السبت، 26 أكتوبر، 2013

جيفارا مات وهو ينتظر أصوات الجنود


لقد وصلت المؤامرة الكونية إلى الناصرة. كيف لا، وبطانة رئيس البلدية تشعر بأنها لا تقل أهمية عن قصور الخلفاء والقياصرة. الجميع يتآمر علينا، والمؤامرة تمتدّ من حنين زعبي إلى مأمور الانتخابات مرورًا بعوني بنا ولا بدّ أنّ للسي آي إيه ضلعًا في الأمر. أعتقد أنّ جبهة الناصرة هي مثال نادر جدًا في العالم على نخبة حاكمة تبكي ليلَ نهارَ من مؤامرة تُحاك ضدّها ومن مؤامرات تزوير وتلاعب بالنتائج. عادة الضعفاء ومن هم خارج النخبة الحاكمة هم الذين يترنّمون بهذه الترانيم.

أتذكر في الذكرى السنوية الأولى لرحيل توفيق زياد أنّ رئيس تحرير "الاتحاد" آنذاك، نظير مجلي، فرض في صحيفة شيوعية علمانية، مانشيت يستحضر الأرواح: "عُد يا أبو الأمين، نحن بانتظارك!". هذا المانشيت يصلح أكثر من غيره لواقع 2013. فجرايسي لم يستطع ملء الفراغ الكبير الذي خلّفه زيّاد، واختار تجاهل التغيرات الكبيرة التي حلت بالناصرة في العشرين سنة الأخيرة. جرايسي كان يحبّ التحدث في خطاباته عن "المدينة والأطراف"، وها هي الأطراف تصبح "المدينة"، أي تصبح البلدية والنخب الجديدة، وتطالب بهذا الحق. فهمُ التاريخ البشريّ في غالبيته الساحقة يعتمد على حركة البضائع والناس؛ وهي معادلة جيدة أيضًا في سياق فهم ما حدث في الناصرة: تغيير ديمغرافيّ لصالح مخيمات اللاجئين حول الناصرة (الأطراف) وتضعضع المكانة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لنخبة القرية الكبيرة التي تلتف حولها مخيمات اللاجئين. حركة بضائع وناس كلاسيكية.

وماذا فعلت جبهة الناصرة؟.. تشبثت بشخص متعب يريد الاعتزال (كما أعلن)، وقررت كأيّ نخبة برجوازية رفض ترشيح علي سلام للرئاسة بدلا من جرايسي. لماذا؟ لأنه ليس من النخبة القديمة الكلاسيكية التي انبنت حول جرايسي. إنه من "الأطراف"، وقد كان مفيدًا للجبهة لجلب ما تيسر من أصوات المسلمين في المعركة الضارية ضد المدّ الإسلامويّ الذي اجتاح الناصرة. الآن يقولون إنه بلطجيّ وهناك من يقول إنه "أزعر"، ولا يهمني في هذا السياق إلا التساؤل البسيط: وهل كان كذلك وهو نائب رئيس بلدية وأحد "بلدوزرات" الجبهة الحمراء؟ هذا هو السؤال المحرج الأول الذي يلتصق بالجبهة في الناصرة، وبالجبهة القطرية وقيادتها.

قبل يومين أو ثلاثة جلست في زفاف نصراوي قبالة رجل نصراوي وامرأته من مصوتي جرايسي التاريخيين، وكانت حسرتهما صادقة لا غبار عليها: "راحت البلد". أعتقد أنهما محقان في شعورهما، ولكن جملته كانت ناقصة. يجب أن تكون "راحت البلد تبعتنا المطوّبة على اسمنا".

أمّا السؤال المحرج الثاني فهو الإصرار على عدّ أصوات الجنود النصراويين الذين يخدمون في جيش الاحتلال الإسرائيليّ. برغم أنّ المواقع الإخبارية "شطبت" الأسماء الصريحة الواردة في القائمة التي قدمتها جبهة الناصرة في التماسها إلى المحكمة، إلا أنّ القائمة الصريحة تجول أطراف الحيّز الفرتواليّ منذ أمس. غالبيتهم من العائلات الجبهوية العريقة في الناصرة ومن مركز صنع القرار الجبهويّ. إنه سقوط مُدوٍّ ومحزن، أكثر بكثير من خسارة البلدية. عضو البلدية الجديدة عن الجبهة، خلود بدوي، كتبت في صفحتها على الفيسبوك: البلد أهم من البلدية. بروفسور مروان دويري (من مؤسسي جبهة الناصرة)، دعا إلى حساب نفس داخلي. من يخاف على مصلحة البلد يضحّي بمناورات بائسة ستلطخه وتلطخ نهجه للأبد. ألم يعد أحد يستمع لـ "صوت الشعب"؟

أين الطغمة الحاكمة التي أكلها الصدأ وروائح العفن من هذا الكلام؟ تلتمسون المحكمة الإسرائيلية من أجل "النضال" على أصوات تحمل رائحة البارود من بندقية الإم 16؟ ماذا سيقول أحباؤكم في فتح والسلطة الفلسطينية عن هذا؟ إنه سقوط مجلجل لقيادة الجبهة القطرية ودعمها لهذه الخطوة مدعاة لاستقالة وتنحي هذه القيادة.

ستقولون إنّ هؤلاء الجنود أبناء الناصرة ويحق لهم المشاركة في انتخاب الرئيس؟ حسنا. وماذا ستقولون لخادمي الخدمة المدنية الإسرائيلية حين يطرقون أبوابكم؟ وللمحامين العرب الذي يختارون العمل في نيابة الدولة والمشاركة في هدم بيوت وعائلات عربية في القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية؟ وماذا ستقولون لمقاولي أصوات شاس والليكود وليبرمان؟ ألا تفهمون حجم الضرر الذي ارتكبتموه في مثل هذه الخطوة الانتحارية؟ إذا كان الأمر بالنسبة لكم الآن "عليّ وعلى أعدائي" فرجاء لا تفجروا الباص الذي نستقله جميعًا، يمكنكم ببساطة أن تنتحروا أيديولوجيا في بيوتكم.

وما يثير الحزن أكثر أنّ جبهة الناصرة تستكلب على أصوات الجنود، ممّا يجعل المرء يتساءل حقًا: هل أنتم متأكدون حقًا من أنّها أصوات لكم عن بكرة أبيهم؟ لماذا؟ هل بسبب انتمائهم الطائفي الواضح؟ أم انتماءاتهم العائلية الواضحة؟ هل هم من "حجارة الوادي"؟ سيقول الخبثاء الآن تعقيبًا على حملة الجبهة الانتخابية: "الناصرة- مش أيّ جندي" لكن المرارة والقرف أكبر الآن من أيّ خلاف أو شماتة. ماذا تفعلون بالناصرة؟ كيف قتلتم العاصمة الحقيقية والفعلية في سنوات السبعين والثمانين، وكيف تحوّلت إلى مدينة حمراء لا شيء فيها أحمر إلا ربطات عنق الطغمة الحاكمة؟

في اللحظة التي أتى فيها جبرائيل نداف لتهنئة علي سلام بفوزه (المؤقت)، وهي تهنئة مشبوهة ومرفوضة ويجب رفضها من علي سلام قبل غيره، قفز جبهويو الناصرة ونشروا الصورة على الملأ. فلنتخيل الآن سيناريو خياليًا بعض الشيء (أو واقعيًا بعض الشيء): رامز جرايسي سيفوز في نهاية الأمر بفارق 7 أصوات، ثم سيأتي إليه ممثلو جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجبهة، بأسلحتهم المرخّصة، وسيطلبون منه تصحيحًا إيجابيًا للجنود المُسرّحين. ألن تكون هذه أكبر طعنة لتاريخ المناضل المرحوم توفيق زياد؟

من حقّ "الأطراف" أن تتزعّم وأن تقلب ظهر المجنّ. أهلا بمصوّتي الفاخورة وبير الأمير. هذا يومكم المشرق، لا تضوعوا الفرصة وابدأوا من حيث فشل من سبقكم. إنها بلدكم الآن بكلّ ما تعنيه الكلمة. أنتم وجه الناصرة اليوم، كما كان غيركم وجهها قبل 20 و30 سنة. الوجوه تتغير والحُكام يتغيّرون. لا تخافوا من بكائيات النخب القديمة. هذا نواح على الوظائف والميزانيات ودوائر صنع القرار وعنجهية حبّ البروز والتسلط. إمتحانكم في ألا تكونوا مثلهم.

ليست هناك تعليقات: