الأحد، 14 مارس، 2010

باريس: اليوم الأخير

أقرأ في "الأخبار" عن أمسية زياد الرحباني في القاهرة، فتضيق باريس فجأة. يصير المكان عقبة وليس نعمة، وتتبدل المشاعر، فأحنّ إلى القاهرة مجددًا.

ماذا بين القاهرة وباريس؟

لا شيء تقريبًا سوى الطلائعيين المصريين الذين أتوا باريس كي يدعّموا أسس القاهرة الماضية إلى حداثة القرن العشرين. القاهرة التي ظلت مركزًا حضريًا ثقافيًا كونيًا حتى ثورة يوليو وتحويلها إلى عاصمة "عربية قومية" لا تحتمل الأجانب كثيرًا.


في باريس لا يحتملون الأجانب كثيرًا أيضًا. القومية الفرنسية (والكثيرون سيقولون القومجية) لا تحتمل المختلف الآن، لأنّ المختلف مسلم، رغم أنّ الصينيين يتوسعون الآن في فرنسا في جميع أنواع البيزنس وربما يغيرون طابع "القومية الفرنسية" بعد عشرين عامًا. ولكن لا أحد يتهجم على النودلز.


اليوم ليلا ستغادر الطائرة عائدة إلى مطار بن غوريون الدولي. كان الأسبوع الأخير خاليًا من العبرية وإسرائيل و(قرف) السلطة الفلسطينية. كان أسبوعًا هادئًا يبعث على الخدر قليلا. يمكنك بسهولة أن تستسلم لهدوء باريس الصاخب قليلا وأن تنسى ما يشدّك كلّ صباح إلى عناوين الصحف ونشرات الأخبار. يمكنك أن تعيش خارج الحدث، رغم أنك في أهم مراكز الحدث في العالم.


سأذهب الآن إلى متحف بيكاسو. ولولا تذكير وتنبيه العزيز نبيل أرملي لما فطنت لذلك في خضمّ انشغالاتي. ولكنني أحب بيكاسو كثيرًا. أذكر توقي إلى رسمه وتمثيله (من تمثال) أثناء دراستي للفنون الجميلة قبل 9878273 سنة (نعم! أنا فنان متقاعد). سأذهب الآن وأبحث عن تلك الرسمة من فترته الزرقاء. ما اسمها؟ تلك التي تجمع رجلا وامرأة يقفان إلى جانب بعضهما البعض ويحني أحدهما رأسه على كتف الآخر. وتمثال رأس الثور طبعًا المصنوع من معدن دراجة هوائية. هل سأجدهما في هذا المتحف؟


البعض تبرم عن طريق المزاح متسائلا في الرد على رسالتي شبه اليومية بكتاباتي (شبه) اليومية من باريس: "مطولي رحلتك لباريس؟" وبما أنّ المزاح لا يحمل إلا الجدّ، فإنني لا أعرف حقا إذا كانت هذه الكتابة والتذكير بها في الرسائل الإلكترونية مصدر سرور أم انزعاج لكم. وكما تساءلت إحدى القارئات: أقرأ مذكراتك من باريس ولا أعرف لماذا أقرأها- فهي لك وليست لي.


وأنا لا أعرف أيضًا، صراحة (سمايلي).


سيكون يومي طويلا بين التسكع في المتحف ثم المقاهي ثم بعض المشتريات الأخيرة لدشدوشة، ثم السفر إلى المطار ثم الطائرة ثم بن غوريون ثم عكا. ما يهمّ أننا وصلنا، الرفيقة هيام وأنا، إلى صيغة جديد للفيلم، نحبها، رغم قمعها المتواصل لي ولأفكاري الجذابة. شخصية هيام قوية وربما طاغية في بعض الأوقات، إلا أنّ حبها للسينما ولما تفعل يجعلك تحبها وتحب العمل معها، لدرجة الامتنان للآلهة أنها شريكتك في هذا الفيلم.


شكرا هيام...


شكرًا باريس.


غدًا سأعود إلى الوطن. وستعود دشدوشة لتنتق عليّ كما تحب أن تفعل وهي تعض أنفي بشراهة.

ليست هناك تعليقات: