الخميس، 13 ديسمبر، 2007

عن "قدسية" المسرح و"دُنيَويِّة" المَسرحيين


أستبق نفسي، وأستبقكم، لأقول سلفًا إنّ المسرح ليس مُقدّسًا، وإنّ خشبته ليست منسوجة من أجنحة ملائكة الرحمن، والعَرَق الذي ينصبّ عليها لم يُنشَل من نهر الكنج أو من بئر زمزم، كما أنّ النصوص التي تُمثّل وتُتلى فيه ليست من وحي واحٍ أو من نهل خالق، بل هو، المسرح، بأهله وفنونه وحرفيّته وجمهوره، دُنيَويّ، مُرتبط بحيثيات الدنيا المُعاشَة وبتفاصيلها وبمشاكلها وبمُنغّصاتها، بجدّيتها وبهزلها، ما هو سامٍ منها وحقير، وما هو أصيل منها وذليل.

وقد استفحل تقديس المسرح في جنباتِ حيواتنا، هنا، الآن، حتى إنّ بعضهم (ممّن لا يفقهون بالمسرح ونواحيه إلا القليل) يقولون في
لحظات ألم وتألّم (مُزيّفة في الغالب) إنهم لا يصدقون "أنّ أمورًا كهذه (أيَّ شيء لا يروقهم، لا يهمّ ما هي هذه الأمور) تحدث في المسرح، رمز القدسية"! فبناء مثل هذه الهالة حول فعل هو في كينونته وصُلبه فعل إنساني يأتي للتدليل على مفهوم الإنسانية والإنسان، هو تضييع لفرصة ذهبية للتعامل مع المسرح كما يتعامل معه في الغالب الغرب والشرق الأقصى، على أنه تعقيب على الواقع، وليس عكسًا له، وهذا التعقيب غالبًا ما يكون قاسيًا وبذيئًا (من دون شتائم بالضرورة) ولا يرحم في دينونته وارتباطه بشؤون الدنيا القبيحة والهابطة.

(بعض العرب يدّعون أنّ المسرح هو صِنعة عربية، ويستشهدون بالسّماجة والكُرَّج والمُحبّظين والحكواتية، وما هم بهذا مُصيبون، إذ أنّ مُقوّمات الفرجة العربية التي بدأت في عصر بني أمية وازدهرت عند العباسيين وتبدّلت وتغيّرت عند الفاطميين وغيرهم، ليست هي مقوّمات المسرح الذي يعرفه العالم اليوم. وحتى مارون النقاش، رائد المسرح العربي الحديث الذي ألف وأخرج أول مسرحية عربية عصرية عُرضت في العام 1847 في بيروت ("البخيل" لموليير)، نَهَلَ من الغرب وفنونه واستعار نصّ موليير وطرائق الفرنسيين في التمثيل والغناء والرقص على المسرح، وفي أثره سار السائرون أمثال يعقوب صنوع والريحاني، حتى يومنا هذا. ونضيف، من باب السرعة والعجالة، أنّ المغرب العربي طوّر وما زال يطوّر أساليب فرجة مُرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفرجة العربية القديمة، وعلى رأسهم الطيب الصديقي، ولكنّ هذه الفِرَج السلفية في بعض جوانبها تظلّ الشواذ التي تدلّ على القاعدة، اليوم).

إذًا، فإنّ رفع المسرح، كفعل وحالة مُقدّسيْن، فوق الدُنيويّ الجاري اليومي، فوق "الهابط" و"القذر"، هو قتل لروح المسرح وهدفه كفعل درامي-تغييري-تحريضي لتشجيع المتلقي على إعادة نظره في حياته التي يحياها. والمسرح في هذا مَثَلُه كمَثل أحد المُعلمين الذين أغدقوا عليّ بوسائل مُعينَة على الفهم الدرامي، حين قال إنّ وظيفة المبدع (والسياق هو الإبداع الدرامي) أن يعيد للسّاكن بجوار البحر (وقد توقف عن سماع صوت الموج) قدرته على سماع صوت الموج ثانية. وأجد في هذا الفعل الباعث على القلق سببًا أولَ ورئيسًا لسوء فهم المسرح على أنه مُقدّس، والقُدسية كما نعرف تتوخى الطمأنينة والتسليم والخنوع. فالمسرح، كفعل إبداعي حقيقي، هدفه تكسير القدسيات والمقدسات، وإلا لخالف ماهيته الأولى التحريضية. وهو في هذا يتبع ما قاله المتنبي "على قلق كأنّ الريح تحتي"، فإذا وصل المسرحي إلى أرضية صلبة لا ريح تحتها فليعتزل، هذا من دون الحديث عن جميع الذين لم يسمعوا هبوب الريح من تحت أقدامهم ولو مرة واحدة في حيواتهم.

كما لا يفوتنا أن نلتفت في هذا السياق إلى أنّ الفعل المسرحي- الخشبي يستند في الأساس إلى الصراع وحيثياته، والصراع غير قائم في المُقدّس ووجوده فيه غير وارد، حتى في أكثر العقول توفيقية. فالصراع، كموقف دراميّ ووجوديّ، هو حصيلة السّعي نحو بعث الاضطراب والخلخلة، نحو القضاء على كاتم أصوات الأمواج، كي تعود للهَدر ثانية. فبحرٌ من غير أمواج هادرة هو بحر ميت، حتى لو كان مقدسًا، وأكاد أجزم أنه ميت لأنه مقدس.

وقد يكون المجال اتسع الآن لإيراد الجملة التي تدور في رأسي وهي: "المقدس الوحيد في المسرح هو الدّنَس، ليس إلا".

فالدَّنَس، كحالة فكرية طليقة، هو التجسيد الحقيقي لكل مسرح يسعى لصفع المشاهد(ة) وبعثه إلى بيته في نهاية العرض، آمرًا إياه بأنه عندما يضع رأسه على المخدة، وقبل أن يغمض عينيه إغماضة النوم الأولى، فليتوقّف للحظة وليحلّق في سقف الغرفة المعتم وليسأل نفسه: هل أنا دَنِسٌ إلى هذه الدرجة؟...

في العام 1975 كتب الشاعر والباحث الثقافي العربي المعاصر أدونيس (محمد سعيد) ما أسماه "بيان المسرح"، ثبّت فيه رؤيته إلى وضع المسرح العربي، وسعى، في هذا المانيفست المتين، إلى تبيان مواطن الضعف التي تمنع العربي (ذا الثقافة الإسلامية؛ أي جميعنا، مسلمين ومسيحيين) من إنتاج مسرح كما نودّ أن يكون، أي على شاكلة المسرح الغربي، والمسرح الياباني كذلك. فأدونيس يكتب بوضوح أنّ المسرح ضد الأيمان وضد المقدس، وأنّ الثقافة الدينية التي تمنح المرء جميع الأجوبة الجاهزة والناجزة عن حياته ووجوده وموته وتفاصيل البعث والحساب، إلى جانب إرشادات الأكل والشرب والنوم والمضاجعة، لا تترك مَجالا لطرح الأسئلة التي يسعى المسرح إلى طرحها؛ أسئلة التشكيك في كل شيء، حتى في الذات الإلهية. فمن وجهة نظر أدونيس ليس بوسع العرب (حتى الآن على الأقل) أن يكتبوا "ناطرين غودو" الخاصة بهم، لأنهم لا ينطرون "غودو"، فهو عندهم موجود وقائم من الأزل إلى الأبة(على عكس ما يُشاع عن أنّ كلمة "غودو" هي كلمة اخترعها صموئيل بيكيت ولا تعني شيئًا، إلا أنها كلمة فرنسية وتعني "أُليّه"، أي تصغير لكلمة إله، God. وفي رأيي أنّ هذا اللبس في فقدان معنى الكلمة ضَيَّق من مفاهيم المسرحية والتعامل معها كثيرًا، فالبَطلان ينتظران إلها صغيرًا، وهو لا يأتي، وعملية انتظارهما التي تبدو فارغة وعبثية، هي حيواتنا جميعًا، في الواقع).

لم يكن هذا التعامل "القدسي" أو "المقدس" مع المسرح ليبعث على الكتابة أو المحاججة لولا أنه يشكل –في نظري وفكري- عائقًا أساسيًا أمام تطوّر لغة مسرحية عصرية بعيدة عن وشائج وشجون ومبتذلات المسرح الفلسطيني خصوصًا، والعربي عمومًا، التي تطرح قضايا الإنسان في قالب عصيب شديد المراس والجدّية، لا يتعدى كونه "كيتش" مُبتذلاً، تأثر كثيرًا في نظري من أسلوب تمثيل وإخراج المرحوم يوسف وهبي، غفر الله له على جميع خطاياه المسرحية. فنحن لا زلنا نرى، في العام 2007، ترسّبات يوسف وهبي في مسرحنا؛ نرى الثقل والمحدودية والاختباء وراء الشعارات المحتشمة -ليس في مضامينها، فكلنا ثوريون طبعًا- بل في مدى صفاقتها ووقاحتها، حيث أنّ المسرحي المهذب واللطيف وغير الوقح هو في النهاية موظف صغير "يختم كرته" وينتظر تصفيق الجمهور المؤدّب في نهاية العرض الاحتفالي، وينتظر تمجيد كاتب أخرق في جريدة نهاية الأسبوع عن كون عمله "جديًا" و"ملتزمًا" و"عميقًا" و"فلسفيًا"، بدل أن يكتبوا ما يصرخ به كل طفل في وجه الملك العاري: هذا عمل مُمل، جاف، سطحي، شعاراتي، مبتذل ومُهين- ولكن، والأهم: هذا عمل جبان!

هذه الجدية المفرطة في التعامل مع الفعل المسرحي مَردّها إلى القناعة بأنّ المسرح "مقدس"، أي أنه ساحة وغىً يروح فيها الفلسطيني ويجيء، حاملا وطنه بالكفّ اليمنى، وسيفه بالكفّ اليسرى، "ومافي خوف مافي خوف، الحجر صار كلشنكوف". نحن نعرض إلى هذا ببعض السخرية، لا استخفافًا بفعل المقاومة وشعاراتها، بل كي نثبت ما لم يثبته أحد حتى الآن، سوى واحد أو اثنين كما أعرف، بأنّ الغالبية الساحقة من المسرحيات الفلسطينية التي أنتجت حتى اليوم، يمكن أن تُختزل في مقالة سياسية شعاراتية من ألف كلمة أو أقل في صحيفة "جدية" وملتزمة، وكفى المسرحيين شرّ النزاع. من لديه شعار سياسي ليطرحه فليكتب مقالة، فالمقالة لا تكلف شيئًا بينما تكلف المسرحية الواحدة عشرات وربما مئات ألوف الشيكلات. ومن يعتقد أنّ المسرح مقدس فليفتح بسطة أمام المسجد أو الكنيسة وليبِع مشاهدَ دراماتيكية "عميقة" للرائحين والغادين.



مطر
لن أستزيد في تعصبي للمطر وكرهي للصيف، فقد استزدتُ وأفضتُ فيما مضى، ولكن لن يَضير مُحبي المطر أن نشدّ على أياديهم في هذه الأيام الجميلة، في وجه مُحبّي الصيف والحرّ ومُبغضي الشتاء، قاتلهم الله شرّ قتال.

ويكفينا أنّ الخدر هو المطر، لأنه يخدّر الناس في بيوتهم، فهذا فعل الشتاء بنا، وما أجمله (مع كثير من النبيذ). ولا يقلّ جمالا أنّ المُستمطِر هو الرجل السّاكت، حيث يُقال: "مالَكَ مستمطرًا؟"، أي ساكتا. وحُكي عن مبتكر الكلابي قوله: كلّمتُ فلانا فأمطرَ واستمطرَ، أي أطرق. واستمطرَ: سَكَتَ، واستمطرَ الرجل: استكن من المطر. واستمطر للسّياط: صبر عليها (معجم "تاج العروس"). ففي المطر السكوت والصبر، وفي الصيف الجلبة والضوضاء.

والمطر يبعث الناس على الحبّ وقول الشعر، حتى من ذهب عقلهم (من "الأغاني"): وقال الهيثم بن عدي في خبره، حدثني عبد الله بن عياش الهمداني، قال حدثني رجل من بني عامر، قال: مطرنا مطرًا شديدًا في ربيع ارتبعناه، ودام المطر ثلاثا ثم أصبحنا في اليوم الرابع على صحو وخرج الناس يمشون على الوادي. فرأيت رجلا جالسا حجرة وحده فقصدته، فإذا هو المجنون جالس وحده يبكي فوعظته وكلمته طويلا وهو ساكت لم يرفع رأسه إليّ، ثم أنشدني بصوت حزين لا أنساه أبدًا وحرقته:



جرى السّيلُ فاستبكاني السيلُ إذ جرى

وفاضـــــت له من مُقلتي غروبُ

وما ذاك إلا حين أيقنتُ

أنه يكونُ بوادٍ فيهِ قريبُ



(زاوية "المتأمل" في صحيفة "فصل المقال")

ليست هناك تعليقات: