الجمعة، 7 مارس، 2008

صُور جميلة


كنا ننحني ثلاثتنا، مُحرّريْن ومُصمّمًا، وندير كومة الصّور الطازجة على الطاولة بيننا. كنا صامتين، لا يدافع الواحد عن اختياراته بحماس منقطع النظير، كما كنا نفعل في تلك الأزمنة، بل نكتفي بأن يدفع أحدنا صورة باتجاه الآخر، ويكتفي بالنظر إليه. كان الآخر يكتفي بهزة من رأسه، تعلو وتهبط للإيجاب، أو بهزة تروح لليمين وتجيء لليسار، للسّلب. في لحظة ما أفلتت مني كلمة "حِلوة"؛ قلتها بعد أن نظرتُ إلى صورة أحد الشهداء وهو يُسجّى في القبر، وسط الجّمع الكبير، وقد فُتحت عينه اليمنى نصفَ فتحة، وكأنه كان "يغمز" المُصور وهو يُوضع في حفرته الأخيرة.
أحسستُ ببعض الحرج، ولكنني لم أتراجع؛ فنحن كنا نبحث جاهدين عن صور جدية و"جميلة" لنشرها في عدد الصحيفة الذي سيصدر غدًا، واليوم تشييع الجثامين، وأكتوبر مُحتدم، وعلى شخص ما أن يقوم بهذا العمل: أن يبحث بين أكوام صور الجثث وصور الجنازات وصور القبور المفتوحة وصور الأمّهات الباكيات- أن يبحث عن صور جميلة ستزين الغلاف والصفحات الأولى، ومن المحبّذ أن تكون "جميلة جدًا"، كي يكون أثرها أقوى على الناس، فننجح في جلب تضامنهم وفي زعزعتهم في نفس الوقت.
لم أشعر بأنّ زميليّ تضايقا من كلمة "حِلوة" التي قلتها عن الصورة، فهي بالفعل كانت جميلة: الوضعية، زاوية المصوّر، العمق الذي زاده الجمع من حول الحفرة عليها، عينه المفتوحة نصف فتحة وكأنه يمازحنا: لم أمُت، هل صدقتم؟ أعتقد أنهما وافقا معي، ولكن الصور التي ملأت عدد الغد كانت الصور "المضمونة": الشهيد على الأكتاف، الأم تبكي، الشباب يهتفون، ورود على القبر الجديد، القائد يتحدث.

هذيان
لا أعرف حتى اليوم ما جرى بتلك الصورة. أعتقد أنها في أرشيف ما عتيق لا يعي ما يحويه، ككل الأراشيف. فنحن، في النهاية، من يمنح الصورة معناها وأهميتها. ولكل صورة، مهما كانت سيئة أو غير مثيرة، تأثير على مستقبل التصوير قاطبة، وعلى ذائقة المتلقي العينيّ خصوصًا. كل صورة هي محاولة جديدة لاكتشاف الحقيقة، ومع أنّ جميع المحاولات تبوء بالفشل في مهمة توثيق الحقيقة، إلا أنّ مليارات الصور الجامدة التي صُورت حتى اليوم، مؤلفة ما يمكن تسميته "الأرشيف البصري" للبشرية، تشكل معًا، رغم فشل كل صورة بعينها، حقيقتنا المرئية حتى اليوم.
الصور من مجازر غزة تتوالى، ومهمة اختيار صور العدد ما زالت بغيضة، ثقيلة، بهيمية بعض الشيء: هذه الصورة لا تزعزع بما يكفي وتلك مبالغ بها؛ هذه الصورة تخلد وضعية مثيرة ولكن المقتول فيها بلا رأس؛ هذه الصورة ألوانها عظيمة ولكنها لجريح محمول فقط؛ إذا كان الأقوياء يكتبون التاريخ، فالضعفاء يمنحون أجسادهم لتخليده بصريًا.
التصوير يصادق، يقرر، يجمّد الزمن ويُحفظ في الذاكرة، كتب رولان بارت في كتابه LA CHAMBRE CLAIRE، "الغرفة السّاطعة" (بالعبرية عُنونت الترجمة: "أفكار عن التصوير")؛ "التصوير يوسّع الرؤى لكنه مختلف في تفسيراته. إنه زائف في مداركه، لن يعيد أبدًا ما مضى، لكنه حقيقي في زمنه. إنه شكل جديد من الهذيان، هذيان معتدل، هيئة مجنونة كُشطت بالحقيقي".

من تحت الرّدم
كلمات كبيرة لأول وهلة، ولكنها التعبير الأصدق لما تمرّ به الصور اليوم: عليكم أن تفكروا بالطفل الذي وُجد في هذه اللحظة تحت أنقاض بيته في الشجاعية؛ بالمُصوّر الذي تلقى هاتفًا من صديقة في الحي فهرع إلى المكان؛ بوصوله في اللحظة الحاسمة ورجلان يخرجان جثة الطفل من تحت الردم؛ بقدرته (لأنه مُتمرّس، لأنّ الناس مُتمرّسون، لأنّ الواقع مُتمرّس) على أن يطلب من الرجلين أن ينتظرا قليلا قبل إخراجه نهائيًا؛ بجثة الطفل العالقة الآن بين الردم وبين يدي الرجلين؛ بـ "تكتكات الفلاش" المتسارعة؛ بالمصور المرتجف الآن (سعادةً وليس خوفًا) لأنه يستطيع أن يبيع الصورة لوكالة الأنباء العالمية بسعر أعلى من الصور "العادية" (مجرد شهيد، مجرد بيت مقصوف، مجرد صراخ في الشارع)؛ بالحاسوب الذي يرسل الآن الصورة عبر البريد الإلكتروني، بعد أن فكّكها إلى لغة الحاسوب البينارية: واحد، صفر، واحد صفر، واحد صفر؛ بالحاسوب في فرنسا أو أمريكا أو بريطانيا في مكتب الموظف المسؤول عن استقبال الصور في وكالة الأنباء الذي يستقبل الإشارات البينارية: واحد صفر، واحد صفر، واحد صفر، ويعيد ترجمتها إلى لغة بصرية تؤلف مجددًا "بيكسلات" متراصة بكثافة 72 وبحجم كبير، لتصنع هذه البيكسلات صورة منطقية تجتمع فيها كتلات البيكسلات ثانية لتصنع ما يمكن أن نراه جليًّا على الشاشة الآن: جثة طفل تُخرَج من تحت الردم، يُمسك بها رجلان.
عليكم أن تفكروا بالانفعال الذي يسيطر الآن على هذا الموظف الغربيّ الذي أتى للعمل قبل ساعة، على أذنيه سمّاعتا "آي بود"، يتحدّث إلى حبيبته عبر التشات أو الماسنجر عن ليلة الأمس، وفجأة عليه أن يتوقف كي يهضم هذه الصورة، ويطلب المعذرة لبضع دقائق لأنّ عليه أن يرسل الصورة فورًا إلى جميع العالم؛ بكبسة زرّ يبدأ حاسوبه بإعادة تفكيك الصورة إلى لغة البينار الأصلية: واحد صفر، واحد صفر، واحد صفر. بعد أقلّ من 10 دقائق، وبعد أن تضغطوا على كباس "ريفرش" في حاسوبكم، سترون كومة البيكسلات المرتبة ثانية والتي تؤلف الآن صورة منطقية تجتمع فيها كتلات البيكسلات ثانية لتصنع ما يمكن أن نراه جليا على الشاشة الآن: جثة طفل تُخرج من تحت الردم، يُمسك بها رجلان. الصورة الآن في أعلى الموقع الإخباري (العربي، الأجنبي)، ومن تحتها الوصف التالي: "جثة طفل تُخرج من تحت الردم، في حي الشجاعية في غزة- تصوير: أي بي".
إنه شكل جديد من الهذيان، هذيان معتدل، هيئة مجنونة كُشطت بالحقيقي. لم تعد هذه الكلمات كبيرة الآن، صارت منطقية أكثر، مفهومة أكثر، متعبة أكثر.

ذاكَ الذي يمضي
هل للموت جمالية خاصة به؟ أليست هذه مُسكّنات كي نسبغ الحقيقة الواحدة في حيواتنا ببعض الثرثرة البشرية الزائلة؟ كيف يمكن أن نتحدث عن صورة طفل مُكفّن قُتل لتوّه بمصطلحات جمالية؟ من يقرر أصلا إذا كان هذا الموت جميلاً أم بشعًا؟ هل احتفالية المشهد وحضوره هما اللذان يصنعان موتًا متميًزًا؟ في كتابه "الحاجز"، كتب عزمي بشارة في مقطوعة باسم "جنازة 1": "وكان هنالك فتاة توثق الجنازة بكاميرا تلفزيونية، ولكنها لم تصور تمثيلا بل واقعًا: جنازة وحيدة من لا مكان إلى لا مكان تضم كهنة وكوفيات عربية وبوهيميا رجالا ونساء على جبال الجليل الشمالية الشرقية، والدنيا ربيع. كأنه صممها أو أوصى عليها، مع إنه لو كان حيًا لما استيقظ ليحضرها" (ص 183). بكلمات رشيقة، متجنبة للدراما والتراجيديا، يخلد الكاتب الصورة التي يريد عن ميّته، عن شكله الأخير الذي سيبقى في النص-الصورة: لا ينتمي حتى في رحلته الأخيرة. إلى من/ماذا ينتمي الشهيد الذي في الصورة؟ إلى موته أم إلى اللغة البينارية المحوسبة التي تبث صورة موته الآن لكلّ العالم؟
عليّ أن أذهب الآن، ففي حاسوب الجريدة أكثر من 50 صورة، حصاد هذا الأسبوع، ويجب اختيار صورة الغلاف وصور الصفحات السياسية. حاليًا يمكنكم التمتع بجمال الصورة المرفقة بهذه المقالة.

(علاء حليحل)

ليست هناك تعليقات: