الاثنين، 21 يونيو 2010

هلوسات "غوغلية": طفل ومعاش وكندا


لم أعرف كيف أهضم ما فعله بريد "جيميل" معي قبل عدة أيام؛ فهم يَدرجون منذ فترة طويلة على وضع إعلانات تجارية في أعلى صفحتك في الأيميل، على شكل عنوان لموقع ما، يُبشر عادة بالدين أو بمكنسة كهربائية جديدة أو بصفقة فياغرا سترفع رأسك عاليًا.

ومن خلال اطلاعاتي الما-ورائية في عالم الإنترنت قرأتُ فيما يقرأ الخائف من المخابرات والملاحقات أنّ شركة "غوغل" تلائم الإعلانات التي تظهر في أعلى صفحتك البريدية لتنقلاتك وتحرّكاتك في الإنترنت، من خلال مراقبة وتتبع الصفحات التي تزورها والكلمات التي تبحث عنها في محرك "غوغل" (إليكم نصيحة مجانية تعلمتها من مُهَلوس آخر مثلي أقدّمها مجانًا من أجل قراء مدوّنتي الوقورة: إذا أردتم الإبحار في مواقع حسّاسة (سكس، أمن، سكس، أمن) أو البحث عن كلمات أكثر حساسية في محرك "غوغل"، ولم ترغبوا في أن تتعقب ماما "غوغل" تحرّكاتكم وتدرسها وتحفظها، عليكم أن تخرجوا من الجيميل (سايْن آوْت) قبل هذه الأفعال المشينة وهكذا تفقد "غوغل" القدرة على توثيق تحرّكاتكم. ولا تنسوْا: مدونة علاء حليحل تكفيكم وتغنيكم!).

فإذا نشطتَ هذا الأسبوع، مثلا، في نكش المواقع الإباحية ستظهر إعلانات في أعلى صفحة بريدك تبشّرك بدواء سحريّ يُطيل عضوك بإنشات كثيرة، قد تدبّ الخلاف بين المفاوض الإسرائيلي والمفاوض الفلسطيني حول من سيحصل على أكبر عدد من هذه الإنشات الفيّاضة كونك عربيًا-فلسطينيًا-مواطنًا-إسرائيليًا (إنتهبوا إلى اللعب بالكلمات في كلمة "فيّاضة"- للتنويه فقط).

وهكذا، وبلا "طول" سيرة، وجدتُ اليوم إعلانًا قصيرًا بسيطًا في أعلى الإيميل: "هل ترغب في العمل والهجره إلى كندا؟" الجواب طبعًا في موقع إنترنت لن أورد عنوانه خشية أن أُتّهم بتشجيع الهجرة من الأراضي المقدسة (أكبر مزبلة في التاريخ المعاصر)، مع أنني شخصيًا أرغب بذلك بحرقة كبيرة. ولكنني تساءلتُ فورًا: هل هذه صدفة محضة أم أنّ "غوغل" يساعد أفيغدور ليبرمان على تطفيشنا من هنا؟ هل وردت هذه الدعاية في صفحات غوغلية أخرى في العالم، أم أنها حصرية لعرب الداخل؟

من الصّعب طبعًا أن أجيب عن هذه التساؤلات، لكنني تأبطتُ شرًا وأرسلتُ رسالة تساؤلية-اتهامية-مُزاودية كما نتقن نحن الفلسطينيين أن نفعل، إلى فرع المساعدة في شركة "غوغل"، مفادها: بعرض إمكو، مقصودة والا لأ؟؟ وقد انتبهتُ لاحقًا إلى أنّ قسم الإعلانات في قارة "غوغل" يعد بأن ينظر في جميع التوجّهات التي تصله بخصوص الإعلانات المنشورة، إلا أنه لا يردّ ردودًا مباشرة للمتوجّهين والمواضيع التي يطرحونها. يعني راح الآيتم.

ولكن قبل نعي الآيتم: لا بدّ أنّ عددًا من المسؤولين في "غوغل" يجلسون الآن في اجتماع طارئ، ينحنون على الطاولة المدوَّرة المصنوعة من المَرمَلادا (هل رأيتم صور مكاتب هذه الشركة؟ إشي ببعص!)، يتحلقون حول الهاتف المصنوع من الشوكولاتة البيضاء وأحدهم يتحدّث إلى سيرغي (المدير الكبير) عبر السّماعة:

"وصلتنا رسالة من عربي يقول إنه فلسطيني من إسرائيل، هل هذا معقول؟..."

لا بدّ أن سيرغي قد غَوْغَلَ هذه الكلمات في محرّكه الشخصيّ تبع أبوه ولا شكّ أنه يحاول الآن قراءة جميع التقارير التي أصدرها "عدالة" ومركز "الجليل" و"مساواة" ومركز "حماية العرب من الغرق في الشطآن"، ويحاول أن يفكّ المعضلة.

"المهم، ما المهم؟؟" سيسأل سيرغي بسرعة بعد أن يغرق في التفاصيل، وسيجيب أحد المرؤوسين الذي يقف حول الطاولة ومن ورائه كرسيه الوثير المصنوع من ريش عصافير الجنة:

"إنه يشتكي من أننا وضعنا له في صفحة بريده إعلانا يشجّع على الهجرة إلى كندا وأننا نتعاون مع أفيغدور ليبرمان على طرد العرب من إسرائيل. ماذا سنفعل؟ نحن نخشى أن تصبح هذه قضية أكبر من قضية أسطول غزة، ويصبح هذا المِلحاح معروفًا أكثر من هانين زوآابي..."

ولا شكّ في أنّ سيرغي سيبحث عندها عن اسم ليبرمان في محرّك أبيه وأمه، وما أن يرى صورة أفيغدور المرعبة حتى ينظـُز إلى الوراء ويصرخ:

"ما الذي فعلتموه؟؟! هل سنعلق مع مجانين الشرق الأوسط؟!"

ستحصل بالتأكيد حالة ارتباك، وسيأمر مدير القسم سائر الموجودين في الغرفة بمغادرتها، وسينحني فوق الهاتف ويهمس لسيرغي:

"يمكننا أن نتجاهل الرسالة."

"ولكن لماذا ننشر أصلاً إعلانات تشجّع على الهجرة إلى كندا؟ ماذا يوجد في كندا أصلاً؟"

"هذا بالضبط ما جعلهم ينشرون الإعلان. لا أحد يريد الذهاب إلى هناك."

"والعمل؟"

تفكّر مدير قسم الإعلانات في "غوغل" قليلا، ثم قال بهدوء:

"ربما وجّهنا نسخة عبرية من هذا الإعلان إلى اليهود في إسرائيل. عندها سينشأ توازن بين العرب واليهود ولن يجرؤ أيّ طرف على التبرّم من هذا الإعلان."

"هل تريد نشر إعلان يدعو اليهود للهجرة من إسرائيل؟ هل تريد أن نعلق بقصص الهولوكوست وعذابات الشعب اليهودي منذ أن اضطروا لاحتمال تأتآت موسى غير المفهومة؟"

لحظة صمت.

"ماذا قلت؟" سأل سيرغي مدير الإعلانات بفارغ صبر.

"سنتجاهله. ماذا يمكن أن يفعل؟"

"سيخرج بحملة إيميلات ضدنا، ثم في الفيسبوك... ألا تذكر كم إيميل يرسل الفلسطينيون في اليوم؟"

"نعم، نعم..."

"فلنقترح عليه وظيفة."

صفن مدير قسم الإعلانات إثر سماعه لاقتراح سيرغي صاحب محرّك "غوغل".

"وظيفة؟"

"نعم، وظيفة، بضعة آلاف من الدولارات شهريًا لسنة مكسيموم. هل سيرفض مثل هذا العرض؟"

"وأية وظيفة سنقترح عليه؟"

"مراقب للإعلانات بالعربية في بريد "جيميل"."

"هذه فكرة عبقرية!"

إبتسم سيرغي لهذه التلحيسة المداهمة من مرؤوسه. فهو لم ينجح يومًا في مقاومة تأثير هذه التلحيسات والمداهنات عليه، رغم أنه يعرف أنها مزيفة. لكنه كان يحبّ وقعها، الأثر الذي تتركه في نفسه، شعوره بالتميّز، بالتفرّد، بقدرته على إخضاع الناس لأهوائه، بحبّه لنفسه وحبّه لممارسة هذا الحبّ (معذرة، لم أقصد أن أكون عميقًا لهذه الدرجة...).

"ولا تنسَ التحدث إلى ليبرمان هذا..."

"ليبرمان؟"

"نعم. قل له إننا بحاجة إلى مراقب إعلانات في "غوغل" بالعبرية."

"...."

"أم تفهم؟ من أجل التوازن! هل تعرف ما سيفعله بي اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية إذا عينتُ فلسطينيًا فقط لمراقبة الإعلان؟... ألا تذكر كم إيميلاً يرسل هؤلاء في اليوم؟"

تنهّد مدير قسم الإعلانات ثم انتهت المحادثة. رفع السّماعة وطلب رقمًا داخليًا:

"إسمع، إبعثوا رسالة إلى هذا الفلسطيني وقولوا له إننا نظرنا في رسالته ونعتبرها خطأً ونحن نسعى لتفاديه مستقبلاً، ولذلك نطلب منه أن يعمل معنا مراقبًا للإعلانات باللغة العربية بمرتب 4000 دولار شهريًا... نعم، نعم، لا تجادل... واسمع، اتصل بمكتبنا في إسرائيل. لتيحدثوا إلى مكتب أفيغدور ليبرمان (شهقة عبر سماعة الهاتف من الطرف الآخر)... نريد مراقب إعلانات باللغة العبرية أيضًا... نعم، نعم، لا تجادل هذه أوامر سيرغي."

منذ أيام وأنا أنتظر إيميل التعيين ولكنه لم يأتِ، حتى إنني اتصلت اليوم صباحًا إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية لأتحدث إلى ليبرمان وأسأله عن اتصال "غوغل" به ولكنهم أغلقوا الخط في وجهي.

مع ذلك، أعيش منذ أيام حالة من الانتشاء الغامر، حيث أنتظر طيلة اليوم إيميل التعيين من شركة "غوغل"، وأحلم بأنني سأسدّد العجز المزمن في حسابي البنكيّ وسأشتري لابتوب جديدًا بدلا من لابتوبي الذي يعمل على الديزل. وإذا عملتُ لسنة واحدة على الأقل يمكنني عندها أن أغامر وأردّ على المدام ونوصي على الطفل القادم قريبًا؛ حتى إنني أتخيلها منذ يومين حبلى وحالتها ريعه وأبتسم في سرّي. ثم تذكرتُ أنّ حبيبتها/عزيزتها إيفا هي التي حبلت قبل أيام، فهل يكون حبيبي/عزيزي رازي هو الذي تلقى اتصال "غوغل" وبدأ يعمل معهم في الإعلانات؟!

لا، لا، "غوغل" تنتظرني أنا. وستحبل المدام وسأشتري لابتوب جديدًا وسيُولد محمود في كندا وسيحصل على الجنسية ويُجنّسنا معه إلى الأبد.

اللهم آمين!




الاثنين، 14 يونيو 2010

الآن الآن وليس غدًا: هشام نفاع لرئاسة تحرير "الاتحاد"


نزلنا، هشام نفاع وأنا، درج مبنى جريدة "الاتحاد" السّابق في حي وادي النسناس (شارع الفارابي)، وكنا نيمّم شطر فلافل ميشيل كي نتناول غداءنا المنهجيّ المتفق عليه: الفلافل. كان هشام يُسدي لي النصائح في كيفية إدارة وتحرير ملحق "عيش وملح"، الذي كنا نخطط لإصداره في الجريدة وتبقت على خط الموت (دِد لاين) أربعة أيام لا غير.

وقد أثار تسلّمي لتحرير الملحق الجديد وقتها غبارًا ورمادًا في أروقة الجريدة وخارجها، حيث كنت وقتها تلميذ أبو الأديب (وائل واكيم) على حاسوب الماكنتوش الذي كنا نُمنتِج عليه الجريدة، وكانت مهاراتي التفاحية (نسبة لشركة "apple" الشهيرة، قبل أن يكتشفها الرعاع) في تبلوُر مستمرّ تحت رعاية وتوجيهات "أبي الأديب". فكيف يُسلّم ملحق جديد في الجريدة لمونتاجير، هو أصلا لاجئ من قسم التدقيق اللغوي، حيث لم يُعمّر هناك طويلا بعد أن نزف فيه أخطاء لغوية ومطبعية فاحشة أحرجت الحزب والجريدة.

خزّنتُ نصائح هشام ("بو نايفة") وقتها وعملتُ قدر الإمكان بموجبها. كان هشام يسبقني باعًا وخبرة في الصحافة، وكنتُ بحاجة إلى الكثير من السنوات بعدها كي أتبيّن حجم فضله الكبير عليّ، كصديق وزميل ومعلم. ولكنني لست الوحيد الذي يحتاج إلى عدد هائل من السّنوات كي يكتشف البديهيات؛ أحزابنا تحتاجها أيضًا.

فالرفيق "بو نايفة" يعمل في "الاتحاد" سجالا وتباعًا منذ سنوات طويلة، يأتي ويذهب، يتفاءل ويستسلم، ثم يتفاءل ثانية. وفي كلّ مرة كان يعيد كَتْب كتابه على الجريدة الهرمة كنا (بعض الأصدقاء وأنا) نوسعه سبًا ولومًا وشتمًا (أمامه ومن وراء ظهره) لإنه يُلذع للمرة العاشرة من نفس الثقب.

لكنّ عودته الأخيرة إلى "الاتحاد" تختلف هذه المرة، لعدة أسباب، أهمّها وفاة رئيس التحرير السّابق أحمد سعد وخلوّ كرسي رئاسة التحرير، وعدم تعيين خليفة له حتى كتابة هذه السطور. فالحزب هنا غير مجبر على فصل أحد ولا على إعادة النظر أو التقييم أو المراجعة بحقّ أحد، كما أنه غير مجبر الآن على البتّ بين معسكرات أو توجّهات في المكتب السياسي أو اللجنة المركزية تتعلق برئيس التحرير الموجود، مقابل ذلك الموعود.

ولمن لا يعلم، فإنّ هشام نفاع هو أصلح من يكون لرئاسة تحرير هذه الجريدة منذ عزل إميل حبيبي حتى اليوم (بحكم امتحان النتيجة والممارسة)، برغم تعاقب الرؤساء والمرؤوسين من وقتها. إلا أنّ الماكينة الحزبية لا تسمح بتعيين صحافي فذّ كهشام، لا يُعدّ في ضمن قائمة "أمرك سيدي" (yes man). وكي لا تُفهم هذه المقالة على أنها تقريظ بحق الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي لا أحبه ولا يحبني، أقول وألحّ أنّ هذا صحيح في جميع الأحزاب قاطبة.

إلا أنّ ما يدفع إلى كتابة هذه المقالة غير الاعتيادية، سُنوح فرصة ذهبية كي ينقذ الحزب الشيوعي، وقبل فوات الأوان، جريدته-جريدتنا. فـ "الاتحاد" جريدة هامة رغم أفول نجمها وشبابها وتاريخها الذهبي وترهل جسدها وتورم مفاصلها؛ هامة في نوستالجيتها وتاريخها وهامة في دورها الذي يمكن أن تلعبه، رغم كلّ الظروف. تعيين هشام رئيسًا للتحرير سيزيد من هذه الإمكانيات بدرجات كبيرة جدًا، وقد يؤدي بشكل ما إلى إعادة الاعتبار إلى الصحيفة التي صاغت صحافيينا وصاغوها، هذّبتهم وهذّبوها، نافستهم ونافسوها. عودة "الاتحاد" كصحيفة ندّية، قوية، لها حضورها، سيجبر الجميع على التعامل المختلف مع المشهد الصحافي والإعلامي، حتى لو اقتصر الأمر على الصحف الحزبية المنافسة.

لست من المؤمنين الكبار بقدرة السياسيين والحزبيين على اجتراح القرارات الملائمة في الأوقات الملائمة. لكنني أومن أحيانًا ببعض الحتمية التاريخية (رغم أنني لست شيوعيًا البتة)، ومن ضمن هذه الحتميات انتصار الجودة على الاعتبارات الضيقة، انتصار الثقافة على السياسة، انتصار الخيار الأصحّ (والأصعب) على الخيار الأسهل (والأسوأ).

قبل سنوات كتبتُ مقالة دعت إلى تعيين أيمن عودة سكرتيرًا عامًا للجبهة، رغم صغر سنّه وقتها واستنفار الكثيرين ضدّه. وبعد نشر المقالة اتصل بي أحد الخبثاء وقال إنّ مقالة مني بالذات داعمة لأيمن ستقضي على أيّ احتمال بانتخابه، من باب: أنظروا من يروّج له...

لا أعرف إذا كان هذا سيُقال اليوم أيضًا حول تعيين هشام نفاع رئيسًا للتحرير، من نفس الباب أيضًا، ولكنني أعزّي نفسي دائمًا، بقليل من المتعة، أنّ عودة انتخب حقًا سكرتيرًا عامًا للجبهة بعد كتابة مقالتي تلك. يبدو أنّ الحتمية التاريخية قد تنتصر أحيانًا على الحزب الذي يحمل رايتها. في حالة هشام سيكون هذا الانتصار لنا جميعًا.


الخميس، 10 يونيو 2010

5 ملاحظات على أسطول الحرية: حنين زعبي كمثال



1
من المتبع في مناحينا أن نخجل من شخصنة النضالات وأن نسعى بكلّ صيحاتنا كي نسبغ القضية العينية لقائد/ة بشعارات الوحدة و"كلنا" و"قضيتنا جميعًا". ومن الجائز أن يكون هذا الأمر مُحبذًا عندما يكون الفرد الذي في الواجهة انتهازيًا بجدارة أو منتحلا، مثل أن تنشر عن تهديد على حياتك بعد شهر من وقوعه، لمجاراة العناوين الآنية. ولكنّ هذه النزعة سيئة أيضًا في حالة النائب حنين زعبي، التي برزت –هي ورائد صلاح- في الإعلام الإسرائيلي والعربي بعد مجزرة أسطول الحرية.

نحن بحاجة إلى نساء قائدات وبحاجة ماسّة إلى إبرازهنّ بالاسم والصوت والصورة وعدم الاختباء وراء "نحن" مفتعل أو مبالغ به، لاعتبارات تنافسية حزبية (الأحزاب مقابل بعضها البعض والأحزاب على نطاق صراعاتها الداخلية). يجب أن يظلّ اسم حنين زعبي في العناوين رغم الحساسية و"الحَكّة" اللتين يمكن أن يسببهما هذا للكثيرين؛ فالسياسة في عصرنا عناوين وصورة أو كليب من ثلاثين ثانية. أنا كعربي في الدولة لا اسم لي ولا صورة إلا أسماء وصور قياديينا وآخرين من أهل الثقافة والفن، يرانا العالم من خلالهم. يجب أن نحمي هذه الصور والأسماء وأن نبرزها عاليًا، فكلما برزت زاد حضورنا في العالم.

إلى الأمام حنين زعبي ولا تتنازلي عن أيّ لقاء صحافي أو عنوان أو صورة. نحن بحاجة إليك في العناوين.

2
لماذا لم يكد أحد أن "يلتكش" لرئيس لجنة المتابعة العليا، محمد زيدان، العائد من وغى مجزرة الأسطول، كما حدث مع زعبي وصلاح؟ حتى إنّ الكثيرين –بعد كل هذه الضجة في الأيام الأخيرة- لم يسمعوا بوجوده أو لو يسمعوا له صوتًا. أهو تقصير من إعلامنا العربي أم أنّ إعلامنا وجمهورنا باتا يائسيْن من لجنة المتابعة المهترئة إلى هذه الدرجة؟

3
أعجب من التنظيمات النسوية العربية في البلاد (واليهودية طبعًا، ولكن لنترك هذا الآن)، التي لم تحرّك ساكنًا نسويًا بعد الهجمة الشوفونية الذكورية الساقطة على حنين زعبي في الكنيست. كما أنني أعجب وأتساءل حقيقة كيف تعمل هذه التنظيمات النسوية (المعدودة على "الجبهة" و"التجمع" على حدّ سواء)، وبأيّ عقل تفكّر. فالتنظيمات النسوية في العالم تنتظر فرصة لا تتكرر أبدًا كهذه كي تحمل قضية نموذجية بجدارة وتغزو الشوارع والإعلام. ماذا تنتظر هذه التنظيمات؟ وإذا كان الأمر سيكون "مفهومًا" مع هزة رأس عاتبة بما يخصّ التنظيمات النسوية "الجبهوية"، فماذا مع الباقي؟ هل فكر أحدهم بأنّ ربط قضية زعبي بالأجندة النسوية قد يقود إلى مسار خلافيّ لدى جماهيرنا الصامدة؟ وفي حال كان هذا صحيحًا أليس من اللازم على جميع نسويات البلد أن يقررن نهائيًا والآن: أنتنّ حزبيات أم نسويات؟ الاثنتان لا تجتمعان وإذا اجتمعتا فالحسم دائمًا لصالح الحزب. أنظروا إلى "الجبهة" و"التجمع" وسترون الأمر ببساطته.

أين الندوات؟ أين المقالات؟ أين الحملات؟ أين النشاطات؟ أين الأجندة النسوية؟ أين إبراز أنّ زعبي نسوية بارزة ورائدة؟ وأين رفض الذكورية علنا والإشارة إليها كموبق لا يقلّ خطورة عن الاحتلال بذاته؟... إمرأةُ تُهان في المشهد الجماهيري-السياسي العام لأنها امرأة (عزباء في الـ 38 من عمرها) وجميع نسويات البلد غائبات (عن الأفعال النسوية وليس الحزبية). النسوية فعل صداميّ مستمرّ وليست رحلة تسويات مريحة مانعة للإحراجات.

هذا فشل عَرمْرَم يستوجب ألف سؤال وألف محاسبة!


4
أستعجب أيضًا أن يقول سياسيّ بارز من عندنا إنه يغفر لتركيا 400 عام من الاحتلال بعد مجزرة الأسطول. عفوًا؟... من قال إنّ تركيا المهدي المخلص، ولماذا نهبّ كالأطفال السُذج –في كل مرة من جديد- لننقاد وراء حماسة تبرد لاحقًا، متناسين أنّ تركيا دولة مستقلة لها مصالحها وصراعاتها الداخلية المستفحلة، والحزب الإسلامي الحاكم يستخدم غزة وفلسطين في صراعه الكبير مع المحكمة العليا التركية والجيش العلمانيين؟ تركيا ليست ملاكًا يبكي على أقدام الفلسطينيين، وإلا لما اكتفت بالاستنكار كالنعاج عندما فلحوا غزة قبل أقلّ من سنة. وكيف يمكن أن ننسى تخلف وغباء وإكراه 400 عام من الاستعمار لمجرد أنّ الرئيس التركي غضب على دولة إسرائيل؟ أين أسطوله الحربي الذي توعّد به؟ من المفترض بالسياسيين أن يقودوا الناس، أن يوجّهوهم، أن يصوّبوهم، لا أن يركبوا على موجات الحماسة الشعبوية الإنفعالية.

نشكر تركيا على دورها الحالي ونأمل أن لا يتغير موقفها أو أداؤها وفقا لتطورات علاقاتها وغزلها الدائم مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

5
كان من الخطأ أن يقاطع النواب العرب جلسة الكنيست التي ناقشت مسألة تجريد النائب حنين زعبي من بعض امتيازاتها. لماذا مقاطعة مثل هذه الجلسة وعدم مقاطعة النقاش في الهيئة العامة أو لقاء في القناة الثانية مثلا؟ في جميع هذه الأماكن اللعبة "مَبيوعة" إذا كان هذا السبب. يجب أن نكون حذرين في مسألة المقاطعة هذه. من يرغب في لعب اللعبة السياسية والإعلامية عليه أن يكون مثابرًا فيها وواضح الرؤية. كان على زعبي أن تكون هناك أيضًا، وأن تقشر المزيد من طبقات الحقارة التي يرتع فيها الكنيست الإسرائيلي.


السبت، 8 مايو 2010

موراكامي على الشاطئ


يُحوّلك هاروكي موراكامي إلى عجينة طيّعة في يده. حين تقرأ روايته "كافكا على الشاطئ" تنجرّ رويدًا رويدًا إلى العالم الذي يبنيه لك كقارئ، لتصبح مع الوقت أسير الغرائبية الكبيرة (الميتافيزيقية) بحيث تتحول هذه الغرائبية إلى معطى "طبيعي"، "سويّ"، لا يبعث على العجب، حتى حين تمطر الدنيا سمكًا وديدان علق.

وكما يحدث معك عند مشاهدة مطر الضفادع الكبيرة في فيلم "مغنوليا"، تتعجب من قدرة موراكامي على تسجيل الغرائب و"المعجزات" بجرة قلم، والأدهى أنه يقنعك بحدوثها بسلاسة ومن دون أية محاولة لإقناعك بصوابها أو واقعيتها. ويستطرد صاحب "الغابة النرويجية" في تناول قصة "كافكا"، الشاب ابن الخامسة عشرة، الذي قرر الفرار من بيته في طوكيو، ليخرج في رحلة غريبة تجعل تصنيف هذه الرواية في ضمن روايات "ساينس فيكشن" (العلم المتخيّل) تصنيفًا جديرًا، رغم محاولة الكاتب الكبيرة في "البقاء بقدميه على الأرض" من حيث معطيات العالم الذي يبنيه؛ فهو واقعي ولا شيء غريبًا فيه رغم أنه مليء بالغرابة والأعجوبية.

موراكامي كاتب كبير. إنه فنان السّرد بلا منازع. يبدأ الرواية في أطراف خيوط متناثرة، ممتدة السنوات والأمكنة، ليجمعها كلها في قصتين مركزيتين في نصف الرواية الأخير، لينتقل من الفتى كافكا إلى المُسنّ ناكاتا في متتالية مشهدية حريصة وثابتة: مشهد كافكا ومشهد لناكاتا، حيث ينجح من خلال هذه التقسيمة في رواية قصص الشخصيات الرئيسة والثانوية بعمق وقرب وحب كبير. حتى عندما تنضم إلى الرواية شخصية هوشينو سائق الشاحنة في الثلث الأخير من الرواية تشعر بأنه كان هناك منذ الصفحة الأولى.

لن أسهب في توصيف الشخصيات وقصصها وبعض الحبكة لأنّني لا أريد أن أفسد عليكم متعة القراءة. فعملية الاكتشاف البطيئة التي يدخل القارئ فيها شريكًا توازي متعة النص نفسه. إنها مؤامرة صغيرة ينجح الكاتب في زجّكم فيه، تصبحون شريكين فيها من حيث لا تدرون، تنتظرون الفصل القادم بشوق وتحاولون فك معالم ما سيحدث، من دون نجاح في الغالب.

هذه هي الرواية الأولى التي أقرأها لهذا الكتاب (معذرة على التأخير) وصدرت له روايات أخرى عديدة أهمها "جنوب الحدود، غرب الشمس" و"سبوتنيك الحبيبة" (الكتب الأربعة الواردة هنا صدرت بالعربية ويمكن شراؤها عبر الإنترنت من هنا). سأبحث عنه دائمًا وسأقرأه بمتعنٍ مرتين: مرة كقارئ يطلب المتعة اللذيذة المخدّرة في نصّ روائيّ مَتين ومُشوّق، ومرّة ككاتب يسعى ليدرس مفاتيح السّرد المتقنة في نصوص فنانين كبار.

كلمة
صدر هذا الكتاب في ضمن المشروع الضخم للترجمة، "كلمة" (مع المركز الثقافي العربي)، الذي انطلق قبل سنوات قليلة وهدفه ترجمة مئة كتاب (في المرحلة الأولى) من اللغات الأجنبية إلى العربية. وهي "مبادرة طموحة غير ربحية تموّل ترجمة أرقى المؤلفات والأعمال الأدبية الكلاسيكية والمعاصرة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية ومن ثمّ طباعتها وتوزيعها"، كما جاء في الموقع الرسمي، حيث يمكن الاستزادة عن المبادرة والمشروع هناك.
بورك هذا المشروع وبورك القائمون عليه.

لمحة عن حياة هاروكي موراكامي
من مواليد كيوتو عام 1949، ويعيش حالياً قرب طوكيو. يُعتبر من أبرز كتّاب الرواية في اليابان والعالم، تُرجمت أعماله إلى 34 لغة، ونال عدة جوائز بينها جائزة يوميوري الأدبية وبوكرز للرواية. كل رواية لموراكامي هي حدث تتناوله الصفحات الثقافية في صحف العالم الكبرى. وينتظرها القراء بشغف، وتطبع ملايين النسخ بعدة لغات.


الجمعة، 30 أبريل 2010

بحثتُ عن غيره




في الذكرى الثانية عشرة لرحيل الشاعر نزار قباني

علاقتي بالشاعر نزار قباني مدٌّ وجزرٌ. فمن قراءةٍ استحواذيةٍ ومُزلزلةٍ في المراهقة، إلى ابتعادٍ في العشرينيات تصاحبه عدائية مُعلنة، ثم عودة إلى منتصف الطريق في منتصف ثلاثينياتي: ذهابُ العدائية وعودة الألفة، رغم توقفي عن قراءته تمامًا. أشبَه ما يكون بالأب الذي يمنحنا مفاتيح الكلام والحياة، ثم نقتله كي نخرج إلى الحياة أشخاصًا مستقلين، ثم نعود إلى اكتشافه من جديد بعد أن تحرّرنا منه. نعيد اكتشافه ولكننا نخجل من خيانتنا له، فنظلّ نرقبه عن بُعد باستِحياء، لعله لن يقبل رجعتنا.

لم تكن قصائد نزار عادية لي –ولجيلي- في نهاية الثمانينات، حيث كانت الكتب (العربية- والشعر منها خصوصًا) نادرة (وبلا إنترنت طبعًا)، وكانت عادة بيع الكتب من بيت إلى بيت ما زالت تحفظ بعضًا من ماء وجه القراءة الشغوفة. كانت كتب نزار (المنسوخة والمُباعة بلا ترخيص) ألمع ما في جعبة الطلاب الجامعيين الذين كانوا يفتلون القرى لبيع ما يمنحهم ليسدّ رمقهم الجامعيّ. وقتها بدأتْ تتفتح براعم المراهقة ومفاتيح الشبوبية الحسّية المشتعلة، في آخر ما تبقى من ريف فلسطين التاريخية في قرية جليلة هادئة ومنعزلة. كانت "طفولة نهد" و"الرسم بالكلمات" وغيرها إنجيل المراهقة بجدارة، نحفظها عن ظهر قلب ونكتب كلماتها المزركشة على مفكراتنا الطلابية وهوامش كتب التاريخ والدين والجغرافيا. لم يكن نزار مثار الشعلة أو مُحفزها؛ كان الشعلة ذاتها، نارها ووهجها وأبجديات تشكلها.

أعتقد أنّ التغيّر حدث عند الخروج من القرية إلى المدينة (حيفا). فجأةً لم تعد كلمات نزار تُدفئ الجسد والروح مثلما فعلتْ في برد الجليل الأعلى. كانت حيفا –لي- أكبر من مفردات العشق البريء ولم يكن من الممكن على هذا الريفيّ اللاجئ إلى غربة المدينة أن يرسم بالكلمات أيّ سطر أو لوحة. ورويدًا رويدًا، إبتعدتُ عن نزار. صارت مكتبة جامعة حيفا (الكبيرة) بقسمها العربيّ الملجأ والشعلة. صار محمود درويش ولوركا وسعدي يوسف وأمل دنقل أكثر حضورًا من نزار؛ صارت روايات "رياض الريس" بقطعها الصغير القديم رفيقة الليالي وصار الأدب الأوروبي المترجَم باختلافه المحفز والباعث على التفكير.

مع الوقت، نسيتُ نزار. نسيت جميع قصائده. ومع الوقت صرت عدوانيًا تجاهه أيضًا. ما يشبه "فذلكات البلوغ": أي أنني لم أعد مراهقًا يمشي أسير كلمات العشق وتبهره كلمة "نهد"، بل صرتُ بالغًا، "نقديًا"، أنتي-رومانسيّ. وهكذا، غلبتني الكَلبيّة فأدرتُ ظهري لنزار ورومانسيته وضِعتُ في تلابيب ما بعد الحداثة الباردة في معظمها. كان العداء لنزار وعبد الحليم حافظ (رمز الرومانسية الثاني) والتندّر عليهما من دلائل النضوج والوعي والعمق. هكذا اعتقدنا على الأقل.

الآن، أطلّ من جديد على رومانسيتي الفقيدة، على طفولتي البعيدة، على مراهقتي الريفية الخلابة قضيتها في القراءة والتدخين سرًا تحت البلوطة الكبيرة مع "رفاق السوء" والتحدث عن نزار وجبران خليل جبران وأطياف النساء. أطلّ وأرى نزار بضوء جديد، بلا حاجة لإثبات "وعي" أو "نضوج" أو "ما بعد حداثوية". أراه الآن مؤسِّسًا لقدْر من تعاملي مع النساء وفهمي للحبّ والجنس، رغم ابتعاد السنين وتعلم المزيد والمزيد- من التجربة وليس من الكتب هذه المرة.

نزار قباني مرحلة حاسمة في تشكل وعيي وشخصيتي، وأعتقد أنه كان حنونًا ومُحبًّا بما يكفي كي يمنحني وقتها مفاتيحَ ورموزًا للخروج إلى الحياة، ثم ليتنحّى جانبًا بلا أيّ شعور بالأسى ويقول بهدوء: إبحث عن غيري.


(نُشرت المقالة في الملحق الثقافي في "الدستور" الأردنية؛ لمعاينة الملف الكامل عن قباني يُرجى الضغط هنا)



الخميس، 22 أبريل 2010

بركان، لندن، بركان


أول ما فعلته ترتيب غرفتي.

منذ أن وصلتُ إلى فندق "غرنج وايت هول هوتيل" في منطقة راسل سكوير في لندن، ظهيرة الثلاثاء الماضي، وغرفتي مقلوبة رأسًا على عقب. وضعتُ حقيبة الملابس الكبيرة على الأرض وظلت هناك حتى قبل دقائق (ظهيرة الجمعة، 16 نيسان). كانت ملابسي مكومة فوق السرير، ولم أفرغ أيّ شيء من الحقيبة إلا ما أحتاجه من الملابس والغيارات بشكل مُلحّ. لم أرغب في توضيب أغراضي في الغرفة، فكنت قد استخسرتُ الجهد- فأنا ذاهب إلى بيروت.

عندما فهمت اليوم من بيتر فلورنس (مدير مهرجان هاي فستيفال، الشريك في "بيروت 39") أنّ القضية لن تنتهي على خير، لضيق الوقت وكثرة القرارات التي يجب اتخاذها في الجانب اللبناني، كان أول ما فعلته ترتيب غرفتي. رتبت الأوراق والكتب المتناثرة، ثم الملابس ثم الأغراض الأخرى. فجأة اتسعت الغرفة بأمتار عديدة، وأخذت نفسًا طويلاً بعد الترتيب لأتأمل الغرفة. فمنذ وصولي وحتى عصر الجمعة لم أتأمل شيئًا سوى شاشة الحاسوب والهواتف الأرضية والنقالة وفاتورة الطعام الذي أطلبه من المطبخ الفندقي.

يوم الخميس، ونحن عائدون من حلقة القراءة التي شاركتُ فيها مع عدنية شبلي، تفاجأتُ حين علمت أنّ بركانًا انفجر في آيسلندة وحركة الطيران مشلولة في أوروبا. "هذه مؤامرة صهيونية لمنعي من السفر إلى بيروت"، قلتُ ساخرًا. ردّ الجميع: هذه إشارات من السماء- لا تذهب إلى بيروت.


لم أذهب إلى بيروت. سأكتفي بربيع لندن البارد، قلت بيني وبين نفسي مُعزيًا، ولكنني لم أشعر بأيّ عزاء.


بركان النمّ!

للحظة، أصبحت الشمس اللندنية عدونا جميعًا. فانعدام الرياح والشتاء أدّى إلى تلبد الغيوم البركانية وثباتها فوق رؤوسنا، وبالتالي صار السفر من لندن مستحيلاً. هكذا، صار القاصي والداني من منكوبي البركان، يبتهلون السّماء من أجل الرياح والمطر، وهم في الأيام العادية ينتظرون شعاع الشمس الأول كي يتبطحوا على المرجة الخضراء في ميادين لندن المعشوشبة ويقرأون الكتب والصحف.

ليست مهمة ملاحقة ومتابعة شؤون 10 كتاب محبوسين في الفندق بالمهمة السهلة أبدًا. فالكُتاب شعب صعب، مزاجيّ وعربيد. فأولا، كان على المنظمين أن يهتموا بتمديد إقامات الكتاب في الفندق وهذه تكلفة عسيرة لمؤسّسات لندنية صيتها وأهميتها أكبر من ميزانيتها بأطنان. أضفْ إلى ذلك وقود الكُتاب اليوميّ من الجنيهات الإسترلينية اللازمة للطعام والشراب والتدخين.

وهكذا، كنتُ متفهمًا تمامًا لقلق المنظمين من هذه السحابة الآيسلندنية، خصوصًا أنّ أغلبية المنظمين علقوا هم أيضًا في بيروت بعد المهرجان، وصارت الاتصالات معهم بالأيميل والهاتف، وزاد من تعقيد المشاكل أنّ الذين يحلون ويربطون في مسألة السفر وتغيير الوسائل موجودون في بيروت، ولا يحلون ولا يربطون.


يوم الإثنين مساءً سمعتُ أطراف حديث ووشوشات في اللوبي فحملت المعلومات وهرعت إلى الغرفة. كانت المؤامرة التي تدور بين الهامسين كالتالي: يمكن للمرء أن يأخذ القطار السريع (يوروب إكسبرس) من لندن إلى باريس. وفي الليل، يمكنه أن يأخذ القطار الليلي السريع من باريس إلى مدريد، حيث ينطلق في السابعة مساءً من باريس ليصل في التاسعة صباحًا إلى مدريد. ومن هناك، حيث لا سحب بركانية ولا سخام، يمكنك أن تطير حرًا طليقًا كالدويري السعيد إلى تل أبيب المشتهاة (في هذه الأيام فقط).


بدأت عملية الاستكشاف، ففتحت ثلاث نوافذ في المتصفح الإنترنتيّ: واحدة لقطار لندن-باريس، وواحدة لقطار باريس-مدريد وواحدة لحجز تذكرة طيران من مدريد إلى تل أبيب. لا تعتقدوا أنّ الأمر سهل وهيّن؛ فمعظم الرحلات في قطار لندن-باريس محجوزة ("فولي بُوكْد" كان كابوسي الأكبر في هذه الأيام)، ولم أجد إلا رحلة واحدة في يوم الغد تناسب وقت وصولي المفترض إلى باريس لامتطاء قطار باريس-مدريد. انتقلت إلى النافذة الثانية وتيقنت من وقت سفر القطار من باريس إلى مدريد، ثم بدأت رحلة استكشاف لحجز تذكرة من مدريد إلى تل أبيب. بدأتُ بالأسعار الزهيدة، بين 400-500 دولار. وجدت رحلة تناسبني في الطيران اليوناني، وقبل أن أحجز الرحلة ألهمني زيوس بتفحّص مسار الرحلة، فوجدت أنها من 3 محطات وتستمرّ 21 ساعة!


أسقط في يدي؛ صحيح أنني فقير وعلى قد الحال ولكن حجز مثل هذه التذكرة سيكون إذلالاً لا ثاني له، وعملا بمقولة العرب العبقرية "هين قرشك ولا تهين حالك"، بحثت عن سفرات "دايركت" أو بمحطة واحدة. هنا قفزت الأسعار من 500 إلى 1000 دولار، ووصلت إحدى الرحلات إلى 2800 دولار! لم أحر صنعًا، فعدتُ إلى قطار لندن-باريس لأتفحص مواعيد بعد الغد فوجدتُ أنّ الرحلة الوحيدة المتبقية ليوم الغد والتي كنت أخطط لها، قد امتلأت قبل ثوانٍ، فصارت جميع الرحلات "فولي بوكْد".


فهمت وقتها أن عملية المناورة هذه قد تستغرق ساعات وربما أيامًا، ولكنني لم أيأس. قلتُ سأحجز قطار باريس-مدريد ليوم بعد الغد ومن ثم أهتم بباقي التفاصيل. بعد محاولات حجز حثيثة لم أفلح في الموضوع، فتوجهت إلى "الدعم المباشر" للزبائن عبر... التشات! أي نعم، التشات (ناس عايشة). على التشات قالت "آنا" بأدب (لم أسمعها ولكنني افترضت ذلك) إنّ إمكانية حجز قطار باريس-مدريد عبر الانترنت قد أزيلت، بسبب أزمة المواصلات في أوروبا، وعليّ الوصول إلى باريس شخصانيًا لشراء التذكرة. لم أنهَرْ تمامًا وفورًا بل تسلحتُ بالتفاؤل وسألتها عمّا إذا كانت تعرف عن وجود تذاكر شاغرة، فقالت إنه ولأسفها الشديد (هكذا ادّعت) فإنّ الرحلات في هذا الأيام "فولي سُولْد" (كابوس آخر).

لم أيأس، وقلتُ سأتصل بهيام وأستنفرها لتهبّ إلى محطة القطارات في باريس لتشتري لي تذكرة ليوم غد، لكنني أعدتُ الهاتف إلى مكانه حين تذكرتُ أنها في البلاد المقدسة في هذه الأيام تشارك في تصوير فيلم جديد (يحرق حريشها شو بتصوّر أفلام).

وهكذا، تسلل اليأس إلى قلب الفلسطينيّ الثائر، فأشعلت سيجارة وأسدلتُ الستائر، بانتظار طيارة أو حلم شاغر...


أبو علي

في العصر جاءني الرفيق أبو علي (أديب أبو علوان) وقال لي وهو يعارك حركة السير في مدينة الضباب (لا ضباب ولا طيزي!) إننا ذاهبان إلى مطعم صينيّ خلاب، فحمدتُ هُبل لأنني لم أتناول لانش ثقيلا وتأبطتُ معدتي السعيدة.

تعرفتُ إلى أبو علي قبل سنوات طويلة، في بداية "لخة" مسرح الميدان. مع الوقت، وعبر الجلسات والأحاديث بدأت بالتعرف إلى تاريخه النضالي في السبيعينات، وسجنه لأربع سنوات وعمله في لندن في الصحافة العربية وصداقاته المتينة مع عائلة أبو جهاد ومع ناجي العلي وغيرهما من رموز النضال الفلسطيني. في المطعم روى لي أشياء وشويّات، فازداد حبي له. تحدث طويلا، لساعات، وأنا أصغي إلى تفاصيل لا تخطر ببال ولا نعرف نحن (الجيل الجديد) عنها إلا لمامًا. في مثل هذه الجلسات تكتشف التفاصيل اليومية الصغيرة التي تملأ السجون أو العمل النضالي، وهي أجمل وأقوى وأبهر من الشعارات النضالية الكبيرة بكثير.

كان العشاء الصيني (في مطعم "الأرض الطيبة" على مبعد ساعة من لندن) هائلا وعظيمًا، وأسفتُ أشدّ الأسف حين بدأت أشعر بالشبع. في طريق العودة أحسستُ بأنني، رغم انقطاعي هنا رغمًا عني، لست مقطوعًا من شجرة. إلى جانبي رجل مع تاريخ أدّعي أنني أعرفه، وبعد قصصه وحكاياته تأكدتُ (مرة أخرى) كم أننا لا نعرف شيئًا عن هذا الذي يسمي نفسه تاريخًا.

نزل السرور

بالأمس (الأربعاء) تركت الفندق الجميل، باتفاق مع المنظمين. فقد كانت الخطة أن يدبّروا لنا منازل متفرقة في لندن يسكن فيها المتطوعون والعاملون في المهرجان لإيوائنا فيها. حين قالت لي سارة تفاصيل الخطة، لم أتحمّس كثيرًا، فألمحتُ إلى الرفيق أبو علي والرفيق مهدي (فليفل) بوجوب الانتخاء باستضافتي، فانتخيا فورًا. وقبل تركي للفندق (الثلاثاء) وصلتني دعوات سخية من السينمائي عمر روبرت هاملتون (لا أعرفه مسبقًا ولكنه اقترح منحي بيته ريثما أسافر، وهو مسافر) ومن العزيزة أهداف سويف (المسافرة أيضًا)، والبيتان في منطقة ويمبلدون. ورغم امتناني الكبير لهما على هذا السّخاء، قررتُ أخيرًا أن ألجأ إلى بيت مهدي، حيث قال لي وقتها: "ليك يا مان، شو بدك بويمبلدون؟ بآخر الدنيا. تعا عندي". استجبت لندائه من دون أن أعرف أنّ بيته في آخر الدنيا أيضًا في شرقي لندن!


وقد اكتشفت أنّ الإدارة قررت إبقاء كاتبين اثنين في الفندق، فقط: د. نوال السعداوي والكاتب الكوبي ليوناردو بادورا؛ الأولى غنية عن التعريف وبعد أحاديث معها اتضح أنّ لها أقارب في عكا (وبعدين؟ مين ما أشوفو في العالم بطلع عندو قرايب في عكا!)، فيما كتب بادورا ما يُعرف بثلاثية كوبا، قرأتُ منها الكتاب الأول وهو جدير بالقراءة لمحبي القراءة عن شظف الحياة والبؤس والشهوة والجنس. وعلمت أنّ الاعتبار في إبقاء الاثنين ينبع من تقدمهما في السنّ ومكانتهما المرموقة، فحزنت لأنني في منتصف الثلاثينيات ومكانتي لم ترتقِ بعد إلى مستوى مثل هذا التفضيل الإيجابيّ.

ما يهمنا من كل هذه الفقرة أنني وأنا على باب الفندق قبل الرحيل، أخبرتني سارة أنني كنتُ سأنتقل إلى السكن مع كات، العاملة في "بن إنترناشيونال" فحزنت حزنًا عظيمًا (بعد إذنك إم الدشة)، حين فضّلت مهدي على كات...


رفيق، يا رفيق...

مهدي مريض في هذه الأيام. معدته مرتبكة ونقضي ساعات وساعات في الحديث والتأمل والمشاركة. فتح لي قبله ففتحت قنينة ويسكي أخرى من القناني الصغيرة التي أشتريها من المطار وتظل في المحفظة تحسبًا لأيّ ديوانة تستوجب بعض الأثير المُأكسَد. البيت الذي يسكنه شرقي لندن في مراحل الترميم الأخيرة، اشتراه أندريه قبل فترة في مزاد علني. البيت قديم ولكن أندريه نجح في خلق فضاء جميل من ثلاث طبقات يسكنها أندريه وحبيبته ومهدي والعزيز يزن الرامالاوي الذي يعمل في الهندسة المعمارية ويحضر للقب الثاني في الموضوع في جامعة لندن.


أنا أحتلّ مكتبه الآن في غرفته الواسعة وأدخن قرب الشباك المفتوح، رغم أنّ نسيم لندن البارد يفعل أفعاله بخصيتيّ. لو أنّ هذا البيت عندنا، في الناصرة مثلا، لكان عنوانه: أنا ساكن عند الكراجات خيا. فحول البيت ورش وكراجات وصراخ وروائح زيت البريكات وزيوت "المواتير" (على رأي مهدي) تستقبلك، فشعرت بالألفة فورًا ونسيت على التوّ رائحة الصابون الجميلة في الفندق الدثير، فلم أعد شاعرًا بأنني طُردت من الجنة؛ ربما انتقلت إلى جنة "كلاس تو" فقط.
سأطير غدًا الجمعة إلى البيت. أشتاق للدشدوشة ملء حبي لها.

ونصيحة أخيرة: إذا علقتم يومًا في لندن فلا تشتروا كتبًا بمعظم النقود. خصوصًا أنّ وزن الشنطة تجاوز المسموح بكثير. هل سترأف بريطيش إيرويز بحمولتي الزائدة باعتباري من متضرري البركان؟


(لم أكتب عن خيبة بيروت. ربما لاحقًا. فالأمر بحاجة إلى بعض الصفنات على بلكونة البيت في عكا.)


الأحد، 18 أبريل 2010

مماطلة وزارة الداخلية وضيق الوقت يمنعان حليحل من زيارة بيروت!




حليحل وشبلي يشاركان في فعاليات مهرجان "فري ذه وورد" في لندن ويمثلان مهرجان
"بيروت 39" * صدور أنتولوجيا الكتاب الـ 39 بالعربية والإنجليزية وتوقيعها في لندن *
نشاطات أدبية وإعلامية بارزة للإثنين في الأيام الأخيرة



علم موقع "العرب" صباح اليوم الأحد أنّ مشاركة الكاتب علاء حليحل في مهرجان "بيروت 39" في العاصمة اللبنانية، قد تعذرت ولن تتحقق نهائيًا، وذلك لعدم استكمال معاملات استصدار تأشيرة دخوله إلى بيروت، للمشاركة في فعاليات المهرجان، فيما يواصل حليحل مشاركته في مهرجان "فري ذه وورد" (أطلقوا سراح الكلمة) ومعرض لندن الدولي للكتاب في العاصمة البريطانية.

وقال مدير مهرجان "هاي فستيفال"، بيتر فلورنس: "منذ تلقينا قرار العليا الإسرائيلية يوم الثلاثاء، كانت لدينا ساعات قليلة لتفعيل الضغط على الحكومة اللبنانية لتجاوز المنع القانوني المضروب على زيارة حاملي جوازات السفر الإسرائيلية إلى لبنان. ولكن مثل هذه العملية كانت ستستغرق أشهرًا في المسار العادي، تمامًا كما حصل في إسرائيل. وعندما اعتقدنا أننا أحرزنا تقدمًا ما، جاء بركان أيسلنده ليلغي جميع الرحلات المخططة وليسخر من جميع القيود السياسية. علاء حليحل واحد من كتاب "بيروت 39" بغضّ النظر عن مكان تواجده، وكتاباته عابرة لجميع الحدود. نحن نتطلع قدمًا للعمل معه ومع زملائه الكتاب في جميع المهرجانات التي ننظمها حول العالم في خلال السنوات العشر القادمة".

وكانت المؤسسة الإسرائيلية، ممثلة بوزير الداخلية إيلي يشاي، قد تجاهلت توجهات حليحل المتكررة طيلة الأشهر الأخيرة بالحصول على ردّ حول نيته التوجه إلى بيروت. ولم يصل ردّ الداخلية الرافض للزيارة إلا في 11 نيسان الجاري، قبل انعقاد جلسة العليا بيوم واحد. وقد انعقدت جلسة العليا للنظر في الموضوع في 12 نيسان، أي قبل يومين من بدء المهرجان، فيما صدر أمر السماح بالسفر في 13 نيسان، أي قبل يوم واحد فقط من بدء المهرجان! وقد أدت هذه التأخيرات إلى وضع حليحل والمنظمين في ضائقة وقت عسيرة، تجلت آثارها في عدم إمكانية استصدار إذن الدخول إلى الأراضي اللبنانية.

وقد بدأت فعاليات المهرجان في بيروت ليلة الأربعاء الماضي، وستنتهي اليوم الأحد. ومن الجدير بالذكر أنّ الإذن الذي منحته المحكمة العليا لحليحل لزيارة بيروت لاستلام جائزته ينتهي اليوم الأحد، 18 نيسان.

وقال الكاتب علاء حليحل المتواجد في لندن، في حديث خاص بموقع "العرب": "أشعر بأنني في مسرحية عبثية لم أكن أفكر للحظة في أنني سأتواجد فيها. فمن جهة جاء قرار العليا غير المسبوق في سابقة مذهلة أعتقد أنها ستؤثر كثيرًا على منحى الأمور في كل ما يتعلق بعلاقتنا مع العالم العربي، ومن جهة ثانية العملية المنهكة التي بدأناها يوم الثلاثاء لاستصدار إذن دخول إلى لبنان، ثم انفجار البركان في آيسلندة، الذي شلّ حركة الطيران في شمال أوروبا وفي "هيثرو" لندن. الحقيقة أنني لا أعرف أيّ الأمرين أسوأ: أنني لا أستطيع السفر في ظروفي الحالية، أم أنني لا أستطيع السفر وبيدي تأشيرة الدخول إلى لبنان".

وأضاف حليحل: "رغم خيبة الأمل والحزن الكبيرين لعدم الوصول إلى بيروت وزيارتها، فإنّ ما يهمّ في الموضوع هو مصير الالتماس الذي قدّمه مركز "عدالة" والمتعلق بتعديل القانون أو وضع معايير منصفة لمن يرغب بزيارة لبنان أو سورية من عرب الداخل. من المؤسف حقًا أنّ السلطات اللبنانية لم تنجح في تجاوز عقبة الوقت الضيق والتغلب على الإجراءات الأمنية والإدارية. لقد رغبت جدًا في الوصول إلى بيروت للالتقاء بأصدقاء ومعارف وزملاء لا أتواصل معهم إلا عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف. آمل أن أنجح قريبًا في الدخول إلى بيروت".

وقد وصل حليحل إلى لندن ظهيرة الثلاثاء الماضي، حيث دُعي هو والكاتبة عدنية شبلي من الشبلي، الفائزة الثانية من عرب الداخل، للمشاركة في نشاطات مهرجان "فري ذه وورد"، وهو مهرجان سنوي تنظمه عدة جهات في لندن، يُبرز الكُتاب الذين يعيشون في ظروف تقييد لحرية الكلمة أو الحركة في العالم. وشارك حليحل وشبلي في مؤتمر صحافي عُقد يوم الأربعاء الماضي تحدثا فيه عن وضعيتهما ككاتبين فلسطينيين، فيما أسهب حليحل في استعراض الالتماس الذي قدمه إلى العليا وحيثياته.

وفي يوم الخميس عُقدت جلسة قراءة مع شبلي وحليحل في مركز "فري ذه وورد"، حيث تخللتها قراءات من الاثنين وإجراء حديث متشعب حول "بيروت 39"، وأجابا على أسئلة من الجمهور تتعلق بالمسألة الفلسطينية وممارسات دولة إسرائيل، فيما وقعا بعد النقاش كتاب "بيروت 39" الذي ضمّ أعمالا لجميع الكتاب الـ 39 الفائزين، حيث صدر الكتاب باللغة العربية وبالإنجليزية. واستضاف راديو وتلفزيون بي بي سي بالعربية والإنجليزية الكاتبين شبلي وحليحل في عدة برامج، فيما حظيت مشاركتهما ومهرجان "بيروت 39" بتغطية صحافية في الصحف المحلية الهامة مثل "الغارديان".

وسيشارك حليحل اليوم الأحد في وجبة غداء احتفالية في مسرح "يانغ فيك" في الويست إيند، مع الكتاب المشاركين في المهرجان ومع صحافيين، وسيقرأ نصًا للكاتب البلغاري جورجي ماكوف يتعلق بالاحتفالية الخمسين لمهرجان "أدب في السجون"، إلى جانب قراءة أحد نصوصه. ثم سيشارك حليحل في ندوة أدبية عصر غد الإثنين في معرض لندن الدولي للكتاب، تتركز في لقاء شخصي معه حول أدبه وكتاباته.

ومن المتوقع، في حال تجدّد الملاحة الجوية إثر إنفجار البركان في آيسلنده، أن يغادر لندن عائدًا إلى البلاد ليلة غد الإثنين.

وكان مركز "عدالة" تقدم بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، قبل أقل من شهر، باسم حليحل، مطالبًا المحكمة بالتدخل في أمرين: الأول السماح لحليحل بالسفر إلى بيروت، والثاني المطالبة بوضع وصياغة معايير واضحة تتعلق بسفر المواطنين العرب في إسرائيل إلى ما تسميه إسرائيل "دولا عدوة". وقد أصدرت العليا أمرًا مفاجئًا وغير متوقع صباح الثلاثاء الماضي بالسماح لحليحل بالسفر إلى بيروت لاستلام جائزته، فيما أصدرت أمرًا احترازيًا يُجبر الدولة على تفسير عدم إصدار وصياغة معايير تتعلق بالمنع الجارف وفق أنظمة الطوارئ. ومن المتوقع أن تستمر جلسات العليا المتعلقة بالبند الثاني في الإلتماس.

(الخبر في موقع "العرب")

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

العليا تصدر أمرًا في التماس "عدالة" يسمح للكاتب علاء حليحل بالسفر إلى بيروت


وذلك رغم معارضة نتنياهو ويشاي * العليا تأمر الدولة بأن تفسر لماذا لا تحدد معايير واضحة ومتساوية للسماح للمواطنين بالسفر إلى الدول "الممنوعة"


أصدرت المحكمة العليا اليوم، الثلاثاء 13 نيسان 2010، قرارًا في التماس "عدالة" يسمح للكاتب والصحفي علاء حليحل بالسفر إلى بيروت للمشاركة في مهرجان "بيروت 39"، وذلك بالرغم من معارضة رئيس الحكومة ووزير الداخلية. كذلك أصدرت المحكمة العليا أمرًا للدولة بأن تفسر لماذا لا تحدد معايير واضحة ومتساوية للسماح للمواطنين بالسفر إلى الدول "الممنوعة".

وقد ادعت النيابة العامة في الجلسة التي عُقدت بالأمس للبت في الالتماس أنّ بحسب سياسة وزير الداخلية السفر إلى بيروت ممنوع بشكل عام، إلا في حالات إنسانيّة قصوى. وعلّقت الهيئة القضائية (إ. حيوت وحـ. ملتسر وي. عميت) على موقف الدولة قائلةً بأنّه لا يوضح ما هي الحالات الإنسانيّة القصوى، ولا يُعطي تفسيرًا مقنعًا لمنع حليحل من السفر إلى بيروت.


وشدد مركز "عدالة" أنّ قرار المحكمة هذا يُؤكّد أنّ سياسة إسرائيل التي تتبعها منذ 1948، بفرض الحصار الثقافي على مواطنيها الفلسطينيين ومنعهم من التواصل مع أمتهم العربية، هي سياسة عشوائيّة ومميزة.


وكان "عدالة" قد التمس العليا في الشهر الفائت باسم حليحل بعد أن وصلته دعوة للمشاركة في مهرجان "بيروت 39"، عقب اختياره واحدًا من بين 39 كاتبًا عربيًا دون سنّ الأربعين، من أفضل الأدباء العرب الشباب. قدّمت الالتماس المحاميّة حنين نعامنة والمحامي حسن جبارين.


ولد علاء حليحل (35) في قرية الجش ويسكن حاليًا في مدينة عكا، وهو كاتب وصحفي وسيناريست ومحاضر ومترجم. ويعمل اليوم كمدير برامج في محطّة "ميكس" الفلسطينية. في السنوات الأخيرة نشر حليحل عددًا من الكتب بواسطة ناشرين معروفين في العالم العربي، وترجمت رواياته إلى لغات أجنبية عديدة.


وقد إختير حليحل في آب المنصرم، كواحد من الفائزين في "بيروت 39"، وهي المسابقة التي نظمتها مؤسسة "هاي فيستيفال" Hay Festival، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية والمجلس البريطاني. ويأتي هذا في ضمن اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب للعام 2009 الذي بادرت له اليونيسكو.


سيشارك الكتاب الذين تم اختيارهم في المسابقة، في فعاليات المهرجان المنعقدة في أماكن مختلفة في بيروت مثل المكتبات والجامعات والمدارس والأماكن العامة الأخرى. وستنعقد حوالي 50 حلقة تتناول مواضيع شتى مثل طبيعة الكتابة وحالة الأدب العربي المعاصر، نفوذ الكتابة وإلهاماتها. كما سيقوم الكتاب بقراءة مؤلفاتهم.


يمنع القانون الإسرائيلي -البند 5 من أمر تمديد فترة سريان حالة الطوارئ (الخروج من البلاد)- وبشكل جارف، أيّ مواطن أو ساكن من السفر خارج البلاد إلى الدول المعرفّة وفقًا للقانون الإسرائيلي كدول "عدو"، إلا إذا حصل المواطن على تصريح من وزير الداخلية أو رئيس الحكومة، وإلا فسيكون السّفر إلى خارج البلاد غير قانونيّ. وتشمل قائمة دول "العدو": لبنان وسورية ومصر والأردن والسعودية والعراق واليمن وإيران.


بعد فوز حليحل وتلقيه الدعوة إلى بيروت، توجّه "عدالة" مرارًا إلى رئيس الحكومة ووزير الداخلية بطلب إصدار تصريح للسفر إلى بيروت، ولكنّ "عدالة" لم يتلق أيّ رد.


يحظى علاء حليحل بتقدير كبير في الأوساط الثقافية في إسرائيل وفي العالم العربي بسبب تعدد مهاراته التي تتراوح بين الكتابة القصصية والمسرحية والصحافية والسينمائية. وقد حاز حليحل في الماضي على العديد من الجوائز في مجال الأدب، من بينها نذكر جائزة مؤسسة القطان الفلسطينية للثقافة والفنون، التي حصل عليها ثلاث مرات في الأعوام 2000 و2003 و2005 وجائزة السيناريو الأفضل التي حصل عليها في مسابقة "آدم فلينت" في المهرجان الدولي لأفلام الطلاب في تل أبيب في العام 2004. وكان حليحل أحد أربع المرشحين النهائيين في المسابقة المرموقة لشركة "رولكس" السويدية في العام 2006.


وفي البلاد حصل حليحل على تقدير في المعاهد الأكاديمية التي تدرس المسرح والسينما، وقد كتب مسرحية قصيرة باسم "الجندي المخلص بالتأكيد" التي عُرضت في أحد المسارح في تل أبيب، إلى جانب مسرحيات أخرى عديدة آخرها "خبر عاجل" في مسرح "الميدان". ويعمل حليحل في هذه الأيام على كتابة سيناريو لفيلم طويل ستخرجه الممثلة والمخرجة الفلسطينية هيام عباس.


وادعى المحاميان جبارين ونعامنة أنّ تقاعس السلطات عن اتخاذ قرار في طلب حليحل بالسفر إلى لبنان، وتجاهل طلباته المتتالية، يمس في حقوقه الدستورية، بما فيها حقه الدستوري بالسفر إلى خارج البلاد وحقه في حرية العمل وحرية التعبير. كما أنّ عدم إصدار تصريح لحليحل من دون سماع ادعاءاته يمسّ في حقه في الإجراء العادل.


تجدر الإشارة إلى أنّ كثيرين من أبناء وبنات الأقلية الفلسطينية في إسرائيل كانوا قد توجّهوا للسلطات الإسرائيليّة في ظروف مختلفة للحصول على تصاريح للسفر إلى الدول العربية المجاورة، إن كان ذلك لزيارة أقربائهم أو للاشتراك في مؤتمرات سياسية أو لأسباب دينيّة أو لأسباب صحافية وثقافية.


"إنّ البند 5 المذكور أعلاه الذي يحظر السفر إلى دول "العدو" هو بند جارف ومجحف. على السلطات تحديد معايير تحدد استعمال الصلاحية بتقييد السفر إلى خارج البلاد، آخذةً بعين الاعتبار ضرورة ضمان الإجراء العادل"- شدّد "عدالة". وطالب "عدالة" في الالتماس بتحديد معايير واضحة لاستعمال وزير الداخلية ورئيس الحكومة لصلاحيتيهما بمنح تصاريح للسفر خارج البلاد إلى الدول المعرفة كـ"دول عدو".


وقال الكاتب علاء حليحل تعقيبًا على قرار العليا: "سعدت جدًا بقرار السماح لي بزيارة بيروت للمشاركة في مهرجان "بيروت 39" وأعتقد أن هذا الحدث غير المسبوق منذ العام 1948 سيكون بادرة خير بكل ما يتعلق بتواصلنا مع
العالم العربي وخصوصا مع الدول التي تعرفها إسرائيل كدول عدو.


"بالنسبة لي ككاتب عربي فلسطيني، أنا وبقية زملائي من عرب الداخل، فإنّ هذه الخطوة ستزيد من تثبيتنا كجزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي العربي العام، وهو بيئتنا الطبيعية والفورية. بيروت ودمشق هما جزء لا يتجزأ من تاريخنا وراهننا ومستقبلنا وهكذا ستظلان.


"أنا أفكر الآن بجميع المعايير والأمور التي ستتغير بعد هذا القرار ومن الصعب وصف سعادتي الكبيرة لهذا الإنجاز. يحق لنا أن نتواصل ونتثاقف مع عالمنا العربي الواسع ومن الجيد أن المحكمة العليا فهمت هذا من خلال هذا الالتماس الهام الذي قدمه مركز عدالة.

"نحن ننتظر الآن المرحلة القادمة التي ستتركز في المسألة الجوهرية والعامة الخاصة بالمنع الجارف ونتأمل خيرًا."


السبت، 10 أبريل 2010

دعوة

يسرنا أن لا ندعوكم إلى

أمسية قراءة وإطلاق لكتاب أدبي جديد

لن تجري يوم السبت القريب، الساعة الثامنة مساءً، في المقهى الشيك-الثقافي،

ولن يشارك فيها الناقد الفلاني والكاتب العلاني،

ولن يوقع فيها الكاتب(ة) نسخًا من كتبه،

ولن يحضر صحافي أو اثنان وكاميراتاهما من المواقع الشبكية،

ولن يسخر من الأمسية أعداء الكاتب(ة) الجالسون في مقهى "فتوش" أو "الرّضا"،

وهكذا لن ينسى أحدٌ الأمسية والكتاب بعد عشر دقائق من نشر الخبر في الإنترنت،
بين حادث طرق واكتشاف بطيخة عليها اسم الجلالة،

وبالتالي لن يشعر الكاتب(ة) بالإهانة-

وهذا أمرٌ حَسَنٌ.


الجمعة، 26 مارس 2010

إلتماس للعليا للسماح للكاتب علاء حليحل بالمشاركة في "بيروت 39"

قدم مركز "عدالة"، يوم أمس الأربعاء 24 آذار 2010، التماسا إلى المحكمة العليا الإسرائيليّة، باسم الكاتب والصحافي علاء حليحل، مطالبًا بالسماح له بالسفر إلى بيروت في شهر نيسان المقبل للمشاركة في مهرجان "بيروت 39"، بعد أن تمّ اختياره واحدًا من بين 39 كاتبًا عربيًا دون سنّ الأربعين، من أفضل الأدباء العرب الشباب.

قدّمت الالتماس المحاميّة حنين نعامنة والمحامي حسن جبارين.

يذكر أن حليحل هو من قرية الجش ويسكن حاليًا في مدينة عكا، وهو كاتب وصحفي ومحاضر ومترجم. ويعمل اليوم كمدير برامج في محطّة "ميكس" الفلسطينية. وفي السنوات الأخيرة نشر حليحل عددًا من الكتب بواسطة ناشرين معروفين في العالم العربي، وترجمت رواياته إلى لغات أجنبية عديدة.

وقد اختير حليحل في آب المنصرم، كواحد من الفائزين في "بيروت 39"، وهي المسابقة التي نظمتها مؤسسة "هاي فيستيفال" Hay Festival، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية والمجلس البريطاني. ويأتي هذا في ضمن اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب للعام 2009 الذي بادرت له اليونيسكو.

وسيشارك الكتاب الذين تم اختيارهم في المسابقة، في فعاليات المهرجان المنعقدة في أماكن مختلفة في بيروت مثل المكتبات والجامعات والمدارس والأماكن العامة الأخرى. وستنعقد حوالي 50 حلقة تتناول مواضيع شتى مثل طبيعة الكتابة وحالة الأدب العربي المعاصر، نفوذ الكتابة وإلهاماتها. كما سيقوم الكتاب بقراءة مؤلفاتهم.

ويمنع القانون الإسرائيلي -البند 5 من أمر تمديد فترة سريان حالة الطوارئ (الخروج من البلاد)- وبشكل جارف، أيّ مواطن أو ساكن من السفر خارج البلاد إلى الدول المعرفّة وفقًا للقانون الإسرائيلي كدول "عدو"، إلا إذا حصل المواطن على تصريح من وزير الداخلية أو رئيس الحكومة، وإلا فسيكون السّفر إلى خارج البلاد غير قانونيّ. ومن بين الدول التي تشملها قائمة دول "العدو": لبنان وسورية والعراق واليمن.

بعد فوز حليحل وتلقيه الدعوة إلى بيروت، توجّه "عدالة" مرارًا إلى رئيس الحكومة ووزير الداخلية بطلب إصدار تصريح للسفر إلى بيروت، ولكنّ "عدالة" لم يتلق أيّ رد.

ويحظى علاء حليحل بتقدير كبير في الأوساط الثقافية في إسرائيل وفي العالم العربي بسبب تعدد مهاراته التي تتراوح بين الكتابة القصصية والمسرحية والصحافية والسينمائية.

وقد حاز حليحل في الماضي على العديد من الجوائز في مجال الأدب، من بينها نذكر جائزة مؤسسة القطان الفلسطينية للثقافة والفنون، التي حصل عليها ثلاث مرات في الأعوام 2000 و2003 و2005 وجائزة السيناريو الأفضل التي حصل عليها في مسابقة "آدم فلينت" في المهرجان الدولي لأفلام الطلاب في تل أبيب في العام 2004. وكان حليحل أحد أربع المرشحين النهائيين في المسابقة المرموقة لشركة "رولكس" السويدية في العام 2006.

وفي البلاد حصل حليحل على تقدير في المعاهد الأكاديمية التي تدرس المسرح والسينما، وقد كتب مسرحية قصيرة باسم "الجندي المخلص بالتأكيد" التي عُرضت في أحد المسارح في تل أبيب، إلى جانب مسرحيات أخرى عديدة آخرها "خبر عاجل" في مسرح "الميدان". ويعمل حليحل في هذه الأيام على كتابة سيناريو لفيلم طويل ستخرجه الممثلة والمخرجة الفلسطينية هيام عباس.

وادعى المحاميان جبارين ونعامنة أنّ تقاعس السلطات عن اتخاذ قرار في طلب حليحل بالسفر إلى لبنان، وتجاهل طلباته المتتالية، يمس بحقوقه الدستورية، بما فيها حقه الدستوري بالسفر إلى خارج البلاد وحقه في حرية العمل وحرية التعبير. كما أنّ عدم إصدار تصريح لحليحل من دون سماع ادعاءاته يمسّ في حقه في الإجراء العادل.

وشدد مركز عدالة على أن "البند 5 المذكور أعلاه الذي يحظر السفر إلى دول "العدو" هو بند جارف ومجحف. على السلطات تحديد معايير تحدد استعمال الصلاحية بتقييد السفر إلى خارج البلاد، آخذةً بعين الاعتبار ضرورة ضمان الإجراء العادل". وطالب المركز في الالتماس بتحديد معايير واضحة لاستعمال وزير الداخلية ورئيس الحكومة لصلاحيتيهما بمنح تصاريح للسفر خارج البلاد إلى الدول المعرفة كـ"دول عدو".

وقال حليحل بعد تقديم الالتماس: "بيروت بالنسبة لي جزء لا يتجزأ من ماضيّ وحاضري ومستقبلي الثقافي والإبداعي. من حقي، كابن الأمةّ العربيّة، أن أكون جزءًا من ثقافة بيروت ومن مبدعيها".


خبر بالإنجليزية عن الموضوع

لقاء في القناة العاشرة الإسرائيلية (بالعبرية)

تقرير في الغارديان (إنجليزية)




الأحد، 14 مارس 2010

باريس: اليوم الأخير

أقرأ في "الأخبار" عن أمسية زياد الرحباني في القاهرة، فتضيق باريس فجأة. يصير المكان عقبة وليس نعمة، وتتبدل المشاعر، فأحنّ إلى القاهرة مجددًا.

ماذا بين القاهرة وباريس؟

لا شيء تقريبًا سوى الطلائعيين المصريين الذين أتوا باريس كي يدعّموا أسس القاهرة الماضية إلى حداثة القرن العشرين. القاهرة التي ظلت مركزًا حضريًا ثقافيًا كونيًا حتى ثورة يوليو وتحويلها إلى عاصمة "عربية قومية" لا تحتمل الأجانب كثيرًا.


في باريس لا يحتملون الأجانب كثيرًا أيضًا. القومية الفرنسية (والكثيرون سيقولون القومجية) لا تحتمل المختلف الآن، لأنّ المختلف مسلم، رغم أنّ الصينيين يتوسعون الآن في فرنسا في جميع أنواع البيزنس وربما يغيرون طابع "القومية الفرنسية" بعد عشرين عامًا. ولكن لا أحد يتهجم على النودلز.


اليوم ليلا ستغادر الطائرة عائدة إلى مطار بن غوريون الدولي. كان الأسبوع الأخير خاليًا من العبرية وإسرائيل و(قرف) السلطة الفلسطينية. كان أسبوعًا هادئًا يبعث على الخدر قليلا. يمكنك بسهولة أن تستسلم لهدوء باريس الصاخب قليلا وأن تنسى ما يشدّك كلّ صباح إلى عناوين الصحف ونشرات الأخبار. يمكنك أن تعيش خارج الحدث، رغم أنك في أهم مراكز الحدث في العالم.


سأذهب الآن إلى متحف بيكاسو. ولولا تذكير وتنبيه العزيز نبيل أرملي لما فطنت لذلك في خضمّ انشغالاتي. ولكنني أحب بيكاسو كثيرًا. أذكر توقي إلى رسمه وتمثيله (من تمثال) أثناء دراستي للفنون الجميلة قبل 9878273 سنة (نعم! أنا فنان متقاعد). سأذهب الآن وأبحث عن تلك الرسمة من فترته الزرقاء. ما اسمها؟ تلك التي تجمع رجلا وامرأة يقفان إلى جانب بعضهما البعض ويحني أحدهما رأسه على كتف الآخر. وتمثال رأس الثور طبعًا المصنوع من معدن دراجة هوائية. هل سأجدهما في هذا المتحف؟


البعض تبرم عن طريق المزاح متسائلا في الرد على رسالتي شبه اليومية بكتاباتي (شبه) اليومية من باريس: "مطولي رحلتك لباريس؟" وبما أنّ المزاح لا يحمل إلا الجدّ، فإنني لا أعرف حقا إذا كانت هذه الكتابة والتذكير بها في الرسائل الإلكترونية مصدر سرور أم انزعاج لكم. وكما تساءلت إحدى القارئات: أقرأ مذكراتك من باريس ولا أعرف لماذا أقرأها- فهي لك وليست لي.


وأنا لا أعرف أيضًا، صراحة (سمايلي).


سيكون يومي طويلا بين التسكع في المتحف ثم المقاهي ثم بعض المشتريات الأخيرة لدشدوشة، ثم السفر إلى المطار ثم الطائرة ثم بن غوريون ثم عكا. ما يهمّ أننا وصلنا، الرفيقة هيام وأنا، إلى صيغة جديد للفيلم، نحبها، رغم قمعها المتواصل لي ولأفكاري الجذابة. شخصية هيام قوية وربما طاغية في بعض الأوقات، إلا أنّ حبها للسينما ولما تفعل يجعلك تحبها وتحب العمل معها، لدرجة الامتنان للآلهة أنها شريكتك في هذا الفيلم.


شكرا هيام...


شكرًا باريس.


غدًا سأعود إلى الوطن. وستعود دشدوشة لتنتق عليّ كما تحب أن تفعل وهي تعض أنفي بشراهة.

الخميس، 11 مارس 2010

باريس: اليوم الرابع








نصحتني هيام بالتوجه إلى أحد متاجر شبكة "القارب الصغير" لملابس الأطفال للتبضع بحلل جديدة لدشة الآخذة في التوسع. بعد أن رطنتْ بالفرنسية مع سهى في الهاتف أسماء أماكن لا أذكر منها شيئًا، هطلنا إلى المقهى الأليف لتناول الغداء وإذ بدُرّة لا تزال هناك، ومعها نيكولا. دُرة هي منتجة تونسية أنتجت فيلم "حرير أحمر" الذي مثلت فيه هيام (رقصت بالأساس) وأخرجته رجاء عماري. وقد جلسنا إلى الاثنتيْن في الحادية عشرة صباحًا من ذات اليوم، في ذات المقهى، نحتسي الشاي الأخضر (والعضرا!) ونتحدث عن السينما ومَن يخرج ماذا ومَن ينتج مَن.

وقد أسهبنا هيام وأنا في الحديث عن الفيلم الذي نكتبه (حسنًا، هي التي أسهبت) وعن مشاهد الحب والتعري والتمزمز التي تملأ الفيلم. وقد فكرتُ بصوت عالٍ في القعدة بأنّ هذا سيكون ربما أول بورنو فلسطيني، فضحكنا ملء أشداقنا، ثم خفتت ضحكتي حين تذكرت أنّ أبي وأمي سيشاهدان الفيلم، وحماي وحماتي، وأنسبائي وأقربائي، في الوطن والشتات. تمعنتُ في هيام طويلا وفهمت الفخ الذي تنصبه ليه: هي في باريس، مدينة الأنوار والتنوير (للفرنسيين فقط)، فماذا يهمها؟ وأنا؟ ماذا سأفعل بجحافل المؤمنين والمؤمنات الذين يخافون الجنس والحب والتمزمز؟ هل ستكبر دشة بلا أب وما ذنب ديناصورتي البريئة بكل هذا؟

إلتقيت دُرة في ورشة السينما MFD التي شاركت فيها في مدينة مراكش في المغرب قبل ثلاث سنوات (أو سنتين- لا أذكر)، بنفس السيناريو الذي نعمل عليه (عفت طيزي من هالفيلم!)، وقد سافرت وقتها إلى مراكش ثلاث مرات في نفس السنة، حيث كثرت الزبدة على العرب وفاضت (فسّرت لي هيام أنّ الفرنسيين يطلقون كلمة "زبدة" على العرب المهاجرين في فرنسا، حيث أن الكنية هي كلمة "عربي" بالفرنسية ولكنها معكوسة ترتيب الحروف). دُرة امرأة جميلة ومُحبة وصادقة وعفوية مع أنها منتجة هامة ومعروفة (هذا الدمج نادر جدًا في عالم السينما)، وهي ترأس اليوم صندوقًا لدعم السينما في فرنسا، وقد أنتجت مؤخرًا الفيلم الثاني لرجاء، والذي بدأت عروضه الافتتاحية.


طبعًا، هيام بدأت الحديث من طق طق للسلام عليكم، من الترميمات التي تقوم بها في البيت حيث توسع شقتها بعد شراء شقة الجيران (ذكرتني بالنكتة عن مقاول البناء الذي تزوج اثنتين ففتحهما على بعض)، وحتى طرائف وقصص لينا ومنى، ابنتيها الجميلتين. كان من المنعش أن ألتقي دُرة بعد هذه الغيبة، وإذ بي ألتقي نيكولا أيضًا على الغداء، وهو مخرج ومنتج قدم لنا ورشة في مراكش وقتها. حدثني عن الفيلم الوثائقي الذي أخرجه عن غزة بعد العدوان عليها، حيث دخل غزة بعد أسابيع قليلة من العدوان، بثلاثمئة وخمسة وستين ألفًا وسبع وأربعين واسطة ومداخلة ورسالة وبيانًا. اسم الفيلم "عايشين"، وقد بدأ عرضه في المهرجانات، ولا شك في أنه من الأعمال السينمائية النادرة التي أنتجت عن غزة بعد العدوان عليها.


يحادثني نيكولا بالعربية من مرة لأخرى، وأتفاجأ، ثم يشرح لي أنه متزوج من عربية فأتفاجأ أكثر. ثم يبطحني أرضًا حين يقول لي إنّ اسم شركة الانتاج التي يديرها "عكا"، وقد أسماها على اسم مدينة الجزار، التي يحبها كثيرًا. ثم يقول لي إنه أنتج وأخرج في مطلع التسعينات فيلم "الكفوف الذهبية" عن نادي الملاكمة المعروف في عكا، ثم يسألني بثقة عن أبرز الملاكمين العكيين من عائلة خاسكية، فأتظاهر بأنني أعرفه، وأستزيد. ثم تحول الحديث إلى منحًى حزين بعض الشيء حين حدثته عن معشوقته (عكا) وعن بيع بيوتها للمستثمرين والمستوطنين اليهود، وعن الجريمة والمخدرات والعنف والإهمال. ثم رويت له ما روته لي إم الدُشة عن إطلاق النار الذي حصل قرب بيتنا قبل يومين حين دهم بعض الشبان البيت ليقتلوا أحد الأبناء الشباب فيه، فهرب الشاب فما كان من المعتدين إلا أن أطلقوا النار على أبيه!

هذه هي حال عكا مؤخرًا، أتنهد وأنا أقول له، ثم يحك دماغه ويطلب المزيد من المعلومات عن فلسطينيي الداخل، فلا أبخل، فيزداد إحباطه، ثم يستعيد عافيته كسينمائي مدمن، وتبرق عيناه وهو يتساءل مع نفسه أكثر مما يُسائلني: ربما من الجدير صنع فيلم عن هذا الوضع.

ألتقي بسهى عند نهاية العالم، نحو اليمين قليلا، في حي البرجوازية الباريسية المتعفنة أجبانها. تقول إنها تسكن هنا لقرب المكان من مكان عملها وعمل بيار، زوجها العتيد (في 26 تموز المقبل في الناصرة؛ عليكو عزومة). نتمشى في الشوارع العريضة الفسيحة النظيفة البيضاء وأتضايق من صفاء الجو والهواء، كمن اعتاد على تلويث باريس الجميل. تقول لي إنّ الحي يفيض على جانبيه باليهود الأغنياء، وهم أنفسهم من يدعمون الدولة الصهيونية، فتنتابني رغبة هائلة في القرفصة في وسط الشارع وإلقاء خرائي الفلسطيني الثائر في هذه البقعة الصهيونية من باريس، إلا أنّ توقف سهى فجأة وإدارتها لرأسها بحيرة وسط مفترق الشوارع، يعيدني إلى الواقع، وألفاها تقول ببعض المرح القلِق: "أنا مش منيحة بالجغرافيا". أسبّ تركيبة النساء الوراثية التي تجعلهن ضعيفات في الجغرافيا الحيزية، ثم تنقذ سهى نفسها بأن تقترح أن ندخل محل الملابس هذا للأطفال قبل أن نصل المحل العيني الذي أرسلتنا هيام إليه، كرّم الله وجهها.


نشتري طقمين "بهبلوا" لدشة العربيدة، وتنتخي سهى فتشتري حذاء زهريا هدية لدشة أيضًا، فأضطر لدعوتها على القهوة والتريسيمو ثم العشاء، كي أردّ لها الصاع صاعين! والحقيقة أنني أصريتُ على عزومتها كمكافأة على خدمات الإرشاد التي توفرها لي كلما أتيت باريس، ولم أفطن إلا وأنا في الميترو عائدًا إلى الفندق، إلى أنّ سهى وفرت لي في الواقع خدمات "ضياع" في باريس وليس إرشادًا (عزمتها على الفاضي). وقد اضطررت في نهاية الأمر إلى توجيه مسارنا إلى بيت الرفيق أيلي، وهو يلقنني على الهاتف المحمول إرشادات جغرافية عجزت سهى عن ترجمتها إلى خطوات فعلية على أرض باريس.


يقطن أيلي في شقة باريسية حسناء، باهرة الضياء، بحبوحة العيش، لا تعرف الهراء. وفورًا يصب لي مدعوقًا عربيدًا أحضره معه طازا من عند صديقه الكاتب المعروف جون بيرجر، وهو أشبه بخلطة من الحكول ونكهة برية عطرة، فتحت لي مجاري التنفس والكلام والبول بعد أول رشفة صغيرة. وما هي إلا لحظات حتى أبرم إيلي وسهى سلام الشجعان النصراويين، وبدأا الحديث عن حارة البرتيس والروم، والكاثوليكيين والموارنة والسنة، وأنا في الوسط أحاول أن أتتبع خيوط المؤامرة النصراوية التي سيطرت على هذه الشقة الباريسية الجميلة فحولتها إلى زاوية منزوية في مقهى "الرضا".


يعمل إيلي على فيلم جديد يهدس به، ويحدثني عن طريقة كتابته وإخراجه للأفلام وتطبيقه للأفكار التي تلاحقه (التفاصيل في كتاب "فضائح فلسطينية في باريس الأبية"). أحاول أن أسرق منه سر الصنعة، أو على الأقل بعضًا من ملامحه، ثم نُشرّق ونُغرّب ونمسك شل الحركة السينمائية من مشرقها إلى مشرقها (التفاصيل في الكتاب آنف الذكر). لا ينسى إيلي الإشارة إلى كرشي المتنامية، ثم لا يتمالك نفسه فيهدّ قليلا على أخي عامر، صديقه اللدود، فأهدّ قليلا على أطراف عائلة سليمان، وأشعر بالطمأنينة لأنّ الحديث في نهاية المطاف دار ودار واستقرّ في الحمائل والعائلات، حفاظًا على التقاليد. فأكلنا المزيد من الحلوى التونسية الشهية التي أحضرها معه من الدولة الخضراء.


تدخل ياسمين، عزيزة أيلي التي تشاطره الشقة، وفورًا تنزلق مع سهى في محادثة هامة ومثيرة حول اللهجات والكلمات النصراوية، والفرق بين الفلسطينيين واللبنانيين. وقد أسرّتْ إلينا ببعض الكلمات النصراوية التي يصرّ إيلي على حملها معه (نيويورك فباريس)، وأفظعها لا شكّ كلمة-جملة "مَطِكْطهنِّشْ" (لم أُطِقهُم). نضحك ونشير إلى إيلي بأنّ النصراويين الأقحاح أنفسهم توقفوا عن قول مثل هذه الكلمات، ونناشده الحفاظ على مياه وجوهنا أمام هذه الجنوبية الموسيقية التي سرقت من سهى تعبير "مِنينا ولا مِنيكو؟" لأغنيتها القادمة (وكل واحد يقراها كيف بدو).


منذ يومي الأول أُغرمتُ بالبط. وبعد الخروج من عند إيلي وياسمين نجلس، سهى وأنا، في مقهًى مجاور لشقتهما، ونأكل. أطلب البط مع البطاطا وخلافه، وتأكل سهى سلطة فرنسية عليها شرائح خبز محمص مع جبنة زرقاء متعفنة من فوقها. نتحدث عن الأطفال وعن التغييرات في الحياة وعن الزواج والبيروقراطية الفرنسية وكسل موظفي البريد في فرنسا. كما نستلم شلّ هيام لأنها بعثت بنا إلى محل للملابس يحتاج إلى ميزانية ضخمة مثل ميزانية ممثلة سينمائية تشارك في خمسة أو ستة أفلام في السنة وتقبض باليورو. مثل هيام مثلا.


حين نفترق في محطة المترو، نتفق على محاولة الالتقاء مجددًا قبل عودتي، الأحد، ثم توشك أن تغادر سهى وهي تحمل كيس الورق الذي يضم هديتها لدُشة (الحذاء الزهريّ)، فألحقها وأمسك بتلابيبها مذعورًا.


في المقطورة أفكر فيما إذا كانت سهى نسيت أم تناست الكيس، كيف تبعث الحذاء إلى ابنة أختها. وعندها يمكنها أن تقول إنها اشترت هدية لابنتي ونسيتُ أنا أن آخذها، ثم تهديها لابنة أختها، وهكذا تضرب طفلتين بحذاء واحد. ولكنني تراجعت عن هذه المؤامرة، خصوصًا حين تذكرتُ أنّ سهى لا شكّ تائهة الآن في أنفاق المترو، لا تعرف الشمال من الجنوب، فأرسلتُ إلى باريس طاقة إيجابية حارة، إعتقد الجالس إلى جانبي أنها روائح هضم البط خرجت من أسفل معدتي المضطربة، فقام وبدّل مكانه.


ملاحظة رقم 1: جميع المكتوب عنهم والمصوَّرين في هذه المدونة تلقوا الإنذارات والتحذيرات الشفوية والخطية بشأن التدوينات اليومية وطابعها الساخر المتعفن، مما اقتضى التنويه.

ملاحظة رقم 2: للحيارى من القراء والقارئات الذين يتساءلون عن اليوم الثالث وماذا حلّ به أقول: عملت مع هيام حتى المساء ونمت في الساعة الثامنة كالقتيل واستيقظت في الثامنة صباحًا من اليوم الرابع. ستتفقون معي أنه يوم غير جدير بالتكتكة على لوحة المفاتيح، إلا إذا كانت شهيتكم مفتوحة لتعرفوا في أيّ مشهد "ينط البطل على البطلة"- على حدّ تعبير الديرحناوية الجميلة.


الثلاثاء، 9 مارس 2010

باريس: اليوم الثاني

أستيقظ باكرًا رغم إصراري على النوم جيدًا. منذ أشهر، أي منذ ولادة الدشة الضاحكة، أستيقظ باكرًا وأنام باكرًا. مثل الدجاج. "نام بكير وقوم بكير وشوف الصحة كيف بتصير"، يهمس مثلنا الشعبي الذي يحثّ على العمل مثل الحمار والنوم مثل الدجاجة، وإمشي الحيط الحيط، ولا تنسَ أن تموت بلا مغامرات. الحقيقة أنّ الصحة جيدة في مثل هذه الظروف، ولكن ماذا ينتفع الإنسان لو نام باكرًا واستيقظ باكرًا وخسر لعبة المحبوسة في الثانية عشرة ليلا بين البكري العربيد و"بو ندى" الصنديد؟

عند الفطور أمسكتُ بالفندقيّ متلبسًا (هل ذكرتُ أنه عربيّ أيضًا؟). عندما وضع لي ملامح الفطور المتواضع أمامي، إنضمت إلى غرفة الطعام صبية جميلة من الشرق البعيد (يابانية أو صينية أو كورية، لا أعرف)، وعندما جلست هرع إليها بصحن فيه قطعتا كروسون وقطعتا باغيت!! أيها الحقير؛ لو كنتُ امرأة جميلة لحملتَ إليّ من الطعام ما يكفي قبيلة. المفارقة طبعًا أنّ هذه الشرق-بعيدة لا تأكل إلا نزرًا، وهي تحظى بكمية الطعام التي من المفروض أن تُقدّم لواحد مثلي. أزدرد مهانتي على مضض وأحمل كوب القهوة وأصعد إلى غرفتي.


اليوم عملت مع هيام على السيناريو. بانتظارنا أيام غير هينة من الحكي والحكي والحكي، ثم الكتابة والتغيير. هل عملتم مرة مع شريك على نص مسرحية أو فيلم أو أيّ شيء؟ حسنًا، لا تفعلوا! وهذا طبعًا لا يتعلق بنوعية ولطافة وإنتاجية الطرف الثاني (في حالة هيام). ما يهم هو اصطدام شحنات كهربائية من فئة 220 فولط، صادرة عن شخصين (مبدعين) يعتقدان أنّ باريس تسحب طاقتها الكهربائية من ضوئهما. ولكن العمل مع هيام يظل لطيفًا وإبداعيًا حقًا، وهي تذكرني بأم الدشة أكثر من عشر مرات في اليوم، من ناحية القدرة الخارقة على تجنيد الحروف اللانهائية للكلمات اللانهائية التي تطلقها في فضاء الغرفة.


حين أروي لهيام أنني سأكتب عن قدراتها الكلامية الهائلة، تعترض وتلح إلحاحًا أن أكتب لقراء المدونة أنّ المشكلة فيّ أنا وليست فيها. كما تطلب مني أن أكتب لكم أنّ الكلام المُراق على أرضية مكتب شركة الإنتاج الباريسية متركز فقط في الفيلم الذي نعمل عليه، ليس إلا، وبالتالي فهو عمل وكدّ، ما من بعده جد. حسنًا، سأكتب، أقول لها، ولكن هل سيخفف هذا من وقع البرد الباريسيّ على أيدينا ووجهينا ونحن نسرق النيكوتين سرقة في مدخل العمارة، مثل لصين مذنبين؟ لا تدخين في الأماكن العامة وأماكن العمل. نخرج، هيام وأنا، إلى صقيع باريس الذي يُلحق أضرارًا غير رَجُوعة بالخصيتين وأطراف البنكرياس (غير رَجوعة: نهائية، غير قابلة للتغيير- والشكر لمضاء على الكلمة الدلوعة).


الطقس هنا غير مسبوق، يقولون لي. حتى إنّ نيكولا، المنتج، اضطر اليوم للسفر إلى جنوب فرنسا كي يحاول حل المشاكل الانتاجية التي طرأت على تصوير فيلم يجري في هذه الأيام هناك. فالطاقم التجأ إلى الجنوب الفرنسي لتصوير أيام مشمسة وحارة، ما يليق بالريفييرا الفرنسية، إلا أنّ الثلج انهمر هناك، لأول مرة من عشرات السنين، ودُقّ الخازوق دقـًا. أبتسم وأنا أتخيل نيكولا المسكين يجرف الثلج عن أسطح المنازل والطرقات كيف يتمكنوا من تصوير الممثلة تتسفع تحت الشمس وهي تلبس البكيني بدرجة حرارة 5 تحت الصفر. هذه مشاكل الأثرياء، أبتسم مرة ثانية، فليأتوا إلى هنا وليحاولوا أن يدخلوا إلى الإنترنت عن طريق الشبكة اللاسلكية في هذا الفندق الحزين. النكتة أنني اتصلت الليلة بالفندقيّ الذي يغشني في الفطور لصالح ابنة الشرق البعيد، وقلت له بحزن ويأس: الإنترنت لا يعمل في الغرفة، فأجابني بكل هدوء وحسم: "لا أستطيع أن أفعل شيئًا. بونسوار". بونسوار في عينك!


عبر الإس إم إسات والإيميل (حين أنجح في فتحه) تصل التقارير من الأرض المحتلة: دشة مستمرة في تجميع المعجبين والمعجبات، وهي دائمة الضحك والمكاغاة، حتى إنّ "أبو شادي"، زوج النانا (يحرق أخت التبرْجُز!)، وقع في حبها لأنها تضحك له طيلة النهار، ناهيك عن غزلها المستمر وغير المنقطع لفريد ابن السنة ونصف السنة، الذي يشاطرها النانا. ها أنا ذا أجلس في باريس بعيدًا وابنتي بدأت تمتهن الغزل وهي في الشهر الثالث وأسبوع ويومين فقط. من الأجدر بي أن أضب شنطتي وأن أهرع إلى عكا سباحة كي أضع الحدّ على الزعرورة، ولكن بالأساس، كي أقبلها ألف قبلة وأشم رائحة بشرتها النضرة، ورائحة نتاقها العطرة، على ملابسي المُخضرّة.


الاثنين، 8 مارس 2010

باريس: اليوم الأول

لحظة مؤثرة...


لحظة مؤثرة أكثر...



متجر شركة "أبل" في محاذاة اللوفر. هاي الصورة عشان أحموشي




ساحة متحف اللوفر. يطير الحمام (البط في هذه الحالة)...






وضعتُ رواية "روائح ماري كلير" (للتونسي الحبيب السالمي) في محفظتي، من بين سائر الكتب التي على المنضدة (وديوان لعناية جابر). لم أكن أعرف أنها تسجل قصة حب في باريس، ولكنني كنتُ قرأت عن تميز هذه الرواية، فقلتُ أقرأها في الطائرة. حملتني الرواية بهدوء وبلا "دراماتيكية" تُميّز روايات الحبّ، إلى باريس، وحين حطت الطائرة في مطار شارل ديغول كنتُ قد قطعت ثلثيها على الأقل، وكانت قصة الحب بين الراوي وماري كلير قد بدأت تتدهور، وفق جميع علائم انتهاء الحب (تعرفونها؟.. أصعبها التجاهل).

هكذا حطت الطائرة وأنا أعيش تفاصيل احتضار حبّ باريسيّ، من دون أن أعيش حبًا كهذا، يتمناه جميع الرومانسيين (الأحياء منهم والأموات). كانت باريس نائمة في السادسة صباحًا وكان البرد ينخر جسدي، وندمت أشدّ الندم لأنني لم آخذ معي الكلاسين البيضاء الطويلة التي نبهتني إليها أم الدشة ولم أنتبه. باريس باردة في هذه الأيام، ولكن ألفة كبيرة تلفني معها اليوم، على خلاف المرة السابقة، التي كانت سريعة ومقتضبة: "كويكي على الواقف". حتى متحف اللوفر بدا باسمًا هذه العصرية (من دون علاقة بأنّ الدخول إليه اليوم مجانيّ) ولم أكترث للريح الصّرصَر التي هبت على ساحة الكونكورد والمِسلة الفرعونية (الملطوشة) التي تنتصب في وجه لا أعرف من.

اليوم الأول في باريس جميل، ويبدو أنّ نصائح العزيز بيار ستفعل فعلها. طلبتُ منه أن يسمي لي معالم وأماكن جديرة بالزيارة، ولم يبخل، بل استزاد، وأعتقد أنني في ورطة الآن، لأنّ الوقت الممنوح لفسحي محدود، وسأضطر إلى تحمل عتاباته الودية وهو يسأل بتعجب (في الأيميل): لا؟ ما زرت "ثياتر دي لا فيل"؟؟ له له يا رفيق!

يقع الفندق الذي أنزل فيه في المنطقة الضبابية العصية على التعريف، بين "حقير" و"متواضع". ورغم أنه آيل للسقوط في كل لحظة إلا أنّ فيه "واي فاي" وببلاش. وقد اقتصر فطور الفندق هذا الصباح على قهوة سوداء وبعض الحليب، كروسون واحد صغير وربع (يمكن ثمن) باغيت، إلى جانب قطعة زبدة ووجبة مربى صغيرة. ما يشبه فتحة النفس ليس إلا. كمية الطعام التي أزدردها على الواقف، حين أستيقظ، قبل تنظيف أسناني، قبل أن أجلس إلى الفطور. كنتُ أعتقد أنّ هذه هي المقدمة لا أقلّ، وأنّ البيض والمقانق (بالميم) والأجبان آتية لا ريب، إلا أنّ الفندقيّ المناوب ابتسم لي حين ابتسمتُ له، وفهمتُ. ولكن أكثر ما أغاظني أنه كان يجلس خلفي في السابعة والنصف صباحًا، لا أحد غيرنا في "غرفة الطعام"، وكان يمضغ الباغيت بصوت عال ثم يشفط القهوة شفطًا، فكانت كل شفطة وكل مضغة تقطعان أحشائي قطعًا، ولولا أنني أنحدر من عائلة لم يُخلق بعد مَن يسدّ شهية أبنائها، لقُمتُ من دون أن آكل وجبتي الضئيلة المتواضعة (لن أقول حقيرة).

في التاسعة مساءً يقرصني الجوع، فأقرصه. أبحث عن "أيّ حاجة في أيّ حته" تلائم ميزانيتي المتواضعة. يلهمني أنفي في اللحظة الحاسمة فأشمّ رائحة لحم ببهار عربيّ. بعد ثوان أراه: سيخ شوارما يسبّح الليل ورواده. هنا يسمونه "كباب" ولكن لن نتوقف عند التفاصيل. يطالعني وجه الكبابجيّ الملتحي بلحية غير حيادية، فأطلب دجاجًا بالإنجليزية، ثم أتذكر، فأسارع: "عربي؟" يبتسم ويقول: "مْنين؟"، أقول فلسطيني، وأرجو ربّ العباد في سري أن لا يسألني "مْنين؟" مرة أخرى، لئلا أدخل في متاهة عكا وعرب الداخل والثماني وأربعين وتصنيف الانتماءات وتقلبات الهوية والطقس وسراويل الحسيني الداخلية. يبتسم حين أقول له إنني فلسطيني ويسأل السّؤال الطبيعي بعد هكذا كلمة: "دْجاج بالكاري؟ بالبازيليك؟ بالخردال؟". أبتسم ملء جوعي، وأطلب بالبازيليك. يحاول البائع أن يتودد إليّ لكنّ عربيته مثل فرنسيتي، فنصمت بعد حين وعيني على ساندويتش الدجاج وعيني الأخرى على القدس (بمزح معكو؛ عيني الأخرى على فرنسية حسناء، ولكن يجب على كل فلسطيني في العالم أن يحشو كلمة القدس في أي نصّ يكتبه، وها أنا قد انتهيت من "الكوتا" المقدسية المفروضة عليّ).


آكل ساندويش الدجاج بشهية وبعد اللقمة الثانية أندم لأنني لم أشترِ اثنين، إلا أنني أنظر إلى كرشي في المرآة وأشكر الآلهة أنني لم أشترِ اثنين، فأكتفي برقائق البطاطا المقلية المغمسة بالمايونيز، ثم أتحلى بتفاحة حمراء يانعة (سامعة مدام؟)، وأجلس إلى الحاسوب وأعمل على السيناريو.

أتفحص الإيميل. لا شيء مثيرًا. أقرر أن أكتب يوميات باريسية حتى عودتي ونشرها في المدونة. أستسخف الفكرة؛ من بحاجة إلى هذه الترهات؟ ولماذا يجب نشرها على الملأ. لو كنتُ فاتحًا غازيًا أو ظافرًا لقلنا "محمولة". بعد نصف ساعة من تقليب المحطات الأربع الفرنسية في التلفزيون المتحشرج، أعود إلى الحاسوب وقد قررت أن أكتب هذه اليوميات وأنشرها. يعني إبراهيم كناعنة أحسن مني؟

سأنهي الليلة "روائح ماري كلير" وقد أقرأ قليلاً من ديوان عناية جابر الذي اصطحبته معي أيضًا. إشتريت أيضًا من المطار كتاب "صورة دوريان غري" لأوسكار وايلد بترجمة جديدة (بالعبرية). سأقرأه أيضًا. ولكنني أشتاق إلى دشة شوقًا هائلاً. أقلب صورها في ذاكرة الحاسوب. أحبها. أنام على صوت مكاغاتها وصراخها العصبي وهي تهجم على أنفي لتعضه، كما تحبّ أن تفعل.

الاثنين، 22 فبراير 2010

إيليا سليمان... الفيلم الذي يُخيف إسرائيل

كي تعرض فيلماً في إسرائيل، يجب أن يصدّق عليه «مجلس مراقبة الأفلام». لكن الرقابة والمنع الأساسيين يأتيان من الموزعين ودور العرض التجارية الإسرائيلية. هم يمارسون رقابة ذاتية سياسية، تلغي كلّ ما لا يستوي مع قيم إسرائيل الصهيونية، وهذا ما نسمّيه «تعاظم الفاشية في إسرائيل».... وآخر ضحاياها إيليا سليمان وفيلمه «الزمن الباقي».

يصعب طبعاً أن نجد منتجين يملكون الشجاعة للحديث عمّا يدور اليوم، في مناخ الحقد المتصاعد الذي يؤثر في جميع المناحي الحياتية. لكن المنتج الإسرائيلي آفي كلاينبرغر الذي عمل منتجاً مساعداً لفيلم «الزمن الباقي»، يملك تلك الشجاعة. كلاينبرغر يعيش آثار «الفاشية المتعاظمة» بنفسه، وفق ما يقول لـ«الأخبار». إذ يرى «الزمن الباقي» مُقصىً عن الصالات في إسرائيل، ولم تعرضه حتى الآن إلا أربع صالات فنّ وتجربة (سينماتيك)، أبرزها «سينماتيك تل أبيب». كلاينبرغر يقول إنّ الموزعين ودور العرض يتذرّعون بحجج تجارية واهية، مثل عدم قدرة الفيلم على تحقيق الإقبال الجماهيري. «أنتظر نجاح الفيلم تجارياً في «سينماتيك تل أبيب»، عندها سنرى ما سيقولون».

يروي الشريط قصة عائلة سليمان من عام 1948 حتى اليوم، مروراً بأهم المحطات التاريخية، وغنيّ عن القول أنّ الرواية تختلف كلياً عن «القيم الصهيونية الأساسية» («الأخبار» ٢٠/ ٧، و١٩/١٠، و٣٠/١١/٢٠٠٩، ثم ٢٩/١/٢٠١٠). يُشبّه الناقد يئير رافيه الأجواء اليوم بأجواء الثمانينيات التي أفرزت الانتفاضة الأولى. ويورد مثالاً عن فيلم شهير لعاموس غيتاي تناول قصة عمّال عرب يبنون البيوت لليهود ويشتاقون لأراضي آبائهم، ما أدى إلى تهميش غيتاي وإبعاده عن التلفزيون الإسرائيلي الرسمي، و«الشعور بالإسكات وقمع حرية التعبير والإنكار» بحسب قوله. والأجواء اليوم عصيبة ومتشجنة: جريدة «معاريف» تلغي نشر لقاء مع الممثل والمخرج محمد بكري («جنين، جنين»)؛ شركة «يس» للبثّ والإنتاج تتراجع عن عرض «الجنة الآن» لهاني أبو أسعد الذي لم يُعرض أيضاً في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام ١٩٤٨، وأمثلة أخرى لـ«يس» آخرها فيلم «يافا» لإيال سيفان الذي مُنع أيضاً داخل الخط الأخضر.

يقول كلاينبرغ: «هذا الجو ليس جديداً على الدولة. لكن الخطاب يختلف الآن، وخصوصاً منذ سطوع نجم أفيغدور ليبرمان. الناس لا يريدون أن تدعم المؤسسة أيّ أمر يخالف القيم الأساسية للدولة بوصفها دولة «يهودية ديموقراطية». انظر ماذا يحدث مع لجان القبول للبلدات اليهودية التي ترفض أن يسكن العرب فيها. هذه عنصرية مُقوننة بل أبارتهايد. أتوقع سَنّ قوانين تقيّد دعم الإنتاجات السينمائية لدى الصناديق الداعمة».

شنّت بعض الصحف هجوماً عنيفاً على إيليا سليمان. ولم تنشر معه أيّة حوارات، إذا استثنينا مجلة «عغبار هعير». لقد تجرأ مراسلها أفنير شبيط على نشر لقاء مع السينمائي الفلسطيني، مما جاء فيه: «لا أعتقد أنّ هناك مكاناً للمقارنة بين الدولة الصهيونية والنازية. إنها تذكِّر أكثر بالاتحاد السوفياتي ومعسكرات العمل والسّخرة التي أنشأتها». أثار الحوار حفيظة زبولون أورليف، رئيس لجنة التربية والثقافة في الكنيست الذي لم يتأخر ردّ فعله: «للأسف هناك مواطنون سابقون بمثابة طابور خامس، استغلوا الديموقراطية الإسرائيلية وميزانياتها لمحاربة إسرائيل بوصفها دولة يهودية. أتوقع من المؤسسات الثقافية أن تتحلى بالمسؤولية، وألا توفر منصة لمبدعين يعلنون رغبتهم في مناهضة شرعية دولة إسرائيل. لا علاقة للمسألة هنا بحرية التعبير، بل هي قضيّة التعاون مع أعداء الدولة، والتحريض على دولة إسرائيل والشعب اليهودي». ورغم أنّ «الزمن الباقي» لم يحظَ بأيّ دعم مادي من مؤسسات الاحتلال، إلا أنّ أورليف يهاجمه، موجهاً سهامه إلى الصالات التي قبلت بعرضه، فيما تتلقى دعماً من «لجنة أورليف للثقافة».

وقد توقّف في المقابل بعض النقاد في صحف الاحتلال، عند جودة الفيلم. فقد علّق أوري كلاين، الناقد السينمائي في «هآرتس»: «إنّه فيلم جميل جداً (...) يثبت أنّ سليمان تحوّل إلى فنان كبير، ومعلم يسيطر على أدوات فنه». أما جدعون ليفي، الصحافي المعروف بتغطيته المتواصلة للفلسطينيين والعرب في «هآرتس»، فكتب: «في 1948 غطينا أعين المعتقلين العرب بقماش الفانيلا وصرخنا عليهم بفظاظة «افتح الباب!» تماماً كما نفعل في 2010. لا جديد تحت سماء فلسطين وإسرائيل».

«من وظائف الفن أن يضحكنا. اليهود رووا النكات في الغيتوات، ولا بدّ من أن يفهموا لماذا يروي الفلسطينيون النكات في مخيمات اللاجئين»، يقول إيليا سليمان. لكن يبدو أنّه متفائل بعض الشيء، إذ لا أحد يضحك في إسرائيل اليوم!


(نُشرت المقالة في "الأخبار" اللبنانية)


الخميس، 11 فبراير 2010

ثرثرات فوق السور (4)

الرفيقة دُشة. أسنان على الطريق...


بالواسطة- 1


قد يصلح اسم الفيلم المعروف، "سكس، أكاذيب وفيديو تيب"، عنوانًا للتقرير الذي بثته القناة العاشرة الإسرائيلية، ليلة أمس، عن الفساد في السلطة الفلسطينية. فالسكس حاضر (رغم بشاعته الأخلاقية والجسدية)، والأكاذيب هنا والفيديو تيب في أبهى حلله: فيديو مخابرات سرية. لا أعتقد أنّ أحدًا تفاجأ ممّا يفعله لصوص أوسلو في الضفة الغربية، وكمية الفساد المتفشية في السلطة الفلسطينية، ولكنني تفاجأتُ حقًا بشهية رفيق الحسيني الجنسية المفتوحة على مصراعيها، رغم سنه المتقدمة؛ فالزلمي يدبو "موّيت" وها هو يلحق عضوه بجسارة وبطولة وصمود عزّ مثيله في انتفاضات الشعب الفلسطيني الباسل.

وقد كتب موقع القناة العاشرة أنّ أبا مازن هدد نتنياهو (في رسالة حامية) بأنه سيستقيل في حال بثّ التقرير عن أمين سرّه (الحامي). عفوًا؟ لماذا يبدو من هذه الرسالة أنّ أبا مازن أجير لدى بيبي يهدد المسؤول عنه بالاستقالة إذا لم يمارس سلطته على برنامج تلفزيوني؟ ما العلاقة؟ وهل يعتقد أبو مازن أنّ بيبي يريد حقًا بث التقرير وكشف فساد لصوصه؟ أكثر ما تتمناه إسرائيل سلطة فلسطينية معظم قباطنتها ممسوكون في أماكن حساسة (وحامية).

ما يثير اهتمامي حقًا هو مصير السيدة الشجاعة التي سمحت بتسجيل الحسيني الحامي في بيتها وتعاونها مع كاشف الفساد فهمي شبانة ومع المخابرات الفلسطينية. هل ستنجو هذه السيدة بجلدها؟ والسّؤال الذي لا يقلّ أهمية: لماذا يغضبون من الحسيني المنتصب لأنه رغب في أن ينكح سيدات المجتمع الفلسطيني؟ ألا ينكح هو وعصابته منذ أوسلو الشعب الفلسطيني في جميع ثقوبه؟؟ وبلا فيزالين؟!

بالواسطة- 2

اللي ما عندو واسطة لا يروح ولا ييجي. هذه هي النتيجة التي توصلتُ إليها اليوم بعد أن رفعنا أكم تلفون، أم الدُشة وأنا، كي نحاول تدبير دور لصورة أشعة للرفيقة دُشة، التي تنتق على الحيط الواقف. والقصة أنّ الطبيب وجّهنا إلى صورة أشعّة لمعدة الرفيقة دُشة التي تبخّ بخًا (من فوق ومن تحت)، وهكذا وجدت إم الدشة نفسها في مواجهة موظفة لا تفهم إلا بالتعليمات الجافة، ولا يهمها أنّ الرفيقة دُشة تتألم وتصرخ في الليل وتتلوى بين أيدينا. وبعد أن فشت إم الدشة غلها في الموظفة الحقيرة وأسمعتها رأيها بالضبط في بعض أعضاء عائلتها الحميمية، فشت غلها فيّ.

وهكذا شمّرتُ عن مهانتي، وبدأتُ حلقة اتصالات هدفها الوصول إلى الواسطة الأثخن في المستشفيات المجاورة، التي ستمكّننا من تصوير معدة الرفيقة دُشة قبل حلول حرب لبنان الثالثة. وبين أخذ وردّ، واتصال وسجال، وهادا بعرف هاد، وهايا بتعرف هاي، استطعنا الحصول على دور سريع بعد يومين- وهذا كما يعرف جميع الأهالي المنتظرين لصورة أشعة حدث جَلل لا ثانيَ له. ثم اتصل فاعل الخير (ربنا يوقفلو أي حاجة في أي حته) وقال إنه سيُدخلنا بشكل "بيراطي" (يعني: قرصنة) غدًا وليس بعد الغد، وهذا كرمال عين الحلوة (الاسم محفوظ في ملفات التحرير). بالواسطة صوّرنا معدة دشة، قبل نضوج العنب والتين، ومن حظنا أننا نعرف الناس التي يمكن أن تتوسط أو تكون حلقة في واسطة. إنها دولة واسطات حقيرة ومُنتنة. هل ستقولون إننا صرنا جزءًا من منظومة الواسطات؟ يبدو هذا على الأغلب، ولكنني مستعد للمحاكمة والتذنيب وتلقي حكم ثلاثة أشهر في خدمة الجمهور في مكتب النائب العائد غالب مجادلة، لو أنّ هذا سيوقف ألم دُشتي الباكية.

بعد قليل ستبدأ دُشة بتطليع أسنانها. حدا بعرف دكتور أسنان بمون في "رمبام"؟


بالواسطة- 3

قررتُ، بعد تخبطات دامت لسنوات، أن أقتني "بلاي ستيشن". فقد كنت خائفًا (ولا زلت) من إدماني عليها، لأنني سريع الإدمان على مختلف الأمور، والموقف محرج الآن بعد ولادة الدُشة وتكاليف الهاغيز وأبناء عمومته وأخواله وأنسبائهم وأقربائهم في البلاد والمهجر. لكنّ القرار تمّ، وقد تحمس عامر أخي أيضًا للفكرة وهو يبحث في هذه الأيام عن صفقة مجدية بشراء ماكنتين اثنتين من الطراز القديم (رقم 2) نستطيع تشغيل الألعاب "المدقوقة" (المزورة) عليهما من دون تأنيب ضمير (راجع بند: حق الشعوب التي خضعت للاستعمار في نسخ الألعاب وبرامج الحاسوب مجانًا حتى العام 2134).

هل من واسطة لمثل هذه الصفقة؟؟



الثلاثاء، 12 يناير 2010

سأكون شعبوياً أيضاً: يعيش حمّص لبنان



يوم الجمعة الفائت، تناقلت وكالات الأنباء الإسرائيلية أخباراً عن مئات، وربما آلاف المحتفلين الذين غمروا قرية أبو غوش الفلسطينية المحاذية للقدس، واحتشاد نحو 40 طاقماً إعلامياً، وإغلاق الشارع الرئيسيّ في القرية منذ العاشرة صباحاً. فالحدث يستحق إغلاق الشارع: صحن حمّص بوزن أربعة أطنان سيهزم الرقم القياسيّ الذي حقّقه لبنان قبل أشهر.

فجأة، تحوّلت قرية فلسطينية على أطراف العاصمة الأزلية إلى ساحة وغى يعمل الجميع فيها على كسر الرقم القياسي اللبناني. ما قاله جودت إبراهيم -صاحب مطعم «أبو غوش» للحمّص والمُبادر لهذه البهدلة- لموقع «معاريف» الإلكتروني، يعكس الكثير: «أريد أن يرى العالم ولبنان أنّ حمّصنا هو الأفضل والألذّ مذاقاً. وإذا كان كِبر الحجم يهمّ، فسنريهم مَن يملك الأكبر» (والحديث للبنانيين)! مقولة نموذجية لأسرلة بغيضة تعكس ملامح العربي الذليل الذي يبيع الحمّص «الأصلي» لأبناء عمومتنا، الباحثين عن «الأوثنتيك» في بلاد السّمن والعسل.

ورأى إبراهيم أنّ هذا اليوم هو «يوم عيد». وعندما صعد ممثل كتاب «غينيس» إلى المنصة وصدّق على الإنجاز، أُطلقت البالونات البيضاء والزرقاء (الإسرائيلية) إلى ضواحي هواء القدس، وانطلق بعض شباب «أبو غوش» في رقصٍ ودبكة!

لكن، قبل أن تحكموا على رجل الأعمال الفهلويّ الذي ازدادت نجوميته الحمّصية نجوميةً، عليكم أن تعرفوا أنّ العربي صانع الحمّص لم يفوّت فرصة عرض السلام على لبنان «الشقيق». ها هو يعلن بتعايش نموذجيّ: «آمل أن يقبلوا اقتراحي، وأن نصنع الصحن المقبل معاً. آمل أن تكون الحرب الوحيدة بيننا، حرباً على الحمّص».

عفواً؟ أيّ حرب بالضبط بينك وبين لبنان؟ هل أنت من جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي؟ وكيف يمكن بالضبط أن تصنع صحن حمّص مشتركاً مع اللبنانيين؟ هل ستعود أنت وأصدقاؤك اليهود مُحبّو الحمص إلى بيروت؟

من المثير للقشعريرة أن ترى مذيعاً تافهاً (زهير بهلول) ونجمة «عربية إسرائيلية» عابرة (مريم طوقان) يعتليان منصة هذه البهدلة. هو يضحك ويبتسم ويقهقه، وهي تغني للطاعمين. هل بحثتم عن مثال صارخ للتشويه الإسرائيليّ السّمج والمعيب الذي لحق ببعض أبناء أقليتنا الصامدة؟ ها هو أمامكم، بصريح المهانة.

هذه الكتابة ليست «فزعة» للحمّص اللبناني، ولا الفلسطيني، ولا «الإسرائيلي» (الهجين). مهاترات كِتَاب «غينيس» كانت (وستظلّ) دائماً أحاديث مسلية وغريبة يتسلى بها القوم لا أكثر. لكن الشعبويات تظلّ المجسّ الأفضل لجميع الظواهر والتعابير التي تُرصد أكاديمياً وبحثياً وصحافياً بكلمات أكبر، وبمصطلحات تتجاوز الحمّص بالطحينة والليمون.

مع ذلك ـ بعد إذنكم ـ سأكون شعبوياً أنا الآخر، لوهلة، وسأطلق صرخة غضب فلسطينية مجلجلة تنصر حمّص بيروت على حمّص بعض «عرب إسرائيل» التابعين لابن العمّ «المُغمِّس» طرباً وجذلاً. وإذا سُمح لي ببعض الدراماتيكية، فسأصرخ بالأحمر القاني: يا طبّاخي لبنان، اتّحدوا!


(المقالة في "الأخبار" اللبنانية)