الأربعاء، 25 أغسطس 2010

Pub الحارة



(نُشرت المقالة في موقع "قديتا.نت")

لا يختلف التأثير الذي يخلفه مسلسل “باب الحارة” عن التأثير الذي تخلفه سكرة كحولية: غيبوبة وعي وتفكير. يتحول السّكير بعد بطحة العرق إلى إنسان سهل، طيّع، خالٍ من القدرة على الحُكم المعرفي أو الخاصّ بالوعي- وهكذا أمتي، تتحوّل إلى مستهلكة لاجترارات ضحلة وغبية عن زمن ولى كان يجدر تناوله بمنظار نقديّ وتاريخي، وليس بالتمحّن على شوارب معتز ليلَ نهارَ.

لقد حاول البعض سابقًا الترويج لمسلسل المُبحلقين (شفتوا كيف بضلهن يبحلصوا؟) على أنه يروّج للنخوة العربية والتقاليد والعالم العربي المفقود في معمعان الراهن المعاصر. وكم كانت هذه المحاولة ممجوجة من أصلها؛ فالرائي لهذه التفاهة يلاحظ مستوى التمثيل الغبي (لم استعمل “هابط” عن وعي؛ إنه تمثيل غبيّ!) والإخراج التقني الذي يعتمد على حركة كاميرا مرسومة سلفا لدرجة الانتحار مللا: “وايد”، زوم إن، تِلتْ، ثم زوم إنننننن على وجه أحدهم، شريطة أن يكون ذا شوارب.

ناهيك عن أنّ الاستنتاج حتميّ: إذا كانت أيام زمان هيك فأهلا بالاغتراب ما بعد الحداثويّ.

كما أنّ الاحتراف في مطّ اللحظة حتى أقصاها يُحرج حقًا جميع الفلاسفة الذين كتبوا ونظروا عن الوقت والزمن. فالوقت في “باب الحارة” جامد، يُمطّ حسب الحاجة إلى تطويل الحلقة الليلية، غير آبهين بتطوّر القصة (كنت سأقول حبكة، ولكنني تذكرت أنّ لا حبكة سوى الشوارب العربية المرسومة بالكحل والرّدح النسائي النمطيّ).

كم من المخجل أن تكون عربيًا في هذه الأيام، وأنت تعرف أنّ 300 مليون شخص (غالبيتهم على الأقل) يجلسون كلّ ليلة بعد إفطار جامد ويستسلمون بمحض إراداتهم لهذا الهراء التافه. على الناس أن تعرف أنها تافهة؛ لم يعد بالامكان الاختباء وراء القناة المنتجة أو المخرج أو الكاتب أو الممثلين النجوم. الناس التي تفتح بيوتها لهذا الإدمان الشعبوي السطحي ليست عميقة أو ذكية بشكل خاص. أعرف أنني أتحدث عن بعض عائلتي وأصدقائي وأبناء بلدتي والجليل والمثلث والنقب وفلسطين التاريخية والشرق الأوسط والهلال الخصيب والمغرب العربي وشبه الجزيرة. ولكنهم كذلك!

مسلسل “باب الحارة” يذكرني بأحد الصحافيين الأمريكيين حين سألوه عن صحيفة منافسة، فأجاب: هذه الصحيفة يكتبها أناس لا يعرفون الكتابة، وينقحها أناس لا يعرفون التنقيح ويحررها أناس لا يعرفون التحرير ويقرأها أناس لا يعرفون القراءة. وكذا باب الحارة: يمثلها أناس لا يعرفون التمثيل، ويكتبها أناس لا يعرفون الكتابة، ويخرجها أناس لا يعرفون الإخراج، ويشاهدها مشاهدون لا يعرفون المشاهدة.

مرحى للنمس!

(شكرا للرفيق هشام نفاع على العنوان الهادف)

الاثنين، 16 أغسطس 2010

إطلاق موقع "قديتا.نت" على الشبكة: ثقافة وسياسة وإبداع


أطلقت مجموعة من الكتاب والمبدعين والمثقفين، صباح اليوم الإثنين، موقع إنترنت جديدًا اسمه "قديتا.نت"، وسيعنى الموقع بالثقافة والسياسة على وسعهما وامتدادهما، وتأتي تسمية الموقع على اسم قرية "قديتا" الجليلية التي هُجرت في نكبة العام 1948.

(www.qadita.net)

يشغل الكاتب والناقد والصحافي أنطوان شلحت مهام المحرر المسؤول، فيما يشغل الكاتب والصحافي علاء حليحل مهام مدير التحرير. وتتألف هيئة التحرير من: هشام نفاع، أفنان إغبارية، محمود أبو هشهش، رشا حلوة، فراس خطيب، رازي نجار، ياسمين ظاهر، مروان مخول، راجي بطحيش، أسماء عزايزة، سامي مطر، شربل عبود ومجد كيال.

ويحوي الموقع موادّ خاصة وحصرية لكتاب وكاتبات من فلسطين والعالم العربي، حيث يُعرّف الموقع نفسه على أنه مساحة "لإعادة الاعتبار إلى الكلمة المنشورة في عجالة اليوميّ والرّاهن، ومَركزتها ثانية كحالة أدبية وثقافية وسياسية واجتماعية، لها ما تقول، بعمق وإصرار ومن دون مداهنة. ستكون الجودة المعيار الأول والأساسيّ، ولن تقع كتابة متمردة أو “غير محافظة” ضحية الشطب لأنّ نشرها سيغضب البعض أو سيثير “الحساسية”. نحن نعتقد أنّ هامش الحرية في النشر باللغة العربية آخذ في الانحصار، في ظلّ التوترات السياسية والاجتماعية والاصطفافات المختلفة، وفي ظلّ المشهد العربي-الإسلامي السّاعي يومًا بعد يوم (بمعزل عن الأسباب) نحو تضييق الخناق على الإبداع الخَلاق."

ويركز الموقع الجديد على المواد والكتابات في مجال الأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلي والسياسة، وسيحوي ولأول مرة زاوية للكتابة المثلية العربية، بالتعاون مع مؤسسة "القوس" للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني.

وتؤكد الهوية التأسيسية للموقع على أنّ "الإبداع الخَلاق هو غايتنا. وحين نتحدث عن الإبداع الخَلاق فإننا نتحدّث في الأساس عن حقّ الكاتب(ة) في كتابة وصوغ ما يخالف النهج المتبع، ما يشهر سيفًا على البقرات المقدّسة، ما يستفزّ الحياء العام والأصحّ- ما يستفز الجُبن العام. هذه هي غاية الإبداع الأساسية: أن يعيد النظر في المسلمات، أن يسائلها وأن يُمهّد لطريق أخرى، مخالفة، متباينة، ريادية. نحن لسنا حياديين؛ لن ندّعي الموضوعية ولن نختبئ وراء صياغات فضفاضة لا تغني ولا تسمن. نحن منحازون للانفتاح على الجهات الأربع، على إعادة النظر والفحص، على تحدّي الحدود والخطوط الحمراء بشكل دائم ومثابر. هذا لا يعني أننا سنكون فوضويين من أجل الاستفزاز؛ سنحاول أن نكون جريئين وسبّاقين من أجل حماية حرية الكلمة والنشر والتعبير.

"نحن نؤمن بأنّ الجودة الإبداعية هي الحلّ لحالة الشرذمة الفكرية والثقافية التي يستبغ بها حالنا العربيّ الراهن. ما نريده هو أن نكون منصّة منتصرة للمبدع وليس ضده؛ أن نتعامل مع النصّ على أنه اللبنة الأساس في صوغ الأفكار والمستقبل. نحن نحلم بمستقبل أفضل يحفظ مكانًا لائقًا للإبداع والخَلق، لا للارتكان والتسليم."

السبت، 7 أغسطس 2010

على هذه الأرض ما يستحق الذمّ!



لا يصمد فيلم "كما قال الشاعر" في امتحان الزمن؛ فمخرجه نصري حجاج اعتمد على انفعال اللحظة بعد موت الشاعر محمود درويش وحاول أن يعبّر عن غياب الشاعر بشريط وجدانيّ شبه تجريديّ، يعتمد على صوت الشاعر وشعراء آخرين يتلون شعره، وفي الخلفية فيديو صُور في محطات درويش الأساسية: البروة، الجديدة، حيفا، رام الله، بيروت، باريس، تونس... إلا أنّ التصوير والإخراج العادييْن (في أحسن الأحوال) حوّلا هذا الشريط التلفزيوني إلى ما يشبه الراديو المتكلم.
لا يصمد هذا الشريط الذي بثته قناة "أخبار المستقبل" ليلة اليوم السبت (7 آب) في امتحان الزمن لأنه وليد اللحظة، ابن السرعة غير المفهومة في تصوير مثل هذا الفيلم بعد موت الشاعر مباشرة، من دون التمتع (والاشتعال ببطء) بموقدة الزمن والنظرة الهادئة عن بُعد. إنه شريط قصير النفس، خالٍ من العمق السينمائي (الشكليّ والمضمونيّ) الذي كان من الممكن أن يرفعه إلى مرتبة فنية أعلى بكثير. الأثر الذي تركه الشريط ربما على المشاهدين بعد موت الشاعر بقليل انتهى واختفى، وظلّ الامتحان الآن سينمائيًا لا غير. بلا "خصوصية اللحظة".
لهذا، تُضحي مشاهدة الشريط بعد الدقائق الأولى معاناة تُثقل على المرء صورة بعد صورة، وتجعل المشاهد (أنا في هذه الحالة) يتساءل عن سبب صنع هذا الشريط: أهو استذكار نوستالجيّ أم محاولة سريعة وغير ناضجة لإنتاج ما يشبه أيقونات (رسمية) للذاكرة عن الشاعر؟ كما أنّ المشاهدة التراكمية، دقيقة بعد دقيقة، تحوّل هذه المحاولة السينمائية إلى كيتش دبق يمنعك في بعض لحظات الفيلم (المرأة التي تتجول في مكتب مجلة "شؤون فلسطينية" في بيروت، مثلا) من التضامن حتى مع موضوع الفيلم.
لا يشفع للشريط أنّ نخبة ممتازة من الشعراء حول العالم قرأت قصائد لدرويش مترجمة إلى لغات الشعراء المختلفة، حيث أنّ أقوى لحظات القراءة كانت لجوقة الفتيات في بداية الشريط وللشاب الذي ألقى قصيدة بلغة الإشارات. وبموازاة هذيْن المثاليْن، لا يمكنني الإشارة إلى أية لحظة درامية في الشريط، رغم الإمكانيات الكامنة المحتملة الكثيرة فيه. لقد قتل هذا الشريط أيّ مَجاز مُمكن، وصارت الصورة فيه ترجمة حرفية للنصّ المَلقيّ، حتى لتخال الفيلم في لحظاته السّيئة جدًا دعاية تجارية لحُرج جميل أو لفندق فاخر.
إنه شريط بلا هوية أو مُميز يُذكر. يتخبط في أسئلة حبّذا لو أنه طرحها على الشاشة بقوة: كيف يُمكن تخليد الشاعر وصورته؟ هل الشاعر هو شعره أم جميع التفاصيل الأخرى التي تحيط بشعره؟ كيف يمكن الحديث عن درويش بصوته من دون الوقوع في فخ الاستسلام السّهل لإلقائه الساحر، وبالتالي التكاسل البائن والظاهر في المعالجة السينمائية؟
وإذا كان القصد تأليف قصيدة سينمائية لدرويش، أي كتابة الشعر بالكاميرا كما يحبّ عشاق وصُناع السينما "الفنية" أن يقولوا، فأين هي القصيدة السّينمائية؟ التصوير عاديّ وتحت العاديّ في الغالب؛ الأفكار الإخراجية "صغيرة"، لا تحمل أية بشرى سينمائية؛ القصة معروفة للجميع فأين ما وراء القصة؟
(وتُعسًا للعالم: متى سيتوقف مخرجونا عن لقطات "البانوراما" التي تبدأ بكاميرا ثابتة ثم تبدأ الكاميرا بالدوران كي "تلتقط" المشهد؟ أليست هذه اللغة التصويرية-الإخبارية-التقريرية-الملائمة لتقارير الفضائيات عكس كلّ ما هو سينمائيّ وإبداعيّ شكلانيًا؟)

الأربعاء، 21 يوليو 2010

واحة الإسكندر: هنا دُفنت الحقيقة

بتأخير فاحش إنتهيت أمس من قراءة رواية "واحة الغروب" للروائي المصري بهاء طاهر (الطبعة السابعة، دار "الشروق المصرية)، وهي الرواية الحائزة على جائزة "بوكر" للرواية العربية للعام 2008. ومن العصيّ أن تجتمع في رواية واحدة عناصر عدة تعمل كلها على مستوى واحد من السرد الخطي (لينيئار)، رغم الإستعادات التي كانت تتخلل الرواية، وخصوصًا لدى بطلي الرواية المأمور محمود وزوجته كاثرين. فالسرد في هذه الرواية تقليدي بامتياز من هذه الناحية، إلا أنه جريء وحافل بما يمكن تسميته "التجاوزات البنيوية"، وبذلك يبرز التجديد والحيوية الكامنين في هذه الرواية عند الانتهاء من قراءتها.

ولعلّ أبرز هذه "التجاوزات" إبراز شخصية الإسكندر الأكبر كشخصية مركزية حاضرة في الرواية وتفاعلاتها، رغم غيابه وبُعدنا عن تفاصيله الصغيرة التي استعان بها الكاتب لبلورة الشخصيات الأخرى، وقد نجح طاهر في استحضار الإسكندر الكبير بشكل لافت وحميمي عن طريق بحث كاثرين المثابر والعصابي بعض الشيء عن مقبرته المفقودة. كما أنّ البحث عن قبر الإسكندر في واحة سيوة المنعزلة بدلا من الإسكندرية يشكل مجازًا قويًا لمعظم شخصيات الرواية، وخصوصًا للمأمور محمود، الذي ينتظر الموت ويبحث عن القبر الذي سيأوي إليه.

العناصر المجتمعة التي لمستها في بناء الرواية تحوي (من ضمن ما تحوي): البطل الرئيس الذي يصارع عوامل داخلية وخارجية، تنضم إليه شخصيات ثانوية بعضها مركزي (مثل كاثرين زوجته) وبعضها هامشي رغم حضورها الطاغي (مثل مليكة والشيخ يحيى والشيخ صابر وأخت كاثرين ورفاق المأمور). إنه الغَزْل بمعناه التقليدي: خيوط تتداخل فيما بينها لتستند على الخيط المركزي الكبير، لتصنع جميعها سجادة ملونة غنية، تمتدّ على عوالم متفرقة، بعيدة، متنافرة (لدرجة الجمع بين القاهرة ودبلن في إيرلندة)، لتنجح في الموالفة بين هذه العوالم بجدارة.

الرواية غنية بتفاصيلها وبهاء طاهر كاتب حذق ("خالتي صفية والدير"، "لم أكن أعرف أنّ الطواويس تطير")، يمارس حرفته الكتابية بنفس طويل واهتمام مرئي ومحسوس بالتفاصيل الصغيرة التي تبني العوالم لدى الشخصيات وتغنيها. إنها فراسة المتأمل والباحث في ذات الوقت، وهكذا نرى طاهر يعود إلى كتب التاريخ ويقرأها ويستفيد منها (معلوماتيًا واستيحاءً) ويبني عليها مُتخيّله حول تلك الحقبة التاريخية التي يتحدث عنها، والتي تلت فشل الثورة العرابية في مصر ضد الاحتلال الإنجليزي.

وليس أجمل من واحة منعزلة في وسط الصحراء كي تكون "ميكروكوزموس" متكاملاً يستطيع من خلاله طاهر أن يبرز مكامن الضعف والقوة في بني البشر، مواد كتاباته المتميزة. فالانغلاق الذي تعيش فيه واحة سيوة، بشقيها الغربي والشرقي، يبعث المأمور محمود على التفكير مليًا –في معظم صفحات الرواية- بحياته وقراراته وبحياة المصريين وقراراتهم. الصحراء الممتدة تستفزّ الذهن، رغم أنها قتلت علاقته الحميمية مع زوجته.

رغم ذلك، لا أظنّ أنّ الرواية كانت تحتمل قصة حب مبتورة، غير واضحة المعالم، بين محمود وأخت زوجته فيونا التي تأتي إلى الواحة لتموت فيها. أعتقد أنّ هذه القصة أضرّت بنهاية بلورة قصة محمود (الشخصية الرئيسة) بصفاء وجلاء من دون الحاجة إلى "أنتيغونست" جديد.

رواية "واحة الغروب" ممتعة، شيقة، مكتوبة باحتراف كبير. لم أقرأ معظم الروايات التي وصلت وقتها إلى اللائحة القصيرة لجائزة الرواية العربية ونافست "واحة الغروب"، ولكن من خلال قراءتي لهذه الرواية أعتقد أنها جديرة بالجائزة، وفق معطياتها المستقلة.


الاثنين، 5 يوليو 2010

ضمير المتكلم (والصامت)


قراءة في رواية سيد قشوع الجديدة "ضمير المتكلم" (גוף שני יחיד): حبكة محبوكة وأسلوب ناضج



ينجح سيد قشوع في كتابه الأخير، "ضمير المتكلم" (גוף שני יחיד)، بتخطي مرحلة جديدة من مراحل تطوره ككاتب متميز، نحو نضج أدبي وروائي وسردي. فـ "ضمير المتكلم" رواية مركبة، سرديًا وتقنيًا ونفسانيًا، أكثر من سابقتها "ليكن صباحًا"، وذلك لاختيار قشوع السّير في مبنى سرديّ غير تقليدي، يذهب ويرجع على محوريْ الزمان والمكان، كما أنّه يختار بطليْن يسرد بواسطتهما القصة: المحامي (بلا اسم في الرواية) وأمير، يتنقل بينهما في فصول يُخصّص كل واحد منها لأحد البطلين في الرواية على التوالي.


ولكن لو تتبعنا اسم الرواية لرأينا أنّ قشوع اختار أن يستخدم ضمير المتكلم السردي مع أمير، "أنا"، بينما سرد قصة المحامي بضمير الغائب، "هو". يبدو لي أنّ هذا الخيار كان بديهيًا حيث أنّ سيرة أمير، كطالب جامعي من المثلث في جامعة القدس، تتساوق وتقترب من بعض السيرة الذاتية لقشوع، وأعني التفاصيل الحياتية اليومية التي يبني من خلالها الكاتب عوالم أبطاله، ولا أقصد بالضرورة المحطات الحياتية التي تصنع "قصة" شخص ما.

كما أنّ هذه التفسيرات تختزل معانيَ أخرى يمكن اشتقاقها من الاسم الأصليّ العبريّ للرواية، حيث يمكن تقسيم العنوان إلى ثلاث كلمات تشكّل كل واحدة منها عمودًا من الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها الرواية: "جسد" (גוף)، "ثانٍ" (שני) و"وحيد" (יחיד). الجسد جسد يونتان في الأساس (وجسد ليلى)؛ الثاني هو أمير بالنسبة للمحامي، والمحامي بالنسبة لأمير؛ والوحيد- هما أمير والمحامي سوية، وكل على حدة.

كما أنّ الضمير ليس للمتكلم فقط، بل لأمير الصامت المراقب للعالم من حوله. ولن أدخل في تفسيرات أخرى كي أمنع نفسي من فضح معلومات وتطورات قد تفسد القراءة للراغبين.


يُسجَّل لصالح قشوع في هذه الرواية قدرته السردية الممتازة، التي تؤهله لبناء قصة تحدث من خلال محورين كتابيين متوازيين في البداية، ثم ليتقاطعا في النهاية. هذه تقنية غير جديدة في السرد الروائي (خصوصًا في السنوات الأخيرة)، ومع ذلك تظلّ خطيرة وفيها من الرهان الكثير، حيث أنّ أيّ ترهّل في تطوّر السرد سيجعل من الانتقال بين شخصيتي الرواية أمرًا مُملا ومتعبًا، وهذا لم يحدث لدى قشوع بالمرة؛ فالانتقال من فصل إلى آخر كان محفوفًا دائمًا بالتشويق والرغبة في معرفة المزيد عن المحامي وعن أمير في نفس الوقت.

كما يُسجّل لصالح قشوع نضجه الأسلوبيّ وعدم ارتكانه إلى الكلبية (cynicism) كما فعل في كتابه الأول، "العرب الراقصون"، وفي بعض روايته الثانية، وكما يفعل في كلّ أسبوع في عموده الشخصي في ملحق "هآرتس". فهو يلجأ في هذه الرواية الأخيرة إلى صياغات محسوبة وجمل تحمل الكثير من النصوص الخبيئة (subtexts) من دون تزويقات أو ملاحظات لاسعة تتكرّر بكثرة. قشوع يقرر أن يمنح القصة نفسها وتعقيدات شخصياتها مركز الحلبة، ليتنحى جانبًا ككاتب مع أسلوب مميز، مما قد يصدم بعض القراء للأسلوب "غير الملائم" لسيد قشوع الساخر. ما فعله قشوع هنا يشبه سعي الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير إلى كتابة أدب لا يمكن التعرف فيه البتة على أسلوب الكاتب، وبكلمات فلوبير: "على الكاتب أن يكون مثل الله: لا يُرى ولكنه موجود في كلّ مكان". هذا ما فعله قشوع قياسًا بكتاباته المألوفة حتى اليوم.

أنا أعتقد أنّ هذه نقطة لصالحه، كونها تدلّ على تطوره الدائم ككتاب من دون الإرتكان إلى سهولة السخرية والفذلكات الجميلة في كتاباته السريعة. إنها طريق وعرة لأي كاتب "يملك أسلوبًا" وعلامة فارقة: من يجرّ من، الكاتب أم أسلوبه؟
كما أنّ قشوع يكتب بحساسية كبيرة قصص النساء في الرواية، وهذه مهمة غير سهلة أيضًا لكاتب رجل. ناهيك طبعًا عن أنّ الحبكة نفسها مثيرة، مليئة بالتجديد على مستوى الأفكار القصصية، غير نمطية حتى في مقاطعها النمطية المتعلقة بقوميات الشخصيات ومكانتها الاجتماعية. كما أنّ البُعد "البوليسي" الذي تكتسبه قصة أمير لاحقًا، من دون تبني هذا الجانر بحذافيره، تفتح بابًا جديدًا على قدرات قشوع وإمكانية جديدة لطرقها.

ومن فرط رغبته في إكساب المضامين لشخصياته وعوالمها تخاله أحيانًا محاضرًا إنتروبولوجيًا، يُعلم أبناء عمنا اليهود، بلغتهم، بعضًا من المعلومات والدروس اللازمة عن العرب والفلسطينيين. لا بأس، فليتعلموا- فهم بحاجة إلى هذا. ولو لم تكن هذه الرواية مكتوبة على يد عربي بالعبرية لليهود، لكانت هذه الملاحظة سلبية في أساسها: الإطناب والميل إلى الكتابة التدريسية في بعض مواقع السرد.

من جهة أخرى، يؤخذ على قشوع أمران أساسيان، في نظري، يتعلق الأول بإصراره الحثيث، بعد كلّ ما كتبه، أدبيًا وتلفزيونيًا، على الاستمرار في التنكيل بشخصية العربيّ، بجوانبها السيئة أو المنفرة أو غير المحمودة على أقلّ تقدير. لا أقول هذا من باب التحفظ من النقد، على العكس فأنا من مريديه المتحمّسين، بل أقوله حرصًا على قشوع من أن تتحول هذه التوصيفات إلى فزاعة تقف عاليًا كراية حمراء تميّز كتاباته.

أما الأمر الثاني فيتعلق بالنهاية: فمع تقدم الحبكة بدأتُ أقتنع بأنّ قشوع يأخذنا إلى متاهة غير منتهية، غير محلولة، عن عمد، وإذ به يرتب لنا لقاءً بين شخصيتي الرواية، وبنظري هذه أضعف حلقة في الرواية. فمثل هذا اللقاء الحتميّ أفسد ما بناه قشوع طيلة الرواية من العالميْن المتوازييْن وكنتُ أشعر بلذة خفية أثناء القراءة مُدركًا (عن خطأ) أنّ قشوع سيصدمنا بنهاية غير متوقعة حتمًا، لا يلتقي فيها البطلان. ولن يشفع له أنه ترك لنا علامة سؤال في الفقرة الأخيرة من الرواية، فقد أتت في رأيي غير مقنعة ومصطنعة بعض الشيء.


الأحد، 4 يوليو 2010

6 ملاحظات على المونديال: "زيكُوكِيم"*



1
الكثيرون يستغربون لماذا أشجع ألمانيا. فهو ليس فريقًا "جذابًا"، "سكسيًا"، لا يوجد فيه أطافيل معجزات ولا نجوم براقة ولا تفتا هندي. ألمانيا؟ يسألون باستهجان،
وبدلا من البحث عن جميع حسنات هذا الفريق أفكر بالسبب الأكثر منطقية وطبيعية وغريزية للعبة مثل كرة القدم: أبي يشجع ألمانيا. كانت مباريات المونديال حدثًا في البيت يجمعنا أطفالا في الصالة إلى جانب أبي ويجعلنا نفرح حين يهلل أبي لهدف ألمانيّ، ونحزن حتى البكاء حين يغلق أبي التلفاز ويتنهّد بحسرة: "يحرق دينن"!

أيوجد سبب أفضل من هذا السبب؟ إنه السبب الذي جعلني أحمل أمتعتي وعائلتي عصر أمس وأيمّم شطر الجش كي أشاهد اللعبة الحاسمة التي ستقرّر (في نظري المتواضع) حامل الكأس لهذه السنة. حتى ظرافة وطلاقة ونغاشة دُشة الضاحكة لم تستطع منع أبي من الجلوس أمام التلفاز معي ومشاهدة المباراة. في كلّ مرة كان يخطئ الألمان ضربة أو يفوّتون فرصة أقول بعصبية: "يحرق دينن!" ليتمتم أبي (الصائم المُصلي اليوم): "أستغفر الله".



2

ومع ذلك: الروح الجماعية، الانضباط، الانضباط، الانضباط. صار الانضباط مَسبّة في زمن "الزيكوكيم" هذا. فالمفترض بـ "الزيكوكيم" التي ينتجونها لنا كلّ سنتين أو ثلاث أن تُرقّصنا لأنّ "الزيكوك" رقص أو نغرّد لأنه ضرب الكرة "سالْطة". صار الفرد نجمًا ومركزًا في لعبة جماعية، والخطر، كما رأيناه في لعبة الأمس بين الأرجنتين وألمانيا، أن ينهار الفريق حين ينهار النجم. ميسي نجم ورقيّ وليد الساعة، مثار الإعجاب، "زيكوك"، لكنه ليس قائدًا، لا يركض اللاعبون خلفه ويفدونه بعرقهم وجهدهم، خاصة إذا كان يركض كي يلحق حاله بهدف يتيم في المونديال حفظًا لماء وجهه (وعقود عمله مع النوادي الأوروبية).

في ألمانيا يوجد قائد: يواخيم، المدرب. توجد هرمية، احترام للجهد الجماعي، الإخلاص للهدف، كتفًا إلى جانب كتف. قد لا يكون كلوزه وميلر ومان وغيرهم "جذابين" و"سكسيين" و"نغشين" مثل ميسي وروني وبكهام وغيرهم من فطريات النجومية السابقة والراهنة والآتية، إلا أنهم يتقنون أمرًا واحدًا أساسيًا: الانضباط والطاعة. لهذا أحبّهم. أنا في النهاية إنسان "مربّع"، أومن بالهرمية والانضباط واحترام الهدف والطريق. لا أومن بالفوضوية الطفولية ولا برومانسية البطل الذي سيأتي من أول الملعب إلى آخره، هائمًا بنفسه، يطير على أثير نفسه، ليثبت نفسه، أمام نفسه (والعالم).


3
راهنتُ بيني وبين نفسي على أنّ لعبة الأرجنتين وألمانيا ستكون لعبة "الأرجنتين أو ألمانيا": لعبة طاحنة، بلا تسويات، بلا حَسمسات. ولم يكن من الطبيعيّ أن يتوقع مشجع لفريق يحبه أن يكون هذا الفريق طرفًا مطحونًا في مثل هذه المعادلة، ولكنني توقعت أن ينهار الفريق الألماني كما انهار الأرجنتيني، في حال غيروا من مفهومهم للّعبة في مواجهة ميسي ومرادونا. كانت هذه خشيتي الكبرى ولكنها لم تتحقق. يواخيم: خليك هيك.


4
المشجعون غوغائيون، متحمّسون، غير منطقيين، غير عقلانيين ولذلك فإنهم لا يرون العمود الذي في عيون فرقهم، يعتقدون أنها "ميسي ولو طارت". من حقّ كلّ مشجع أن يدافع عن معبوده، عن مثاله، عن "زيكوكه"، ولكن رجاءً تـَفـْتِفـوا التنظيرات على خيبتكم بعيدًا عنا. قبل ثلاثة أيام إنهارت البرازيل (فطريات نجومية أخرى) تحت أقدام الهولنديين. في عكا، حيث أسكن، يحبون البرازيل. يحبونها إلى درجة أنّ بعضهم خرجوا يصرخون إلى الشارع، ثم تناول أحد المشجعين البرازيليين المتفحمين علم البرازيل وأخذ يمزقه وهو يصرخ بأعلى صوته: "ولكو أنا برازيلي! ولكو أنا برازيلي!"

المشجعون لا يفقهون الكثير، خصوصًا القدامى وأصحاب المعرفة والإحصائيات وساعات المشاهدة اللانهائية. أقول هذا كمشجِّع موسمي يستيقظ من سباته في كلّ أربع سنوات ليشجّع فريقه الألمانيّ في المونديال، ثم يعود إلى شؤونه البعيدة عن كرة القدم. ويخلف على حماي أبو حمّوده الذي يأتي عندنا أحيانًا لمتابعة ألعاب فريقه المفضل برشلونة (وميسي طبعًا) ويفقعني محاضرات لا نهائية عن حبيبه الأرجنتيني الذي مَغطوه بالقوة كي يَطوَل قليلاً. رأيت ميسي في لحظاته الكبيرة، الخلابة في مباريات برشلونة، ولكنني رأيته أيضًا في الأسفل، في القاع السحيقة، واستطعت أن أفرّق بين الحالتيْن.

لا أدّعي أنني أكثر ذكاءً من غيري، ولكنني لست مُلوّثًا، لا أجمع الأخبار والعناوين كلّ يوم، لسنين طويلة، كي أثبت أمرًا أريد إثباته بأيّ ثمن: "كاكا ولو طارت". عندما لعبت ألمانيا مع غانا شتمتُ فريقي وانتقدته؛ لقد لعبوا بشكل سيء ومهين وغبيّ، تمامًا كما لعبت الأرجنتين أمس مع ألمانيا.

5
البرازيل ونجومه لا يقلون تفاهة عن الأرجنتين ونجومها، ولكنّ مشجعي البرازيل (متأسف على التعميم) غوغائيون أكثر من أيّ مشجعين آخرين. لماذا؟ لأنهم يلوكون عنجهيتهم التي تتحطم سنة بعد سنة، وهم يعتقدون أنهم يلوكون شوكولاتة سويسرية. ما يشبه "الجقارة بطيزي بشخّ بكلسوني" (متأسف على الفظاظة).

6
أعتقد أنّ ألمانيا ستفوز بكأس العالم. إذا حدث ولم تفز فسأحزن كثيرًا، وإذا خسرتْ بسبب غبائها فإنني سأشتمها مثلكم. فأنا لست أعمى ألوان العلم الألماني.



* إلى قارئات وقراء المدونة من أرجاء العالم العربي (وهم كُثرُ حسب برنامج العدّ والإحصاء في المدونة): "زيكوكيم" كلمة عبرية تعني المفرقعات النارية، ومفردها "زيكوك"، أي مُفرقع ناريّ، سريع الاشتعال، سريع الانطفاء.


الخميس، 24 يونيو 2010

شماس – شماس: "بْعرض إمي" إشي فلـِع!


من الصعب تسمية العرض الذي يقدّمه الفنان حنا شماس في الأيام الأخيرة "ستاند أب" بالمعنى الكامل والمتداول للكلمة- ولكنه عرض "جامد"، إذا سمح لي شماس بتبني توجّهه الخطابيّ في العرض. فشماس لا يقلد إيدي ميرفي (مثلا) في عروضه الستاند أبية، من ناحية اللجوء إلى "سليبستيك" كـ "مُكبّر صوت وحركة" للمضامين التي يسردها، بل تراه في معظم العرض يلجأ إلى حميمية ما مع جسده، مع صوته، مع وقفته على المسرح، على عكس المتوقع من ممثل يقف على الخشبة وحده أمام قرابة 350 شخصًا وعليه أن "يعمل دبّ وسعدان" كي لا يملّ الجمهور الآتي للضحك بالأساس.

كان أطزج عرض لـ "بْعرض إمي" الذي يقدّمه شماس كعرض وحيد (one man show) أمس الأربعاء، 23 حزيران، في القاعة الكبرى في مسرح "الميدان" في حيفا، وكانت القاعة ممتلئة- إذا كان هذا المقياس يهمّ هواة العدّ. إنه العرض الثالث في سلسلة العروض وهو الأول الذي أشاهده، وبشهادة من رأى العرضيْن السابقيْن (أو أحدهما) فإنّ العرض الأخير كان قفزة واضحة، على عكس البدايات. وبالفعل: حنا شماس رائع!

عندما يدخل شماس إلى المنصة على خلفية شانسون فرنسي تتبادر إلى ذهنك فورًا شخصية "مستر بين" التي تشبه شماس شكلا ومَسلكيًا. عندها توجّستُ. فشماس الذي بدأ الرقص على ألحان هذه الأغنية بدا أنه سيرتكن إلى السّهولة الفورية الكامنة في شخصيته الكوميدية وسيتأتئ وينسى النصّ وسيستنفد ويستنزف جميع الوقفات والصّفنات والحديث عن اللخات، وهي أمور قدّمها شماس في مسيرته الفنية حتى هذا العرض. لكنّ شماس يُدهشك في المشوار الذي قطعه من وقت "شماس-نحاس" (اللذيْن أحببناهما- في البدايات بالأساس) وحتى هذا العرض المتفرّد، حتى تخاله اختمر طوال سنواته الأربعين (تقريبًا) كي يقف ويحكي القصّة من أولها: من آدم وحواء وحتى إعلانه البطولي الفتاك: "أنا مش زلمه"!

أنت ترى حنا شماس جديدًا، ساطعًا، لا يخجل من تعثره اللفظي أحيانًا أو عفويته الجسدية في وقفته على المسرح؛ يتحدّث بصدق كبير، بتفاصيل مُخجلة أحيانًا عنه، بغضّ النظر عمّا إذا كانت أوتوبيوغرافية حقًا أو لا- ما يهمّ أنها تُروى أمام جمهور النساء والرجال على أنها حياته الشخصية. إنه انتحاريّ فدائيّ لا تدري كيف خرج من مسيرة شماس التي تعثرت بعض الشيء مؤخرًا، وربما لهذا السبب وضع شماس بيضاته (بجميع ما تحمله الكلمة من معانٍ) في سلة هذا العرض- وعليه وعلى أعدائه.

منذ زمان لم أرَ أو أقرأ أو أسمع مثل المونولوج الطويل الذي يتلوه شماس على المنصّة، ذابحًا فيه كلّ التابوهات والبقرات الاجتماعية: العادة السرية (عند الشباب والصبايا على حدّ سواء!)، السكس، النفاق، التلون، العادة الشهرية، مجلات السكس، مواقع الانترنت، الدقائق الأربع التي تستغرقه كي "يُبعبع". حتى في قاموس المصطلحات والكلمات ذبح بقرة أو اثنتين، مثل "على زبي"، "أخو منيوكة"، "تعريصة"، "كس أخت"، الخ من درر اللغة العربية الجميلة التي علمونا أنها "قذرة" و"مهينة" و"عيب"، مع أنها من الركائز الأساسية في تطوير شخصية كلّ عربي فخور. ولا ينسى شماس النفاق السياسيّ والنكبة (ما قبلها وما بعدها) والحالة السوريالية التي يحياها العربي في ديارنا.

يقف شماس أمام جمهوره ويقدم "ستاند أب وجودي" إذا أردتم؛ ستاند أب لا يخجل بالتراجيديا التي يتحدث عنها ولا يتوانى عن عيش لحظات صدق محزنة ودرامية في منتصف الضّحك (طالت أكثر من اللازم في موقع أو اثنين). إنها الكوميديا العنيفة، مسرح القسوة، الفن الملتزم في تجليه، رغم سخرية شماس نفسه من الفن الملتزم في العرض نفسه. شماس ملتزم بهمومه، بهواجسه، بشخصه، بعائلته، ببلده؛ هل هناك ما يمكن الإلتزام به أكثر من هذا؟ وإذا كان الشاعر الأمريكي المخضرم تشارلز بوكوفسكي قال "الكتابة الحذرة هي كتابة ميتة"، فإنّ شماس حيٌ، ممتلئ حياةً.

كما أنّ الجمهور أبدى نضجًا في التفاعل مع "بذاءات" و"سفالات" حنا، ولم ينسَ أن يصغي بتمعّن أيضًا وهو يضحك، فكان التصفيق يتلو نقدًا جارحًا يقوله شماس- وهذه شهادة تُذكر، رغم التساؤل الذي تساءلناه أنا وصديق في نهاية العرض: هل يمكن عرض هذا الستاند أب في مجد الكروم أو الناصرة أو إم الفحم، أم أنه سيُستساغ فقط لدى جمهور حيفا؟

حنا شماس منعش، موجع، مضحك، مثير للتفكير. من يبحث عن إضحاك سهل، سطحي، تنكيتي، عليه البحث عن عرض آخر. أنا سأضحك وسأُصْدَم ثانية مع شماس، أنّى سنحت لي الفرصة.


(نُشرت المقالة يوم الجمعة، 25 حزيران، في جريدة "أخبار المدينة")

الاثنين، 21 يونيو 2010

هلوسات "غوغلية": طفل ومعاش وكندا


لم أعرف كيف أهضم ما فعله بريد "جيميل" معي قبل عدة أيام؛ فهم يَدرجون منذ فترة طويلة على وضع إعلانات تجارية في أعلى صفحتك في الأيميل، على شكل عنوان لموقع ما، يُبشر عادة بالدين أو بمكنسة كهربائية جديدة أو بصفقة فياغرا سترفع رأسك عاليًا.

ومن خلال اطلاعاتي الما-ورائية في عالم الإنترنت قرأتُ فيما يقرأ الخائف من المخابرات والملاحقات أنّ شركة "غوغل" تلائم الإعلانات التي تظهر في أعلى صفحتك البريدية لتنقلاتك وتحرّكاتك في الإنترنت، من خلال مراقبة وتتبع الصفحات التي تزورها والكلمات التي تبحث عنها في محرك "غوغل" (إليكم نصيحة مجانية تعلمتها من مُهَلوس آخر مثلي أقدّمها مجانًا من أجل قراء مدوّنتي الوقورة: إذا أردتم الإبحار في مواقع حسّاسة (سكس، أمن، سكس، أمن) أو البحث عن كلمات أكثر حساسية في محرك "غوغل"، ولم ترغبوا في أن تتعقب ماما "غوغل" تحرّكاتكم وتدرسها وتحفظها، عليكم أن تخرجوا من الجيميل (سايْن آوْت) قبل هذه الأفعال المشينة وهكذا تفقد "غوغل" القدرة على توثيق تحرّكاتكم. ولا تنسوْا: مدونة علاء حليحل تكفيكم وتغنيكم!).

فإذا نشطتَ هذا الأسبوع، مثلا، في نكش المواقع الإباحية ستظهر إعلانات في أعلى صفحة بريدك تبشّرك بدواء سحريّ يُطيل عضوك بإنشات كثيرة، قد تدبّ الخلاف بين المفاوض الإسرائيلي والمفاوض الفلسطيني حول من سيحصل على أكبر عدد من هذه الإنشات الفيّاضة كونك عربيًا-فلسطينيًا-مواطنًا-إسرائيليًا (إنتهبوا إلى اللعب بالكلمات في كلمة "فيّاضة"- للتنويه فقط).

وهكذا، وبلا "طول" سيرة، وجدتُ اليوم إعلانًا قصيرًا بسيطًا في أعلى الإيميل: "هل ترغب في العمل والهجره إلى كندا؟" الجواب طبعًا في موقع إنترنت لن أورد عنوانه خشية أن أُتّهم بتشجيع الهجرة من الأراضي المقدسة (أكبر مزبلة في التاريخ المعاصر)، مع أنني شخصيًا أرغب بذلك بحرقة كبيرة. ولكنني تساءلتُ فورًا: هل هذه صدفة محضة أم أنّ "غوغل" يساعد أفيغدور ليبرمان على تطفيشنا من هنا؟ هل وردت هذه الدعاية في صفحات غوغلية أخرى في العالم، أم أنها حصرية لعرب الداخل؟

من الصّعب طبعًا أن أجيب عن هذه التساؤلات، لكنني تأبطتُ شرًا وأرسلتُ رسالة تساؤلية-اتهامية-مُزاودية كما نتقن نحن الفلسطينيين أن نفعل، إلى فرع المساعدة في شركة "غوغل"، مفادها: بعرض إمكو، مقصودة والا لأ؟؟ وقد انتبهتُ لاحقًا إلى أنّ قسم الإعلانات في قارة "غوغل" يعد بأن ينظر في جميع التوجّهات التي تصله بخصوص الإعلانات المنشورة، إلا أنه لا يردّ ردودًا مباشرة للمتوجّهين والمواضيع التي يطرحونها. يعني راح الآيتم.

ولكن قبل نعي الآيتم: لا بدّ أنّ عددًا من المسؤولين في "غوغل" يجلسون الآن في اجتماع طارئ، ينحنون على الطاولة المدوَّرة المصنوعة من المَرمَلادا (هل رأيتم صور مكاتب هذه الشركة؟ إشي ببعص!)، يتحلقون حول الهاتف المصنوع من الشوكولاتة البيضاء وأحدهم يتحدّث إلى سيرغي (المدير الكبير) عبر السّماعة:

"وصلتنا رسالة من عربي يقول إنه فلسطيني من إسرائيل، هل هذا معقول؟..."

لا بدّ أن سيرغي قد غَوْغَلَ هذه الكلمات في محرّكه الشخصيّ تبع أبوه ولا شكّ أنه يحاول الآن قراءة جميع التقارير التي أصدرها "عدالة" ومركز "الجليل" و"مساواة" ومركز "حماية العرب من الغرق في الشطآن"، ويحاول أن يفكّ المعضلة.

"المهم، ما المهم؟؟" سيسأل سيرغي بسرعة بعد أن يغرق في التفاصيل، وسيجيب أحد المرؤوسين الذي يقف حول الطاولة ومن ورائه كرسيه الوثير المصنوع من ريش عصافير الجنة:

"إنه يشتكي من أننا وضعنا له في صفحة بريده إعلانا يشجّع على الهجرة إلى كندا وأننا نتعاون مع أفيغدور ليبرمان على طرد العرب من إسرائيل. ماذا سنفعل؟ نحن نخشى أن تصبح هذه قضية أكبر من قضية أسطول غزة، ويصبح هذا المِلحاح معروفًا أكثر من هانين زوآابي..."

ولا شكّ في أنّ سيرغي سيبحث عندها عن اسم ليبرمان في محرّك أبيه وأمه، وما أن يرى صورة أفيغدور المرعبة حتى ينظـُز إلى الوراء ويصرخ:

"ما الذي فعلتموه؟؟! هل سنعلق مع مجانين الشرق الأوسط؟!"

ستحصل بالتأكيد حالة ارتباك، وسيأمر مدير القسم سائر الموجودين في الغرفة بمغادرتها، وسينحني فوق الهاتف ويهمس لسيرغي:

"يمكننا أن نتجاهل الرسالة."

"ولكن لماذا ننشر أصلاً إعلانات تشجّع على الهجرة إلى كندا؟ ماذا يوجد في كندا أصلاً؟"

"هذا بالضبط ما جعلهم ينشرون الإعلان. لا أحد يريد الذهاب إلى هناك."

"والعمل؟"

تفكّر مدير قسم الإعلانات في "غوغل" قليلا، ثم قال بهدوء:

"ربما وجّهنا نسخة عبرية من هذا الإعلان إلى اليهود في إسرائيل. عندها سينشأ توازن بين العرب واليهود ولن يجرؤ أيّ طرف على التبرّم من هذا الإعلان."

"هل تريد نشر إعلان يدعو اليهود للهجرة من إسرائيل؟ هل تريد أن نعلق بقصص الهولوكوست وعذابات الشعب اليهودي منذ أن اضطروا لاحتمال تأتآت موسى غير المفهومة؟"

لحظة صمت.

"ماذا قلت؟" سأل سيرغي مدير الإعلانات بفارغ صبر.

"سنتجاهله. ماذا يمكن أن يفعل؟"

"سيخرج بحملة إيميلات ضدنا، ثم في الفيسبوك... ألا تذكر كم إيميل يرسل الفلسطينيون في اليوم؟"

"نعم، نعم..."

"فلنقترح عليه وظيفة."

صفن مدير قسم الإعلانات إثر سماعه لاقتراح سيرغي صاحب محرّك "غوغل".

"وظيفة؟"

"نعم، وظيفة، بضعة آلاف من الدولارات شهريًا لسنة مكسيموم. هل سيرفض مثل هذا العرض؟"

"وأية وظيفة سنقترح عليه؟"

"مراقب للإعلانات بالعربية في بريد "جيميل"."

"هذه فكرة عبقرية!"

إبتسم سيرغي لهذه التلحيسة المداهمة من مرؤوسه. فهو لم ينجح يومًا في مقاومة تأثير هذه التلحيسات والمداهنات عليه، رغم أنه يعرف أنها مزيفة. لكنه كان يحبّ وقعها، الأثر الذي تتركه في نفسه، شعوره بالتميّز، بالتفرّد، بقدرته على إخضاع الناس لأهوائه، بحبّه لنفسه وحبّه لممارسة هذا الحبّ (معذرة، لم أقصد أن أكون عميقًا لهذه الدرجة...).

"ولا تنسَ التحدث إلى ليبرمان هذا..."

"ليبرمان؟"

"نعم. قل له إننا بحاجة إلى مراقب إعلانات في "غوغل" بالعبرية."

"...."

"أم تفهم؟ من أجل التوازن! هل تعرف ما سيفعله بي اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية إذا عينتُ فلسطينيًا فقط لمراقبة الإعلان؟... ألا تذكر كم إيميلاً يرسل هؤلاء في اليوم؟"

تنهّد مدير قسم الإعلانات ثم انتهت المحادثة. رفع السّماعة وطلب رقمًا داخليًا:

"إسمع، إبعثوا رسالة إلى هذا الفلسطيني وقولوا له إننا نظرنا في رسالته ونعتبرها خطأً ونحن نسعى لتفاديه مستقبلاً، ولذلك نطلب منه أن يعمل معنا مراقبًا للإعلانات باللغة العربية بمرتب 4000 دولار شهريًا... نعم، نعم، لا تجادل... واسمع، اتصل بمكتبنا في إسرائيل. لتيحدثوا إلى مكتب أفيغدور ليبرمان (شهقة عبر سماعة الهاتف من الطرف الآخر)... نريد مراقب إعلانات باللغة العبرية أيضًا... نعم، نعم، لا تجادل هذه أوامر سيرغي."

منذ أيام وأنا أنتظر إيميل التعيين ولكنه لم يأتِ، حتى إنني اتصلت اليوم صباحًا إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية لأتحدث إلى ليبرمان وأسأله عن اتصال "غوغل" به ولكنهم أغلقوا الخط في وجهي.

مع ذلك، أعيش منذ أيام حالة من الانتشاء الغامر، حيث أنتظر طيلة اليوم إيميل التعيين من شركة "غوغل"، وأحلم بأنني سأسدّد العجز المزمن في حسابي البنكيّ وسأشتري لابتوب جديدًا بدلا من لابتوبي الذي يعمل على الديزل. وإذا عملتُ لسنة واحدة على الأقل يمكنني عندها أن أغامر وأردّ على المدام ونوصي على الطفل القادم قريبًا؛ حتى إنني أتخيلها منذ يومين حبلى وحالتها ريعه وأبتسم في سرّي. ثم تذكرتُ أنّ حبيبتها/عزيزتها إيفا هي التي حبلت قبل أيام، فهل يكون حبيبي/عزيزي رازي هو الذي تلقى اتصال "غوغل" وبدأ يعمل معهم في الإعلانات؟!

لا، لا، "غوغل" تنتظرني أنا. وستحبل المدام وسأشتري لابتوب جديدًا وسيُولد محمود في كندا وسيحصل على الجنسية ويُجنّسنا معه إلى الأبد.

اللهم آمين!




الاثنين، 14 يونيو 2010

الآن الآن وليس غدًا: هشام نفاع لرئاسة تحرير "الاتحاد"


نزلنا، هشام نفاع وأنا، درج مبنى جريدة "الاتحاد" السّابق في حي وادي النسناس (شارع الفارابي)، وكنا نيمّم شطر فلافل ميشيل كي نتناول غداءنا المنهجيّ المتفق عليه: الفلافل. كان هشام يُسدي لي النصائح في كيفية إدارة وتحرير ملحق "عيش وملح"، الذي كنا نخطط لإصداره في الجريدة وتبقت على خط الموت (دِد لاين) أربعة أيام لا غير.

وقد أثار تسلّمي لتحرير الملحق الجديد وقتها غبارًا ورمادًا في أروقة الجريدة وخارجها، حيث كنت وقتها تلميذ أبو الأديب (وائل واكيم) على حاسوب الماكنتوش الذي كنا نُمنتِج عليه الجريدة، وكانت مهاراتي التفاحية (نسبة لشركة "apple" الشهيرة، قبل أن يكتشفها الرعاع) في تبلوُر مستمرّ تحت رعاية وتوجيهات "أبي الأديب". فكيف يُسلّم ملحق جديد في الجريدة لمونتاجير، هو أصلا لاجئ من قسم التدقيق اللغوي، حيث لم يُعمّر هناك طويلا بعد أن نزف فيه أخطاء لغوية ومطبعية فاحشة أحرجت الحزب والجريدة.

خزّنتُ نصائح هشام ("بو نايفة") وقتها وعملتُ قدر الإمكان بموجبها. كان هشام يسبقني باعًا وخبرة في الصحافة، وكنتُ بحاجة إلى الكثير من السنوات بعدها كي أتبيّن حجم فضله الكبير عليّ، كصديق وزميل ومعلم. ولكنني لست الوحيد الذي يحتاج إلى عدد هائل من السّنوات كي يكتشف البديهيات؛ أحزابنا تحتاجها أيضًا.

فالرفيق "بو نايفة" يعمل في "الاتحاد" سجالا وتباعًا منذ سنوات طويلة، يأتي ويذهب، يتفاءل ويستسلم، ثم يتفاءل ثانية. وفي كلّ مرة كان يعيد كَتْب كتابه على الجريدة الهرمة كنا (بعض الأصدقاء وأنا) نوسعه سبًا ولومًا وشتمًا (أمامه ومن وراء ظهره) لإنه يُلذع للمرة العاشرة من نفس الثقب.

لكنّ عودته الأخيرة إلى "الاتحاد" تختلف هذه المرة، لعدة أسباب، أهمّها وفاة رئيس التحرير السّابق أحمد سعد وخلوّ كرسي رئاسة التحرير، وعدم تعيين خليفة له حتى كتابة هذه السطور. فالحزب هنا غير مجبر على فصل أحد ولا على إعادة النظر أو التقييم أو المراجعة بحقّ أحد، كما أنه غير مجبر الآن على البتّ بين معسكرات أو توجّهات في المكتب السياسي أو اللجنة المركزية تتعلق برئيس التحرير الموجود، مقابل ذلك الموعود.

ولمن لا يعلم، فإنّ هشام نفاع هو أصلح من يكون لرئاسة تحرير هذه الجريدة منذ عزل إميل حبيبي حتى اليوم (بحكم امتحان النتيجة والممارسة)، برغم تعاقب الرؤساء والمرؤوسين من وقتها. إلا أنّ الماكينة الحزبية لا تسمح بتعيين صحافي فذّ كهشام، لا يُعدّ في ضمن قائمة "أمرك سيدي" (yes man). وكي لا تُفهم هذه المقالة على أنها تقريظ بحق الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي لا أحبه ولا يحبني، أقول وألحّ أنّ هذا صحيح في جميع الأحزاب قاطبة.

إلا أنّ ما يدفع إلى كتابة هذه المقالة غير الاعتيادية، سُنوح فرصة ذهبية كي ينقذ الحزب الشيوعي، وقبل فوات الأوان، جريدته-جريدتنا. فـ "الاتحاد" جريدة هامة رغم أفول نجمها وشبابها وتاريخها الذهبي وترهل جسدها وتورم مفاصلها؛ هامة في نوستالجيتها وتاريخها وهامة في دورها الذي يمكن أن تلعبه، رغم كلّ الظروف. تعيين هشام رئيسًا للتحرير سيزيد من هذه الإمكانيات بدرجات كبيرة جدًا، وقد يؤدي بشكل ما إلى إعادة الاعتبار إلى الصحيفة التي صاغت صحافيينا وصاغوها، هذّبتهم وهذّبوها، نافستهم ونافسوها. عودة "الاتحاد" كصحيفة ندّية، قوية، لها حضورها، سيجبر الجميع على التعامل المختلف مع المشهد الصحافي والإعلامي، حتى لو اقتصر الأمر على الصحف الحزبية المنافسة.

لست من المؤمنين الكبار بقدرة السياسيين والحزبيين على اجتراح القرارات الملائمة في الأوقات الملائمة. لكنني أومن أحيانًا ببعض الحتمية التاريخية (رغم أنني لست شيوعيًا البتة)، ومن ضمن هذه الحتميات انتصار الجودة على الاعتبارات الضيقة، انتصار الثقافة على السياسة، انتصار الخيار الأصحّ (والأصعب) على الخيار الأسهل (والأسوأ).

قبل سنوات كتبتُ مقالة دعت إلى تعيين أيمن عودة سكرتيرًا عامًا للجبهة، رغم صغر سنّه وقتها واستنفار الكثيرين ضدّه. وبعد نشر المقالة اتصل بي أحد الخبثاء وقال إنّ مقالة مني بالذات داعمة لأيمن ستقضي على أيّ احتمال بانتخابه، من باب: أنظروا من يروّج له...

لا أعرف إذا كان هذا سيُقال اليوم أيضًا حول تعيين هشام نفاع رئيسًا للتحرير، من نفس الباب أيضًا، ولكنني أعزّي نفسي دائمًا، بقليل من المتعة، أنّ عودة انتخب حقًا سكرتيرًا عامًا للجبهة بعد كتابة مقالتي تلك. يبدو أنّ الحتمية التاريخية قد تنتصر أحيانًا على الحزب الذي يحمل رايتها. في حالة هشام سيكون هذا الانتصار لنا جميعًا.


الخميس، 10 يونيو 2010

5 ملاحظات على أسطول الحرية: حنين زعبي كمثال



1
من المتبع في مناحينا أن نخجل من شخصنة النضالات وأن نسعى بكلّ صيحاتنا كي نسبغ القضية العينية لقائد/ة بشعارات الوحدة و"كلنا" و"قضيتنا جميعًا". ومن الجائز أن يكون هذا الأمر مُحبذًا عندما يكون الفرد الذي في الواجهة انتهازيًا بجدارة أو منتحلا، مثل أن تنشر عن تهديد على حياتك بعد شهر من وقوعه، لمجاراة العناوين الآنية. ولكنّ هذه النزعة سيئة أيضًا في حالة النائب حنين زعبي، التي برزت –هي ورائد صلاح- في الإعلام الإسرائيلي والعربي بعد مجزرة أسطول الحرية.

نحن بحاجة إلى نساء قائدات وبحاجة ماسّة إلى إبرازهنّ بالاسم والصوت والصورة وعدم الاختباء وراء "نحن" مفتعل أو مبالغ به، لاعتبارات تنافسية حزبية (الأحزاب مقابل بعضها البعض والأحزاب على نطاق صراعاتها الداخلية). يجب أن يظلّ اسم حنين زعبي في العناوين رغم الحساسية و"الحَكّة" اللتين يمكن أن يسببهما هذا للكثيرين؛ فالسياسة في عصرنا عناوين وصورة أو كليب من ثلاثين ثانية. أنا كعربي في الدولة لا اسم لي ولا صورة إلا أسماء وصور قياديينا وآخرين من أهل الثقافة والفن، يرانا العالم من خلالهم. يجب أن نحمي هذه الصور والأسماء وأن نبرزها عاليًا، فكلما برزت زاد حضورنا في العالم.

إلى الأمام حنين زعبي ولا تتنازلي عن أيّ لقاء صحافي أو عنوان أو صورة. نحن بحاجة إليك في العناوين.

2
لماذا لم يكد أحد أن "يلتكش" لرئيس لجنة المتابعة العليا، محمد زيدان، العائد من وغى مجزرة الأسطول، كما حدث مع زعبي وصلاح؟ حتى إنّ الكثيرين –بعد كل هذه الضجة في الأيام الأخيرة- لم يسمعوا بوجوده أو لو يسمعوا له صوتًا. أهو تقصير من إعلامنا العربي أم أنّ إعلامنا وجمهورنا باتا يائسيْن من لجنة المتابعة المهترئة إلى هذه الدرجة؟

3
أعجب من التنظيمات النسوية العربية في البلاد (واليهودية طبعًا، ولكن لنترك هذا الآن)، التي لم تحرّك ساكنًا نسويًا بعد الهجمة الشوفونية الذكورية الساقطة على حنين زعبي في الكنيست. كما أنني أعجب وأتساءل حقيقة كيف تعمل هذه التنظيمات النسوية (المعدودة على "الجبهة" و"التجمع" على حدّ سواء)، وبأيّ عقل تفكّر. فالتنظيمات النسوية في العالم تنتظر فرصة لا تتكرر أبدًا كهذه كي تحمل قضية نموذجية بجدارة وتغزو الشوارع والإعلام. ماذا تنتظر هذه التنظيمات؟ وإذا كان الأمر سيكون "مفهومًا" مع هزة رأس عاتبة بما يخصّ التنظيمات النسوية "الجبهوية"، فماذا مع الباقي؟ هل فكر أحدهم بأنّ ربط قضية زعبي بالأجندة النسوية قد يقود إلى مسار خلافيّ لدى جماهيرنا الصامدة؟ وفي حال كان هذا صحيحًا أليس من اللازم على جميع نسويات البلد أن يقررن نهائيًا والآن: أنتنّ حزبيات أم نسويات؟ الاثنتان لا تجتمعان وإذا اجتمعتا فالحسم دائمًا لصالح الحزب. أنظروا إلى "الجبهة" و"التجمع" وسترون الأمر ببساطته.

أين الندوات؟ أين المقالات؟ أين الحملات؟ أين النشاطات؟ أين الأجندة النسوية؟ أين إبراز أنّ زعبي نسوية بارزة ورائدة؟ وأين رفض الذكورية علنا والإشارة إليها كموبق لا يقلّ خطورة عن الاحتلال بذاته؟... إمرأةُ تُهان في المشهد الجماهيري-السياسي العام لأنها امرأة (عزباء في الـ 38 من عمرها) وجميع نسويات البلد غائبات (عن الأفعال النسوية وليس الحزبية). النسوية فعل صداميّ مستمرّ وليست رحلة تسويات مريحة مانعة للإحراجات.

هذا فشل عَرمْرَم يستوجب ألف سؤال وألف محاسبة!


4
أستعجب أيضًا أن يقول سياسيّ بارز من عندنا إنه يغفر لتركيا 400 عام من الاحتلال بعد مجزرة الأسطول. عفوًا؟... من قال إنّ تركيا المهدي المخلص، ولماذا نهبّ كالأطفال السُذج –في كل مرة من جديد- لننقاد وراء حماسة تبرد لاحقًا، متناسين أنّ تركيا دولة مستقلة لها مصالحها وصراعاتها الداخلية المستفحلة، والحزب الإسلامي الحاكم يستخدم غزة وفلسطين في صراعه الكبير مع المحكمة العليا التركية والجيش العلمانيين؟ تركيا ليست ملاكًا يبكي على أقدام الفلسطينيين، وإلا لما اكتفت بالاستنكار كالنعاج عندما فلحوا غزة قبل أقلّ من سنة. وكيف يمكن أن ننسى تخلف وغباء وإكراه 400 عام من الاستعمار لمجرد أنّ الرئيس التركي غضب على دولة إسرائيل؟ أين أسطوله الحربي الذي توعّد به؟ من المفترض بالسياسيين أن يقودوا الناس، أن يوجّهوهم، أن يصوّبوهم، لا أن يركبوا على موجات الحماسة الشعبوية الإنفعالية.

نشكر تركيا على دورها الحالي ونأمل أن لا يتغير موقفها أو أداؤها وفقا لتطورات علاقاتها وغزلها الدائم مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

5
كان من الخطأ أن يقاطع النواب العرب جلسة الكنيست التي ناقشت مسألة تجريد النائب حنين زعبي من بعض امتيازاتها. لماذا مقاطعة مثل هذه الجلسة وعدم مقاطعة النقاش في الهيئة العامة أو لقاء في القناة الثانية مثلا؟ في جميع هذه الأماكن اللعبة "مَبيوعة" إذا كان هذا السبب. يجب أن نكون حذرين في مسألة المقاطعة هذه. من يرغب في لعب اللعبة السياسية والإعلامية عليه أن يكون مثابرًا فيها وواضح الرؤية. كان على زعبي أن تكون هناك أيضًا، وأن تقشر المزيد من طبقات الحقارة التي يرتع فيها الكنيست الإسرائيلي.


السبت، 8 مايو 2010

موراكامي على الشاطئ


يُحوّلك هاروكي موراكامي إلى عجينة طيّعة في يده. حين تقرأ روايته "كافكا على الشاطئ" تنجرّ رويدًا رويدًا إلى العالم الذي يبنيه لك كقارئ، لتصبح مع الوقت أسير الغرائبية الكبيرة (الميتافيزيقية) بحيث تتحول هذه الغرائبية إلى معطى "طبيعي"، "سويّ"، لا يبعث على العجب، حتى حين تمطر الدنيا سمكًا وديدان علق.

وكما يحدث معك عند مشاهدة مطر الضفادع الكبيرة في فيلم "مغنوليا"، تتعجب من قدرة موراكامي على تسجيل الغرائب و"المعجزات" بجرة قلم، والأدهى أنه يقنعك بحدوثها بسلاسة ومن دون أية محاولة لإقناعك بصوابها أو واقعيتها. ويستطرد صاحب "الغابة النرويجية" في تناول قصة "كافكا"، الشاب ابن الخامسة عشرة، الذي قرر الفرار من بيته في طوكيو، ليخرج في رحلة غريبة تجعل تصنيف هذه الرواية في ضمن روايات "ساينس فيكشن" (العلم المتخيّل) تصنيفًا جديرًا، رغم محاولة الكاتب الكبيرة في "البقاء بقدميه على الأرض" من حيث معطيات العالم الذي يبنيه؛ فهو واقعي ولا شيء غريبًا فيه رغم أنه مليء بالغرابة والأعجوبية.

موراكامي كاتب كبير. إنه فنان السّرد بلا منازع. يبدأ الرواية في أطراف خيوط متناثرة، ممتدة السنوات والأمكنة، ليجمعها كلها في قصتين مركزيتين في نصف الرواية الأخير، لينتقل من الفتى كافكا إلى المُسنّ ناكاتا في متتالية مشهدية حريصة وثابتة: مشهد كافكا ومشهد لناكاتا، حيث ينجح من خلال هذه التقسيمة في رواية قصص الشخصيات الرئيسة والثانوية بعمق وقرب وحب كبير. حتى عندما تنضم إلى الرواية شخصية هوشينو سائق الشاحنة في الثلث الأخير من الرواية تشعر بأنه كان هناك منذ الصفحة الأولى.

لن أسهب في توصيف الشخصيات وقصصها وبعض الحبكة لأنّني لا أريد أن أفسد عليكم متعة القراءة. فعملية الاكتشاف البطيئة التي يدخل القارئ فيها شريكًا توازي متعة النص نفسه. إنها مؤامرة صغيرة ينجح الكاتب في زجّكم فيه، تصبحون شريكين فيها من حيث لا تدرون، تنتظرون الفصل القادم بشوق وتحاولون فك معالم ما سيحدث، من دون نجاح في الغالب.

هذه هي الرواية الأولى التي أقرأها لهذا الكتاب (معذرة على التأخير) وصدرت له روايات أخرى عديدة أهمها "جنوب الحدود، غرب الشمس" و"سبوتنيك الحبيبة" (الكتب الأربعة الواردة هنا صدرت بالعربية ويمكن شراؤها عبر الإنترنت من هنا). سأبحث عنه دائمًا وسأقرأه بمتعنٍ مرتين: مرة كقارئ يطلب المتعة اللذيذة المخدّرة في نصّ روائيّ مَتين ومُشوّق، ومرّة ككاتب يسعى ليدرس مفاتيح السّرد المتقنة في نصوص فنانين كبار.

كلمة
صدر هذا الكتاب في ضمن المشروع الضخم للترجمة، "كلمة" (مع المركز الثقافي العربي)، الذي انطلق قبل سنوات قليلة وهدفه ترجمة مئة كتاب (في المرحلة الأولى) من اللغات الأجنبية إلى العربية. وهي "مبادرة طموحة غير ربحية تموّل ترجمة أرقى المؤلفات والأعمال الأدبية الكلاسيكية والمعاصرة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية ومن ثمّ طباعتها وتوزيعها"، كما جاء في الموقع الرسمي، حيث يمكن الاستزادة عن المبادرة والمشروع هناك.
بورك هذا المشروع وبورك القائمون عليه.

لمحة عن حياة هاروكي موراكامي
من مواليد كيوتو عام 1949، ويعيش حالياً قرب طوكيو. يُعتبر من أبرز كتّاب الرواية في اليابان والعالم، تُرجمت أعماله إلى 34 لغة، ونال عدة جوائز بينها جائزة يوميوري الأدبية وبوكرز للرواية. كل رواية لموراكامي هي حدث تتناوله الصفحات الثقافية في صحف العالم الكبرى. وينتظرها القراء بشغف، وتطبع ملايين النسخ بعدة لغات.


الجمعة، 30 أبريل 2010

بحثتُ عن غيره




في الذكرى الثانية عشرة لرحيل الشاعر نزار قباني

علاقتي بالشاعر نزار قباني مدٌّ وجزرٌ. فمن قراءةٍ استحواذيةٍ ومُزلزلةٍ في المراهقة، إلى ابتعادٍ في العشرينيات تصاحبه عدائية مُعلنة، ثم عودة إلى منتصف الطريق في منتصف ثلاثينياتي: ذهابُ العدائية وعودة الألفة، رغم توقفي عن قراءته تمامًا. أشبَه ما يكون بالأب الذي يمنحنا مفاتيح الكلام والحياة، ثم نقتله كي نخرج إلى الحياة أشخاصًا مستقلين، ثم نعود إلى اكتشافه من جديد بعد أن تحرّرنا منه. نعيد اكتشافه ولكننا نخجل من خيانتنا له، فنظلّ نرقبه عن بُعد باستِحياء، لعله لن يقبل رجعتنا.

لم تكن قصائد نزار عادية لي –ولجيلي- في نهاية الثمانينات، حيث كانت الكتب (العربية- والشعر منها خصوصًا) نادرة (وبلا إنترنت طبعًا)، وكانت عادة بيع الكتب من بيت إلى بيت ما زالت تحفظ بعضًا من ماء وجه القراءة الشغوفة. كانت كتب نزار (المنسوخة والمُباعة بلا ترخيص) ألمع ما في جعبة الطلاب الجامعيين الذين كانوا يفتلون القرى لبيع ما يمنحهم ليسدّ رمقهم الجامعيّ. وقتها بدأتْ تتفتح براعم المراهقة ومفاتيح الشبوبية الحسّية المشتعلة، في آخر ما تبقى من ريف فلسطين التاريخية في قرية جليلة هادئة ومنعزلة. كانت "طفولة نهد" و"الرسم بالكلمات" وغيرها إنجيل المراهقة بجدارة، نحفظها عن ظهر قلب ونكتب كلماتها المزركشة على مفكراتنا الطلابية وهوامش كتب التاريخ والدين والجغرافيا. لم يكن نزار مثار الشعلة أو مُحفزها؛ كان الشعلة ذاتها، نارها ووهجها وأبجديات تشكلها.

أعتقد أنّ التغيّر حدث عند الخروج من القرية إلى المدينة (حيفا). فجأةً لم تعد كلمات نزار تُدفئ الجسد والروح مثلما فعلتْ في برد الجليل الأعلى. كانت حيفا –لي- أكبر من مفردات العشق البريء ولم يكن من الممكن على هذا الريفيّ اللاجئ إلى غربة المدينة أن يرسم بالكلمات أيّ سطر أو لوحة. ورويدًا رويدًا، إبتعدتُ عن نزار. صارت مكتبة جامعة حيفا (الكبيرة) بقسمها العربيّ الملجأ والشعلة. صار محمود درويش ولوركا وسعدي يوسف وأمل دنقل أكثر حضورًا من نزار؛ صارت روايات "رياض الريس" بقطعها الصغير القديم رفيقة الليالي وصار الأدب الأوروبي المترجَم باختلافه المحفز والباعث على التفكير.

مع الوقت، نسيتُ نزار. نسيت جميع قصائده. ومع الوقت صرت عدوانيًا تجاهه أيضًا. ما يشبه "فذلكات البلوغ": أي أنني لم أعد مراهقًا يمشي أسير كلمات العشق وتبهره كلمة "نهد"، بل صرتُ بالغًا، "نقديًا"، أنتي-رومانسيّ. وهكذا، غلبتني الكَلبيّة فأدرتُ ظهري لنزار ورومانسيته وضِعتُ في تلابيب ما بعد الحداثة الباردة في معظمها. كان العداء لنزار وعبد الحليم حافظ (رمز الرومانسية الثاني) والتندّر عليهما من دلائل النضوج والوعي والعمق. هكذا اعتقدنا على الأقل.

الآن، أطلّ من جديد على رومانسيتي الفقيدة، على طفولتي البعيدة، على مراهقتي الريفية الخلابة قضيتها في القراءة والتدخين سرًا تحت البلوطة الكبيرة مع "رفاق السوء" والتحدث عن نزار وجبران خليل جبران وأطياف النساء. أطلّ وأرى نزار بضوء جديد، بلا حاجة لإثبات "وعي" أو "نضوج" أو "ما بعد حداثوية". أراه الآن مؤسِّسًا لقدْر من تعاملي مع النساء وفهمي للحبّ والجنس، رغم ابتعاد السنين وتعلم المزيد والمزيد- من التجربة وليس من الكتب هذه المرة.

نزار قباني مرحلة حاسمة في تشكل وعيي وشخصيتي، وأعتقد أنه كان حنونًا ومُحبًّا بما يكفي كي يمنحني وقتها مفاتيحَ ورموزًا للخروج إلى الحياة، ثم ليتنحّى جانبًا بلا أيّ شعور بالأسى ويقول بهدوء: إبحث عن غيري.


(نُشرت المقالة في الملحق الثقافي في "الدستور" الأردنية؛ لمعاينة الملف الكامل عن قباني يُرجى الضغط هنا)



الخميس، 22 أبريل 2010

بركان، لندن، بركان


أول ما فعلته ترتيب غرفتي.

منذ أن وصلتُ إلى فندق "غرنج وايت هول هوتيل" في منطقة راسل سكوير في لندن، ظهيرة الثلاثاء الماضي، وغرفتي مقلوبة رأسًا على عقب. وضعتُ حقيبة الملابس الكبيرة على الأرض وظلت هناك حتى قبل دقائق (ظهيرة الجمعة، 16 نيسان). كانت ملابسي مكومة فوق السرير، ولم أفرغ أيّ شيء من الحقيبة إلا ما أحتاجه من الملابس والغيارات بشكل مُلحّ. لم أرغب في توضيب أغراضي في الغرفة، فكنت قد استخسرتُ الجهد- فأنا ذاهب إلى بيروت.

عندما فهمت اليوم من بيتر فلورنس (مدير مهرجان هاي فستيفال، الشريك في "بيروت 39") أنّ القضية لن تنتهي على خير، لضيق الوقت وكثرة القرارات التي يجب اتخاذها في الجانب اللبناني، كان أول ما فعلته ترتيب غرفتي. رتبت الأوراق والكتب المتناثرة، ثم الملابس ثم الأغراض الأخرى. فجأة اتسعت الغرفة بأمتار عديدة، وأخذت نفسًا طويلاً بعد الترتيب لأتأمل الغرفة. فمنذ وصولي وحتى عصر الجمعة لم أتأمل شيئًا سوى شاشة الحاسوب والهواتف الأرضية والنقالة وفاتورة الطعام الذي أطلبه من المطبخ الفندقي.

يوم الخميس، ونحن عائدون من حلقة القراءة التي شاركتُ فيها مع عدنية شبلي، تفاجأتُ حين علمت أنّ بركانًا انفجر في آيسلندة وحركة الطيران مشلولة في أوروبا. "هذه مؤامرة صهيونية لمنعي من السفر إلى بيروت"، قلتُ ساخرًا. ردّ الجميع: هذه إشارات من السماء- لا تذهب إلى بيروت.


لم أذهب إلى بيروت. سأكتفي بربيع لندن البارد، قلت بيني وبين نفسي مُعزيًا، ولكنني لم أشعر بأيّ عزاء.


بركان النمّ!

للحظة، أصبحت الشمس اللندنية عدونا جميعًا. فانعدام الرياح والشتاء أدّى إلى تلبد الغيوم البركانية وثباتها فوق رؤوسنا، وبالتالي صار السفر من لندن مستحيلاً. هكذا، صار القاصي والداني من منكوبي البركان، يبتهلون السّماء من أجل الرياح والمطر، وهم في الأيام العادية ينتظرون شعاع الشمس الأول كي يتبطحوا على المرجة الخضراء في ميادين لندن المعشوشبة ويقرأون الكتب والصحف.

ليست مهمة ملاحقة ومتابعة شؤون 10 كتاب محبوسين في الفندق بالمهمة السهلة أبدًا. فالكُتاب شعب صعب، مزاجيّ وعربيد. فأولا، كان على المنظمين أن يهتموا بتمديد إقامات الكتاب في الفندق وهذه تكلفة عسيرة لمؤسّسات لندنية صيتها وأهميتها أكبر من ميزانيتها بأطنان. أضفْ إلى ذلك وقود الكُتاب اليوميّ من الجنيهات الإسترلينية اللازمة للطعام والشراب والتدخين.

وهكذا، كنتُ متفهمًا تمامًا لقلق المنظمين من هذه السحابة الآيسلندنية، خصوصًا أنّ أغلبية المنظمين علقوا هم أيضًا في بيروت بعد المهرجان، وصارت الاتصالات معهم بالأيميل والهاتف، وزاد من تعقيد المشاكل أنّ الذين يحلون ويربطون في مسألة السفر وتغيير الوسائل موجودون في بيروت، ولا يحلون ولا يربطون.


يوم الإثنين مساءً سمعتُ أطراف حديث ووشوشات في اللوبي فحملت المعلومات وهرعت إلى الغرفة. كانت المؤامرة التي تدور بين الهامسين كالتالي: يمكن للمرء أن يأخذ القطار السريع (يوروب إكسبرس) من لندن إلى باريس. وفي الليل، يمكنه أن يأخذ القطار الليلي السريع من باريس إلى مدريد، حيث ينطلق في السابعة مساءً من باريس ليصل في التاسعة صباحًا إلى مدريد. ومن هناك، حيث لا سحب بركانية ولا سخام، يمكنك أن تطير حرًا طليقًا كالدويري السعيد إلى تل أبيب المشتهاة (في هذه الأيام فقط).


بدأت عملية الاستكشاف، ففتحت ثلاث نوافذ في المتصفح الإنترنتيّ: واحدة لقطار لندن-باريس، وواحدة لقطار باريس-مدريد وواحدة لحجز تذكرة طيران من مدريد إلى تل أبيب. لا تعتقدوا أنّ الأمر سهل وهيّن؛ فمعظم الرحلات في قطار لندن-باريس محجوزة ("فولي بُوكْد" كان كابوسي الأكبر في هذه الأيام)، ولم أجد إلا رحلة واحدة في يوم الغد تناسب وقت وصولي المفترض إلى باريس لامتطاء قطار باريس-مدريد. انتقلت إلى النافذة الثانية وتيقنت من وقت سفر القطار من باريس إلى مدريد، ثم بدأت رحلة استكشاف لحجز تذكرة من مدريد إلى تل أبيب. بدأتُ بالأسعار الزهيدة، بين 400-500 دولار. وجدت رحلة تناسبني في الطيران اليوناني، وقبل أن أحجز الرحلة ألهمني زيوس بتفحّص مسار الرحلة، فوجدت أنها من 3 محطات وتستمرّ 21 ساعة!


أسقط في يدي؛ صحيح أنني فقير وعلى قد الحال ولكن حجز مثل هذه التذكرة سيكون إذلالاً لا ثاني له، وعملا بمقولة العرب العبقرية "هين قرشك ولا تهين حالك"، بحثت عن سفرات "دايركت" أو بمحطة واحدة. هنا قفزت الأسعار من 500 إلى 1000 دولار، ووصلت إحدى الرحلات إلى 2800 دولار! لم أحر صنعًا، فعدتُ إلى قطار لندن-باريس لأتفحص مواعيد بعد الغد فوجدتُ أنّ الرحلة الوحيدة المتبقية ليوم الغد والتي كنت أخطط لها، قد امتلأت قبل ثوانٍ، فصارت جميع الرحلات "فولي بوكْد".


فهمت وقتها أن عملية المناورة هذه قد تستغرق ساعات وربما أيامًا، ولكنني لم أيأس. قلتُ سأحجز قطار باريس-مدريد ليوم بعد الغد ومن ثم أهتم بباقي التفاصيل. بعد محاولات حجز حثيثة لم أفلح في الموضوع، فتوجهت إلى "الدعم المباشر" للزبائن عبر... التشات! أي نعم، التشات (ناس عايشة). على التشات قالت "آنا" بأدب (لم أسمعها ولكنني افترضت ذلك) إنّ إمكانية حجز قطار باريس-مدريد عبر الانترنت قد أزيلت، بسبب أزمة المواصلات في أوروبا، وعليّ الوصول إلى باريس شخصانيًا لشراء التذكرة. لم أنهَرْ تمامًا وفورًا بل تسلحتُ بالتفاؤل وسألتها عمّا إذا كانت تعرف عن وجود تذاكر شاغرة، فقالت إنه ولأسفها الشديد (هكذا ادّعت) فإنّ الرحلات في هذا الأيام "فولي سُولْد" (كابوس آخر).

لم أيأس، وقلتُ سأتصل بهيام وأستنفرها لتهبّ إلى محطة القطارات في باريس لتشتري لي تذكرة ليوم غد، لكنني أعدتُ الهاتف إلى مكانه حين تذكرتُ أنها في البلاد المقدسة في هذه الأيام تشارك في تصوير فيلم جديد (يحرق حريشها شو بتصوّر أفلام).

وهكذا، تسلل اليأس إلى قلب الفلسطينيّ الثائر، فأشعلت سيجارة وأسدلتُ الستائر، بانتظار طيارة أو حلم شاغر...


أبو علي

في العصر جاءني الرفيق أبو علي (أديب أبو علوان) وقال لي وهو يعارك حركة السير في مدينة الضباب (لا ضباب ولا طيزي!) إننا ذاهبان إلى مطعم صينيّ خلاب، فحمدتُ هُبل لأنني لم أتناول لانش ثقيلا وتأبطتُ معدتي السعيدة.

تعرفتُ إلى أبو علي قبل سنوات طويلة، في بداية "لخة" مسرح الميدان. مع الوقت، وعبر الجلسات والأحاديث بدأت بالتعرف إلى تاريخه النضالي في السبيعينات، وسجنه لأربع سنوات وعمله في لندن في الصحافة العربية وصداقاته المتينة مع عائلة أبو جهاد ومع ناجي العلي وغيرهما من رموز النضال الفلسطيني. في المطعم روى لي أشياء وشويّات، فازداد حبي له. تحدث طويلا، لساعات، وأنا أصغي إلى تفاصيل لا تخطر ببال ولا نعرف نحن (الجيل الجديد) عنها إلا لمامًا. في مثل هذه الجلسات تكتشف التفاصيل اليومية الصغيرة التي تملأ السجون أو العمل النضالي، وهي أجمل وأقوى وأبهر من الشعارات النضالية الكبيرة بكثير.

كان العشاء الصيني (في مطعم "الأرض الطيبة" على مبعد ساعة من لندن) هائلا وعظيمًا، وأسفتُ أشدّ الأسف حين بدأت أشعر بالشبع. في طريق العودة أحسستُ بأنني، رغم انقطاعي هنا رغمًا عني، لست مقطوعًا من شجرة. إلى جانبي رجل مع تاريخ أدّعي أنني أعرفه، وبعد قصصه وحكاياته تأكدتُ (مرة أخرى) كم أننا لا نعرف شيئًا عن هذا الذي يسمي نفسه تاريخًا.

نزل السرور

بالأمس (الأربعاء) تركت الفندق الجميل، باتفاق مع المنظمين. فقد كانت الخطة أن يدبّروا لنا منازل متفرقة في لندن يسكن فيها المتطوعون والعاملون في المهرجان لإيوائنا فيها. حين قالت لي سارة تفاصيل الخطة، لم أتحمّس كثيرًا، فألمحتُ إلى الرفيق أبو علي والرفيق مهدي (فليفل) بوجوب الانتخاء باستضافتي، فانتخيا فورًا. وقبل تركي للفندق (الثلاثاء) وصلتني دعوات سخية من السينمائي عمر روبرت هاملتون (لا أعرفه مسبقًا ولكنه اقترح منحي بيته ريثما أسافر، وهو مسافر) ومن العزيزة أهداف سويف (المسافرة أيضًا)، والبيتان في منطقة ويمبلدون. ورغم امتناني الكبير لهما على هذا السّخاء، قررتُ أخيرًا أن ألجأ إلى بيت مهدي، حيث قال لي وقتها: "ليك يا مان، شو بدك بويمبلدون؟ بآخر الدنيا. تعا عندي". استجبت لندائه من دون أن أعرف أنّ بيته في آخر الدنيا أيضًا في شرقي لندن!


وقد اكتشفت أنّ الإدارة قررت إبقاء كاتبين اثنين في الفندق، فقط: د. نوال السعداوي والكاتب الكوبي ليوناردو بادورا؛ الأولى غنية عن التعريف وبعد أحاديث معها اتضح أنّ لها أقارب في عكا (وبعدين؟ مين ما أشوفو في العالم بطلع عندو قرايب في عكا!)، فيما كتب بادورا ما يُعرف بثلاثية كوبا، قرأتُ منها الكتاب الأول وهو جدير بالقراءة لمحبي القراءة عن شظف الحياة والبؤس والشهوة والجنس. وعلمت أنّ الاعتبار في إبقاء الاثنين ينبع من تقدمهما في السنّ ومكانتهما المرموقة، فحزنت لأنني في منتصف الثلاثينيات ومكانتي لم ترتقِ بعد إلى مستوى مثل هذا التفضيل الإيجابيّ.

ما يهمنا من كل هذه الفقرة أنني وأنا على باب الفندق قبل الرحيل، أخبرتني سارة أنني كنتُ سأنتقل إلى السكن مع كات، العاملة في "بن إنترناشيونال" فحزنت حزنًا عظيمًا (بعد إذنك إم الدشة)، حين فضّلت مهدي على كات...


رفيق، يا رفيق...

مهدي مريض في هذه الأيام. معدته مرتبكة ونقضي ساعات وساعات في الحديث والتأمل والمشاركة. فتح لي قبله ففتحت قنينة ويسكي أخرى من القناني الصغيرة التي أشتريها من المطار وتظل في المحفظة تحسبًا لأيّ ديوانة تستوجب بعض الأثير المُأكسَد. البيت الذي يسكنه شرقي لندن في مراحل الترميم الأخيرة، اشتراه أندريه قبل فترة في مزاد علني. البيت قديم ولكن أندريه نجح في خلق فضاء جميل من ثلاث طبقات يسكنها أندريه وحبيبته ومهدي والعزيز يزن الرامالاوي الذي يعمل في الهندسة المعمارية ويحضر للقب الثاني في الموضوع في جامعة لندن.


أنا أحتلّ مكتبه الآن في غرفته الواسعة وأدخن قرب الشباك المفتوح، رغم أنّ نسيم لندن البارد يفعل أفعاله بخصيتيّ. لو أنّ هذا البيت عندنا، في الناصرة مثلا، لكان عنوانه: أنا ساكن عند الكراجات خيا. فحول البيت ورش وكراجات وصراخ وروائح زيت البريكات وزيوت "المواتير" (على رأي مهدي) تستقبلك، فشعرت بالألفة فورًا ونسيت على التوّ رائحة الصابون الجميلة في الفندق الدثير، فلم أعد شاعرًا بأنني طُردت من الجنة؛ ربما انتقلت إلى جنة "كلاس تو" فقط.
سأطير غدًا الجمعة إلى البيت. أشتاق للدشدوشة ملء حبي لها.

ونصيحة أخيرة: إذا علقتم يومًا في لندن فلا تشتروا كتبًا بمعظم النقود. خصوصًا أنّ وزن الشنطة تجاوز المسموح بكثير. هل سترأف بريطيش إيرويز بحمولتي الزائدة باعتباري من متضرري البركان؟


(لم أكتب عن خيبة بيروت. ربما لاحقًا. فالأمر بحاجة إلى بعض الصفنات على بلكونة البيت في عكا.)


الأحد، 18 أبريل 2010

مماطلة وزارة الداخلية وضيق الوقت يمنعان حليحل من زيارة بيروت!




حليحل وشبلي يشاركان في فعاليات مهرجان "فري ذه وورد" في لندن ويمثلان مهرجان
"بيروت 39" * صدور أنتولوجيا الكتاب الـ 39 بالعربية والإنجليزية وتوقيعها في لندن *
نشاطات أدبية وإعلامية بارزة للإثنين في الأيام الأخيرة



علم موقع "العرب" صباح اليوم الأحد أنّ مشاركة الكاتب علاء حليحل في مهرجان "بيروت 39" في العاصمة اللبنانية، قد تعذرت ولن تتحقق نهائيًا، وذلك لعدم استكمال معاملات استصدار تأشيرة دخوله إلى بيروت، للمشاركة في فعاليات المهرجان، فيما يواصل حليحل مشاركته في مهرجان "فري ذه وورد" (أطلقوا سراح الكلمة) ومعرض لندن الدولي للكتاب في العاصمة البريطانية.

وقال مدير مهرجان "هاي فستيفال"، بيتر فلورنس: "منذ تلقينا قرار العليا الإسرائيلية يوم الثلاثاء، كانت لدينا ساعات قليلة لتفعيل الضغط على الحكومة اللبنانية لتجاوز المنع القانوني المضروب على زيارة حاملي جوازات السفر الإسرائيلية إلى لبنان. ولكن مثل هذه العملية كانت ستستغرق أشهرًا في المسار العادي، تمامًا كما حصل في إسرائيل. وعندما اعتقدنا أننا أحرزنا تقدمًا ما، جاء بركان أيسلنده ليلغي جميع الرحلات المخططة وليسخر من جميع القيود السياسية. علاء حليحل واحد من كتاب "بيروت 39" بغضّ النظر عن مكان تواجده، وكتاباته عابرة لجميع الحدود. نحن نتطلع قدمًا للعمل معه ومع زملائه الكتاب في جميع المهرجانات التي ننظمها حول العالم في خلال السنوات العشر القادمة".

وكانت المؤسسة الإسرائيلية، ممثلة بوزير الداخلية إيلي يشاي، قد تجاهلت توجهات حليحل المتكررة طيلة الأشهر الأخيرة بالحصول على ردّ حول نيته التوجه إلى بيروت. ولم يصل ردّ الداخلية الرافض للزيارة إلا في 11 نيسان الجاري، قبل انعقاد جلسة العليا بيوم واحد. وقد انعقدت جلسة العليا للنظر في الموضوع في 12 نيسان، أي قبل يومين من بدء المهرجان، فيما صدر أمر السماح بالسفر في 13 نيسان، أي قبل يوم واحد فقط من بدء المهرجان! وقد أدت هذه التأخيرات إلى وضع حليحل والمنظمين في ضائقة وقت عسيرة، تجلت آثارها في عدم إمكانية استصدار إذن الدخول إلى الأراضي اللبنانية.

وقد بدأت فعاليات المهرجان في بيروت ليلة الأربعاء الماضي، وستنتهي اليوم الأحد. ومن الجدير بالذكر أنّ الإذن الذي منحته المحكمة العليا لحليحل لزيارة بيروت لاستلام جائزته ينتهي اليوم الأحد، 18 نيسان.

وقال الكاتب علاء حليحل المتواجد في لندن، في حديث خاص بموقع "العرب": "أشعر بأنني في مسرحية عبثية لم أكن أفكر للحظة في أنني سأتواجد فيها. فمن جهة جاء قرار العليا غير المسبوق في سابقة مذهلة أعتقد أنها ستؤثر كثيرًا على منحى الأمور في كل ما يتعلق بعلاقتنا مع العالم العربي، ومن جهة ثانية العملية المنهكة التي بدأناها يوم الثلاثاء لاستصدار إذن دخول إلى لبنان، ثم انفجار البركان في آيسلندة، الذي شلّ حركة الطيران في شمال أوروبا وفي "هيثرو" لندن. الحقيقة أنني لا أعرف أيّ الأمرين أسوأ: أنني لا أستطيع السفر في ظروفي الحالية، أم أنني لا أستطيع السفر وبيدي تأشيرة الدخول إلى لبنان".

وأضاف حليحل: "رغم خيبة الأمل والحزن الكبيرين لعدم الوصول إلى بيروت وزيارتها، فإنّ ما يهمّ في الموضوع هو مصير الالتماس الذي قدّمه مركز "عدالة" والمتعلق بتعديل القانون أو وضع معايير منصفة لمن يرغب بزيارة لبنان أو سورية من عرب الداخل. من المؤسف حقًا أنّ السلطات اللبنانية لم تنجح في تجاوز عقبة الوقت الضيق والتغلب على الإجراءات الأمنية والإدارية. لقد رغبت جدًا في الوصول إلى بيروت للالتقاء بأصدقاء ومعارف وزملاء لا أتواصل معهم إلا عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف. آمل أن أنجح قريبًا في الدخول إلى بيروت".

وقد وصل حليحل إلى لندن ظهيرة الثلاثاء الماضي، حيث دُعي هو والكاتبة عدنية شبلي من الشبلي، الفائزة الثانية من عرب الداخل، للمشاركة في نشاطات مهرجان "فري ذه وورد"، وهو مهرجان سنوي تنظمه عدة جهات في لندن، يُبرز الكُتاب الذين يعيشون في ظروف تقييد لحرية الكلمة أو الحركة في العالم. وشارك حليحل وشبلي في مؤتمر صحافي عُقد يوم الأربعاء الماضي تحدثا فيه عن وضعيتهما ككاتبين فلسطينيين، فيما أسهب حليحل في استعراض الالتماس الذي قدمه إلى العليا وحيثياته.

وفي يوم الخميس عُقدت جلسة قراءة مع شبلي وحليحل في مركز "فري ذه وورد"، حيث تخللتها قراءات من الاثنين وإجراء حديث متشعب حول "بيروت 39"، وأجابا على أسئلة من الجمهور تتعلق بالمسألة الفلسطينية وممارسات دولة إسرائيل، فيما وقعا بعد النقاش كتاب "بيروت 39" الذي ضمّ أعمالا لجميع الكتاب الـ 39 الفائزين، حيث صدر الكتاب باللغة العربية وبالإنجليزية. واستضاف راديو وتلفزيون بي بي سي بالعربية والإنجليزية الكاتبين شبلي وحليحل في عدة برامج، فيما حظيت مشاركتهما ومهرجان "بيروت 39" بتغطية صحافية في الصحف المحلية الهامة مثل "الغارديان".

وسيشارك حليحل اليوم الأحد في وجبة غداء احتفالية في مسرح "يانغ فيك" في الويست إيند، مع الكتاب المشاركين في المهرجان ومع صحافيين، وسيقرأ نصًا للكاتب البلغاري جورجي ماكوف يتعلق بالاحتفالية الخمسين لمهرجان "أدب في السجون"، إلى جانب قراءة أحد نصوصه. ثم سيشارك حليحل في ندوة أدبية عصر غد الإثنين في معرض لندن الدولي للكتاب، تتركز في لقاء شخصي معه حول أدبه وكتاباته.

ومن المتوقع، في حال تجدّد الملاحة الجوية إثر إنفجار البركان في آيسلنده، أن يغادر لندن عائدًا إلى البلاد ليلة غد الإثنين.

وكان مركز "عدالة" تقدم بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، قبل أقل من شهر، باسم حليحل، مطالبًا المحكمة بالتدخل في أمرين: الأول السماح لحليحل بالسفر إلى بيروت، والثاني المطالبة بوضع وصياغة معايير واضحة تتعلق بسفر المواطنين العرب في إسرائيل إلى ما تسميه إسرائيل "دولا عدوة". وقد أصدرت العليا أمرًا مفاجئًا وغير متوقع صباح الثلاثاء الماضي بالسماح لحليحل بالسفر إلى بيروت لاستلام جائزته، فيما أصدرت أمرًا احترازيًا يُجبر الدولة على تفسير عدم إصدار وصياغة معايير تتعلق بالمنع الجارف وفق أنظمة الطوارئ. ومن المتوقع أن تستمر جلسات العليا المتعلقة بالبند الثاني في الإلتماس.

(الخبر في موقع "العرب")

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

العليا تصدر أمرًا في التماس "عدالة" يسمح للكاتب علاء حليحل بالسفر إلى بيروت


وذلك رغم معارضة نتنياهو ويشاي * العليا تأمر الدولة بأن تفسر لماذا لا تحدد معايير واضحة ومتساوية للسماح للمواطنين بالسفر إلى الدول "الممنوعة"


أصدرت المحكمة العليا اليوم، الثلاثاء 13 نيسان 2010، قرارًا في التماس "عدالة" يسمح للكاتب والصحفي علاء حليحل بالسفر إلى بيروت للمشاركة في مهرجان "بيروت 39"، وذلك بالرغم من معارضة رئيس الحكومة ووزير الداخلية. كذلك أصدرت المحكمة العليا أمرًا للدولة بأن تفسر لماذا لا تحدد معايير واضحة ومتساوية للسماح للمواطنين بالسفر إلى الدول "الممنوعة".

وقد ادعت النيابة العامة في الجلسة التي عُقدت بالأمس للبت في الالتماس أنّ بحسب سياسة وزير الداخلية السفر إلى بيروت ممنوع بشكل عام، إلا في حالات إنسانيّة قصوى. وعلّقت الهيئة القضائية (إ. حيوت وحـ. ملتسر وي. عميت) على موقف الدولة قائلةً بأنّه لا يوضح ما هي الحالات الإنسانيّة القصوى، ولا يُعطي تفسيرًا مقنعًا لمنع حليحل من السفر إلى بيروت.


وشدد مركز "عدالة" أنّ قرار المحكمة هذا يُؤكّد أنّ سياسة إسرائيل التي تتبعها منذ 1948، بفرض الحصار الثقافي على مواطنيها الفلسطينيين ومنعهم من التواصل مع أمتهم العربية، هي سياسة عشوائيّة ومميزة.


وكان "عدالة" قد التمس العليا في الشهر الفائت باسم حليحل بعد أن وصلته دعوة للمشاركة في مهرجان "بيروت 39"، عقب اختياره واحدًا من بين 39 كاتبًا عربيًا دون سنّ الأربعين، من أفضل الأدباء العرب الشباب. قدّمت الالتماس المحاميّة حنين نعامنة والمحامي حسن جبارين.


ولد علاء حليحل (35) في قرية الجش ويسكن حاليًا في مدينة عكا، وهو كاتب وصحفي وسيناريست ومحاضر ومترجم. ويعمل اليوم كمدير برامج في محطّة "ميكس" الفلسطينية. في السنوات الأخيرة نشر حليحل عددًا من الكتب بواسطة ناشرين معروفين في العالم العربي، وترجمت رواياته إلى لغات أجنبية عديدة.


وقد إختير حليحل في آب المنصرم، كواحد من الفائزين في "بيروت 39"، وهي المسابقة التي نظمتها مؤسسة "هاي فيستيفال" Hay Festival، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية والمجلس البريطاني. ويأتي هذا في ضمن اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب للعام 2009 الذي بادرت له اليونيسكو.


سيشارك الكتاب الذين تم اختيارهم في المسابقة، في فعاليات المهرجان المنعقدة في أماكن مختلفة في بيروت مثل المكتبات والجامعات والمدارس والأماكن العامة الأخرى. وستنعقد حوالي 50 حلقة تتناول مواضيع شتى مثل طبيعة الكتابة وحالة الأدب العربي المعاصر، نفوذ الكتابة وإلهاماتها. كما سيقوم الكتاب بقراءة مؤلفاتهم.


يمنع القانون الإسرائيلي -البند 5 من أمر تمديد فترة سريان حالة الطوارئ (الخروج من البلاد)- وبشكل جارف، أيّ مواطن أو ساكن من السفر خارج البلاد إلى الدول المعرفّة وفقًا للقانون الإسرائيلي كدول "عدو"، إلا إذا حصل المواطن على تصريح من وزير الداخلية أو رئيس الحكومة، وإلا فسيكون السّفر إلى خارج البلاد غير قانونيّ. وتشمل قائمة دول "العدو": لبنان وسورية ومصر والأردن والسعودية والعراق واليمن وإيران.


بعد فوز حليحل وتلقيه الدعوة إلى بيروت، توجّه "عدالة" مرارًا إلى رئيس الحكومة ووزير الداخلية بطلب إصدار تصريح للسفر إلى بيروت، ولكنّ "عدالة" لم يتلق أيّ رد.


يحظى علاء حليحل بتقدير كبير في الأوساط الثقافية في إسرائيل وفي العالم العربي بسبب تعدد مهاراته التي تتراوح بين الكتابة القصصية والمسرحية والصحافية والسينمائية. وقد حاز حليحل في الماضي على العديد من الجوائز في مجال الأدب، من بينها نذكر جائزة مؤسسة القطان الفلسطينية للثقافة والفنون، التي حصل عليها ثلاث مرات في الأعوام 2000 و2003 و2005 وجائزة السيناريو الأفضل التي حصل عليها في مسابقة "آدم فلينت" في المهرجان الدولي لأفلام الطلاب في تل أبيب في العام 2004. وكان حليحل أحد أربع المرشحين النهائيين في المسابقة المرموقة لشركة "رولكس" السويدية في العام 2006.


وفي البلاد حصل حليحل على تقدير في المعاهد الأكاديمية التي تدرس المسرح والسينما، وقد كتب مسرحية قصيرة باسم "الجندي المخلص بالتأكيد" التي عُرضت في أحد المسارح في تل أبيب، إلى جانب مسرحيات أخرى عديدة آخرها "خبر عاجل" في مسرح "الميدان". ويعمل حليحل في هذه الأيام على كتابة سيناريو لفيلم طويل ستخرجه الممثلة والمخرجة الفلسطينية هيام عباس.


وادعى المحاميان جبارين ونعامنة أنّ تقاعس السلطات عن اتخاذ قرار في طلب حليحل بالسفر إلى لبنان، وتجاهل طلباته المتتالية، يمس في حقوقه الدستورية، بما فيها حقه الدستوري بالسفر إلى خارج البلاد وحقه في حرية العمل وحرية التعبير. كما أنّ عدم إصدار تصريح لحليحل من دون سماع ادعاءاته يمسّ في حقه في الإجراء العادل.


تجدر الإشارة إلى أنّ كثيرين من أبناء وبنات الأقلية الفلسطينية في إسرائيل كانوا قد توجّهوا للسلطات الإسرائيليّة في ظروف مختلفة للحصول على تصاريح للسفر إلى الدول العربية المجاورة، إن كان ذلك لزيارة أقربائهم أو للاشتراك في مؤتمرات سياسية أو لأسباب دينيّة أو لأسباب صحافية وثقافية.


"إنّ البند 5 المذكور أعلاه الذي يحظر السفر إلى دول "العدو" هو بند جارف ومجحف. على السلطات تحديد معايير تحدد استعمال الصلاحية بتقييد السفر إلى خارج البلاد، آخذةً بعين الاعتبار ضرورة ضمان الإجراء العادل"- شدّد "عدالة". وطالب "عدالة" في الالتماس بتحديد معايير واضحة لاستعمال وزير الداخلية ورئيس الحكومة لصلاحيتيهما بمنح تصاريح للسفر خارج البلاد إلى الدول المعرفة كـ"دول عدو".


وقال الكاتب علاء حليحل تعقيبًا على قرار العليا: "سعدت جدًا بقرار السماح لي بزيارة بيروت للمشاركة في مهرجان "بيروت 39" وأعتقد أن هذا الحدث غير المسبوق منذ العام 1948 سيكون بادرة خير بكل ما يتعلق بتواصلنا مع
العالم العربي وخصوصا مع الدول التي تعرفها إسرائيل كدول عدو.


"بالنسبة لي ككاتب عربي فلسطيني، أنا وبقية زملائي من عرب الداخل، فإنّ هذه الخطوة ستزيد من تثبيتنا كجزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي العربي العام، وهو بيئتنا الطبيعية والفورية. بيروت ودمشق هما جزء لا يتجزأ من تاريخنا وراهننا ومستقبلنا وهكذا ستظلان.


"أنا أفكر الآن بجميع المعايير والأمور التي ستتغير بعد هذا القرار ومن الصعب وصف سعادتي الكبيرة لهذا الإنجاز. يحق لنا أن نتواصل ونتثاقف مع عالمنا العربي الواسع ومن الجيد أن المحكمة العليا فهمت هذا من خلال هذا الالتماس الهام الذي قدمه مركز عدالة.

"نحن ننتظر الآن المرحلة القادمة التي ستتركز في المسألة الجوهرية والعامة الخاصة بالمنع الجارف ونتأمل خيرًا."


السبت، 10 أبريل 2010

دعوة

يسرنا أن لا ندعوكم إلى

أمسية قراءة وإطلاق لكتاب أدبي جديد

لن تجري يوم السبت القريب، الساعة الثامنة مساءً، في المقهى الشيك-الثقافي،

ولن يشارك فيها الناقد الفلاني والكاتب العلاني،

ولن يوقع فيها الكاتب(ة) نسخًا من كتبه،

ولن يحضر صحافي أو اثنان وكاميراتاهما من المواقع الشبكية،

ولن يسخر من الأمسية أعداء الكاتب(ة) الجالسون في مقهى "فتوش" أو "الرّضا"،

وهكذا لن ينسى أحدٌ الأمسية والكتاب بعد عشر دقائق من نشر الخبر في الإنترنت،
بين حادث طرق واكتشاف بطيخة عليها اسم الجلالة،

وبالتالي لن يشعر الكاتب(ة) بالإهانة-

وهذا أمرٌ حَسَنٌ.


الجمعة، 26 مارس 2010

إلتماس للعليا للسماح للكاتب علاء حليحل بالمشاركة في "بيروت 39"

قدم مركز "عدالة"، يوم أمس الأربعاء 24 آذار 2010، التماسا إلى المحكمة العليا الإسرائيليّة، باسم الكاتب والصحافي علاء حليحل، مطالبًا بالسماح له بالسفر إلى بيروت في شهر نيسان المقبل للمشاركة في مهرجان "بيروت 39"، بعد أن تمّ اختياره واحدًا من بين 39 كاتبًا عربيًا دون سنّ الأربعين، من أفضل الأدباء العرب الشباب.

قدّمت الالتماس المحاميّة حنين نعامنة والمحامي حسن جبارين.

يذكر أن حليحل هو من قرية الجش ويسكن حاليًا في مدينة عكا، وهو كاتب وصحفي ومحاضر ومترجم. ويعمل اليوم كمدير برامج في محطّة "ميكس" الفلسطينية. وفي السنوات الأخيرة نشر حليحل عددًا من الكتب بواسطة ناشرين معروفين في العالم العربي، وترجمت رواياته إلى لغات أجنبية عديدة.

وقد اختير حليحل في آب المنصرم، كواحد من الفائزين في "بيروت 39"، وهي المسابقة التي نظمتها مؤسسة "هاي فيستيفال" Hay Festival، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية والمجلس البريطاني. ويأتي هذا في ضمن اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب للعام 2009 الذي بادرت له اليونيسكو.

وسيشارك الكتاب الذين تم اختيارهم في المسابقة، في فعاليات المهرجان المنعقدة في أماكن مختلفة في بيروت مثل المكتبات والجامعات والمدارس والأماكن العامة الأخرى. وستنعقد حوالي 50 حلقة تتناول مواضيع شتى مثل طبيعة الكتابة وحالة الأدب العربي المعاصر، نفوذ الكتابة وإلهاماتها. كما سيقوم الكتاب بقراءة مؤلفاتهم.

ويمنع القانون الإسرائيلي -البند 5 من أمر تمديد فترة سريان حالة الطوارئ (الخروج من البلاد)- وبشكل جارف، أيّ مواطن أو ساكن من السفر خارج البلاد إلى الدول المعرفّة وفقًا للقانون الإسرائيلي كدول "عدو"، إلا إذا حصل المواطن على تصريح من وزير الداخلية أو رئيس الحكومة، وإلا فسيكون السّفر إلى خارج البلاد غير قانونيّ. ومن بين الدول التي تشملها قائمة دول "العدو": لبنان وسورية والعراق واليمن.

بعد فوز حليحل وتلقيه الدعوة إلى بيروت، توجّه "عدالة" مرارًا إلى رئيس الحكومة ووزير الداخلية بطلب إصدار تصريح للسفر إلى بيروت، ولكنّ "عدالة" لم يتلق أيّ رد.

ويحظى علاء حليحل بتقدير كبير في الأوساط الثقافية في إسرائيل وفي العالم العربي بسبب تعدد مهاراته التي تتراوح بين الكتابة القصصية والمسرحية والصحافية والسينمائية.

وقد حاز حليحل في الماضي على العديد من الجوائز في مجال الأدب، من بينها نذكر جائزة مؤسسة القطان الفلسطينية للثقافة والفنون، التي حصل عليها ثلاث مرات في الأعوام 2000 و2003 و2005 وجائزة السيناريو الأفضل التي حصل عليها في مسابقة "آدم فلينت" في المهرجان الدولي لأفلام الطلاب في تل أبيب في العام 2004. وكان حليحل أحد أربع المرشحين النهائيين في المسابقة المرموقة لشركة "رولكس" السويدية في العام 2006.

وفي البلاد حصل حليحل على تقدير في المعاهد الأكاديمية التي تدرس المسرح والسينما، وقد كتب مسرحية قصيرة باسم "الجندي المخلص بالتأكيد" التي عُرضت في أحد المسارح في تل أبيب، إلى جانب مسرحيات أخرى عديدة آخرها "خبر عاجل" في مسرح "الميدان". ويعمل حليحل في هذه الأيام على كتابة سيناريو لفيلم طويل ستخرجه الممثلة والمخرجة الفلسطينية هيام عباس.

وادعى المحاميان جبارين ونعامنة أنّ تقاعس السلطات عن اتخاذ قرار في طلب حليحل بالسفر إلى لبنان، وتجاهل طلباته المتتالية، يمس بحقوقه الدستورية، بما فيها حقه الدستوري بالسفر إلى خارج البلاد وحقه في حرية العمل وحرية التعبير. كما أنّ عدم إصدار تصريح لحليحل من دون سماع ادعاءاته يمسّ في حقه في الإجراء العادل.

وشدد مركز عدالة على أن "البند 5 المذكور أعلاه الذي يحظر السفر إلى دول "العدو" هو بند جارف ومجحف. على السلطات تحديد معايير تحدد استعمال الصلاحية بتقييد السفر إلى خارج البلاد، آخذةً بعين الاعتبار ضرورة ضمان الإجراء العادل". وطالب المركز في الالتماس بتحديد معايير واضحة لاستعمال وزير الداخلية ورئيس الحكومة لصلاحيتيهما بمنح تصاريح للسفر خارج البلاد إلى الدول المعرفة كـ"دول عدو".

وقال حليحل بعد تقديم الالتماس: "بيروت بالنسبة لي جزء لا يتجزأ من ماضيّ وحاضري ومستقبلي الثقافي والإبداعي. من حقي، كابن الأمةّ العربيّة، أن أكون جزءًا من ثقافة بيروت ومن مبدعيها".


خبر بالإنجليزية عن الموضوع

لقاء في القناة العاشرة الإسرائيلية (بالعبرية)

تقرير في الغارديان (إنجليزية)




الأحد، 14 مارس 2010

باريس: اليوم الأخير

أقرأ في "الأخبار" عن أمسية زياد الرحباني في القاهرة، فتضيق باريس فجأة. يصير المكان عقبة وليس نعمة، وتتبدل المشاعر، فأحنّ إلى القاهرة مجددًا.

ماذا بين القاهرة وباريس؟

لا شيء تقريبًا سوى الطلائعيين المصريين الذين أتوا باريس كي يدعّموا أسس القاهرة الماضية إلى حداثة القرن العشرين. القاهرة التي ظلت مركزًا حضريًا ثقافيًا كونيًا حتى ثورة يوليو وتحويلها إلى عاصمة "عربية قومية" لا تحتمل الأجانب كثيرًا.


في باريس لا يحتملون الأجانب كثيرًا أيضًا. القومية الفرنسية (والكثيرون سيقولون القومجية) لا تحتمل المختلف الآن، لأنّ المختلف مسلم، رغم أنّ الصينيين يتوسعون الآن في فرنسا في جميع أنواع البيزنس وربما يغيرون طابع "القومية الفرنسية" بعد عشرين عامًا. ولكن لا أحد يتهجم على النودلز.


اليوم ليلا ستغادر الطائرة عائدة إلى مطار بن غوريون الدولي. كان الأسبوع الأخير خاليًا من العبرية وإسرائيل و(قرف) السلطة الفلسطينية. كان أسبوعًا هادئًا يبعث على الخدر قليلا. يمكنك بسهولة أن تستسلم لهدوء باريس الصاخب قليلا وأن تنسى ما يشدّك كلّ صباح إلى عناوين الصحف ونشرات الأخبار. يمكنك أن تعيش خارج الحدث، رغم أنك في أهم مراكز الحدث في العالم.


سأذهب الآن إلى متحف بيكاسو. ولولا تذكير وتنبيه العزيز نبيل أرملي لما فطنت لذلك في خضمّ انشغالاتي. ولكنني أحب بيكاسو كثيرًا. أذكر توقي إلى رسمه وتمثيله (من تمثال) أثناء دراستي للفنون الجميلة قبل 9878273 سنة (نعم! أنا فنان متقاعد). سأذهب الآن وأبحث عن تلك الرسمة من فترته الزرقاء. ما اسمها؟ تلك التي تجمع رجلا وامرأة يقفان إلى جانب بعضهما البعض ويحني أحدهما رأسه على كتف الآخر. وتمثال رأس الثور طبعًا المصنوع من معدن دراجة هوائية. هل سأجدهما في هذا المتحف؟


البعض تبرم عن طريق المزاح متسائلا في الرد على رسالتي شبه اليومية بكتاباتي (شبه) اليومية من باريس: "مطولي رحلتك لباريس؟" وبما أنّ المزاح لا يحمل إلا الجدّ، فإنني لا أعرف حقا إذا كانت هذه الكتابة والتذكير بها في الرسائل الإلكترونية مصدر سرور أم انزعاج لكم. وكما تساءلت إحدى القارئات: أقرأ مذكراتك من باريس ولا أعرف لماذا أقرأها- فهي لك وليست لي.


وأنا لا أعرف أيضًا، صراحة (سمايلي).


سيكون يومي طويلا بين التسكع في المتحف ثم المقاهي ثم بعض المشتريات الأخيرة لدشدوشة، ثم السفر إلى المطار ثم الطائرة ثم بن غوريون ثم عكا. ما يهمّ أننا وصلنا، الرفيقة هيام وأنا، إلى صيغة جديد للفيلم، نحبها، رغم قمعها المتواصل لي ولأفكاري الجذابة. شخصية هيام قوية وربما طاغية في بعض الأوقات، إلا أنّ حبها للسينما ولما تفعل يجعلك تحبها وتحب العمل معها، لدرجة الامتنان للآلهة أنها شريكتك في هذا الفيلم.


شكرا هيام...


شكرًا باريس.


غدًا سأعود إلى الوطن. وستعود دشدوشة لتنتق عليّ كما تحب أن تفعل وهي تعض أنفي بشراهة.