميرة (هكذا تعتقد)؛ ففي التقرير الذي أعدّوه عنها في موقع "كيشت"، تحدثت عن تجربتها وعن عودتها إلى البيت في "واحة السلام"، والحقيقة أنّ الزيف الذي يميزها طفح في السيارة التي كانت تجلس فيها، وأعتقد أنه تسبب ببعض الحوادث على طريق القدس-تل أبيب، بسبب لزوجته.

رنين تتحدث العبرية بالضبط كما يجب على العربي الراغب في الاندماج أن يتحدثها: بدلاعة، بزناخة، بالراء الملدوغة، بالعين المسلوخة، بالحاء المخموخة. عجيب، كيف يتقمص العربي الصورة التي بناها له الآخر، ويجهد من أجل تطبيقها بكل ما أوتي من قوة، فيصير "عبريًا" أكثر من العبرانيين، وكولا أكثر من الكوليين، وزنخا أكثر من الزنخين. كي تظهر على الشاشة الإسرائيلية في برنامج باهظ الريتينغ لا يمكنك أن تتحدث بالعين والحاء العربيتين، ولا يمكنك أن تتحدث بعبرية عربية، لا زناحة ولا دلاعة ولا صفاقة فيها.

رنين تمثل قطاعًا واسعًا من العرب الجدد في البلاد، ولتذهب جميع شعارات العروبة المعارضة لهذه المقولة إلى الجحيم. العربي الجديد، الأكاديمي (يعني اللي معو "بي أيه"، يعني أي واحد متوسط الذكاء بهالبلد)، الضالع في "السلانغ" الإسرائيلي (يعني التفاهات اللي بحكوها ولاد عمنا)، المتمكن من خفايا الخطاب البوست كولونيالي في الإيديولوجيا البوست بوست نيو صهيونية! مسخ غريب، لا يمكن فهمه إلا في سياق التشويه الذي نجحت إسرائيل في زرعه في الكثير منا، وفي اعتقادي الخاص جدًا (غير العلمي) أنهم يمثلون اليوم أغلبية "عرب إسرائيل".

رنين هي "عرب إسرائيل"، المختبئة وراء لغة ليست لغتها، وراء مجتمع ليس مجتمعها، وراء لقب "أميرة عربية". ماذا قصدت بأنها أميرة عربية؟ أعندها جَوارٍ وخصيان؟ هل يطبخون لها ويمسحون ويجلون وهل لها شعراء بلاط (وفورمايكا) يبجّلون حضرتها ليل نهار؟ أم أنها قصدت استيراد مفهوم "الأميرة" من قصص ألف ليلة وليلة لتلهب حماس أبناء عمنا كي يطلقوا صرختهم المفضلة (بعد صرخة: الموت للعرب): "واوووو!"

أي أنّ رنين "واو"، كلية النعمة، كاملة الأوصاف، ممتلئة وثارًا. أميرة بالنسب والحسب، وربما بالقوة، لا أعرف، ولكنها أميرة عربية تعرف من أين تؤكل الكتف، وتعرف كيف تكشف الكتف.

هي حرة في كل الأحوال، فلتظهر في أي برنامج تريد (وفي أية لقاءات صحافية بعده، وفي أية دعاية تجارية بعد أن أعلنت أنها اكتشفت موهبة عرض الأزياء في داخلها)؛ هذا من حقها، ومن حقنا أيضًا أن نتقيأ أمام ما تمثله وما تسعى لتمثيله، في دولة الخرى هذه.

تحيا رنين، تسقط رنين، "كبّارا" علينا جميعًا...


الجمعة، 7 نوفمبر، 2008

على الطائر الميمون، بين فيينا وبرلين

كان من الغباء بمكان أن أشاهد فيلم "رحلة 93" قبل سفري بليلة واحدة، على الطائر الميمون إلى برلين. فالفيلم يروي قصة إحدى الطائرات الأربع التي تفجرت في أمريكا صباح 11 أيلول الدامي، وهي قصة الطائرة الرابعة التي تفجرت في منطقة ريفية بالقرب من واشنطن والتي كانت في طريقها إلى البيت الأبيض، بعد أن فجرت طائرتان أخريان التوأمين في نيويورك والثالثة هطلت على البنتاغون.

الفيلم يشدّ الأعصاب، ويروي القصة من مكانين ومنظورين فقط: مكتب مراقبة الطيران الأمريكية والطائرة نفسها، التي استعاد كاتبو الفيلم ما حدث خلالها من خلال المكالمات التي جرت من الطائرة إلى أقرباء المسافرين، بواسطة الهواتف الموجودة في الطائرة. القصة الأساسية التي ترشح من الفيلم هي قصة العجز المطلق الذي ميز ذلك اليوم، من خلال المباغتة التي ألحقها الخاطفون بالمؤسسة الأمريكية، حيث بدا واضحًا عجز وتبلبل المسؤولين عن تسيير الرحلات الجوية في معرفة أية الطائرات اختطفت وأيها لم يُختطف، وكانوا هناك، في المركز، يرون الطائرات أثناء تحطمها في نيويورك والبنتاغون.

لم يكن ذكيًا بالمرة أن أشاهد هذا الفيلم قبل عدة ساعات من ركوبي للطائرة متوجهًا إلى برلين، وطوال مدة الرحلتين، من تل أبيب إلى فيينا ومن فيينا إلى برلين، كنت أنتظر اللحظة التي سيقوم فيها أحدهم ويصرخ وهو يكشف عن علبة بلاستيكية مربوطة إلى خاصرته مع بعض الأسلاك: "قنبلة! قنبلة!".

ولكن أحدًا لم يقف ويصرخ، وكنتُ أنا الوحيد الذي دخل الطائرة متأخرًا، لاهثًا، متعرقًا، يستقبل نظرات الجميع المستائين، الذين كانوا ينتظرون حضوري كي تقلع الطائرة.

"سيمياكي" حتى الموت!
والقصة أنني تبضعت قليلا في الديوتي فري في تل أبيب، وهي فرصة كي يشتري المرء قليلا من العطر والسجائر والكحول بأسعار لا تقصم الظهر، بل تحنيه بعض الشيء. إلى الطائرة أخذت معي قنينة العطر المعلبة التي اشتريتها بتوصية حارة من الرفيقة أم محمود، التي استعانت بجملة غير مهذبة تدور بين نساء القوم الصامدات في الوطن، تشير إلى فاعلية وجاذبية هذا النوع من العطور، في تأثيرها الكبير على النساء وجذبهن إلى الرجال ("سيمياكي"- لمن يهمّه الأمر). طبعًا، أم محمود أوضحت في نصها الخبيء (السَّبْ تِكْسْت) أنّ هذه المحفزات الإنجذابية لها وحدها، وأنا قبلتُ هذا التوضيح من دون نقاش خوفًا من اندلاع معركة ملتهبة ستفتح فيها لا شكّ تفاصيل تاريخي "العلاقاتيّ"، مع ما يرافقه هذا الفتح من شتائم وتشهير وقذف بالنساء اللواتي احتملنني مرة قبل أن أتعمد بمياه الزواج المقدسة.

حملت علبة "السيمياكي" وعلب السجائر العشر وقناني الويسكي الصغيرة التي أدحشها في محفظتي في غربتي الأوروبية، كي أطفئ بها، من ساعة إلى أخرى، لهيب الشوق إلى الأراضي المقدسة (لعنها الله من قدسية). قبل الإقلاع رششت القليل من العطر، لأتعرف على سرّ الرجولة المعلب في قنينة غريبة سعرها لا زال حتى هذه اللحظة يمدّ لي لسانه.

حطت الطائرة في فيينا بسلام، وأنا أتلو ما تيسر من مزامير وابتهالات وأدعية. عند وصولي إلى الفحص الأمني قبل دخول الطائرة قالت الموظفة النمساوية بألمانية عسيرة إنّ علبة العطر التي معي حجمها 125 مليلتر، وحسب القوانين الأوروبية يُسمح لي بالصعود إلى الطائرة مع علب تحوي سوائل لا يزيد حجمها عن 100 مليلتر. قصة مبدأ. لم أكن بحاجة إلى معرفة الألمانية كي أفهم الأرقام التي صفعتني وهي تشير بسبباتها العذبة نحو الرقم المطبوع على أسفل القنينة، ولكنني، وكما أفعل دائمًا في مثل هذه المواقف، ارتديت قناع البلاهة، وجنّدتُ نظرة الفلسطينيّ المعذّب في الأرض والذي سيبكي للتوّ، وسألتها ببراءة ابن أخي عمري، ابن السنة والشهر الواحد:

"excuse me?"

كانت إنجليزيتها مثل فرنسوياتي، ولكنني استمريتُ بالبلاهة المصطنعة، وشرحتُ لها بإنجليزيتي "العَرَفاتية":

"I just bought it. Very nice."

لم تهتم النمساوية العنيدة وشرحت لي مجددًا عن القوانين الأوروبية الجديدة التي تمنع اصطحاب سوائل إلى الطائرات إلا إذا شُريت وخُتمت بالشمع الأحمر في إحدى دول الاتحاد الأوروبي. الحلّ الوحيد الذي اقترحته هو إلقاء قنينة العطر في سلة المهملات الكبيرة التي وقفت خلفها، سوداء، بلاستيكية، مغلقة، تحوي لا شكّ عشرات قناني العطر والكحول التي سيتقاسمها هؤلاء النمساويون الاستعماريون في نهاية اليوم، فكبرتْ في رأسي، وصرختُ في نفسي المعذبة: "علينا يا مندلينا"؟؟! ثم ترجمتُ لها ما قلته لنفسي فورًا:

"Can I see the manager please?"

عندما أحسّ باقي رجال الأمن الشقر باحتدام المعركة، تحرجموا حوالينا بفضول، فأدركتُ أنني بتّ في قلب معركة ضارية مع الاستعمار اللعين، فاستجمعتُ ما تبقى ما شجاعتي المهزوزة، وتذكّرتُ ما قاله جدي عنترة العبسيّ في ساحة الوغى، حين تخيلتُ وجه أم محمود وهي تسمع خبرية فقدان عطرها المفضل في أوروبا الاستعمارية:

إذا قنعَ الفتى بذميمِ عيشِ / وَكانَ وَراءَ سَجْفٍ كالبَنات
وَلمْ يَهْجُمْ على أُسْدِ المنَايا / وَلمْ يَطْعَنْ صُدُورَ الصَّافِنات
ولم يقرِ الضيوفَ إذا أتوهُ / وَلَمْ يُرْوِ السُّيُوفَ منَ الكُماة ِ
ولمْ يبلغْ بضربِ الهامِ مجداً / ولمْ يكُ صابراً في النائباتِ
فَقُلْ للنَّاعياتِ إذا بكَتهُ / أَلا فاقْصِرْنَ نَدْبَ النَّادِباتِ
ولا تندبنَ إلاَّ ليثَ غابٍ / شُجاعاً في الحُروبِ الثَّائِراتِ
دَعوني في القتال أمُت عزيزاً / فَموْتُ العِزِّ خَيرٌ من حَياتي

لم أكن أتوقع صراحة أن يكون "المدير" امرأة غاية في الدماثة واللطافة، كلمتني بأدب جمّ امتصّ جامّ غضبي، فتراجعتُ عن السّيوف والدّفوف، وعدتُ إلى استراتيجية الفلسطينيّ المعذب، وقررت أن أفتح لها قلبي، فانبريتُ بحماسة:

"I just bought it here… My wife loves this so much."

كانت هذه استراتيجية مزدوجة: أن أجعلها تشعر بتأنيب الضمير لأنها ستجبرني على التنازل عن عطر اشتريته للتوّ، فأنا عدتُ بالفائدة الاقتصادية على بلدها (مع أنني اشتريتُ العطر في تل أبيب- ولكن الكذب في هذه الحالة أكثر بياضًا من شعر جون ميكين)؛ وثانيًا: أنها ستتعاطف معي بسبب البعد الرومانسي الواضح في قصتي، ولا شكّ أنها ستتعاطف مع هذا الرجل الشرقيّ المُستميت من أجل إرضاء ذوق زوجته، وستتذكر لا شكّ جميع المرات التي اشترى فيها زوجها هدايا لها تحبها أو أنه اشترى العطر الذي تحبه، كي تحبه أكثر، فأجابتني:

"Please sir, you can't get to the plane with this. This is final!"

أسقط في يدي! لم أحتمل الصدمة، فأمعنت النظر في علبة العطر الجديدة. ثم اكتشفتُ أنّ جميع الحراس، وبضمنهم المديرة، ينظرون إليّ صامتين، فقلتُ: "ولعت"، فأمعنتُ النظر أكثر، حتى سمعت المديرة تقول بحنية:

"You can send it by the post to your self."

نظرتُ إلى عينيها مليًّا. لمحتُ فيهما بارقة أمل، فأعجبتُ بالفكرة، وأشارت لي نحو مكتب البريد في المطار، فانطلقتُ وأنا أسمعها تناديني:

"don’t be late! You have couple of minutes…"

وجدتُ نفسي أعدو نصف عدو، فالتجارب علمتنا أنّ منظر عربي يركض في مطار هو مشهد يمكن أن يثير بعض البلبة التي قد تؤدي إلى قضاء ليلتي في قبو مظلم. بعد لهاث وصلت مكتب البريد الذي كان مغلقًا طبعًا، حيث كانت الساعة الثامنة وعشر دقائق مساءً. وقفت وأنا ألهث وأتعرّق، ونظرت حولي. كانت مقابلي دكان "ديوتي فري"، ويبدو أنهم كانوا ينوون إغلاق الدكان، حيث رأيت موظفة تسحب بوابة حديدية كبيرة في إحدى زوايا الدكان. من دون تفكير وجدت نفسي واقفا أمام النمساوي الفارع وأطلب منه أن يلف قنينة العطر بكيس أمنيّ محكم الإغلاق، كما تتطلب الأوامر. وهنا كذبت كذبة بيضاء أخرى:

"I bought this here 2 hours ago."

"No problem sir. Can I see the receipt?"

بلّمتُ تبليمة لعينة، ثم قلتُ له إنني أضعتُ الوصل، فتبرّم، فألححتُ، فتبرّم، فأصرّيتُ، فنادى على المديرة، فجاءتْ، فاستعدتُ، فأصرّتْ، فاستزدتُ، فكشّرتْ، فذهبتُ.

"Den shtraykhen fakhs?"
كان عقرب الساعة يشير إلى الثامنة والربع مساءً، وكانت هذه دقيقة انطلاق الطائرة المفترضة، التي "هيك هيك" تأخرت ساعة كاملة، وكنتُ على مبعد خمس دقائق من العدو واللهاث، فعضضتُ بأسناني على دشداشي وبدأتُ السّعي، فسعيتُ.
من بعيد رأيتُ مدخل البوابة رقم "سي 53"، البوابة المفضية إلى شتاء برلين، وهو يُغلق، وبدأت للتوّ أحسب ما في جيبي من يوروهات، وإذا ما كانت تكفي للمبيت ليلة طويلة في فندق تساقطت نجومه منذ زمن.

حين وصلتُ البوابة كانت المديرة، غير الرومانسية، تلمّ أغراضها فقرعت الباب، فاستدارت، فرأتني لاهثا متعرقا، أستجير برمضائها، فلانت وفتحت الباب. كنتُ أحمل علبة العطر الموءودة، فناولتها إياها، فلمحت الاستفسار في عينيها، فقلت صاغرًا:

"The post office was closed."

"Yes. I'm sorry. I forgot the time."

رافقتني في الممرّ الطويل المفضي إلى حضن الطائرة. كان باب الطائرة يُغلق ببثّ حيّ ومباشر، فرطنتْ بألمانية مخيفة أعادت إلى بالي جميع أفلام هوليوود عن النازية (وبعض أفلام البورنو الألمانية التي ترعرعنا عليها في قريتنا الوادعة)، ففتح سمسم البابَ. دخلتُ الطائرة لاهثا ومتعرقا. كان الجميع ينظرون إلى هذا الدخيل الشرقيّ، يحمل محفظته اللابتوبية ويبحث عن مقعده بخوف، وخلتهم سيصرخون على المديرة:

"akhsen fakhsen enten awkh!!"

حين أقلعت الطائرة نظرت عبر الشباك. كان المطر ينهمر ببطء رومانسي، وكنتُ أفكر في حال قنينة العطر السيمياكية-الشبقية، وخلت المديرة غير الرومانسية سترتدي الليلة البيبي دول الزهري الذي اشترته قبل 10 سنوات، وسترش نصف القنينة على زوجها المتشائل من هذه المفاجأة. للحظة شعرتُ ببعض الراحة والسرور بأنّ قنينة عطري النازحة ستبعث الدفء في فراش عاشقين عاطلين عن العمل، ونظرت بابتسام إلى الرجل الضخم الذي جلس إلى جانبي، يرفع يده الكبيرة صوب الأعلى ويضيء الإنارة فوقنا، فغزتني رائحة عرقه الحادة فانكفأت على وجهي وحبست أنفاسي.

كانت هذه لحظة مؤلمة في تاريخ العلاقات الفلسطينية-الألمانية، ولم أعرف ما كان عليّ فعله، حين سألني مبتسمًا بثقة:

"Den shtraykhen fakhs?"

الجمعة، 31 أكتوبر، 2008

لا تصالح!

ليس بوسعي الإشارةُ إلى اللحظة الحاسمة، الدقيقة، التي تحوّل فيها شراء طاولةٍ للمطبخ مع 4 كراسٍ إلى حلم يحتلّ سلم أولوياتي في هذه الأيام، إلى جانب هبة عكا الأخيرة والتصريح الأخير لغالب مجادلة، الوزير "المسلم" الأول في دولة اليهود، بأنه توجد عنصرية في إسرائيل! ولكنّ أم محمود، الحاكمة بأمر اللات والعُزة، تعاملتْ مع الفكرة من منطلق صِداميّ (طبعًا): "أنتَ تريد إخراجي من غرفة العمل في الشقة والإلقاء بي في المطبخ كي تخلو الغرفة لك"- ردّدَتْ بعد أربع ثوان من شرح حلمي الجديد لها، حلم الشعوب الثائرة، في الأقطار الهادرة.

لم أكن قررتُ بعدَ إستراتيجيتي التي يجب اتباعها بعد مثل هذه الجملة، لأنني توقعتُ أنها ستأتي بعد 24 ساعة على الأقل، حين تفتضح نواياي الحقيقية، حيث كنت أعتقد (يا للسّذاجة) أنها ستنعجق وتنهرق وتنزلق في المنحدر الزّلق الذي نصبتُه لها: فمنذ أول يوم من زواجنا (قبل أربع سنوات و22 يومًا وبعض الفتات) لم أقترح عليها يومًا شراء أية قطعة أثاث، بل كنتُ على العكس أناصب العداء لأية فكرة تطرحها (مرة في الأسبوع) لشراء قطعة أثاث جديدة، بالحجّة المقنعة جدًا لأيّ رجل سَويّ: نحن نسكن بالإيجار وعندما يفتحها المولى علينا وعلى عباده الصالحين سنشتري بيتًا وسنؤثثه بما لذّ وطاب من أطايب "إيكيا"، كرم الله وجهها.

ما يهمّني ويهمّ جماهير شعبنا الصامدة في هذا السياق هو تضعضع حلمي بشراء طاولة للمطبخ، خشبية، صغيرة، متواضعة، قبل هذه الأزمة الحارقة. فإم محمود عارضت بشدّةٍ فكرة أن نشتري شرشفًا بسيطًا لطاولة المطبخ البسيطة، حيث أنني ادّعيتُ (بكلّ المنطق) أنها تحتلّ زاوية حميمية خبيئة في مطبخنا الصغير، بعيدة عن واجهة البيت الرئيسية المغطاة بالشراشف والمخدات والبطانيات والعمامات، والمرايا والتكايا والثريات، الملونات والمزركشات، وانبرتْ هائجة: أنا بختار الشرشف! من خلال تجربتي العريقة معها علمتُ أنّ الشرشف الذي يليق بسعادة طاولة المطبخ العتيدة سيكلف نفس سعر الطاولة وكراسيها الأربع، والطامة الطامة إذا قررتْ شراء شرشفيْن، أحدهما احتياطيّ -وبنظرها لازم- لأنني أترك ورائي سيلا مُنهمرًا من البقع الزيتية وآثار الطبيخ الكثيرة على الشرشف والكرسي وبلوزتي (الأمر الذي يعود في نظرها إلى سببيْن لا ثالث لهما: أنني رجل وأنني فلاح).

وهكذا دبّ الذعرُ في حسابي البنكيّ الذي لم يتعافَ من تخطّيه لإطار "الرصيد الدّائن" (كريديت) إلا قبل يوميْن اثنيْن، ورأيتُ في خاطر روحي كيف يرتفع منسوب الدّيْن ثانية في حسابي السلبيّ الأزليّ، فبدت لي فكرة شراء الطاولة وكراسيها الأربع كابوسًا ثقيلا، أعتقد أنه جزء من مؤامرة صهيونية يحيكها المستوطنون اليهود في عكا، كجزء من مخطط تطهير عكا العربية من الطاولات المطبخية.

ولكنّ الأزمة تطوّرت إلى ما هو أبعد وأخطر على قضايا أمّتنا (لا بدّ من الاتصال بالرفيق عبد عنبتاوي، مدير لجنة المتابعة، لعقد اجتماع طارئ للّجنة في مطبخنا): فقد انقلب السّحر على السّاحر، وبادرت إم محمود إلى اقتراح أخطبوطيّ جديد، شبيهٍ بمخططاتها الدائمة المُحكَمة في السيطرة على منافذ الهواء والماء في حيّز حياتنا المشتركة (عذرًا على استخدام كلمة "حيّز"- أعرف أنه يغيظ بشكل خاص الرفيق أيمن عودة). فقد اقترحتْ، بمزيج من البراءة/ التّساذج/ الحسم/ التصميم/ الخباثة، يعرفه جميع الرجال المتزوّجون، بأن أنتقل أنا، حضرة جنابي، الكاتب المثير لشيوخ الحركات الإسلامية، إلى المطبخ كي أطبع إبداعاتي التاريخية في اللابتوب الديناصوريّ الأسود، بينما تحتلّ هي غرفة العمل في شقتنا المتواضعة، كي تدرس للّقب الثاني، كما يليق بمحامية لامعة مثلها.

كانت هذه ضربة بالحزام تحت الحزام، ووجدتُ نفسي أتقهقر من موقع المتآمر الذكيّ المتشاطر إلى موقع المُدافع عن آخر مراكزه المعتبرة في الشقة: غرفة العمل. فأيّ كاتب هذا لا يمون على غرفة عمله في بيته (خاصة أنه عاطل عن العمل)، مع العلم أنني لا أمون على شيء آخر، والعزاء طبعًا، بيني وبين نفسي وبين الأصدقاء المتزوّجين، أنني أمون على غرفة العمل، فهي لي، أي نعم لي!

وأذكر أنني كنتُ في الأيام الغابرة سيد غرفة العمل، أحتلّ جنباتها بكتبي وأوراقي وحاسوبي، أصول وأجول وأسرح، بلا حسيب ولا رقيب، آمر وأنهي، أروح وأجيء، أجيء وأروح في مملكتي الخاصة، أكوّم الأوساخ فيها بلا حساب، أتجشأ متى أردت، أستريح من الغازات الباطنية كيفما رغبت. وبعد مضيّ ثلاث ساعات ونيّف من بدء حياتنا الزوجية فهمتُ أنني خسرت المعركة على البيت، بلا احتراب ولا قتال (تفو عالرجال!)، وهكذا لم تدُم الزبدة على (مؤخرات) العرب، ووجدتُ نفسي منذ سنوات أقاوم بكلّ ما أوتيت من قوة لخطط تغيير ترتيب المكتبات والكراسي في غرفة العمل، كي تلائم جلوسي وجلوس الأخوة الأعداء في تعايش مُثير لفخر رئيس الدولة، شمعون بيرس، الذي يعمل على دوراسيل. صحيح أنّ خطة تغيير ترتيب الغرفة كانت منطقية، حسبما اقترحت مارغريت تاتشر العكّية، وأنها ستوفر جوًا مُريحًا للاثنين للعمل فيها، إلا أنني حاربتُها بضراوة (نسبية، طبعًا نسبية)، وصرتُ لحوالي الشهريْن كالذي قال عنه المثل العربي العريق: "الجقارة بطيزي، بشخّ بلباسي".

ولكنّ الحتمية التاريخية فعلت فعلها (يتسخّم ماركس!)، ووجدتُ نفسي أتأقلم مع اقتراحات "التصميم الداخلي" الجديدة وأرضخ لها صاغرًا (كأننا نحن الرجال بهائم لا نفهم بالتصميم الداخلي، فنتصاغر دومًا أمام نظرات النساء التي تدبّ في أجسادنا شعورًا بالنقص لا يُمّحى: "كيف بدك حبيبتي"). فصرتُ، أنا وطاولتي وأوراقي وحاسوبي وطابعتي، عبئًا على الغرفة، يثير تأفف بلقيس، ملكة ساحة عرفة، في دخولها وخروجها من الغرفة، والعار العار إذا اكتشفتْ أنني لا أعيد كتابًا إلى مكانه أو لا أعيد كوب القهوة بعد الانتهاء من شرب قهوتي الفلترية إلى المطبخ وأجليه في أكثر من 60 ثانية (الآن، استعداد: إنطلق!).

وهكذا وجدتُ نفسي، مؤخرًا، جالسًا إلى طاولة الصالة الكبيرة (المتهالكة)، داحشًا نفسي بين حائط الصالة وبين الطاولة المطروحة في الممرّ المُتاح بين مدخل الشقة وطقم الصالون الأسود، مُحتضنًا حاسوبيَ النقال بقوّة كي لا يقع على الأرض إذا أتيتُ بحركة مفاجئة تسحب كابله الكهربائيّ الملفوف حول كرسيّ بسبب ضيق المساحة. وقد اسودّت الدنيا في عيني حين خطر في بالي خاطر طارئ: هنا سأقضي ما تبقى من حياتي، مدحوشًا في هذه الفسحة، وسيجدونني ميتًا بعد حين، قرب طاولة الصالة الكبيرة، وقد التفّ كابل الكهرباء الحاسوبيّ حول رقبتي وأنا عالق في الهواء بين الطاولة والأرض، وسبابتي تشير بعنفوان عنيف نحو صورة "كليوبترا الأسوار"، في خطاب صامت عرمرم سيُعَنونه لا شكّ الصديق فراس خطيب في الكتيّب الذي سيحرّره لذكرى أربعيني: "حليحل يتهم!" (وسيناقشه وائل واكيم، الصديق المصمم، ببرود راماوي قاتل: بنفعش العنوان كلمة وحده؟؟).

هكذا تحوّل الحلم إلى كابوس، وهكذا وجدتُ نفسي الليلة، محشورًا بين الطاولة والحائط في الصالة، أكتب حشرجات حلمي المتواضع بطاولة صغيرة حقيرة للمطبخ، ألقي بأم محمود وأوراقها عليها، بينما أعود سيدًا لغرفة العمل والكتابة، أجلس طيلة اليوم متصفّحًا لمواقع الإنترنت ومشغولا بالتشات والشتات، مُحمّلا ربّ الدنيا ألف "جميلة" بأنني أكتب رواية عصماء، فأرجوكم الصمت!

"لا تصالح!" وجدتُ نفسي أتمتم وأنا أصرخ على صورة أم محمود في الحاسوب؛ "لا تصالح"، إلا إذا قبلتْ بوضع طاولة المطبخ التي سأجلس إليها في الجهة المقابلة للثلاجة، واشترت شرشفًا لها بسعر رخيص. هذه هي شروطي، وإلا:

لا صلح؛

لا اعتراف؛

لا تفاوض!

الأحد، 12 أكتوبر، 2008

كل كارهٍ للعرب هو ترومبيلدور


(نُشر بالعبرية في "واينت"، 11 تشرين الثاني 2008)

يشكّل اليهود في دولة إسرائيل 81% من السّكان؛ يسيطرون مباشرة وعن طريق حكومة الشعب اليهودي على 93% من الأراضي؛ يسيطرون على الجيش والشرطة و"الشاباك" ومصلحة السجون والموساد والاستخبارات العسكرية والحكومة والوزارات الحكومية والمواصلات والأغذية والمياه والموارد (ومؤخرًا- يسيطرون على عدة دول في المنطقة)؛ هم من يسنون القوانين في الدولة، يقرّرون ما المسموح وما الممنوع، يستحوذون على مقاليد القوة والسلطة؛ هم أسياد المكان، نظريًا وعمليًا.

ولكن، في كل مرة يقوم بعض العرب بتكسير واجهات محلات وزجاج سيارات، يتبنى اليهوديّ القادر على كل شيء، فورًا، ذهنية الضحية المطلقة، يعود إلى تاريخه (المؤلم) ويستقي منه مصطلح الضحية المناوب. في هذه المرة كان المصطلح "بوغروم"، وقبله "ليل البلور"، وربما الآتي في الدور هو "التطهير". يبدو أننا سنجد أنفسنا، نحن العرب، في المواجهة القادمة بين العرب واليهود، "مديرين لمراكز اعتقال" في الجليل. والسؤال السؤال: ما كمية السخف التي يمكن أن يحشوا بها الناس (المتهالكين بدورهم كي يحشوهم بالسخف)؟

لقد أدى دخول عربي في ليلة "الغفران" إلى حيّ مختلط (فيه غالبية يهودية) بسيارته إلى أعمال عنف واسعة، تجاوزت "الخناقات السنوية العادية" في عكا. الجميع أذكياء الآن: يسمعون عن عكا، العناوين تصرخ، الدماغ اليهودية تتناقش في السوبرماركت وفي غرف الانتظار لدى الطبيب فيما يجب صنعه مع هؤلاء العرب، إلا سكان عكا العرب؛ فهم بوسعهم أن يعدّدوا أمامكم عدد البيوت العربية التي هُوجمت في السنوات الأخيرة، وعدد السيارات التي أحرقت، وعدد الهجمات التي كانت ضد العرب، والجزء المضحك من الميزانية البلدية المخصص للبلدة القديمة، وحملات البيع والتصفية التي تجري للممتلكات وللمباني العربية في داخل البلدة القديمة.

لليهودي الذي سيبدي اهتمامًا في عكا بعد هذه اللحظة، نعرض عليه أن يقرأ الصفحات الأخيرة في الصحف، فسينظر ويجد بيتا "أوثنتيك" على البحر، معروضًا للبيع بصفقة ممتازة. بدأوا بيافا والآن عكا. فلتحيَ الصهيونية المتجدّدة عند شواطئ البحر المتوسط البرّاق والخالي من العرب!

نحن نعيش في قلب مهانتنا وألمنا. لكنّ لا أحد يهتم بهذا إلا عندما يُهاجَم اليهود (لعدة ساعات، لمرة واحدة، كردّ على أخبار حول قتل عربي. هذا ليس تبريرًا للتدمير الذي رافق هذه الهبة، لكنّ الهدف توخي الدقة). وبنظر الكثيرين، كانت هذه البداية التي لم يسبقها شيء، ومن هنا يجب الاستمرار بالدم والنار. وللحظة، تحوّل أفيغدور ليبرمان، نبي الترانسفير والتحويلات المالية رهن التحقيق، إلى المنقذ القومي: هو فقط من يستطيع "علاجهم"، هو من يفهمهم ولا أحد غيره. في جوّ الفاشية والكراهية الذي هيمن على المكان لا أعرف ما إذا كانت مقولة "يفهم العرب" هي مديح أم مذمة.

الجو السائد هنا يُذكّر بالغضب الذي اندلع في البلاد بعد تفجر الانتفاضة الثانية: إنهم يصرخون "الموت لليهود"! لم تكن أية مشكلة في أن يتحوّل نداء "الموت للعرب" إلى النشيد الوطنيّ غير الرسميّ لدولة إسرائيل "الديمقراطية"، ولكن كيف يتجرّأ هؤلاء "العربوشيم" على الردّ؟ كلّ عنف هو مُستنكَر كردٍّ أيضًا، ولكننا بتنا في مرحلة نفضّل فيها أن نكون مُستَنكَرين (في نظر التيار العام ووسائل إعلامه)، على أن نرى حياتنا تنهار أمام ناظرينا، لأنّ اليهود من مهاجري الدول العربية ومن خريجي المستوطنات لم ينجحوا في التغلب على كراهيتهم للعرب. ليتعالجوا!

"يجب أن لا يستغرب أحد إذا قام اليهود في جميع أرجاء أرض إسرائيل بحمل السلاح كي يدافعوا عن أنفسهم من العرب، في الوقت الذي تجلس فيه شرطة إسرائيل ساكنة"- هكذا صرخ ودمدم عضو الكنيست أرييه إلداد ولم تهتزّ الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. كان يجب قراءة إعلانه هذا، جيدًا، وكما يجب: لا يكاد يخلو بيت يهودي في إسرائيل من السلاح (أسلحة الجيش، الشرطة، الأجهزة الأمنية أو مجرد عادة مُحببة)؛ ففي الدولة التي يسود فيها مبدأ "كل مواطن جندي"، فيما الباقي متختصون أمنيون متقاعدون، لن ينتظروا إلداد ليدعو إلى تسليح الأغلبية المهيمنة والسائدة في الدولة. وإلداد ليس غبيًا؛ لكنه أراد فقط أن يذكّر اليهود بأنهم يمتلكون الأسلحة في البيوت ويجب أن لا يخشوا من استخدامها، فالساعة مواتية والجميع يتغنى بفرح وبشهوة مستعرة: العرب يقومون ببوغروم ضدنا- فهيا إلى المعركة!

عمليات التدمير التي يزرعها العرب في المواجهات مع اليهود، تنبع من الاغتراب والغربة اللذين خلقتهما أجهزة الدولة؛ الغضب الحاصل جراء هذا يجب أن يُستغلّ لبناء برنامج سياسي واجتماعي، لبناء خطة عمل مع أهداف، لوضع استراتيجية حاسمة في وجه نظام الحكم والأغلبية اليهودية. وبدلا من هذا، يُفجر البعض منا غضبه على سيارات ومتاجر من ننظر إليهم على أنهم الممثلون الفوريون للسلطة الظالمة والجائرة. صحيح أنّ هذا يشكل وسيلة للتنفيس، إلا أنه يمكن أن يحبط جميع النضالات العادلة التي نكتب ونتظاهر ونتنظم من أجلها. هذا أمر متسرّع وغير منصف تجاه المتضرّرين، والأهم أنه غير حكيم.

من المثير لأشدّ القلق أنّ الحلّ الوحيد الذي يجري تطبيقه على الأرض للمشاكل التي تعانيها المدن المختلطة (خلافا للخطط الخمسية التي تبلى في الأدراج) هو جلب طلاب مدارس دينية يهودية ومستوطنين لتقوية الأحياء اليهودية. هذه زعرنة أيديولوجية نقية، وتفكير فاشي استبدادي هدفه زرع الإرهاب والهلع لغرض تنظيف الأحياء العربية من "النجاسة" العربية. كل مُلتهم للعربوشيم هو بطل، كل كارهٍ للعرب هو ترومبيلدور.

من المخيف أن تحيا في عكا في هذه الأيام، ومن المخيف أكثر أنّ الجميع عاد إلى حياته الروتينية في الدولة، في الوقت الذي تستمرّ فيه حملات التدمير اليهودية وبأقصى قوتها. أمس (السبت، 11 الجاري)، أحرقت أربعة بيوت عربية وحتى خلودي للنوم في الواحدة ليلا كانت هناك عائلة عربية محاصرة في بيتها، تصلي من أجل معجزة. ولكن المعجزات لا تحصل في البلاد المقدسة (ما عدا مقتل رابين في نظر مئات آلاف المسيحانيين)، ولا تزال هذه البلاد تنزف كراهية أسيادها.



الثلاثاء، 7 أكتوبر، 2008

الكتب في الممنوعات!


منذ العام 2000، وتحديدًا منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، تغيّرت إسرائيل بعمق على المستوى القيادي الرسمي وعلى المستوى الشعبي. فمن وجهة نظرهم، "خذلهم العرب والفلسطينيون" بعد أن أعطاهم الإسرائيليون "كل شيء" (مفاوضات كامب ديفيد الثانية). وهذا يفسر الهجمة الشرسة على العرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل، متمثلة بهجمة على القيادة السياسية والأحزاب وعلى مؤسسات المجتمع المدني.

ومن "جسر للسلام" تحول العرب مواطنو الدولة في غضون أقل من ثماني سنين إلى كابوس يقض المضاجع، وينعكس هذا في نموّ خطاب الفصل العنصري والترحيل وقبول المجتمع الإسرائيلي لهذا الحل في جميع الاستبيانات الحاصلة في السنوات الأخيرة. من هنا، يبدو إلغاء تصريح استيراد الكتب الممنوح لصالح عباسي، صاحب مكتبة "كل شيء" في حيفا، استمرارًا طبيعيًا لهذه السياسة، بحجة الاستناد إلى بند قانوني إسرائيلي ينصّ على "منع استيراد بضائع تجارية من دولة عدو".

وهكذا، يصبح من المستحيل اليوم على قارئ عربي من حيفا أو الناصرة أو أم الفحم أن يقرأ آخر إصدارات "دار الآداب" أو "رياض الريس" لأنّ كتبهم صارت، رسميًا ونهائيا، "ممنوعات أمنية". إنها عودة صريحة وشفافة إلى منظومة الحكم العسكري، وهي الفترة التي امتدت من وقت تأسيس إسرائيل إلى العام 1966، حيث خضع الجليل والمثلث والنقب إلى حكم عسكري في الديمقراطية الإسرائيلية الناشئة، مُنع العرب خلالها من التنقل أو كسب رزقهم من دون تصاريح من الحاكم العسكري.

وتميّزت تلك الفترة بمحاولة إذابة وقمع للهوية العربية الفلسطينية لدى الأقلية التي بقيت آنذاك في ظل الدولة الفتية، وذلك عن طريق إنشاء وسائل إعلامية (صحف، ومن ثم صوت إسرائيل بالعربية، صوت المخابرات الإسرائيلية) هدفها ضرب الأصوات الوطنية ومحاولة فرض خطاب سياسي-ثقافي متقبل للهوية الإسرائيلية الجديدة. ووقتها، لم يكن من الممكن استيراد كتب عربية من العالم العربي، وكانت الناس تستمع إلى خطابات جمال عبد الناصر عبر المذياع، سرًّا، وبعد أن يغلقوا الأبواب والشبابيك.

بعد نكسة 1967 بدأت المفارقات التاريخية المضحكة-المبكية: صار بالإمكان التواصل بين "عرب الداخل" وبين عائلاتهم وأخوتهم وأشقائهم في جنين وغزة، وبدأت حركة ثقافية تبادلية نشطة، برز خلالها النهم الكبير للعرب في إسرائيل بالقراءة والتواصل الثقافي مع محيطهم الطبيعي. وما زاد المفارقة، اتفاقية كامب ديفيد المكروهة، فهي كانت السبب في إعطاء تصريح من الرئيس المصري الراحل أنور السادات، إلى عباسي، الذي حمل التصريح وتوجه فورا إلى القاهرة وعاد بحوالي ثلاثين ألف كتاب، يشهد هو على بيعها خلال أيام قليلة في ساحة "بيت الكرمة" في حيفا.

وكيف للمفارقة أن تكتمل من دون العدوان على لبنان في العام 1982؟ فصديق عباسي اليهودي ضمن له الدخول إلى صور، ومرة أخرى عاد عباسي بآلاف الكتب إلى الداخل وباعها أيضًا في أيام قليلة. مشوار الكتاب العربي والثقافة العربية في الداخل مرتبط باحتلالات وفتوحات إسرائيل، كونها الطريق الوحيدة التي كانت متاحة نحو الخارج. وبعد اتفاقية السلام مع عمان تحولت عمان إلى همزة وصل أوتوماتيكية بيننا وبين العالم العربي؛ فلم يتوقف الأمر عند استيراد الكتب، بل صارت اللقاءات الثقافية مع العرب والفلسطينيين من الدول العربية تُعقد في عمان، متغلبة على منع دخولهم إلى حيفا ويافا، وعلى إحراج استقبالهم بختم جوازهم الأجنبي بختم إسرائيلي. إنه حصار ثقافي جديد، يبغي العودة بنا إلى تلك الفترة، فترة الابتعاد عن السياسة وتفضيل الركض وراء لقمة العيش وترقّب أيام أفضل.

منع الكتب والقراءة شبيه بإحراق الكتب في الشوارع، في المحصلة. كان هذا اليهودي هايني هنريخ الذي قال: "في المكان الذي يحرقون فيه الكتب في الشوارع، سيأتي يوم ويحرقون الناس أيضًا".

الأربعاء، 1 أكتوبر، 2008

هيّا إلى المدوّنات

إفتتح قبل يومين الصديق العزيز والزميل الصحافي فراس خطيب مدونة جديدة له وهي بهذا تنضم إلى المدونات القليلة التي افتتحها مبدعون وكتاب وفنانون وصحافيون وناشطون من فلسطينيي الداخل، مع أنّ تقليد فتح المدونات صار تراثًا يكاد يكون تقليديا اليوم في العالم العربي وغزة والمناطق الفلسطينية المحتلة (بوضعها السياسي اليوم: المُختلة) عام 1967.

ولكن يبدو أنّ المدوّنات هي خيار الفقراء والمطارَدين؛ فهي خيار الفقراء لأنّ تكلفة فتح مدونة لك على الشبكة العنكبوتية هي صفر من الدولارات أو الريالات أو الشيكلات. بضعة كبسات وخيارات (مع أنّ هذه مهمة شاقة للبعض من جبناء التقنيات!) وأنتَ عنوان جديد على الشبكة الكبيرة. صارت لك مساحة متخيلة، مفترضة (فيرتوال) تستطيع فيها أن تصول وتجول، وتعلم الناس أصول فلسفة ابن عربي أو تعلمهم كيف تُصنع الكبة في الجش (كبة إم علاء) والفرق بينها وبين الكبة في الناصرة (كبة إم العبد التي لم أذقها حتى الآن- ولهذا مقال في مقام آخر!)، أو أن تعلمهم أن يحبوك أو أن يحبوا كتاباتك- والأمران سيّان.

ومن خلال تجوالي في عالم المدونات العربية اكتشفت كون المدونات في معظمها مُعدَّة للمُطارَدين من خلق الله، فترى المدونات المصرية عالمًا هائلاً من السياسة والاحتجاج والكليبات المصورة لأحداث سياسية عاصفة تجري في مصر، ولكن التلفزيون المصري لا يبثها. جنة من المعلومات والمعلومات البديلة وحرية كتابة وحرية ردّ، وأحيانا لدرجة الشتم "الشارعي" الإنترنتيّ (أمثلة: "إيه اللي انت كاتبو ده يا ابن المتناكه؟"؛ "الود ده خول والا إيه؟"؛ "الشرمطة دي لازملها حد بقى!"؛ "والله واكبرت يا (فلان) وطلعلك شعر عالبيض"). ولا أجد تحرّجًا من إيراد هذه الشتائم هنا لأنها: (1) موجودة في الإنترنت وبالعربية منذ فترة؛ (2) لأنها مؤدبة إلى جانب الواقع الذي نعيشه؛ (3) رحم الله امرأ قال: الواقع أكثر بذاءة من أية شتيمة؛ (4) وهو الأهم: لا يوجد كلام بذيء، يوجد أناس بذيئون!

وهذه روعة أخرى من روعات المدونات: هل تعتقدون أنه كان يمكنني أن أنشر المَسبّات التي بين الأقواس أعلاه في أية جريدة عربية في العالم؟ لا أعتقد. وكي أكون صادقًا معكم حتى النهاية، سأقول لكم من خلال تجربتي كمحرر في صحف عربية مختلفة: أنا كمحرر كنت سأشطب هذه الجمل أيضًا من هذه المقالة. سأشطبها وسأشرب كأسين سريعين من الفودكا المثلجة كي أقمع الثورة المُهانة في داخلي. هذه قوانين اللعبة، وعلينا جميعًا أن نلعبها، إلى أن يحصل أمران، لا ثالث لهما: أن نموت بسرعة (أي أن نموت مَجازًا، من الداخل) ونعيش كما يعيش الباقون؛ أو أن نفتح مدونة.

وأنا صراحة لا أفهم الدافع من وراء فتح مدونة لا ينوي كاتبها/ كاتبتها قلب الدنيا رأسًا على عقب وتجاوز قوانين اللعبة في عالم النشر "السَّويّ" (يعني النورمال). في دول القمع السياسي (مصر، سورية، الأردن، وغيرها) تجد المدونات السياسية تكتب وتسبّ وتنتقد وتناقش وتشرئبّ بشراهة كبيرة، فماذا لدينا هنا؟ ولماذا لم نُغرق الدنيا بمدوّنات عن وضعنا السياسي والاجتماعي؟ هذا سؤال كبير أعتقد أنه بحاجة إلى إجابات علمية أشمل وأوفى من جرات قلمي التدوينية (أين د. أمل جمال ود. مصطفى كبها حين نحتاجهما؟).

إذًا، فها هو فراس خطيب يدشن دخوله إلى العالم الرقمي ويصبح عنوانا في الإنترنت. منذ اليوم سيصير مسؤولا عن موقعه، عليه أن يدافع عنه بشراسة، أن يجعله فريدًا ومتميزًا ومتجددًا وإلا ملته "ماوسات" المتزحلقين بين المواقع. وسيكون من حسن حظ خطيب إذا ما شيّعت الجماهير الرقمية مدونته في داخل الفيسبوك (شيّع الشيء: أشاعه، وليس بالضرورة قبره!)، وعندها هو السعيد السعيد، المديد المديد.

سأترقب هذه المدونة كونها لصديق وكاتب عزيز، وكونها تنضاف إلى مدونات "الداخل" القليلة وغير المتجذرة، وكونها ستكون مثيرة وممتازة، بفعل معرفتي بخطيب ومقدراته.

ولكننا في النهاية، المُدوِّنين، نظلّ لاعبي هامش، نعلق ونزايد ونحاضر، ونسبّ ونشتم ونتأوّه بفعل الواقع وخرائياته. نحن كمن أعطوه ميكروفونا في حفلة ديسكو ماجنة: الملايين ترقص على الصوت الصاخب لموسيقى الترانس والنقود والتديّن والماريحوانا والكوك والعرقسوس والأرغيلة، ونحن نقف على المنصة مع ميكروفون ضئيل ونصيح بأعلى أصواتنا المبحوحة: "سَمَعْ يا! سَمَعْ!!!!).

تحضرني هنا قصيدة "كلب الستّ" لأحمد فؤاد نجم، والتي يحبّ أخي عامر أن يرددها حين تبدأ أبخرة الكحول بتبخير القعدة. أذكر منها بوجه خاص هذين السطرين:

"هيص يا كلب الست هيص
لك مقامك في البوليس".

لنا المدوّنات لنهيص بها، مع أننا لم نصل بعد إلى مقام كلب الستّ ومَحظيّاته. فنحن مجرد كُتاب لا يجدون من ينشر لهم شتائمهم وعذاباتهم، لأنه من غير اللائق أن تغرّد "خارج السرب". ولكن، بالأحرى ومن الأصدق أن أقول: نحن مجرد كُتاب...

الأربعاء، 24 سبتمبر، 2008

لا طريق ثالث دائمًا/ حنين زعبي


كان الأمر سيكون أفضل لو انتهت "المعارك" أو أية تسمية تختارونها (مشكلة، إشكالية، صراع، نقاش، خلاف، اختلاف) بعِبر؛ فحتى لو انتهت بخسارةٍ ما، كنا على الأقل سنربح العبرة. لكنّ أسوأ "المعارك" هي تلك التي لا تنهي بعبر، ولا تنتهي بمراكمة ما في التجربة الإنسانية أو في المفاهيم الاجتماعية الجّامعة.

وبالتالي، فإنّ مقولة "الضربة التي لا تُميتك تزيدك قوة" هي مقولة ناقصة، أو على الأقل مشروطة، مشروطة بوجود عبرة ما، تكون هي مصدر القوة. وللأسف، ما جرى على أثر نشر علاء حليحل مقاله حول رمضان، هو مؤلم لأمريْن: أولاً، لأنّ ردة الفعل الدرامية التي أثارها هي تعبير عن مجتمع مأزوم، لم يذوّت بعد نقاشَ ما يثيره بهدوء، وهي بمثابة شهادة بؤس، حيث لم تستطع أحداث سياسية درامية ومصيرية مرّت علينا خلال السنتيْن الأخيرتيْن أن تثير ربع هذا الاهتمام.

ومؤلم ثانيا، وهو الأهم، أنها من نوع تلك "المعارك" التي لم تنتهِ بعِبر، ولم تستطِعْ أن تنتج أو تطوّر نوعًا جديدًا من التعاطي مع إشكالية جديدة، نوعًا ما، بل تمّ التعامل معها عبر اصطفافات قديمة لإشكاليات ومفاهيم قديمة وتقليدية، والأهم متصادمة: مفهوم حقّ التعبير مقابل مفهوم "مشاعر الناس". وتم التعاطي مع هذه المفاهيم من منطلق اصطفافات تقليدية، لا تصلح لكلّ مقام ولا لكلّ مقال، فعَكَسَ النقاشُ الاصطفافَ التالي: التعامل مع حرية التعبير وكأنها حرية تخدم ليبراليين أو علمانيين دون غيرهم، والتعامل مع مشاعر الناس وكأنها مشاعر تخصّ المحافظين أو المتديّنين دون غيرهم.

ونسي الجميع في خضمّ ذلك، أنّ حرية التعبير تطالب بها الآن الحركات الإسلامية في العالم العربي، وأنها لا تعبّر عن مصلحة مقصورة لفئةٍ ما، ونسي آخرون أنّ المشاعر ليست حكرًا على المحافظين أو غير الليبراليين، وأنّ أكثر من تُستباح مشاعرهم ويتم الاستئناف على شرعية انتمائهم هم "الليبراليون" أو العلمانيون- أو سمُّهم ما شئتم.

والإشكالية جديدة، بمعنى أنه لا يكفي التعاطي معها بهذيْن المفهوميْن، وبمفهوم الاصطفاف بين: مع حرية التعبير ضد مشاعر الناس أو مع مشاعر الناس ضد حرية التعبير. لكن في نفس الوقت، وبرغم قصور ثنائية حرية التعبير- مشاعر الناس عن نقاش مقالة رمضان، نحن لا نستطيع تجاهل التناقض وضرورة الحسم بين هذين المفهومين على المستوى القيميّ النظريّ، حتى لو لم يكن هذا الحسم كافيًا لنقاش قضية المقال، مضمونه، مكان نشره وحرية نشره.

إنّ ثقافة الردّ التكفيرية القمعية التي أعقبت المقال، هي ما يجعل التأكيد على حقّ الفرد في التفكير والتعبير، ضرورة مُلحّة وأساسية، حتى من طرف أولئك الذين اعترضوا على بعض التعابير التي وردت. لأنّ تلك الثقافة فيها من العنف والقسوة والقمع ما هو أخطر بكثير من الإستعلاء والإستهتار اللذيْن اتهمت بهما مقالة حليحل. ثقافة الردّ التحريضية العنيفة هي أخطر، لسبب بسيط أنّ ما أثار الكثيرين في مقالة حليحل، لا يعدو أن يكون تعبيرًا أكاد أقول عرضيًا، لم يكُنْ من صلب مقولة المقال أو هدفه. لكنّ بعض الردود بأسلوبها وتعابيرها ولا محدودية عنفها وانتهازيّتها السياسية، تريد أن تفرض نفسها ورؤيتها كثقافة عامة.

وحتى ضمن هذا السياق، وبعيدًا عن الزّوبعة التي أثارها المقال، من الضّروري التأكيد على أنّ مشاعر أو "حساسيات" الكثيرين، هي تعبير مطاطيّ وبحكم تعريفها المطاطي غير الواضح هذا، لا يمكن إلا أن تكون أحد الأثمان التي تدفع في سبيل حرية التعبير كقيمة، وهي إحدى النتائج الحتمية لكل عملية تغيير اجتماعي في أيّ مجتمع.

كما أنّ طموح كل مجتمع واتجاه تطوّره هو في الحدّ من رقعة هذه "الحساسيات"، وليس في التعامل معها وكأنها مُعطًى ثابت، أو وكأنها قيمة بحدّ ذاتها. والأمر الأهمّ هو أنّ لهذا المفهوم متطلبات حقوقية، بمعنى أنه لا معنى لـ "حساسية المجتمع" في مجتمع لا يضع حقوق الفرد وحرياته في مركز احترامه، سوى مفهوم واحد، وهو الخوف من المجتمع، سواءً أكانت خوف الفرد المتدين في مجتمع متعصب للعلمانية، أو خوف الفرد العلماني في مجتمع متعصب للتدين.

الثقافة صريحة القمع، لا تحتاج حقيقة لمفهوم "مشاعر الناس"، فهي تكتفي بتحديد الحلال والحرام. من ناحية أخرى الثقافة مُموّهة القمع، هي التي تحتاج لمصطلح "مشاعر الناس"، وتستعمله بغير وجه حق كي تختبئ خلفه. لكن من يحتاج ويحق له استعمال مفهوم "مشاعر الناس" هم فقط أولئك الذين يتبنون القيم التي تعطي الحقّ للفرد بتحدّي تلك "المشاعر".

رغم هذا التشديد والتثقيف الضرورييْن والهامّيْن على مبدأ وقيمة حرية التعبير، وعلى أنها تشمل تلك التعابير التي قد تسيء لمشاعر الكثيرين، إلا أننا لسنا بصدد قضية حرية تعبير، فقط، لأنّ النقاش المطروح هو على مضمون هذا المقال العينيّ، وعلى تعابير عرضية، جعلته يقف في صدام مباشر مع الوجدان الثقافي للمجتمع، ومع عناصر هوية أساسية مكونة له.

وفي الوقت الذي تحسم فيه حرية التعبير بشكل إيجابي السؤال: هل يحق لحليحل التعبير عن آرائه تلك، لا تستطيع هذه الحرية أن تحسم السؤال: هل يحق للمقال أن ينشر في "فصل المقال"، وذلك لأنّ "فصل المقال"، كحاملة لمشروع تغيير سياسي-اجتماعي، والذي هو بالتعريف مشروع أيديولوجي، غير محايدة أبدًا لأيّ مضمون سياسيّ واجتماعيّ. بمعنى آخر: حرية التعبير هي مفتاح السؤال إذا كنا نتحدث بصدد تعبير فرديّ، لكنّ مشاريع التغيير الاجتماعي-السياسي لا تستطيع أن تكتفي بهذا السؤال. وبالتالي، السّؤال الذي تطرحه "فصل المقال" على نفسها عندما تنشر أيّ مقال ليس "هل هي مع أو ضد حرية التعبير"، بل: "هل هي مع أو ضد المضمون العيني للمقال"؟

وقد طرحت قيادة "التجمع" على نفسها هذا السّؤال، ورأت في المقال صدامًا مباشرًا، ليس مع مشاعر الناس، كحالة مزاجية عاطفية، بل كحالة احترام لوجدان ثقافيّ، هي مُركّب من مركبات هوية المجتمع -ربما نستطيع اعتبارها شيفرات ثقافية- والذي هو مُركّب من مركّبات مشروع "التجمع". ورمضان هنا ليس ركن العبادات الإسلامي فقط، وليس الفرض الديني للصائمين فقط، بل هو تلك الحالة الاجتماعية الثقافية المرتبطة بهوية الناس ووجدانهم، حتى لغير الصائمين، للمسيحيين وللعلمانيين.

هذا الاجتهاد الحزبي لا يرى أنّ النقاش يدور حول مضمون ثوريّ ما للمقال، أو حول نقاش فكريّ ما مُتحدّ يطرحه المقال، إذ لم يطالب المقال حقيقة بثورة في المفاهيم، ولم يطرح نقاشا جديا حول حقوق غير الصائمين مثلا، ولم يناقش حالة القمع التي يواجهها أحيانا غير الصائمين، بل يرى –هذا الاجتهاد للحزب- أنّ النقاش يدور حول أسلوب فُسِّر على أنه استهتار واستعلاء، ومن هنا اختار الحزب توضيح تحفظه ورفضه لتلك التعابير التي فُسِّرت كاستهزاء وكاستعلاء.

وللأسف، لم يقم "التجمع" بتوضيح وجه اعتراضه على المقال بشكل دقيق، وفسّر هذا الاعتراض من البعض على أنه اعتراض على مضمون مُتصادم مع مشاعر الجمهور، كما هو طبيعيّ أن يكون كل مضمون تغيير اجتماعي. هذا، مع أنه لم يكن المضمون الفكري هو وجه اعتراض "التجمع"، بل أسلوب بدا هازئًا ومستعليًا، بما يمكن أن نسميه "شيفرات ثقافية" لمجتمع، وأرجو أن أكون قد أجدت التسمية.

والفرق بين احترام هذه الشيفرات وعدم الاستهزاء بها، وبين نقاشها ونقاش محرماتها وكسر تلك المحرمات، يشبه الفرق بين احترام تدين المتدينين وبين نقاش تدينهم ومسلمات تدينهم، ويشبه الفرق بين احترام علمانية العلمانيين وبين نقاش علمانيتهم. احترام "شيفرات" وقناعات الآخرين لا علاقة لها أبدا بنقاش تلك القناعات وتحديها.

ما يؤسف في الأمر أنّ ما أغضب في المقال هو ما كان باستطاعة حليحل التنازل عنه بسهولة، وأنّ ما أغفله "التجمع"، هو ما كان يجب أن يشدّد على عدم التنازل عنه، وهو حق نقاش مُسلّمات آخرين، المنطلق من احترامها.

كل ما سبق وقلته، هو ما أردت أن أقوله، لكنه لا يلخص التحدي الذي يطرحه المقال وردة فعله. إذ لا أحد يعرّف التحدّي الذي يواجهه مجتمعنا على أنه عدم احترام شيفرات وجدانية، قد نفقد بفقدانها معظم أسس طروحاتنا السياسية، التي تستند على مركب الهوية في سيرورتها وديناميكيتها غير الثابتة. هنالك العديد من التحديات النظرية أو القادرة أن تطرح نفسها كتحدٍّ؛ لكن ما يهمنا هو التحديات المطروحة والمعاشة اليوم والآن وهنا، وما يلخص التحدي المعاش الآن وهنا، هو محاولات البتّ بأيّ موضوع إمّا عن طريق إغلاق باب النقاش وإما عن طريق تقليص حق التعبير إلى مجال الأفكار المهيمنة، أو عن طريق التحريض أو المسّ بسمعة الأفراد المشاركين في النقاش. هذه هي الأخطار والتحديات التي تواجه ثقافتنا العامة، والدليل أن ّغالبية وجه الاعتراض على ما جاء في مقال حليحل، أتى من أبواب نظرية بعيدة كلّ البعد عما أوردته هنا، وتحديدًا من أبواب الكفر- الايمان، ويصبّ في مصبّ كمّ الأفواه، وثقافة الإسكات بالقوة وبالتكفير.

في النهاية أقول، إنّ الحرص على الهيبة الثقافية لأيّ مجتمع، والتي هي حصانة وجدانية، نحتاجها نحن أكثر من غيرنا، كمركّب أساسيّ، ليس فقط في الهوية، وإنما وأيضا في مواجهة التحديات السياسية وتحديات الهيمنة الخارجية. ويجب ألا يخفى عنا أنّ الحصانة الوجدانية هذه، بحاجة بدورها لحصانة من متطرفيها ومن عمليات ومسارات تحجر ذاتيّ، هي خطر عليها، ليس أقلّ من خطر محاولات هدمها.

بالتالي، أمام "التجمع" مسار شاق، ليميّز فيه، وليثقف كوادره وجمهوره ومجتمعه، على الفرق بين احترام الشيفرات الثقافية لأيّ مجتمع، وبين نقاش مضامينها وحتى تحديها أو طرح بدائل لها. وعلى "التجمع" أن يحذر، وأن يحذّر كوادره، من مطاطية وغوغائية مفهوم "مشاعر الناس"، الذي قد لا يعني شيئا خارجا عن مفهوم الهيمنة الثقافية التي تناقض الكثير من القيم والمفاهيم التي تناقض مشروع "التجمع".

حرية المعتقد، حرية التعبير، حق الفرد في تحدّي مُسلّمات، رصانة وهدوء النقاش ولا عنفه، الابتعاد عن أساليب قامعة أو تحريضية أو عقابية، بناء شعور الانتماء ليس وفق أحادية الاجتهاد في هذا الانتماء، إنما وفق تعددية الاجتهاد فيه- هي كلها الحصانة التي تحتاجها هويتنا ووجداننا الثقافي. كما أنّ قدرة هويتنا ووجداننا الثقافي على تحمّل النقد، هي دالة لقوة هذا الوجدان وثقته بنفسه.

الاثنين، 22 سبتمبر، 2008

الجمعة، 12 سبتمبر، 2008

إنها بحق مسألة مشاعر/ راجي بطحيش

ما ان تثار قضية (كقضية علاء حليحل) ضد كاتب أو مفكر ما حتى تطفو معها مصطلحات أو جمل أتهامية كاملة لا يمكن إعرابها حتى فكريا، وقد تكون أخطرها هي جملة "المسّ بمشاعر المؤمنين... أو الصائمين... الآخرين"... ويشبه هذا الاتهام ما ينسب للناشطين السياسيين في الدول البوليسية من تهم تختبئ من وراء جمل بليغة وغير مفهومة ولا يمكن تأويلها قانونيا، ولذلك فهي تقود الى المعتقلات والمشانق أو النفي في أفضل الحالات. ومن أشهر تلك الجمل:

"إثارة البلبلة وتمويه الرأي العام"؛

"المس بالنسيج الإجتماعي وزرع الفتن"؛

"نشر أنباء كاذبة وتضليل العدالة".

وهذا يشبه بالضبط ما جاء في مقال تميم منصور في حديث الناس بتاريخ 12\9\08: "لقد سبب المقال المذكور بلبلة وأثار عضب 90% من الموطنين العرب في البلاد من كافة الطوائف". لم أكن أعرف أن السيد منصور يعمل في مديرية الإحصاء بالقدس كي يعطي هذا التقدير الجارف لمقدار البلبلة والغضب.

وما يثير غضبي وبلبلتي أنا (ورفاق لي علمانيين) هو: لماذا ولدى بزوغ شمس أزمات من هذه النوعية تضاف كلمة المشاعر للمتدينين أو المؤمنين، فيقال: مشاعر المؤمنين ومشاعر المصلين (للتوضيح فقط) وكأنّ الآخرين لا مشاعر لهم كي يتم مسها. فمن الواضح أنه وفي مجتمع لا يزال محكوما بالغيبيات الدينية والتراتبية الأبوية/ العائلية/ العشائرية/ الطائفية... لا مناص ولا أسهل من وصف الآخرين (الرموز العلمانية المتنورة والحرة) بالمراهقين والملحدين والمنحلين لتجاوز حالة الإزدواجية والزيف والتخبط التي تصبغ المجتمع على مختلف طوائفه الدينية. فالمشاعر الجياشة قيمة محتكرة لأصحاب الدين (لا يهم إن كانوا فاسدين مغتصبين مثلا)...

ولكن وبمسح ساذج أقول: لم تمس الديانات ومرفقاتها بمشاعر البشر وحسب بل أنها داستها وألقت بها في النفايات. فقد خلف الدين ورجاله قوافل من المقهورين من خلال الحروب باسمه والتأويلات غير المنطقية للنصوص التي تدوس أكثر ما تدوس المستضعفين على هذه الأرض وفي هذا المجتمع.

فباسم الدين تنتهك الحريات الشخصية للأفراد، وللنساء منهم بالذات، ويمنع مثلا الزواج بين الأديان، ويمنع حتى اختيار متواضع لمسار بسيط للحياة كما يقمع المختلفين ويوصمون. وتصادر حرية الخيارات الجنسية، ويُضطهد المثليون وغيرهم، وتصادر حياة الآلاف المؤلفة من الفتيات تحت تواطؤ ديني وبحجة الحفاظ على شرف مزبلة القيم المتوارثة.

وبما أنني فخور بكوني أنتمي الى مجموعة "المراهقين" و"الملحدين" و"المنحلين" فإنني أطالب المنابر والفضاءات التي أنشر وأتجول فيها (أنا وعصاباتي)، على الأقل، بتبني جمل مثل: "فلان مسّ بمشاعر المنحلين"، أو "علاّن أثار البلبلة في أوساط المستهترين".



لقاء ومقالات حول "أزمة مقالة رمضان"

في هذه المدونة ستجدون المواد التالية التي تخص الصدى الذي أثارته مقالة "كابوس امسه رمضان!" والهجمة الأوصلية المنفلتة التي أثيرت لمآرب حزبية وسياسية ضيقة:

حليحل: لقد دُفعت نحو الإستقالة
المقال الذي كتبه الزميل علاء حليحل في صحيفة "فصل المقال" قبل أسبوعين خلق نقاشًا حادًا داخل حزب التجمع الوطني الديمقراطي وامتدّ إلى أبعد من ذلك بكثير ووصل إلى مطالبة الحركة الإسلامية بإقالته * كيف بدأت القضية؟ وكيف اتخذ قرار التوضيح داخل المكتب السياسي؟ وكيف استقال حليحل من منصبه بعد أن فرض عليه التوضيح؟ وبماذا اتهم حليحل في خطب الجمعة؟ ومن وراء كل هذه القضية؟ * "المدينة" ترصد القصة كاملة بتفاصيلها وتحاور حليحل حول الحدث

لا طريق ثالث دائمًا/ حنين زعبي

من أين سنأتي بالأمل؟/ فراس خطيب
من أين سنأتي بالأمل حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية؟

إنها بحق مسألة مشاعر/ راجي بطحيش

الحريات ليست ترفا! / مرزوق الحلبي

ليس دفاعا عن حرية النشر بل من أجل حرية العقل/ نواف عثامنة

وهنا أيضًا مقالة بيار أبي صعب قبل حوالي أسبوعين:

علاء حليحل/ بيار أبي صعب

وهنا مقالة:

كابوس اسمه رمضان!




حليحل: لقد دُفعت نحو الإستقالة

المقال الذي كتبه الزميل علاء حليحل في صحيفة "فصل المقال" قبل أسبوعين خلق نقاشًا حادًا داخل حزب التجمع الوطني الديمقراطي وامتدّ إلى أبعد من ذلك بكثير ووصل إلى مطالبة الحركة الإسلامية بإقالته * كيف بدأت القضية؟ وكيف اتخذ قرار التوضيح داخل المكتب السياسي؟ وكيف استقال حليحل من منصبه بعد أن فرض عليه التوضيح؟ وبماذا اتهم حليحل في خطب الجمعة؟ ومن وراء كل هذه القضية؟ * "المدينة" ترصد القصة كاملة بتفاصيلها وتحاور حليحل حول الحدث

تقرير: مجد كيّال (عن صحيفة "المدينة" الحيفية)

"الملف الحليحلي" كان الاسم الذي أطلقه واحد من عشرات المدونين الذين ناقشوا بحدّه وعنف، من كل الطرفين الـ"متنازعين"، حول المقال الذي كتبه محرر صحيفة "فصل المقال" في حينه علاء حليحل، تحت عنوان "كابوس اسمه رمضان". النقاش امتدّ وتجاوز حدث المقال العادي بكثير.

كان الأسبوع الأول بعد نشر المقال "هادئًا نسبيًا"، وشهد ردود فعل غاضبة نوعًا ما من بعض قراء الصحيفة، الذين اعتبروا المقال "مستفزًا". في اليوم الثاني لنشر المقالة (يوم السبت) انعقد مجلس "التجمع" في الناصرة وفتح فيه تميم منصور، عضو المكتب السياسي للتجمع، النار على حليحل متهمًا إياه بـ "الكفر والإلحاد والزندقة والجهل"، وفسَّر مقاله على أنه "وقاحة وإهانة للمسلمين". لكنّ القضية كقضية، انفجرت بعد أسبوع من هذا، عند نشر منصور مقالاً في جريدة "حديث الناس" شنَّ فيه هجومًا كاسحًا على شخص حليحل ومقاله.

"التجمع" رأى من المناسب في مثل هذه الحالة أن ينشر "توضيحًا" للقراء في أعقاب المقالة. إلا أنَّ هذا التوضيح وصل أروقة الصحيفة ظهيرة يوم الخميس، من دون علم رئيس التحرير ومن دون مشاركته القرار. واعتبر التوضيح المقال "هذه التعابير لا تمثل موقف حزب التجمع وإدارة فصل المقال، وان نشرها في صحيفة فصل المقال كان خطأ"، الأمر الذي لم يقبله حليحل. وفي نهاية المطاف، قرّر حليحل الاستقالة من منصبه، وعدم قبول أن يفرض عليه توضيح للقرار من دون مشاركته، مبينًا أنّ أيّ توضيح من هذا القبيل أو غيره عليه أن يتم بالاتفاق مع رئيس التحرير على مضمونه، على الأقل، مع تشديده على رفضه المبدئي لأيّ توضيح كان.

بعد ثلاثة أيام من الحدث، اتخذت القضية شكلاً أكثر حادًا، حيث تقدم الناطق الرسمي باسم الحركة الإسلامية، زاهي نجيدات، برسالة إلى رئيس الكتلة البرلمانية للتجمع، النائب جمال زحالقة، طالب من خلالها بإقالة حليحل، واعتبر المقال يتضمن "استهتارًا واستهزاءً وشتيمةً لأحد أركان الإسلام الخمسة"، وأنه "مجموعة تطاولات على شهر رمضان المبارك وهو بالتالي مسّ بمشاعر كل مسلم ومسلمة." وطالبت الحركة الاسلامية "التجمع"، في خطوة غير مسبوقة لدى الأحزاب العربية، بإقالة حليحل من منصبه كرئيس تحرير.

الرسالة وصلت إلى كل المواقع الإلكترونية العربية، واحتلت الصفحات الأولى وحظيت باهتمام كبير. وردَّ الأمين العام للتجمع، عوض عبد الفتاح، للصحافة بعد رسالة الإسلامية هو أنّ حليحل كان قد قدّم إستقالته بعد كتابة المقال حين فُرض عليه نشر التوضيح المذكور. لكنَّ الامور لم تهدأ، وبدأ اهتمام القراء بها خاصة وأن التعليقات تجاوزت المعدل العام. كانت اللهجة الحادة ضد حليحل ومقالته واضحة إلى حدّ الإنفلات عليه، لكن أيضًا كان من بين المعلقين من اعتبر مقال حليحل يندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي، وأنّ من حق الكاتب أن يكتب بلهجته الساخرة.

وامتدّ النقاش حول القضية الاشكالية، وتجاوزت كونها في الشبكة، حيث علمت "المدينة" أنَّ القضية طرحت أيضًا في خطب الجمعة في المساجد في بعضٍ من البلدات العربية التي شنّت هجومًا كاسحًا على حليحل. واعتبر البعض الاتهامات لحليحل وصلت إلى وصفه أيضًا بـ "الكافر" و"المرتدّ". وقال حليحل، إنّ مثل هذا الهجوم "لا يمكن الاستخفاف به، ولا أعرف ماذا يمكن أن يختبئ من ورائه مستقبلاً".

"أنا لم أتغيّر"
"المدينة" طرحت على حليحل التساؤلات التي تطرحها أطراف متطلعة كثيرة حول التناقض بين حرية التعبير عن الرأي والمصلحة الحزبية. يقول حليحل: "حتى لحظة نشوء الأزمة لم أرَ أيّ تناقض بين الأمريْن. فأنا في حزب علماني منفتح وليبرالي يدعو لدمقرطة العرب ورئيسه يعلّم الديمقراطية للوطن العربي كله. برنامج الحزب وأدبياته تشير الى ذلك بوضوح. التناقض ينشأ في تغيّرات في الحزب نفسه، وليس في مبادئه. أنا لا أرى أيّ تناقض بين تحرير الجريدة وبين إيماني كفرد بحزب يمثل فكري ومبادئي."

يضيف حليحل: "الأمر المؤلم هو أنّ الطلقة الأولى في هذه الحرب خرجت من عضو مكتب سياسي للحزب وليس من خارج الحزب، والعضو ذاته نشر مقالا يهاجمني ويتهمني 11 مرة بالجهل والكفر والزندقة ويطالب بمحاربتي. هذا أعطى ضوءًا أخضر للحركة الإسلامية. لماذا نستغرب إذًا من الحركة الإسلامية؟! على الأقل الحركة الإسلامية لا تدّعي الليبرالية وتدافع بشراسة عن المقدسات والأمور الروحية ولا يدّعون الديمقراطية. هم لا يتحدثون عن العلمانية والتنوّر وفجأة إنتقلوا للتزمت، أي أنه ليس هنالك تحوّل عندهم، بل أنّ التحول عندنا، وأنا أربط كيفية تعاطي الحزب بهذه الأمور بالتحضير للإنتخابات وبحسابات إنتهازية غير مقبولة."

ويتابع: "من بدأ هذه الهجمة عليّ بدأها من منطلقات شخصية، ولمجرد أني طلبت منه تخفيف وتيرة الكتابة لإفساح مجال لكتاب آخرين في الصحيفة. فجأة يتحوّل هذا الشخص إلى مدافع شرس عن رمضان، في الوقت الذي كان قبل ستة أشهر يطالب بمنع النساء المحجّبات من دخول الجامعات، وكان من أعلام العلمانية الراديكالية."

انتقد البعض حليحل على استقالته من صحيفة "فصل المقال" و"تركه للمعركة"، بالرغم من أنّ حليحل يكشف أنه دُفع للإستقالة: "بالرغم من أني إنسان يميل للتمرّد وأحاول ان اجتاز كل الحدود، ولكني أؤمن بالنهاية بالمسؤولية الشخصية والهرمية المهنية والإدارية. عندما يريدني رئيس مجلس الإدارة أن أستقيل فلا يمكنني البقاء بالقوة. أنا دُفعت للإستقالة بشكل واضح، بعد أن فرضوا عليّ نشر التوضيح. هنالك قيادات في الصفّ الأمامي في الحزب ممّن تكلموا حاولوا امتصاص غضب الحركة الإسلامية بأني استقلت، وهذا أمر محزن ومهين لي وللتجمع، بدلا من أن يتصدى حزب التجمع لمحاولات فرض التدخل ويطالب بسحب طلب الحركة الإسلامية ويدافع عن نفسه ومؤسّساته وينتقل لموقع الهجوم كما يفعل أي جسم له هيبته وكرامته، ولكنّ الحزب لم يتصرف كبديل طلائعي ومتنور وعلماني، وأنا أستغرب من حزب يمشي وراء قائد تنويري يعلم العالم العربي الانفتاح والتنور، أن لا يحقق هذا الطرح في جريدته."

ويضيف: "بالأساس أرى أنّ هنالك سوء فهم أساسيًا لموقع رئيس التحرير. وظيفة رئيس التحرير لا أن يراجع عناوين الصحيفة ولا أن ينقح الأخطاء اللغوية، مع أنها من ضمن مهامه، وظيفته أن يضع أجندة الجريدة وخطها الفكري السياسي والإجتماعي، وظيفة الجريدة ومحررها هو أن يكشفا الفساد ويشعلا الحروب والنقاشات. يسألون لماذا رئيس التحرير يثير المشاكل؟ وظيفة رئيس التحرير هي عدم الخوف من المشاكل لإثبات قوة السلطة الرابعة. هذه هي هيبة الصحفي والصحيفة، وأنا بالأساس أجندتي الفكرية جزء منها من أدبيات الحزب وعزمي بشارة، وعملي هو تطبيق أسبوعي لفكر التجمع حسبما جاء في البيان القومي الديمقراطي وبرنامج الحزب وكتب بشارة، من لديه مشكلة فليُعِد قراءة هذه الأدبيات."

ويختم حليحل: "أنا كنت أمثل تيارًا، التيار الحرّ والليبرالي والمتنور، نحن تيار معارض للتحالف مع الحركة الإسلامية بأيّ ثمن، ولكن من المؤسف أنّ من عولتُ عليهم، والذين أشبعونا كلامًا وحديثا عن التنوّر وحرية المرأة والعلمانية وحرية التعبير، إختفوا فجأة. أين أنتم؟ يُحرَّض ضدّي في كل مساجد البلاد ولا أحد يكتب كلمة، حرفًا، لماذا هذا التخاذل؟ باستثناء ثلاثة مقالات داعمة لحرية التعبير بقلم نواف عثامنة ومرزوق حلبي وحنين زعبي لم ينبس أحد ببنت شفة. ولا الجمعيات ولا الأحزاب."

عبد الفتاح: نحترم حليحل ونختلف مع بعض ما جاء في المقال
ردًا على ما قال حليحل، يقول الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، عوض عبد الفتاح لـ "المدينة": "أولًا وقبل كل شيء نحن نفتخر بالكاتب والمثقف علاء حليحل كما يفخر كل مجتمع وحزب طلائعي بأدبائه ومثقفيه وكتابه. في المقال الذي كتبه حليحل أتت بعض الجمل والتعابير التي اعتبرها جزء من القراء مسًا بمشاعرهم، وقد كان نشرها خطأ في صحيفة تعرف بارتباطها بحزب التجمع الوطني الديمقراطي."

ويضيف عبد الفتاح: "نحن نتفق مع بعض ما جاء في المقال، ونشدّد على نبذ بعض العادات الاجتماعية السلبية في هذا الشهر مثل البذخ وعبودية النساء، أي سجن المرأة في المطبخ طوال الشهر. ولكنّ الكاتب طرح الموضوع بأسلوب لا يساهم في التغيير الإجتماعي الذي نؤمن به ويؤمن به الكاتب، ونحن نطالب بحوار حضاري وجدّيّ في القضايا الحساسة وغير الحساسة في مجتمعنا."

ويختم: "من جانب آخر نحن نرفض تدخل بعض الأوساط السياسية في إدارة صحيفتنا كوصيّ أخلاقيّ، ونستنكر تكريس هذا الموضوع لأغراض سياسية، فهذا ليس مسًا بحزب سياسي ولا حركة سياسية، بل هو مسّ بأحد أركان الإسلام، ونحن نرفض المسّ بأيّ ركن من أيّ دين ."



من أين سنأتي بالأمل؟/ فراس خطيب

من أين سنأتي بالأمل حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية؟

ما بالكم حين نجد أنفسنا، نحن الحالمين بكل عبارات "الغد الأفضل"، نعيش حالاً مؤقتةً، ومزمنةً بمضمونها، ندافع فيها عن زميلنا الكاتب علاء حليحل وعن حقه (حقنا) في التعبير عن رأيه في وقت تختفي فيه الأقلام، وتستل فقط عند اللاحاجة. ما قيمة القلم أصلاً حين لا ينتفض على الإجماع؟ وما قيمة حرية التعبير حين لا نكون بحاجة لها؟

نعم، إنَّها الحالة المأزومة ذاتها، حين تتحول المعتقدات الى "تابو" لا يكسر، فترانا صامتين أمام فيض التعليقات التحريضية ضد كاتب عبَّر عن رأيه، ونعجز في خضم ووابل الإتهامات وخطب أيام الجمعة في عددٍ من البلدات العربية، منحدرين نحو هاوية المجهول وسط تجاهل تام لأزماتنا الحقيقة.

من أين سنأتي بالأمل حين ينشغل بعض القادة بمقالة عن رمضان و"إسقاطاتها"، وحين يعود بعض "المحللين" إلى "حروب الردّة والمرتدين"، وتفتح الشكبة الإلكترونية على مصاريعها للهجوم على الكاتب، في وقت أنَّ الأزمات الحقيقية التي لا تحتمل التأجيل مستشرية ومتغلغلة ومتشعبة في اهتراء حاضرنا؟

قبل يومين فقط، قتلت إمرأة في عرب الشبلي في أعقاب "رصاصة طائشة"، وامرأة من أم الفحم قتلت بنفس الطريقة ولنفس السبب، وعشرات النساء يقعن ضحايا لـ "جرائم الشرف". القرى العربية يحتلها إطلاق النار، ولا أمن في المدن المختلطة على أنفسنا من أنفسنا، وهواة السلاح "غير المرخص" يطاردون الهواء بالرصاص في بلدات كانت قلاعًا وطنية. لكننا لم نلمس الإنشغال بهذه الجرائم كما شاهدنا الإنشغال بـ "مقال حليحل"؛ أليس القتل والإجرام مناقضًا لتعاليم الله؟

من أين سنأتي بالأمل، حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين، أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية، فمقولة "الناس بدها هيك"، تتغلب دائمًا، وتنعكس الحال على أنفاسنا في ظواهر تبدو وكأنها حضارية، لكنَّ مفعولها مثل أفيون يتسلل إلى صمت الشعوب: مراهقون رهينة "نور"، وشباب ترك المخدرات وأدمن على الشبكة. ومن يدور في القرى العربية ليلاً يشعر بمنع التجول. لا، ليس الحكم العسكري، إنهّ "العقيد" أبو شهاب في "باب الحارة". لقد تحول الشارع إلى جمهور من المتلقين، يعتنقون قوت اليوم ويتخوفون من إطلالة الغد. وماذا مع الشعب العالق في الحصار؟ لا بأس، "الجزيرة" ترصد الحدث. وماذا مع التضامن مع الشعوب المستضعفة؟ لقد تضامنا وناقشنا في "الفيس بوك". هكذا، يخرج مليون متظاهر في لندن ضد احتلال العراق وبالكاد يجتمع خمسون على إحياء لذكرى نكبة فلسطين في فلسطين، وعذرًا للبشرية، فنحن منشغلون الآن بمقالة خُيّل لبعض "المجتهدين" أنَّها "ضد رمضان".

نعم، نحن ندافع عن حرية التعبير عن الرأي مهما كانت، وبكل إشكالياتها وتفاصيلها ونقاشاتها وجدالاتها. وكنا أوائل من تضامنوا وكتبوا عن محاكمة رئيس تحرير "صوت الحق والحرية" التابعة للحركة الاسلامية (ومنهم حليحل) ودافعنا عن مقالة نشر في الصحيفة، ووقفنا الى جانب "صوت الحق" حين صدر أمر بإغلاقها من قبل "الشاباك". كنا إلى جانب "فصل المقال" في مواجهة السلطات الشرسة، وجئنا من عائلات احتفظت في الماضي بصحيفة "الاتحاد" حين كانت ممنوعة. ونحن أنفسنا، ندافع اليوم عن حرية تعبير الكاتب من دون قيدٍ أو شرط، من دافع الرصيد، لا الموضة، وندحض التحريض على الكاتب والزميل من دافع القوة لا الضعف. والدفاع ليس شخصيًا عن حليحل، فهو مبدع وصاحب قلم لاذع، نتكل على موقفه ويعرف كيف يدافع عن نفسه عند المحكّ، لكن دفاعنا يندرج أيضًا ضمن المبدأ وحرق معايير الازدواجية المستفزة. ألا يكفي خوض غمار الصمت والإزدواجية؟ وكيف لنا أن نبني بيتًا من الكلمة، حين يرمي بنا المنبر إلى غير رجعه؟

ننظر إلى يومنا، ويطرق بابنا بيان آخر، البعض من قادة "الوسط العربي"، يحلون ضيوفًا على مائدة رئيس الدولة، شمعون بيرس، ليتناولوا "الإفطار". هل تذكرون بيرس؟ قانا؟ أين البيانات والإدانات إذًا؟ ليت النيران التي وجهت للمقال أن توجه إلى الحالمين بـ "العيش والملح" مع "رئيس الدولة".

حلمنا ذات يوم ببناء أفق في السماء ومقاومة المستحيل في عهد يطوّق الأحلام. حلمنا بواقع أفضل فيه الحضارة والرأي والجريدة والمقهى، لكنَّ اختلال التوظيفات فينا أبعدَنا عن ذلك الهدف المنشود، المبتعد أكثر من عام إلى عام. وتقلص الحلم، هل تعرفون إلى أي حدٍ تقلص؟ إلى حدٍ صرنا نحلم بأن يختلف إثنان على فكرة في أحد المقاهي، ويغادران الطاولة مبتسمين... وسالمين.


الحريات ليست ترفا! / مرزوق الحلبي


لا فارق بين إقالة علاء حليحل، من رئاسة تحرير أسبوعية "فصل المقال" وبين استقالته ما دامت ملابسات ذلك هو كما أُعلن، وفي محورها مقاله النقدي الحادّ لسلوك جماعي يرافق حلول شهر رمضان. فهذا الوجه الظاهر للموضوع والذي يحبّ الغاضبون على علاء أن يبرزوه. لكن هناك الوجه الآخر الكامن في مفهومنا لحرية الرأي والإبداع وهو ما يتواضعون في الحديث عنه ومناقشته، وليس صدفة طبعا. وتأخذنا موضوعة حرية التعبير إلى الوضع الحرج لمن اختاروا الكتابة حياة لهم وحقلا لوجودهم. فاستقالة علاء أو إقالته في نهاية الأمر إقالة أو استقالة لحرية التعبير.

كان مقال حليحل نقديا بامتياز لم ينحصر في نقد ما نُجمع على نقده بل انبرى بذاتية إلى تبيان ما يضايق الكاتب شخصيا من الصائمين. وكان الأمر كافيا لسيل من ضغوط على "التجمّع الوطني" الذي تصدر "فصل المقال" عن شراكة اقتصادية لأوساط فيه ومحسوبة عليه. وخيّل إليّ في لحظة ما أن مظاهرات ستخرج تنديدا بالكاتب وفتاوى ستصدر بإهدار دمه. وقد قرأنا في التعليقات الإنترنيتية في عديد من المواقع نزعة كهذه. لكننا قد لا نتوقع من الأصولية الدينية مهما تكن مسمياتها إلا أن تمارس "حقّها" في فرض تصورها أو إيمانها على غير المتدينين. لكننا نستهجن حديث المشاعر وضرورة احترامها وهو الادعاء الأساس في الانقضاض على حليحل. فتصوّروا أن حديث المشاعر هذا طغى وتجبّر، عندها لن تقوم لنا حرية أوسع من خرم إبرة ليس تجاه الدين فحسب بل تجاه التاريخ وتجاه طائفة وتجاه مجموعة وتجاه قرية وتجاه حزب! ولنفترض أن حليحل كان أحدّ مما ينبغي، فهل هذا سبب كاف مقنع لإقالته/استقالته؟ ألا يحقّ أن يكون له أسلوبه المميز الخاص في التعبير الذي قد لا يروق لي أو لك أو لها؟ أليس امتحان حرية التعبير هو بالذات عندما لا نتفق مع اتجاه ممارسة هذه الحرية؟ وهو بالذات عندما نسمع الرأي الآخر أو النقيض؟ ألا تتقاطع أو تتشاطب حجة المشاعر بضرورة التسامح مع المختلف؟ ام أن كل ثقافتنا السياسية ما هي إلا شعارات كبيرة فارغة لا رصيد لها عندما تقع الواقعة؟

وفي موضوعة حرية التعبير بعد آخر هنا وهو هل هي تشمل الحقّ في نقد "المقدّس"؟ ولا نقصد هنا المقدّس الديني فقط بل "المقدّس" المفترض، أو "الثوابت" في الخطاب الوطني. إلى أي حدّ يستطيع واحدنا أن يشكل قانون النفي لهذا المقدّس من موقع الجماعة ومن داخلها؟ أجدني شخصيا من المؤمنين بحرية الاجتهاد في نقد "المقدّس" مهما يكن مصدره وفي الاستئناف على مجرّد اعتباره كذلك. ولا أعتقد وجود ضرر من حرية الاجتهاد مقابل الأديان والمعتقدات وعلى خط المواجهة معها ومع الموروث المرتبط بها. وهي ليست حالة غريبة في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، وينبغي ألا تحجب مشاهد الأصولية والظلامية الراهنة، كما تجلّت في الانقضاض على حليحل ـ ومن قبل منع الفنانة أمل مرقس من إقامة عرضها الغنائي "نعنع يا نعنع" ـ حقيقة انفتاح الثقافة العربية في مراحل ممتدة منها على تيارات ومذاهب واجتهادات مدونة أثرت الثقافة العربية والعرب وارتقت بهما. ويكفي أن نشير إلى عصر التنوير العربي لندلّل على أن المشهد الأصولي الراهن ليس قدرا ولا هو في حكم "المقدّس" المطلق والنهائي! سيتبدّل المشهد مثلما تبدّل غيره وإن كان مُمضًا قاسيا على العقول بشكل خاص. لا نهوض بدون حريات ولا تنوير بغير حرية إبداع واستئناف واكتشاف وتقويض وتفكيك باعتبارها أفعال تجسّد القانون الثابت الوحيد وهو أن لا شيء ثابت.

والسؤال الأساس موجّه للقائمين على أسبوعية "فصل المقال" الذين لم يمنحوا كما يبدو الكاتب حليحل حيزا كافيا من حرية مأمولة من كل كاتب محترف خاصة إذا كان ساخرا أو قاطعا شوطا طويلا في هذا الباب. صحيح أن المُقدم على العمل في صحيفة حزبية يُُدرك أنه سيكون مقيّدا بحدود النظرية والعقيدة وتخوم التنظيم الحزبي ومصالحه. لكنه، يتوخى، أيضا، أن يُمنح متسعا ليعمل بحرية ما. موقع إشكالي ومُربك يقضي بتطوّر ورم كتابي خطير اسمه الرقابة الذاتية يصيب نفسية الكاتب. فيلجأ إلى الاختزال أو الإلغاء في تعامله مع نفسه المُبدعة. ويصبح "لا مبدع" في المحصّلة. وهنا، عندما قرر حليحل رفع الرقابة الذاتية عن ذاته أتته الرقابة الخارجية مدججة بكل الذرائع. ويبدو أن حظه سيء لأن مقاله أتي في وقت يغازل "التجمع" فيه الحركة الإسلامية حول صيغة قائمة تحالف عشية الانتخابات البرلمانية. فكيف يستوي الغزل مع الهجاء ـ إذا صحّ التعبير؟ أو كيف سنوفّق بين حرية التعبير وبين المصلحة الانتخابية في حال يبدو فيها "التجمّع" الأكثر تهافتا على التحالف؟ لا يُمكننا أن ننسب لأسبوعية "فصل المقال" التي لا نستطيع "اتهامها" ـ كأي صحيفة لحزب أو تيار أو حركة هنا ـ البلاء الحسن فيما يتعلّق بحماية حرية التعبير. لكننا نتوقّع بعد هذا العمر وهذه "النضالات" ضد القمع السلطوي وخنق الحريات ودوس الحقوق ومن أجل إعلاء شأن الذات العربية في هذه البلاد، أن تفتح أذرعها قليلا لتتسع لشطحات علاء حليحل أو غيره ولحرية التعبير حتى وإن طرفت العين أو لسعت القلب! والحقيقة أنها لم تشذّ في تعاملها مع مقال حليحل عن صحف أخرى ومنابر كثرت مثل الزبدة على العرب دون أن تُتيح تعددية حقيقية في الرأي وجريانا حرا للمعلومات حتى لكتابها أو العاملين فيها.

كنا جزمنا من قبل أن الأصولية ليست هناك خلف الحدود بل هنا، أيضا، تنمو وتمتدّ كأنها المقياس لكل شيء، محور العالم ونقطة البيكار فيه والحكم والحاكم. هذا فيما العقلاء منّا والمنفتحون والمتحررون من أنشوطة الذات والهوية و"المقدّس" يتذرعون بانشغالهم بمواجهة اضطهاد الآخر وظلامية سياساته متوهمون أننا لا بدّ سنكسب الرهان. بينما الحقيقة أن كل تنازل للأصولية اليوم وكل رضوخ لمقدّسها وكل مسايرة غرضية، وكل تجاهل لحقيقة الاستبداد إنما يقرأ الفاتحة على روح حرية التعبير وقيم الحياة الأخرى وفي أساسها كرامة الإنسان وحقّه في أن يكون كما يحلو له. وعليه، وجب أن نقف مع حليحل وإن اختلفنا معه ومع حرية التعبير وإن كانت تبدو، في بعض الأحيان، في اتجاه معاكس. حرية التعبير ليست مسألة مختلف عليها بيننا وبين السلطة الإسرائيلية فحسب، بل هي موضع خلاق بيننا وبين السلطة الدينية أو الحزبية أو الذكورية داخل مجتمعنا. وحريّ بالذي يدّعي أن يواجهها على صعيد العلاقة مع الآخر أن يُقنعنا أنه يواجهها في مستوى العلاقة مع الذات وإلا فليكفّ عن الكلام!


(دالية الكرمل marzuqh@gmail.com)

ليس دفاعا عن حرية النشر بل من أجل حرية العقل/ نواف عثامنة


أن يضطر محرر صحيفة فصل المقال للاستقالة (مجبرا لا بطل)، فهذه حالة تعكس بؤس حالة مجتمعنا والضحالة الثقافية التي نعيشها، أما أن يقوم حزبه بإصدار بيان يتنكر فيه لمحرر الصحيفة الناطقة باسمه فهي حالة من التخاذل والتملق (رحم الله ميكيافلي وأميره).

كان حزب التجمع بسلوكه هذا قد دفع الزميل علاء حليحل للاستقالة بأعقاب نشر مقالته "كابوس اسمه رمضان" بتاريخ 22.08.2008 في فصل المقال. وجاء ذلك متزامنا مع حملة تطاول شرسة قادتها الحركة الإسلامية حيث وصلت بها الوقاحة المطالبة بإقالة علاء حيلحل. فمهما كان مضمون وأسلوب مقالة حليحل، لا يحق لأي كان المطالبة بصلبه وجلده. فحرية الرأي فوق "حساسية" الحركة الإسلامية وأهم من تشنجاتها.

لا أكتب هذا المقال دفاعا عن "حرية النشر" رغم أهميتها، بل دفاعا عن حرية العقل. فمقالة الزميل علاء حليحل تقع ضمن الحريات الطبيعية الثابتة التي لا يجوز المساس بها بأي ذريعة كانت. وخاصة أنها تعبر في مضمونها عن موقف صادق وصحيح لا يختلف عليه عاقلان. وهي صرخة الم واحتجاج عما أقحم عنوة وزورا على شهر الفضيلة المبارك. وردت في المقالة بعض التعابير غير الموفقة، كان حري به عدم استعمالها. كما تضمن المقال تعابير استعلائية مرفوضة. ولكنها تبقى تعابير هامشية غثة لا تلغي سمنة وصدقية المضمون، ولا يجوز استغلالها شماعة نعلق عليها جهلنا وتخلفنا لشن هجمة تحريض وتكفير.

موقف الحركة الإسلامية لم يكن مفاجئا، وخاصة وأننا قد خبرنا على مدار عدة سنين حملاتها المعادية لكل ما هو تقدمي ومتنور. أما المفاجئ والمخيب للآمال، فهو موقف وسلوك حزب التجمع؛ هذا الحزب الذي يطرح نفسه حزبا ديمقراطيا ليبراليا وعلمانيا، يحمل برنامج تحرر نهضوي. فبدل الوقوف مع محرر الناطقة بلسان حال الحزب والدفاع عن الموقف السليم، فضل التجمع نشر بيان أقل ما يقال فيه أنه متخاذل ومهادن. أما إن لم يكن هذا الموقف مفاجئا بل يعبر عن موقف التجمع، فهنا الطامة الكبرى. في هذه الحالة يكون التجمع قد خان رفاقه وتنكر لرسالته هو.

إن ما طرحه الزميل علاء حليحل في مقالته، هو في صميمه دفاع عن شهر الفضيلة وعن أهدافه. من يسيء حقا لهذا الشهر، هم أولائك المبذرون والمسرفون والمتباهون بكروشهم.

شهر رمضان المبارك هو شهر التواضع والتقشف والإيمان. وفي هذا السياق صدق الزميل علاء حليحل بنقده لما أُقحم علي شهر رمضان زورا وبهتانا من عادات أفرغته من مضمونه وأفسدت رسالته. ثمة جملة أو اثنتان في مقالة حليحل كان من الضروري الاستغناء عنهما، لما تتضمنه من مس بمشاعر الصائمين، الأمر الذي يجب ادانته. ما عدا ذلك فكل ما ورد في المقال صحيح وعلى كل مؤمن عاقل أن يتبناه.

وعطفا على ما ذكر في مقالة علاء حليحل نذكر أن أمتنا العربية من محيطها إلى خليجها تتربع على أسفل درجات الإنتاج، تعاني من الفقر ومن الجهل. وكان حريا بها استغلال شهر الفضيلة لمراجعة الذات والبحث عن طرق لإصلاح حالها. لكن الواقع عكس ذلك تماما. فبدل معالجة الأمية المستشرية في هذه الأمة، يتم استغلال رمضان لتعميقها. فخلال هذا الشهر وبسبب "توقيت رمضان" يخسر بناتنا وأبناؤنا نحو نصف يومهم الدراسي. فما علاقة ذلك برمضان، لماذا يجب أن يبدأ اليوم الدراسي الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة وينتهي الساعة الثانية عشر ونصف؟ اليس في هذا مساهمة في الجهل والتجهيل؟ والشيء ذاته بما يتعلق بيوم العمل. فهل نحن في وفرة من الإنتاج حتى نسمح لأنفسنا بخسارة نصف شهر العمل خلال رمضان؟ أليس في هذا التصرف تشجيع للكسل، والسلبية والاتكالية؟

وبما أننا أمام هذا التشويه الذي اعترى شهر رمضان، وما دمنا لا نستطيع تخليصه من الشوائب وإعادة مضمونه الأصلي إليه، فأضعف الإيمان أن يكون بيننا من يجرؤ على قول كلمة حق.

الخميس، 11 سبتمبر، 2008

علاء حليحل/ بيار أبي صعب

جئنا نحتفي بزميلنا علاء حليحل، في مناسبة صدور روايته «الأب والابن والروح التائهة» عن «دار العين» القاهريّة (راجع المقالة في مكان آخر من صفحة «كتب»)... فإذا بنا نتضامن معه، وندافع عن حقّه في التعبير والتفكير.

في مجلّة «فصل المقال» التي تصدر من فلسطين التاريخيّة (22 آب/ أغسطس الماضي)، يتوقّف الكاتب الفلسطيني الشاب أمام «البذخ والتملق والنفاق والكذب والضحك على اللحى...» في رمضان. بأسلوب لا يخلو من الجرأة ــــ لكن ما عسانا ننتظر من الكاتب، أي كاتب، إلا الجرأة في مواجهة مجتمعه وعصره؟ ــــ يتناول المظاهر الاستهلاكيّة الطاغية عليه، متأففاً من جوّ يخوّل فيه المرء نفسه ممارسة الرقابة على الآخرين، و«يربّح ربّه جميلة» أنه صائم! يطلق حليحل العنان لرؤيته الساخرة التي تستمد جذورها ونبضها من مدرسة إميل حبيبي، فتبدو مرافعته الهذيانيّة، للوهلة الأولى، كأنّها ضدّ الشهر الكريم نفسه، وخصوصاً من خلال عنوانها الاستفزازي: «كابوس اسمه رمضان»، فيما هي لعبة أدبيّة تتعمّد التضخيم، متّسمة بخفّة الظل التي عوّدنا إياها علاء... ونقدٌ اجتماعيٌّ وسياسيٌّ يفكك الظواهر البشريّة التي تقف خلف الدين وطقوسه وشعائره.

تلقّى جمال زحالقة رئيس قائمة «التجمع الوطني الديموقراطي» في الكنيست، رسالة من «الحركة الإسلامية» رأت في المقالة «استهتاراً واستهزاءً وشتيمةً...»، فازداد الضغط على علاء الذي استقال من رئاسة تحرير المجلّة الناطقة باسم الحزب المذكور. إنّه القهر الجماعي يحكم علينا الحصار، يشلّ العقل ويزجّ بالأفراد في ظلام التعصّب والتحريم. وكلما مضينا في انحطاطنا، ربح العدو الإسرائيلي جولة جديدة!

الجمعة، 22 أغسطس، 2008

كابوس اسمه رمضان!


يُخيّل إليّ أحيانًا أنّ الأمة الإسلامية تعيش حالة من "العِكس عكاس" منذ سنوات طويلة: فهي تصوم أحد عشر شهرًا في السّنة كي تنقضّ على المآكل والأطايب طيلة شهر رمضان (الذي من المفروض أن تأكل فيه أقلّ من باقي الشهور)، حيث يتحوّل شهر الزهد والتقشف والإفطار على بلحة (متزكرين؟) إلى شهر الطبايخ والنفايخ والكروش والنُشوش (جمع كلمة "نشّ"، وهي بالعامية التي أتيتُ منها تعني شيّ اللحمة).

إذًا، رمضان اليوم هو شهر التملق والنفاق والكذب والضحك على اللحى، وهو شهر البذخ والصرف والتشاهي (من شهوة) والتشهون (من التشاهي)، وهو شهر مُفسِد في طرازه وهيئته الحالييْن، أعتقد أنّ إلغاءه يجب أن يتحوّل إلى مطلب جماهيري لإنقاذ ما تبقى من صحة هذه الأمة.

وقبل أن تمزقوا هذه الصفحة وتشتموا الكاتب وحزبه، جدير بنا جميعًا أن نتوقف عند الحقائق التالية:

● شهر رمضان هو شهر العبودية للنساء، ينقلن إقاماتهنّ من الصالة وتنظيف الحمامات إلى المطبخ، فترى أمك/زوجتك قبل دخولها المطبخ في أول ليلة سحور، وتراها المرة الثانية بعد انتهاء رابع أيام العيد وهي خارجة من المطبخ، تسأل بريبة: قديش مرق وقت؟

● شهر رمضان بصيغته الحالية هو ثقل وحمل كبيران على أرباب وربات العوائل، ويجب على شيخ الأزهر أن يصدر فتاوى عاجلة تقضي بمعاقبة كل أب أو أم يقدمان أكثر من طبق واحد من الطعام على الفطور، كي ينقذوا الأمة من نفسها وكروشها.

● يبدو أنّ صدمة إدخال 4 كيلوات من أنواع الطعام إلى المعدة في خلال 5 دقائق تفعل فعلها بالناس، فتراهم يفرقعون المفرقعات طيلة ليالي رمضان "الجميلة"، ويعربدون بسياراتهم طيلة الليل، وبعضهم يشغل مسجلاته وآخر يلعب الشدّة حتى وقت السحور. ماذا يحدث لمليار إنسان يقضون ليلهم في تطقيش المكسرات والحلوى إلى حين حلول السحور؟ أية أمة منتجة ومحاربة هذه؟؟

● أذكر مرة أنّ مدرّس الدين في المدرسة الإبتدائية قال لنا بحسم إنّ فكرة الصيام في رمضان تتلخص في أن يشعر الصائم بعذاب الجائع وأن ينظف جسده وأن ينمّي عنده روح التكافل الاجتماعي. هل وصلت النكتة؟

● فلتعلم كل أم مسلمة تبذخ في الطبخ والنفخ أنها تعصى الله وأنها تخالف تعاليمه ولا شك أنها ذاهبة إلى جهنم. أية جنة تحت أقدام أمّ تربي أبناءها على التدليل والترف وحب المآكل والماديات؟ ما السيء في شوربة عدس وبعض اللحم المطبوخ مع البطاطا؟ أهي شتيمة هذه المأكولات الجيدة؟

● أكثر من 90% (أنا أتحمل مسؤولية هذا المعطى الإحصائي) من الصائمين في رمضان لا يصلون ولا ينفذون تعاليم الله، وفي الغالب يشتمونه على الطالعة والنازلة في أيام السنة العادية، وبعضهم يعصاه في الخمر والزنى والنفاق والنميمة والاغتياب (وفق تعاليم الإسلام ومفاهيمه) ولكنهم يتحولون إلى أبناء جبريل وأولاد عمة الرسول لَزَم في رمضان! والأنكى والأقبح أولئك المسلمون الذين يبدأون شرب الخمر ليلة العيد، فرمضان انتهى ويحق لنا أن نعيّد؛ ألم نصُم طيلة الشهر؟!

● ولا يكفي كل هذا، فتأتي الحملات الهلالية (على غرار الحملات الصليبية) على كل من لا يصوم: "عزا مش صايم؟ الله يشحرك!"؛ "يا فاطر رمضان يا مقلل دينك/ كلبنا الصعران ينهش مصارينك". وتستعر الحملة وتشتدّ إذا تجرأت على إشعال سيجارة أو تناول ساندويش في مكان عمومي، فتجحّ بك عيون المؤمنين الصائمين ويودّون لو يقتلونك "على المحل". لماذا؟ لأنهم "يربّحون ربهم جميلة" أنهم صائمون. هكذا، وقاحة صيامية غير مفهومة. فإذا كنت أخي الصائم/أختي الصائمة تبحث عن أجر حقيقي على صيامك وعذابك وقدرة تصبرك فيجب عليك أن تبحث عن فاطر وتجلس معه وهو يأكل ويشرب، كي تختبر نفسك وإيمانك. والحق الحق أقول لكم إنني لا أشعر بأيّ ذنب أو خوف عندما آكل بشهية كبيرة أمام صائم أو أنفخ الدخان بوجهه. لست مضطرًا لمراعاة أية مشاعر لأيّ صائم اختار أن يكسب الجنة بالتصبر والتحمل. كيف سيكسبها إذا لم يتصبّر؟ ولماذا لا يراعي الصائمون مشاعري وهم ينفخون بوجهي أثناء التحدث معي؟ لقد علمنا أستاذ الدين أن تنظيف الأسنان في الصباح لا يتناقض مع الصوم!

● أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، لأنني لم ولن أصوم، وأنا أصدق منكم بألف مرة مع أية ذات إلهية ستظهر لنا (أو لن تظهر) في المستقبل. فأنا لا أضحك على أحد ولا أغشّ أحدًا، وعندما ترون فاطرًا مثلي في رمضان يجب أن تخشعوا احترامًا له على استقامته مع نفسه وغيره.


الجمعة، 15 أغسطس، 2008

المعلم


حتى لو لم تكن قصائد محمود درويش معروفة لعامة الناس الذين حزنوا عليه ورافقوا موته وتشييعه، إلا أنّ تأثيره عليهم ناجز لا محالة. فدرويش أثر على جيل كامل من الصحافيين والكُتاب وأهل الرأي والثقافة، وهو بهذا ثبّت مكانته أكثر من أيّ شاعر عربي معاصر، كونه وصل إلى العامة (من قراء الشعر) وإلى خاصة، وهؤلاء يصيغون يوميًا وأسبوعيًا ذائقة الناس ومضامين حيواتهم واهتماماتهم.

ولا ينحصر تأثير درويش في إسهامه الشعريّ والأدبيّ فحسب، بل يتجاوز هذا نحو التأثير على مبنى وشكل الرواية الفلسطينية، أي على شكل وكيفية روايتنا لقصتنا، لأنفسنا وللعالم. وهو في هذا "روائيّ" من الطراز الأول، مع أنه لم يكتب الرواية ولم يمتهنها. فهو روائيّ في تطويع القصيدة أمام السّرد، وتحويلها –أي القصيدة- إلى سردية ملحمية، لا تخاف من الواقعية، بل ترفعها إلى مصافّ الواقعية "الأركيولوجية".

فالطبقات التي كتب فيها درويش إنبنت وتكشّفت في "حفريّات" سعت للكشف عن الذاكرة، وفي نفس الوقت لصياغتها في كلمات وتفعيلات وقصائد، أي لإخراج الذاكرة من فعل التذكر الخامل إلى فعل الإستعادة والصوغ الفعّالين. كل من حاول إحياء ذاكرة ذهنية في كلمات مكتوبة يعرف صعوبة هذا الفعل. وكل قارئ (مخلص، مثابر) لدرويش تبنى روايته عنا، عن نكبتنا وعن قصتنا، من دون أن يشعر ومن دون أن يقاوم. فهذا ما يخلب اللبّ في كتابة درويش: إنه سيّد النص وسيّد القارئ، إلا أنه أذكى من أن يمارس سيادته هذه بفظاظة أو عنوة.

عندما قرأتُ للمرة الأولى "مديح الظلّ العالي" لم أفهمها كما يجب. كنتُ أظنها مرثية للفلسطينيين بعد خروجهم من بيروت، مع أنها في واقع الحال (في نظري طبعًا) تسجيلات مدروسة ودقيقة ليوميات البحث عن بدايات لا تنتهي ("بحر لأيلول الجديد")؛ فهي تفاؤلية رغم مأساويتها، وهي تدعو للمضيّ قدمًا رغم حجم الإنكسار. ولا يغيب عن القراء الفطنين أنّ كتابات درويش في الثمانينات مهّدت (له وللقارئ) للولوج في كتابته الجديدة، المعاصرة، المتخلية عن هيمنة البلاغة والإيجاز، والمتمثلة في كتبه الأخيرة، وخصوصًا "لماذا تركتَ الحصان وحيدًا".

كصحافي يبحث دائمًا عن العنوان، عن جملة سريعة لا تزيد عن ثماني كلمات (إذا أمكن) توجز ما يجب أن يعرفه القارئ السريع والكسول كي يكون "على دراية ما بواقعه" (كأضعف الإيمان)، أرى في درويش فنان العناوين بلا منازع. فهذه قدرة فطرية لا تنصهر إلا بالممارسة، ولكن أكثر منها، بالاختزال الذي يمكن أن يتأتى بطريقة واحدة لا غير: الشطب والحذف. درويش يكتب بالعكس: يملأ اللوح بالألوان الكثيرة ثم يكتب بالممحاة، يهذب ويحذف حتى تكتمل الهرمونيا بين ما هو مطلوب قوله وبين ما هو مطلوب كتابته.

درويش هو معلم وأستاذ، ورحيله في أوجّ مشروعه الشعريّ الذي أعلن قبل فترة أنه سيخصّصه للحب والغزل والإنسانيات (كم خسرنا نحن!) هو رحيل تجربة لا تتكرر، لا في سياق المحطات المُعاشة ولا في سياق التجربة المكنوزة. وككاتب في بداية طريقه بدأت التعلم من درويش أن أنتبه إلى ذكاء المعنى، الذي لا يفسد غيابه عن القارئ مَسرّة القراءة، إلا أنّ اكتشافه مع القراءة هو حدث مؤسّس للقارئ، كما للكاتب. هذه قدرة يسعى إليها كل كاتب، والقليلون ينجحون فقط.

لقد أخذ درويش العادي، المتيسّر، الشائع، وأدخله في خلود القصيدة. في لقاء صحافي معه قبل سنوات سألوه عن حبّه وشغفه بكرة القدم، فأجاب من ضمن سائر الأمور أنّ "كرة القدم هي أشرف الحروب". بساطة بليغة تختزل حياة المليارات من البشر، وترفع كرة القدم من رجال يركضون وراء كرة إلى مجاز يركض وراء المعنى. من وقتها توقفت كراهيتي لكرة القدم!

الجمعة، 8 أغسطس، 2008

أوروفوار مونبرناس

في تلك اللحظة خُيّل لي أنّ باريس عربية؛ فالطاولة التي كنا نجلس إليها جمعت ثلاثة فلسطينيين (سهى من الناصرة، رائد من بيت لحم وأنا)، ثلاثة تونسيين (صالح وتوفيق والثالث نسيت اسمه) ومصرية (عزيزة). جميعهم يعملون في قناة "فرنسا 24" التي تبث باللغة العربية كقناة دولية. أضِف إلى ذلك أنّ أحدهم سكر سكرة شريرة وصار يخربط ويلبط في مقهى شيك في المونبرناس، ما غيرها، حتى خُيّل إليّ أننا في أحد مقاهي شارع أبي النواس في حيفا أو في "السُّوك" في الناصرة. إلا أنّ سكرة الفرنسيين تظلّ أخفّ ظلاً وأقلّ وطأةً وعدد الجرحى يقترب من الصفر (يا للعار)، لأنّ السكران كان يبرطم بالبونابرتية ويلوّح بقبضته في الهواء من دون أيّ فعل حقيقي يمنحه لقب "رجل" أو حتى "غُلام". والظريف الأظرف أنّ النادليْن اللذيْن كانا مسؤوليْن عن "الاعتناء به" كانا من فينة لأخرى يمسكانه كي لا يقع على الأرض وهو يتفتف ويتوعّد، بلغة رومانسية عذبة رغرغت لها عيناي.

ولولا كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي حول رحلته إلى فرنسا العام 1826، لكنتُ أسهبتُ في الجغرافيا والطوبوغرافيا وخفايا البورنوغرافيا في متحف الجنس الباريسيّ الشهير. ولكنّ الذين سبقونا كتبوا ولخّصوا، فتبقى لنا أن نتأمل ونتحسّر ونردّد ما ردّده الشاعر الفرنسي بودلير على ضفاف السّين:

"إنّ ذلك الذي ينظر من الخارج عبر نافذة مفتوحة، لا يرى مطلقا كثيرًا من الأشياء، كذلك الذي ينظر إلى نافذة مغلقة: فلا يوجد شيء أكثر عُمقًا وأكثر غموضًا، وأكثر خصوبة، وأشدّ عتمة، وأكثر إشراقا من نافذة مضاءة بشمعة. ذلك أنّ ما يستطيع الإنسان رؤيته في الشمس يعدّ أقلّ إثارة للاهتمام دائمًا من ذلك الذي يحدث خلف الزجاج؛ ففي هذه الفتحة السوداء أو المضيئة تحيا الحياة، تحلم الحياة، تقاسي الحياة."

هذا ما ردّدته لنفسي وأنا أدخل غرفة الفندق الصغيرة لأوّل مرة. وفي مقارنة سريعة كان يمكنني بسهولة أن أتبيّن أنّ مساحة هذه الغرفة لا تزيد بكثير عن "الطشت" العصري الكبير والمُرصّع بالكريمات الذي يستحمّ فيه جلالة الطفل عُمري بن عنان بن محمود آل حليحل، ابن أخي. ولكنّ العزاء يظلّ في الأبعاد الفلسفية أعلاه التي ثبّتها بودلير، إلى جانب التسامح الكبير الذي يجب أن تبديه كزائر لباريس: الملايين الملايين تريد زيارة باريس ولذلك قرّر الباريسيّون تصغير الغرف في الفنادق (الرخيصة) كي يتّسع كلّ فندق لأكبر عدد من الزائرين، فتنشرح الأفئدة وتنفتح المفاتح ("ولا مؤاخزة"- كما تقول عزيزة).

تل أبيب-باريس
أعتقد أنّ الميترو، أيّ ميترو في العالم، هو أكثر الدلائل سطوعًا على التحضّر والتحدّث (معذرة على التسطيح). فإلى جانب التيسير والتسهيل الكامنيْن في نقل عصب المواصلات الرئيس إلى ما تحت الأرض، فإنّ فكرة نقل عملية الانتقال من مرمى البصر إلى ما تحته، يضفي على العالم الفوقيّ قيمة لا يُستهان بها من الطمأنينة بأنّ جميع الذين فوق يمارسون الآن الحياة نفسها، وليس الانتقال من قطعة حياة إلى أخرى، كما يفعل الذين تحت. أهو السبب في الاسترخاء اللانهائي الذي ينتابك (والجميع) على دكك المقاهي الصغيرة المدورة (إذا تجاهلنا ليتري النبيذ اللذين شربتهما خلال ساعتين)؟

ولكنّ باريس تقترب من تل أبيب، حيث أنّ عملية إيجاد شقة لغريب فيها صارت مهمة صعبة محفوفة بالإذلال والمهانة. فكراهية الأغراب (عربًا أم غير عرب) بدأت تتغلغل في النخاع الشوكيّ لدى "رومانسيي الأرض اتحدوا"، والقصص عن عمليات التحايل والتهرب والرفض غير الصريح التي تنهال عليك هنا، تذكرك بالقصص التي يتناقلها أجدادنا وأعمامنا وأصدقاؤنا عن الصعوبة الكبيرة في أن يجد عربي مكانًا للسّكن في تل أبيب "الليبرالية الأوروبية".

وفي الناس المسرّة
ليلة الأربعاء-الخميس كان عيد ميلاد الروائية اللبنانية هدى بركات. ستة أشخاص متحرجمون حول ثلاث طاولات باريسية صغيرة (لماذا بهذا الصغر؟ فش خشب بفرنسا؟؟)، يتناولون شرائح اللحم والإوز والنبيذ والجعة ويحاولون الربط بين الجليل ولبنان، ومعرفة ما إذا كان عرق فلسطين يضاهي عرق لبنان أم لا. اسمه مقهى "الفلاسفة" ونحن أخذنا الموضوع بجدية كبيرة، فانهارت التنظيرات والتطريزات، يمينًا فيسارًا. لا يعقل أن تجلس في مقهى باريسيّ مع اسم مُلزم كهذا ولا تمسك شلّ سارتر وابن رشد، مرورًا بالشيخ الأكبر وانتهاءً بأسعار الوقود وعلاقتها بأزمة الفول في مصر.

في باريس يطيب الكلام وتشعر بأنك إنسان عاديّ، يسهر بمرح ولا يحسب حساب الغد، مثل باقي البشر. باريس، ميرسي كتير لألله.