الأحد، 12 أكتوبر 2008

كل كارهٍ للعرب هو ترومبيلدور


(نُشر بالعبرية في "واينت"، 11 تشرين الثاني 2008)

يشكّل اليهود في دولة إسرائيل 81% من السّكان؛ يسيطرون مباشرة وعن طريق حكومة الشعب اليهودي على 93% من الأراضي؛ يسيطرون على الجيش والشرطة و"الشاباك" ومصلحة السجون والموساد والاستخبارات العسكرية والحكومة والوزارات الحكومية والمواصلات والأغذية والمياه والموارد (ومؤخرًا- يسيطرون على عدة دول في المنطقة)؛ هم من يسنون القوانين في الدولة، يقرّرون ما المسموح وما الممنوع، يستحوذون على مقاليد القوة والسلطة؛ هم أسياد المكان، نظريًا وعمليًا.

ولكن، في كل مرة يقوم بعض العرب بتكسير واجهات محلات وزجاج سيارات، يتبنى اليهوديّ القادر على كل شيء، فورًا، ذهنية الضحية المطلقة، يعود إلى تاريخه (المؤلم) ويستقي منه مصطلح الضحية المناوب. في هذه المرة كان المصطلح "بوغروم"، وقبله "ليل البلور"، وربما الآتي في الدور هو "التطهير". يبدو أننا سنجد أنفسنا، نحن العرب، في المواجهة القادمة بين العرب واليهود، "مديرين لمراكز اعتقال" في الجليل. والسؤال السؤال: ما كمية السخف التي يمكن أن يحشوا بها الناس (المتهالكين بدورهم كي يحشوهم بالسخف)؟

لقد أدى دخول عربي في ليلة "الغفران" إلى حيّ مختلط (فيه غالبية يهودية) بسيارته إلى أعمال عنف واسعة، تجاوزت "الخناقات السنوية العادية" في عكا. الجميع أذكياء الآن: يسمعون عن عكا، العناوين تصرخ، الدماغ اليهودية تتناقش في السوبرماركت وفي غرف الانتظار لدى الطبيب فيما يجب صنعه مع هؤلاء العرب، إلا سكان عكا العرب؛ فهم بوسعهم أن يعدّدوا أمامكم عدد البيوت العربية التي هُوجمت في السنوات الأخيرة، وعدد السيارات التي أحرقت، وعدد الهجمات التي كانت ضد العرب، والجزء المضحك من الميزانية البلدية المخصص للبلدة القديمة، وحملات البيع والتصفية التي تجري للممتلكات وللمباني العربية في داخل البلدة القديمة.

لليهودي الذي سيبدي اهتمامًا في عكا بعد هذه اللحظة، نعرض عليه أن يقرأ الصفحات الأخيرة في الصحف، فسينظر ويجد بيتا "أوثنتيك" على البحر، معروضًا للبيع بصفقة ممتازة. بدأوا بيافا والآن عكا. فلتحيَ الصهيونية المتجدّدة عند شواطئ البحر المتوسط البرّاق والخالي من العرب!

نحن نعيش في قلب مهانتنا وألمنا. لكنّ لا أحد يهتم بهذا إلا عندما يُهاجَم اليهود (لعدة ساعات، لمرة واحدة، كردّ على أخبار حول قتل عربي. هذا ليس تبريرًا للتدمير الذي رافق هذه الهبة، لكنّ الهدف توخي الدقة). وبنظر الكثيرين، كانت هذه البداية التي لم يسبقها شيء، ومن هنا يجب الاستمرار بالدم والنار. وللحظة، تحوّل أفيغدور ليبرمان، نبي الترانسفير والتحويلات المالية رهن التحقيق، إلى المنقذ القومي: هو فقط من يستطيع "علاجهم"، هو من يفهمهم ولا أحد غيره. في جوّ الفاشية والكراهية الذي هيمن على المكان لا أعرف ما إذا كانت مقولة "يفهم العرب" هي مديح أم مذمة.

الجو السائد هنا يُذكّر بالغضب الذي اندلع في البلاد بعد تفجر الانتفاضة الثانية: إنهم يصرخون "الموت لليهود"! لم تكن أية مشكلة في أن يتحوّل نداء "الموت للعرب" إلى النشيد الوطنيّ غير الرسميّ لدولة إسرائيل "الديمقراطية"، ولكن كيف يتجرّأ هؤلاء "العربوشيم" على الردّ؟ كلّ عنف هو مُستنكَر كردٍّ أيضًا، ولكننا بتنا في مرحلة نفضّل فيها أن نكون مُستَنكَرين (في نظر التيار العام ووسائل إعلامه)، على أن نرى حياتنا تنهار أمام ناظرينا، لأنّ اليهود من مهاجري الدول العربية ومن خريجي المستوطنات لم ينجحوا في التغلب على كراهيتهم للعرب. ليتعالجوا!

"يجب أن لا يستغرب أحد إذا قام اليهود في جميع أرجاء أرض إسرائيل بحمل السلاح كي يدافعوا عن أنفسهم من العرب، في الوقت الذي تجلس فيه شرطة إسرائيل ساكنة"- هكذا صرخ ودمدم عضو الكنيست أرييه إلداد ولم تهتزّ الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. كان يجب قراءة إعلانه هذا، جيدًا، وكما يجب: لا يكاد يخلو بيت يهودي في إسرائيل من السلاح (أسلحة الجيش، الشرطة، الأجهزة الأمنية أو مجرد عادة مُحببة)؛ ففي الدولة التي يسود فيها مبدأ "كل مواطن جندي"، فيما الباقي متختصون أمنيون متقاعدون، لن ينتظروا إلداد ليدعو إلى تسليح الأغلبية المهيمنة والسائدة في الدولة. وإلداد ليس غبيًا؛ لكنه أراد فقط أن يذكّر اليهود بأنهم يمتلكون الأسلحة في البيوت ويجب أن لا يخشوا من استخدامها، فالساعة مواتية والجميع يتغنى بفرح وبشهوة مستعرة: العرب يقومون ببوغروم ضدنا- فهيا إلى المعركة!

عمليات التدمير التي يزرعها العرب في المواجهات مع اليهود، تنبع من الاغتراب والغربة اللذين خلقتهما أجهزة الدولة؛ الغضب الحاصل جراء هذا يجب أن يُستغلّ لبناء برنامج سياسي واجتماعي، لبناء خطة عمل مع أهداف، لوضع استراتيجية حاسمة في وجه نظام الحكم والأغلبية اليهودية. وبدلا من هذا، يُفجر البعض منا غضبه على سيارات ومتاجر من ننظر إليهم على أنهم الممثلون الفوريون للسلطة الظالمة والجائرة. صحيح أنّ هذا يشكل وسيلة للتنفيس، إلا أنه يمكن أن يحبط جميع النضالات العادلة التي نكتب ونتظاهر ونتنظم من أجلها. هذا أمر متسرّع وغير منصف تجاه المتضرّرين، والأهم أنه غير حكيم.

من المثير لأشدّ القلق أنّ الحلّ الوحيد الذي يجري تطبيقه على الأرض للمشاكل التي تعانيها المدن المختلطة (خلافا للخطط الخمسية التي تبلى في الأدراج) هو جلب طلاب مدارس دينية يهودية ومستوطنين لتقوية الأحياء اليهودية. هذه زعرنة أيديولوجية نقية، وتفكير فاشي استبدادي هدفه زرع الإرهاب والهلع لغرض تنظيف الأحياء العربية من "النجاسة" العربية. كل مُلتهم للعربوشيم هو بطل، كل كارهٍ للعرب هو ترومبيلدور.

من المخيف أن تحيا في عكا في هذه الأيام، ومن المخيف أكثر أنّ الجميع عاد إلى حياته الروتينية في الدولة، في الوقت الذي تستمرّ فيه حملات التدمير اليهودية وبأقصى قوتها. أمس (السبت، 11 الجاري)، أحرقت أربعة بيوت عربية وحتى خلودي للنوم في الواحدة ليلا كانت هناك عائلة عربية محاصرة في بيتها، تصلي من أجل معجزة. ولكن المعجزات لا تحصل في البلاد المقدسة (ما عدا مقتل رابين في نظر مئات آلاف المسيحانيين)، ولا تزال هذه البلاد تنزف كراهية أسيادها.



الثلاثاء، 7 أكتوبر 2008

الكتب في الممنوعات!


منذ العام 2000، وتحديدًا منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، تغيّرت إسرائيل بعمق على المستوى القيادي الرسمي وعلى المستوى الشعبي. فمن وجهة نظرهم، "خذلهم العرب والفلسطينيون" بعد أن أعطاهم الإسرائيليون "كل شيء" (مفاوضات كامب ديفيد الثانية). وهذا يفسر الهجمة الشرسة على العرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل، متمثلة بهجمة على القيادة السياسية والأحزاب وعلى مؤسسات المجتمع المدني.

ومن "جسر للسلام" تحول العرب مواطنو الدولة في غضون أقل من ثماني سنين إلى كابوس يقض المضاجع، وينعكس هذا في نموّ خطاب الفصل العنصري والترحيل وقبول المجتمع الإسرائيلي لهذا الحل في جميع الاستبيانات الحاصلة في السنوات الأخيرة. من هنا، يبدو إلغاء تصريح استيراد الكتب الممنوح لصالح عباسي، صاحب مكتبة "كل شيء" في حيفا، استمرارًا طبيعيًا لهذه السياسة، بحجة الاستناد إلى بند قانوني إسرائيلي ينصّ على "منع استيراد بضائع تجارية من دولة عدو".

وهكذا، يصبح من المستحيل اليوم على قارئ عربي من حيفا أو الناصرة أو أم الفحم أن يقرأ آخر إصدارات "دار الآداب" أو "رياض الريس" لأنّ كتبهم صارت، رسميًا ونهائيا، "ممنوعات أمنية". إنها عودة صريحة وشفافة إلى منظومة الحكم العسكري، وهي الفترة التي امتدت من وقت تأسيس إسرائيل إلى العام 1966، حيث خضع الجليل والمثلث والنقب إلى حكم عسكري في الديمقراطية الإسرائيلية الناشئة، مُنع العرب خلالها من التنقل أو كسب رزقهم من دون تصاريح من الحاكم العسكري.

وتميّزت تلك الفترة بمحاولة إذابة وقمع للهوية العربية الفلسطينية لدى الأقلية التي بقيت آنذاك في ظل الدولة الفتية، وذلك عن طريق إنشاء وسائل إعلامية (صحف، ومن ثم صوت إسرائيل بالعربية، صوت المخابرات الإسرائيلية) هدفها ضرب الأصوات الوطنية ومحاولة فرض خطاب سياسي-ثقافي متقبل للهوية الإسرائيلية الجديدة. ووقتها، لم يكن من الممكن استيراد كتب عربية من العالم العربي، وكانت الناس تستمع إلى خطابات جمال عبد الناصر عبر المذياع، سرًّا، وبعد أن يغلقوا الأبواب والشبابيك.

بعد نكسة 1967 بدأت المفارقات التاريخية المضحكة-المبكية: صار بالإمكان التواصل بين "عرب الداخل" وبين عائلاتهم وأخوتهم وأشقائهم في جنين وغزة، وبدأت حركة ثقافية تبادلية نشطة، برز خلالها النهم الكبير للعرب في إسرائيل بالقراءة والتواصل الثقافي مع محيطهم الطبيعي. وما زاد المفارقة، اتفاقية كامب ديفيد المكروهة، فهي كانت السبب في إعطاء تصريح من الرئيس المصري الراحل أنور السادات، إلى عباسي، الذي حمل التصريح وتوجه فورا إلى القاهرة وعاد بحوالي ثلاثين ألف كتاب، يشهد هو على بيعها خلال أيام قليلة في ساحة "بيت الكرمة" في حيفا.

وكيف للمفارقة أن تكتمل من دون العدوان على لبنان في العام 1982؟ فصديق عباسي اليهودي ضمن له الدخول إلى صور، ومرة أخرى عاد عباسي بآلاف الكتب إلى الداخل وباعها أيضًا في أيام قليلة. مشوار الكتاب العربي والثقافة العربية في الداخل مرتبط باحتلالات وفتوحات إسرائيل، كونها الطريق الوحيدة التي كانت متاحة نحو الخارج. وبعد اتفاقية السلام مع عمان تحولت عمان إلى همزة وصل أوتوماتيكية بيننا وبين العالم العربي؛ فلم يتوقف الأمر عند استيراد الكتب، بل صارت اللقاءات الثقافية مع العرب والفلسطينيين من الدول العربية تُعقد في عمان، متغلبة على منع دخولهم إلى حيفا ويافا، وعلى إحراج استقبالهم بختم جوازهم الأجنبي بختم إسرائيلي. إنه حصار ثقافي جديد، يبغي العودة بنا إلى تلك الفترة، فترة الابتعاد عن السياسة وتفضيل الركض وراء لقمة العيش وترقّب أيام أفضل.

منع الكتب والقراءة شبيه بإحراق الكتب في الشوارع، في المحصلة. كان هذا اليهودي هايني هنريخ الذي قال: "في المكان الذي يحرقون فيه الكتب في الشوارع، سيأتي يوم ويحرقون الناس أيضًا".

الأربعاء، 1 أكتوبر 2008

هيّا إلى المدوّنات

إفتتح قبل يومين الصديق العزيز والزميل الصحافي فراس خطيب مدونة جديدة له وهي بهذا تنضم إلى المدونات القليلة التي افتتحها مبدعون وكتاب وفنانون وصحافيون وناشطون من فلسطينيي الداخل، مع أنّ تقليد فتح المدونات صار تراثًا يكاد يكون تقليديا اليوم في العالم العربي وغزة والمناطق الفلسطينية المحتلة (بوضعها السياسي اليوم: المُختلة) عام 1967.

ولكن يبدو أنّ المدوّنات هي خيار الفقراء والمطارَدين؛ فهي خيار الفقراء لأنّ تكلفة فتح مدونة لك على الشبكة العنكبوتية هي صفر من الدولارات أو الريالات أو الشيكلات. بضعة كبسات وخيارات (مع أنّ هذه مهمة شاقة للبعض من جبناء التقنيات!) وأنتَ عنوان جديد على الشبكة الكبيرة. صارت لك مساحة متخيلة، مفترضة (فيرتوال) تستطيع فيها أن تصول وتجول، وتعلم الناس أصول فلسفة ابن عربي أو تعلمهم كيف تُصنع الكبة في الجش (كبة إم علاء) والفرق بينها وبين الكبة في الناصرة (كبة إم العبد التي لم أذقها حتى الآن- ولهذا مقال في مقام آخر!)، أو أن تعلمهم أن يحبوك أو أن يحبوا كتاباتك- والأمران سيّان.

ومن خلال تجوالي في عالم المدونات العربية اكتشفت كون المدونات في معظمها مُعدَّة للمُطارَدين من خلق الله، فترى المدونات المصرية عالمًا هائلاً من السياسة والاحتجاج والكليبات المصورة لأحداث سياسية عاصفة تجري في مصر، ولكن التلفزيون المصري لا يبثها. جنة من المعلومات والمعلومات البديلة وحرية كتابة وحرية ردّ، وأحيانا لدرجة الشتم "الشارعي" الإنترنتيّ (أمثلة: "إيه اللي انت كاتبو ده يا ابن المتناكه؟"؛ "الود ده خول والا إيه؟"؛ "الشرمطة دي لازملها حد بقى!"؛ "والله واكبرت يا (فلان) وطلعلك شعر عالبيض"). ولا أجد تحرّجًا من إيراد هذه الشتائم هنا لأنها: (1) موجودة في الإنترنت وبالعربية منذ فترة؛ (2) لأنها مؤدبة إلى جانب الواقع الذي نعيشه؛ (3) رحم الله امرأ قال: الواقع أكثر بذاءة من أية شتيمة؛ (4) وهو الأهم: لا يوجد كلام بذيء، يوجد أناس بذيئون!

وهذه روعة أخرى من روعات المدونات: هل تعتقدون أنه كان يمكنني أن أنشر المَسبّات التي بين الأقواس أعلاه في أية جريدة عربية في العالم؟ لا أعتقد. وكي أكون صادقًا معكم حتى النهاية، سأقول لكم من خلال تجربتي كمحرر في صحف عربية مختلفة: أنا كمحرر كنت سأشطب هذه الجمل أيضًا من هذه المقالة. سأشطبها وسأشرب كأسين سريعين من الفودكا المثلجة كي أقمع الثورة المُهانة في داخلي. هذه قوانين اللعبة، وعلينا جميعًا أن نلعبها، إلى أن يحصل أمران، لا ثالث لهما: أن نموت بسرعة (أي أن نموت مَجازًا، من الداخل) ونعيش كما يعيش الباقون؛ أو أن نفتح مدونة.

وأنا صراحة لا أفهم الدافع من وراء فتح مدونة لا ينوي كاتبها/ كاتبتها قلب الدنيا رأسًا على عقب وتجاوز قوانين اللعبة في عالم النشر "السَّويّ" (يعني النورمال). في دول القمع السياسي (مصر، سورية، الأردن، وغيرها) تجد المدونات السياسية تكتب وتسبّ وتنتقد وتناقش وتشرئبّ بشراهة كبيرة، فماذا لدينا هنا؟ ولماذا لم نُغرق الدنيا بمدوّنات عن وضعنا السياسي والاجتماعي؟ هذا سؤال كبير أعتقد أنه بحاجة إلى إجابات علمية أشمل وأوفى من جرات قلمي التدوينية (أين د. أمل جمال ود. مصطفى كبها حين نحتاجهما؟).

إذًا، فها هو فراس خطيب يدشن دخوله إلى العالم الرقمي ويصبح عنوانا في الإنترنت. منذ اليوم سيصير مسؤولا عن موقعه، عليه أن يدافع عنه بشراسة، أن يجعله فريدًا ومتميزًا ومتجددًا وإلا ملته "ماوسات" المتزحلقين بين المواقع. وسيكون من حسن حظ خطيب إذا ما شيّعت الجماهير الرقمية مدونته في داخل الفيسبوك (شيّع الشيء: أشاعه، وليس بالضرورة قبره!)، وعندها هو السعيد السعيد، المديد المديد.

سأترقب هذه المدونة كونها لصديق وكاتب عزيز، وكونها تنضاف إلى مدونات "الداخل" القليلة وغير المتجذرة، وكونها ستكون مثيرة وممتازة، بفعل معرفتي بخطيب ومقدراته.

ولكننا في النهاية، المُدوِّنين، نظلّ لاعبي هامش، نعلق ونزايد ونحاضر، ونسبّ ونشتم ونتأوّه بفعل الواقع وخرائياته. نحن كمن أعطوه ميكروفونا في حفلة ديسكو ماجنة: الملايين ترقص على الصوت الصاخب لموسيقى الترانس والنقود والتديّن والماريحوانا والكوك والعرقسوس والأرغيلة، ونحن نقف على المنصة مع ميكروفون ضئيل ونصيح بأعلى أصواتنا المبحوحة: "سَمَعْ يا! سَمَعْ!!!!).

تحضرني هنا قصيدة "كلب الستّ" لأحمد فؤاد نجم، والتي يحبّ أخي عامر أن يرددها حين تبدأ أبخرة الكحول بتبخير القعدة. أذكر منها بوجه خاص هذين السطرين:

"هيص يا كلب الست هيص
لك مقامك في البوليس".

لنا المدوّنات لنهيص بها، مع أننا لم نصل بعد إلى مقام كلب الستّ ومَحظيّاته. فنحن مجرد كُتاب لا يجدون من ينشر لهم شتائمهم وعذاباتهم، لأنه من غير اللائق أن تغرّد "خارج السرب". ولكن، بالأحرى ومن الأصدق أن أقول: نحن مجرد كُتاب...

الأربعاء، 24 سبتمبر 2008

لا طريق ثالث دائمًا/ حنين زعبي


كان الأمر سيكون أفضل لو انتهت "المعارك" أو أية تسمية تختارونها (مشكلة، إشكالية، صراع، نقاش، خلاف، اختلاف) بعِبر؛ فحتى لو انتهت بخسارةٍ ما، كنا على الأقل سنربح العبرة. لكنّ أسوأ "المعارك" هي تلك التي لا تنهي بعبر، ولا تنتهي بمراكمة ما في التجربة الإنسانية أو في المفاهيم الاجتماعية الجّامعة.

وبالتالي، فإنّ مقولة "الضربة التي لا تُميتك تزيدك قوة" هي مقولة ناقصة، أو على الأقل مشروطة، مشروطة بوجود عبرة ما، تكون هي مصدر القوة. وللأسف، ما جرى على أثر نشر علاء حليحل مقاله حول رمضان، هو مؤلم لأمريْن: أولاً، لأنّ ردة الفعل الدرامية التي أثارها هي تعبير عن مجتمع مأزوم، لم يذوّت بعد نقاشَ ما يثيره بهدوء، وهي بمثابة شهادة بؤس، حيث لم تستطع أحداث سياسية درامية ومصيرية مرّت علينا خلال السنتيْن الأخيرتيْن أن تثير ربع هذا الاهتمام.

ومؤلم ثانيا، وهو الأهم، أنها من نوع تلك "المعارك" التي لم تنتهِ بعِبر، ولم تستطِعْ أن تنتج أو تطوّر نوعًا جديدًا من التعاطي مع إشكالية جديدة، نوعًا ما، بل تمّ التعامل معها عبر اصطفافات قديمة لإشكاليات ومفاهيم قديمة وتقليدية، والأهم متصادمة: مفهوم حقّ التعبير مقابل مفهوم "مشاعر الناس". وتم التعاطي مع هذه المفاهيم من منطلق اصطفافات تقليدية، لا تصلح لكلّ مقام ولا لكلّ مقال، فعَكَسَ النقاشُ الاصطفافَ التالي: التعامل مع حرية التعبير وكأنها حرية تخدم ليبراليين أو علمانيين دون غيرهم، والتعامل مع مشاعر الناس وكأنها مشاعر تخصّ المحافظين أو المتديّنين دون غيرهم.

ونسي الجميع في خضمّ ذلك، أنّ حرية التعبير تطالب بها الآن الحركات الإسلامية في العالم العربي، وأنها لا تعبّر عن مصلحة مقصورة لفئةٍ ما، ونسي آخرون أنّ المشاعر ليست حكرًا على المحافظين أو غير الليبراليين، وأنّ أكثر من تُستباح مشاعرهم ويتم الاستئناف على شرعية انتمائهم هم "الليبراليون" أو العلمانيون- أو سمُّهم ما شئتم.

والإشكالية جديدة، بمعنى أنه لا يكفي التعاطي معها بهذيْن المفهوميْن، وبمفهوم الاصطفاف بين: مع حرية التعبير ضد مشاعر الناس أو مع مشاعر الناس ضد حرية التعبير. لكن في نفس الوقت، وبرغم قصور ثنائية حرية التعبير- مشاعر الناس عن نقاش مقالة رمضان، نحن لا نستطيع تجاهل التناقض وضرورة الحسم بين هذين المفهومين على المستوى القيميّ النظريّ، حتى لو لم يكن هذا الحسم كافيًا لنقاش قضية المقال، مضمونه، مكان نشره وحرية نشره.

إنّ ثقافة الردّ التكفيرية القمعية التي أعقبت المقال، هي ما يجعل التأكيد على حقّ الفرد في التفكير والتعبير، ضرورة مُلحّة وأساسية، حتى من طرف أولئك الذين اعترضوا على بعض التعابير التي وردت. لأنّ تلك الثقافة فيها من العنف والقسوة والقمع ما هو أخطر بكثير من الإستعلاء والإستهتار اللذيْن اتهمت بهما مقالة حليحل. ثقافة الردّ التحريضية العنيفة هي أخطر، لسبب بسيط أنّ ما أثار الكثيرين في مقالة حليحل، لا يعدو أن يكون تعبيرًا أكاد أقول عرضيًا، لم يكُنْ من صلب مقولة المقال أو هدفه. لكنّ بعض الردود بأسلوبها وتعابيرها ولا محدودية عنفها وانتهازيّتها السياسية، تريد أن تفرض نفسها ورؤيتها كثقافة عامة.

وحتى ضمن هذا السياق، وبعيدًا عن الزّوبعة التي أثارها المقال، من الضّروري التأكيد على أنّ مشاعر أو "حساسيات" الكثيرين، هي تعبير مطاطيّ وبحكم تعريفها المطاطي غير الواضح هذا، لا يمكن إلا أن تكون أحد الأثمان التي تدفع في سبيل حرية التعبير كقيمة، وهي إحدى النتائج الحتمية لكل عملية تغيير اجتماعي في أيّ مجتمع.

كما أنّ طموح كل مجتمع واتجاه تطوّره هو في الحدّ من رقعة هذه "الحساسيات"، وليس في التعامل معها وكأنها مُعطًى ثابت، أو وكأنها قيمة بحدّ ذاتها. والأمر الأهمّ هو أنّ لهذا المفهوم متطلبات حقوقية، بمعنى أنه لا معنى لـ "حساسية المجتمع" في مجتمع لا يضع حقوق الفرد وحرياته في مركز احترامه، سوى مفهوم واحد، وهو الخوف من المجتمع، سواءً أكانت خوف الفرد المتدين في مجتمع متعصب للعلمانية، أو خوف الفرد العلماني في مجتمع متعصب للتدين.

الثقافة صريحة القمع، لا تحتاج حقيقة لمفهوم "مشاعر الناس"، فهي تكتفي بتحديد الحلال والحرام. من ناحية أخرى الثقافة مُموّهة القمع، هي التي تحتاج لمصطلح "مشاعر الناس"، وتستعمله بغير وجه حق كي تختبئ خلفه. لكن من يحتاج ويحق له استعمال مفهوم "مشاعر الناس" هم فقط أولئك الذين يتبنون القيم التي تعطي الحقّ للفرد بتحدّي تلك "المشاعر".

رغم هذا التشديد والتثقيف الضرورييْن والهامّيْن على مبدأ وقيمة حرية التعبير، وعلى أنها تشمل تلك التعابير التي قد تسيء لمشاعر الكثيرين، إلا أننا لسنا بصدد قضية حرية تعبير، فقط، لأنّ النقاش المطروح هو على مضمون هذا المقال العينيّ، وعلى تعابير عرضية، جعلته يقف في صدام مباشر مع الوجدان الثقافي للمجتمع، ومع عناصر هوية أساسية مكونة له.

وفي الوقت الذي تحسم فيه حرية التعبير بشكل إيجابي السؤال: هل يحق لحليحل التعبير عن آرائه تلك، لا تستطيع هذه الحرية أن تحسم السؤال: هل يحق للمقال أن ينشر في "فصل المقال"، وذلك لأنّ "فصل المقال"، كحاملة لمشروع تغيير سياسي-اجتماعي، والذي هو بالتعريف مشروع أيديولوجي، غير محايدة أبدًا لأيّ مضمون سياسيّ واجتماعيّ. بمعنى آخر: حرية التعبير هي مفتاح السؤال إذا كنا نتحدث بصدد تعبير فرديّ، لكنّ مشاريع التغيير الاجتماعي-السياسي لا تستطيع أن تكتفي بهذا السؤال. وبالتالي، السّؤال الذي تطرحه "فصل المقال" على نفسها عندما تنشر أيّ مقال ليس "هل هي مع أو ضد حرية التعبير"، بل: "هل هي مع أو ضد المضمون العيني للمقال"؟

وقد طرحت قيادة "التجمع" على نفسها هذا السّؤال، ورأت في المقال صدامًا مباشرًا، ليس مع مشاعر الناس، كحالة مزاجية عاطفية، بل كحالة احترام لوجدان ثقافيّ، هي مُركّب من مركبات هوية المجتمع -ربما نستطيع اعتبارها شيفرات ثقافية- والذي هو مُركّب من مركّبات مشروع "التجمع". ورمضان هنا ليس ركن العبادات الإسلامي فقط، وليس الفرض الديني للصائمين فقط، بل هو تلك الحالة الاجتماعية الثقافية المرتبطة بهوية الناس ووجدانهم، حتى لغير الصائمين، للمسيحيين وللعلمانيين.

هذا الاجتهاد الحزبي لا يرى أنّ النقاش يدور حول مضمون ثوريّ ما للمقال، أو حول نقاش فكريّ ما مُتحدّ يطرحه المقال، إذ لم يطالب المقال حقيقة بثورة في المفاهيم، ولم يطرح نقاشا جديا حول حقوق غير الصائمين مثلا، ولم يناقش حالة القمع التي يواجهها أحيانا غير الصائمين، بل يرى –هذا الاجتهاد للحزب- أنّ النقاش يدور حول أسلوب فُسِّر على أنه استهتار واستعلاء، ومن هنا اختار الحزب توضيح تحفظه ورفضه لتلك التعابير التي فُسِّرت كاستهزاء وكاستعلاء.

وللأسف، لم يقم "التجمع" بتوضيح وجه اعتراضه على المقال بشكل دقيق، وفسّر هذا الاعتراض من البعض على أنه اعتراض على مضمون مُتصادم مع مشاعر الجمهور، كما هو طبيعيّ أن يكون كل مضمون تغيير اجتماعي. هذا، مع أنه لم يكن المضمون الفكري هو وجه اعتراض "التجمع"، بل أسلوب بدا هازئًا ومستعليًا، بما يمكن أن نسميه "شيفرات ثقافية" لمجتمع، وأرجو أن أكون قد أجدت التسمية.

والفرق بين احترام هذه الشيفرات وعدم الاستهزاء بها، وبين نقاشها ونقاش محرماتها وكسر تلك المحرمات، يشبه الفرق بين احترام تدين المتدينين وبين نقاش تدينهم ومسلمات تدينهم، ويشبه الفرق بين احترام علمانية العلمانيين وبين نقاش علمانيتهم. احترام "شيفرات" وقناعات الآخرين لا علاقة لها أبدا بنقاش تلك القناعات وتحديها.

ما يؤسف في الأمر أنّ ما أغضب في المقال هو ما كان باستطاعة حليحل التنازل عنه بسهولة، وأنّ ما أغفله "التجمع"، هو ما كان يجب أن يشدّد على عدم التنازل عنه، وهو حق نقاش مُسلّمات آخرين، المنطلق من احترامها.

كل ما سبق وقلته، هو ما أردت أن أقوله، لكنه لا يلخص التحدي الذي يطرحه المقال وردة فعله. إذ لا أحد يعرّف التحدّي الذي يواجهه مجتمعنا على أنه عدم احترام شيفرات وجدانية، قد نفقد بفقدانها معظم أسس طروحاتنا السياسية، التي تستند على مركب الهوية في سيرورتها وديناميكيتها غير الثابتة. هنالك العديد من التحديات النظرية أو القادرة أن تطرح نفسها كتحدٍّ؛ لكن ما يهمنا هو التحديات المطروحة والمعاشة اليوم والآن وهنا، وما يلخص التحدي المعاش الآن وهنا، هو محاولات البتّ بأيّ موضوع إمّا عن طريق إغلاق باب النقاش وإما عن طريق تقليص حق التعبير إلى مجال الأفكار المهيمنة، أو عن طريق التحريض أو المسّ بسمعة الأفراد المشاركين في النقاش. هذه هي الأخطار والتحديات التي تواجه ثقافتنا العامة، والدليل أن ّغالبية وجه الاعتراض على ما جاء في مقال حليحل، أتى من أبواب نظرية بعيدة كلّ البعد عما أوردته هنا، وتحديدًا من أبواب الكفر- الايمان، ويصبّ في مصبّ كمّ الأفواه، وثقافة الإسكات بالقوة وبالتكفير.

في النهاية أقول، إنّ الحرص على الهيبة الثقافية لأيّ مجتمع، والتي هي حصانة وجدانية، نحتاجها نحن أكثر من غيرنا، كمركّب أساسيّ، ليس فقط في الهوية، وإنما وأيضا في مواجهة التحديات السياسية وتحديات الهيمنة الخارجية. ويجب ألا يخفى عنا أنّ الحصانة الوجدانية هذه، بحاجة بدورها لحصانة من متطرفيها ومن عمليات ومسارات تحجر ذاتيّ، هي خطر عليها، ليس أقلّ من خطر محاولات هدمها.

بالتالي، أمام "التجمع" مسار شاق، ليميّز فيه، وليثقف كوادره وجمهوره ومجتمعه، على الفرق بين احترام الشيفرات الثقافية لأيّ مجتمع، وبين نقاش مضامينها وحتى تحديها أو طرح بدائل لها. وعلى "التجمع" أن يحذر، وأن يحذّر كوادره، من مطاطية وغوغائية مفهوم "مشاعر الناس"، الذي قد لا يعني شيئا خارجا عن مفهوم الهيمنة الثقافية التي تناقض الكثير من القيم والمفاهيم التي تناقض مشروع "التجمع".

حرية المعتقد، حرية التعبير، حق الفرد في تحدّي مُسلّمات، رصانة وهدوء النقاش ولا عنفه، الابتعاد عن أساليب قامعة أو تحريضية أو عقابية، بناء شعور الانتماء ليس وفق أحادية الاجتهاد في هذا الانتماء، إنما وفق تعددية الاجتهاد فيه- هي كلها الحصانة التي تحتاجها هويتنا ووجداننا الثقافي. كما أنّ قدرة هويتنا ووجداننا الثقافي على تحمّل النقد، هي دالة لقوة هذا الوجدان وثقته بنفسه.

الاثنين، 22 سبتمبر 2008

مقالة رمضان بالإنجليزية

تجدون في الرابط هنا مقالة "كابوس اسمه رمضان" مترجمة إلى الإنجليزية مع مقدمة كتبها الصديق سونيلا موباي، الذي ترجم المقالة أيضًا:

الجمعة، 12 سبتمبر 2008

إنها بحق مسألة مشاعر/ راجي بطحيش

ما ان تثار قضية (كقضية علاء حليحل) ضد كاتب أو مفكر ما حتى تطفو معها مصطلحات أو جمل أتهامية كاملة لا يمكن إعرابها حتى فكريا، وقد تكون أخطرها هي جملة "المسّ بمشاعر المؤمنين... أو الصائمين... الآخرين"... ويشبه هذا الاتهام ما ينسب للناشطين السياسيين في الدول البوليسية من تهم تختبئ من وراء جمل بليغة وغير مفهومة ولا يمكن تأويلها قانونيا، ولذلك فهي تقود الى المعتقلات والمشانق أو النفي في أفضل الحالات. ومن أشهر تلك الجمل:

"إثارة البلبلة وتمويه الرأي العام"؛

"المس بالنسيج الإجتماعي وزرع الفتن"؛

"نشر أنباء كاذبة وتضليل العدالة".

وهذا يشبه بالضبط ما جاء في مقال تميم منصور في حديث الناس بتاريخ 12\9\08: "لقد سبب المقال المذكور بلبلة وأثار عضب 90% من الموطنين العرب في البلاد من كافة الطوائف". لم أكن أعرف أن السيد منصور يعمل في مديرية الإحصاء بالقدس كي يعطي هذا التقدير الجارف لمقدار البلبلة والغضب.

وما يثير غضبي وبلبلتي أنا (ورفاق لي علمانيين) هو: لماذا ولدى بزوغ شمس أزمات من هذه النوعية تضاف كلمة المشاعر للمتدينين أو المؤمنين، فيقال: مشاعر المؤمنين ومشاعر المصلين (للتوضيح فقط) وكأنّ الآخرين لا مشاعر لهم كي يتم مسها. فمن الواضح أنه وفي مجتمع لا يزال محكوما بالغيبيات الدينية والتراتبية الأبوية/ العائلية/ العشائرية/ الطائفية... لا مناص ولا أسهل من وصف الآخرين (الرموز العلمانية المتنورة والحرة) بالمراهقين والملحدين والمنحلين لتجاوز حالة الإزدواجية والزيف والتخبط التي تصبغ المجتمع على مختلف طوائفه الدينية. فالمشاعر الجياشة قيمة محتكرة لأصحاب الدين (لا يهم إن كانوا فاسدين مغتصبين مثلا)...

ولكن وبمسح ساذج أقول: لم تمس الديانات ومرفقاتها بمشاعر البشر وحسب بل أنها داستها وألقت بها في النفايات. فقد خلف الدين ورجاله قوافل من المقهورين من خلال الحروب باسمه والتأويلات غير المنطقية للنصوص التي تدوس أكثر ما تدوس المستضعفين على هذه الأرض وفي هذا المجتمع.

فباسم الدين تنتهك الحريات الشخصية للأفراد، وللنساء منهم بالذات، ويمنع مثلا الزواج بين الأديان، ويمنع حتى اختيار متواضع لمسار بسيط للحياة كما يقمع المختلفين ويوصمون. وتصادر حرية الخيارات الجنسية، ويُضطهد المثليون وغيرهم، وتصادر حياة الآلاف المؤلفة من الفتيات تحت تواطؤ ديني وبحجة الحفاظ على شرف مزبلة القيم المتوارثة.

وبما أنني فخور بكوني أنتمي الى مجموعة "المراهقين" و"الملحدين" و"المنحلين" فإنني أطالب المنابر والفضاءات التي أنشر وأتجول فيها (أنا وعصاباتي)، على الأقل، بتبني جمل مثل: "فلان مسّ بمشاعر المنحلين"، أو "علاّن أثار البلبلة في أوساط المستهترين".



لقاء ومقالات حول "أزمة مقالة رمضان"

في هذه المدونة ستجدون المواد التالية التي تخص الصدى الذي أثارته مقالة "كابوس امسه رمضان!" والهجمة الأوصلية المنفلتة التي أثيرت لمآرب حزبية وسياسية ضيقة:

حليحل: لقد دُفعت نحو الإستقالة
المقال الذي كتبه الزميل علاء حليحل في صحيفة "فصل المقال" قبل أسبوعين خلق نقاشًا حادًا داخل حزب التجمع الوطني الديمقراطي وامتدّ إلى أبعد من ذلك بكثير ووصل إلى مطالبة الحركة الإسلامية بإقالته * كيف بدأت القضية؟ وكيف اتخذ قرار التوضيح داخل المكتب السياسي؟ وكيف استقال حليحل من منصبه بعد أن فرض عليه التوضيح؟ وبماذا اتهم حليحل في خطب الجمعة؟ ومن وراء كل هذه القضية؟ * "المدينة" ترصد القصة كاملة بتفاصيلها وتحاور حليحل حول الحدث

لا طريق ثالث دائمًا/ حنين زعبي

من أين سنأتي بالأمل؟/ فراس خطيب
من أين سنأتي بالأمل حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية؟

إنها بحق مسألة مشاعر/ راجي بطحيش

الحريات ليست ترفا! / مرزوق الحلبي

ليس دفاعا عن حرية النشر بل من أجل حرية العقل/ نواف عثامنة

وهنا أيضًا مقالة بيار أبي صعب قبل حوالي أسبوعين:

علاء حليحل/ بيار أبي صعب

وهنا مقالة:

كابوس اسمه رمضان!




حليحل: لقد دُفعت نحو الإستقالة

المقال الذي كتبه الزميل علاء حليحل في صحيفة "فصل المقال" قبل أسبوعين خلق نقاشًا حادًا داخل حزب التجمع الوطني الديمقراطي وامتدّ إلى أبعد من ذلك بكثير ووصل إلى مطالبة الحركة الإسلامية بإقالته * كيف بدأت القضية؟ وكيف اتخذ قرار التوضيح داخل المكتب السياسي؟ وكيف استقال حليحل من منصبه بعد أن فرض عليه التوضيح؟ وبماذا اتهم حليحل في خطب الجمعة؟ ومن وراء كل هذه القضية؟ * "المدينة" ترصد القصة كاملة بتفاصيلها وتحاور حليحل حول الحدث

تقرير: مجد كيّال (عن صحيفة "المدينة" الحيفية)

"الملف الحليحلي" كان الاسم الذي أطلقه واحد من عشرات المدونين الذين ناقشوا بحدّه وعنف، من كل الطرفين الـ"متنازعين"، حول المقال الذي كتبه محرر صحيفة "فصل المقال" في حينه علاء حليحل، تحت عنوان "كابوس اسمه رمضان". النقاش امتدّ وتجاوز حدث المقال العادي بكثير.

كان الأسبوع الأول بعد نشر المقال "هادئًا نسبيًا"، وشهد ردود فعل غاضبة نوعًا ما من بعض قراء الصحيفة، الذين اعتبروا المقال "مستفزًا". في اليوم الثاني لنشر المقالة (يوم السبت) انعقد مجلس "التجمع" في الناصرة وفتح فيه تميم منصور، عضو المكتب السياسي للتجمع، النار على حليحل متهمًا إياه بـ "الكفر والإلحاد والزندقة والجهل"، وفسَّر مقاله على أنه "وقاحة وإهانة للمسلمين". لكنّ القضية كقضية، انفجرت بعد أسبوع من هذا، عند نشر منصور مقالاً في جريدة "حديث الناس" شنَّ فيه هجومًا كاسحًا على شخص حليحل ومقاله.

"التجمع" رأى من المناسب في مثل هذه الحالة أن ينشر "توضيحًا" للقراء في أعقاب المقالة. إلا أنَّ هذا التوضيح وصل أروقة الصحيفة ظهيرة يوم الخميس، من دون علم رئيس التحرير ومن دون مشاركته القرار. واعتبر التوضيح المقال "هذه التعابير لا تمثل موقف حزب التجمع وإدارة فصل المقال، وان نشرها في صحيفة فصل المقال كان خطأ"، الأمر الذي لم يقبله حليحل. وفي نهاية المطاف، قرّر حليحل الاستقالة من منصبه، وعدم قبول أن يفرض عليه توضيح للقرار من دون مشاركته، مبينًا أنّ أيّ توضيح من هذا القبيل أو غيره عليه أن يتم بالاتفاق مع رئيس التحرير على مضمونه، على الأقل، مع تشديده على رفضه المبدئي لأيّ توضيح كان.

بعد ثلاثة أيام من الحدث، اتخذت القضية شكلاً أكثر حادًا، حيث تقدم الناطق الرسمي باسم الحركة الإسلامية، زاهي نجيدات، برسالة إلى رئيس الكتلة البرلمانية للتجمع، النائب جمال زحالقة، طالب من خلالها بإقالة حليحل، واعتبر المقال يتضمن "استهتارًا واستهزاءً وشتيمةً لأحد أركان الإسلام الخمسة"، وأنه "مجموعة تطاولات على شهر رمضان المبارك وهو بالتالي مسّ بمشاعر كل مسلم ومسلمة." وطالبت الحركة الاسلامية "التجمع"، في خطوة غير مسبوقة لدى الأحزاب العربية، بإقالة حليحل من منصبه كرئيس تحرير.

الرسالة وصلت إلى كل المواقع الإلكترونية العربية، واحتلت الصفحات الأولى وحظيت باهتمام كبير. وردَّ الأمين العام للتجمع، عوض عبد الفتاح، للصحافة بعد رسالة الإسلامية هو أنّ حليحل كان قد قدّم إستقالته بعد كتابة المقال حين فُرض عليه نشر التوضيح المذكور. لكنَّ الامور لم تهدأ، وبدأ اهتمام القراء بها خاصة وأن التعليقات تجاوزت المعدل العام. كانت اللهجة الحادة ضد حليحل ومقالته واضحة إلى حدّ الإنفلات عليه، لكن أيضًا كان من بين المعلقين من اعتبر مقال حليحل يندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي، وأنّ من حق الكاتب أن يكتب بلهجته الساخرة.

وامتدّ النقاش حول القضية الاشكالية، وتجاوزت كونها في الشبكة، حيث علمت "المدينة" أنَّ القضية طرحت أيضًا في خطب الجمعة في المساجد في بعضٍ من البلدات العربية التي شنّت هجومًا كاسحًا على حليحل. واعتبر البعض الاتهامات لحليحل وصلت إلى وصفه أيضًا بـ "الكافر" و"المرتدّ". وقال حليحل، إنّ مثل هذا الهجوم "لا يمكن الاستخفاف به، ولا أعرف ماذا يمكن أن يختبئ من ورائه مستقبلاً".

"أنا لم أتغيّر"
"المدينة" طرحت على حليحل التساؤلات التي تطرحها أطراف متطلعة كثيرة حول التناقض بين حرية التعبير عن الرأي والمصلحة الحزبية. يقول حليحل: "حتى لحظة نشوء الأزمة لم أرَ أيّ تناقض بين الأمريْن. فأنا في حزب علماني منفتح وليبرالي يدعو لدمقرطة العرب ورئيسه يعلّم الديمقراطية للوطن العربي كله. برنامج الحزب وأدبياته تشير الى ذلك بوضوح. التناقض ينشأ في تغيّرات في الحزب نفسه، وليس في مبادئه. أنا لا أرى أيّ تناقض بين تحرير الجريدة وبين إيماني كفرد بحزب يمثل فكري ومبادئي."

يضيف حليحل: "الأمر المؤلم هو أنّ الطلقة الأولى في هذه الحرب خرجت من عضو مكتب سياسي للحزب وليس من خارج الحزب، والعضو ذاته نشر مقالا يهاجمني ويتهمني 11 مرة بالجهل والكفر والزندقة ويطالب بمحاربتي. هذا أعطى ضوءًا أخضر للحركة الإسلامية. لماذا نستغرب إذًا من الحركة الإسلامية؟! على الأقل الحركة الإسلامية لا تدّعي الليبرالية وتدافع بشراسة عن المقدسات والأمور الروحية ولا يدّعون الديمقراطية. هم لا يتحدثون عن العلمانية والتنوّر وفجأة إنتقلوا للتزمت، أي أنه ليس هنالك تحوّل عندهم، بل أنّ التحول عندنا، وأنا أربط كيفية تعاطي الحزب بهذه الأمور بالتحضير للإنتخابات وبحسابات إنتهازية غير مقبولة."

ويتابع: "من بدأ هذه الهجمة عليّ بدأها من منطلقات شخصية، ولمجرد أني طلبت منه تخفيف وتيرة الكتابة لإفساح مجال لكتاب آخرين في الصحيفة. فجأة يتحوّل هذا الشخص إلى مدافع شرس عن رمضان، في الوقت الذي كان قبل ستة أشهر يطالب بمنع النساء المحجّبات من دخول الجامعات، وكان من أعلام العلمانية الراديكالية."

انتقد البعض حليحل على استقالته من صحيفة "فصل المقال" و"تركه للمعركة"، بالرغم من أنّ حليحل يكشف أنه دُفع للإستقالة: "بالرغم من أني إنسان يميل للتمرّد وأحاول ان اجتاز كل الحدود، ولكني أؤمن بالنهاية بالمسؤولية الشخصية والهرمية المهنية والإدارية. عندما يريدني رئيس مجلس الإدارة أن أستقيل فلا يمكنني البقاء بالقوة. أنا دُفعت للإستقالة بشكل واضح، بعد أن فرضوا عليّ نشر التوضيح. هنالك قيادات في الصفّ الأمامي في الحزب ممّن تكلموا حاولوا امتصاص غضب الحركة الإسلامية بأني استقلت، وهذا أمر محزن ومهين لي وللتجمع، بدلا من أن يتصدى حزب التجمع لمحاولات فرض التدخل ويطالب بسحب طلب الحركة الإسلامية ويدافع عن نفسه ومؤسّساته وينتقل لموقع الهجوم كما يفعل أي جسم له هيبته وكرامته، ولكنّ الحزب لم يتصرف كبديل طلائعي ومتنور وعلماني، وأنا أستغرب من حزب يمشي وراء قائد تنويري يعلم العالم العربي الانفتاح والتنور، أن لا يحقق هذا الطرح في جريدته."

ويضيف: "بالأساس أرى أنّ هنالك سوء فهم أساسيًا لموقع رئيس التحرير. وظيفة رئيس التحرير لا أن يراجع عناوين الصحيفة ولا أن ينقح الأخطاء اللغوية، مع أنها من ضمن مهامه، وظيفته أن يضع أجندة الجريدة وخطها الفكري السياسي والإجتماعي، وظيفة الجريدة ومحررها هو أن يكشفا الفساد ويشعلا الحروب والنقاشات. يسألون لماذا رئيس التحرير يثير المشاكل؟ وظيفة رئيس التحرير هي عدم الخوف من المشاكل لإثبات قوة السلطة الرابعة. هذه هي هيبة الصحفي والصحيفة، وأنا بالأساس أجندتي الفكرية جزء منها من أدبيات الحزب وعزمي بشارة، وعملي هو تطبيق أسبوعي لفكر التجمع حسبما جاء في البيان القومي الديمقراطي وبرنامج الحزب وكتب بشارة، من لديه مشكلة فليُعِد قراءة هذه الأدبيات."

ويختم حليحل: "أنا كنت أمثل تيارًا، التيار الحرّ والليبرالي والمتنور، نحن تيار معارض للتحالف مع الحركة الإسلامية بأيّ ثمن، ولكن من المؤسف أنّ من عولتُ عليهم، والذين أشبعونا كلامًا وحديثا عن التنوّر وحرية المرأة والعلمانية وحرية التعبير، إختفوا فجأة. أين أنتم؟ يُحرَّض ضدّي في كل مساجد البلاد ولا أحد يكتب كلمة، حرفًا، لماذا هذا التخاذل؟ باستثناء ثلاثة مقالات داعمة لحرية التعبير بقلم نواف عثامنة ومرزوق حلبي وحنين زعبي لم ينبس أحد ببنت شفة. ولا الجمعيات ولا الأحزاب."

عبد الفتاح: نحترم حليحل ونختلف مع بعض ما جاء في المقال
ردًا على ما قال حليحل، يقول الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، عوض عبد الفتاح لـ "المدينة": "أولًا وقبل كل شيء نحن نفتخر بالكاتب والمثقف علاء حليحل كما يفخر كل مجتمع وحزب طلائعي بأدبائه ومثقفيه وكتابه. في المقال الذي كتبه حليحل أتت بعض الجمل والتعابير التي اعتبرها جزء من القراء مسًا بمشاعرهم، وقد كان نشرها خطأ في صحيفة تعرف بارتباطها بحزب التجمع الوطني الديمقراطي."

ويضيف عبد الفتاح: "نحن نتفق مع بعض ما جاء في المقال، ونشدّد على نبذ بعض العادات الاجتماعية السلبية في هذا الشهر مثل البذخ وعبودية النساء، أي سجن المرأة في المطبخ طوال الشهر. ولكنّ الكاتب طرح الموضوع بأسلوب لا يساهم في التغيير الإجتماعي الذي نؤمن به ويؤمن به الكاتب، ونحن نطالب بحوار حضاري وجدّيّ في القضايا الحساسة وغير الحساسة في مجتمعنا."

ويختم: "من جانب آخر نحن نرفض تدخل بعض الأوساط السياسية في إدارة صحيفتنا كوصيّ أخلاقيّ، ونستنكر تكريس هذا الموضوع لأغراض سياسية، فهذا ليس مسًا بحزب سياسي ولا حركة سياسية، بل هو مسّ بأحد أركان الإسلام، ونحن نرفض المسّ بأيّ ركن من أيّ دين ."



من أين سنأتي بالأمل؟/ فراس خطيب

من أين سنأتي بالأمل حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية؟

ما بالكم حين نجد أنفسنا، نحن الحالمين بكل عبارات "الغد الأفضل"، نعيش حالاً مؤقتةً، ومزمنةً بمضمونها، ندافع فيها عن زميلنا الكاتب علاء حليحل وعن حقه (حقنا) في التعبير عن رأيه في وقت تختفي فيه الأقلام، وتستل فقط عند اللاحاجة. ما قيمة القلم أصلاً حين لا ينتفض على الإجماع؟ وما قيمة حرية التعبير حين لا نكون بحاجة لها؟

نعم، إنَّها الحالة المأزومة ذاتها، حين تتحول المعتقدات الى "تابو" لا يكسر، فترانا صامتين أمام فيض التعليقات التحريضية ضد كاتب عبَّر عن رأيه، ونعجز في خضم ووابل الإتهامات وخطب أيام الجمعة في عددٍ من البلدات العربية، منحدرين نحو هاوية المجهول وسط تجاهل تام لأزماتنا الحقيقة.

من أين سنأتي بالأمل حين ينشغل بعض القادة بمقالة عن رمضان و"إسقاطاتها"، وحين يعود بعض "المحللين" إلى "حروب الردّة والمرتدين"، وتفتح الشكبة الإلكترونية على مصاريعها للهجوم على الكاتب، في وقت أنَّ الأزمات الحقيقية التي لا تحتمل التأجيل مستشرية ومتغلغلة ومتشعبة في اهتراء حاضرنا؟

قبل يومين فقط، قتلت إمرأة في عرب الشبلي في أعقاب "رصاصة طائشة"، وامرأة من أم الفحم قتلت بنفس الطريقة ولنفس السبب، وعشرات النساء يقعن ضحايا لـ "جرائم الشرف". القرى العربية يحتلها إطلاق النار، ولا أمن في المدن المختلطة على أنفسنا من أنفسنا، وهواة السلاح "غير المرخص" يطاردون الهواء بالرصاص في بلدات كانت قلاعًا وطنية. لكننا لم نلمس الإنشغال بهذه الجرائم كما شاهدنا الإنشغال بـ "مقال حليحل"؛ أليس القتل والإجرام مناقضًا لتعاليم الله؟

من أين سنأتي بالأمل، حين نبحث عن المنابر "الليبرالية" ونكتشف بعد حين، أنَّ الاعتبارات السياسية أقوى، ولا منابر حرة لدى شعب يطمح للحرية، فمقولة "الناس بدها هيك"، تتغلب دائمًا، وتنعكس الحال على أنفاسنا في ظواهر تبدو وكأنها حضارية، لكنَّ مفعولها مثل أفيون يتسلل إلى صمت الشعوب: مراهقون رهينة "نور"، وشباب ترك المخدرات وأدمن على الشبكة. ومن يدور في القرى العربية ليلاً يشعر بمنع التجول. لا، ليس الحكم العسكري، إنهّ "العقيد" أبو شهاب في "باب الحارة". لقد تحول الشارع إلى جمهور من المتلقين، يعتنقون قوت اليوم ويتخوفون من إطلالة الغد. وماذا مع الشعب العالق في الحصار؟ لا بأس، "الجزيرة" ترصد الحدث. وماذا مع التضامن مع الشعوب المستضعفة؟ لقد تضامنا وناقشنا في "الفيس بوك". هكذا، يخرج مليون متظاهر في لندن ضد احتلال العراق وبالكاد يجتمع خمسون على إحياء لذكرى نكبة فلسطين في فلسطين، وعذرًا للبشرية، فنحن منشغلون الآن بمقالة خُيّل لبعض "المجتهدين" أنَّها "ضد رمضان".

نعم، نحن ندافع عن حرية التعبير عن الرأي مهما كانت، وبكل إشكالياتها وتفاصيلها ونقاشاتها وجدالاتها. وكنا أوائل من تضامنوا وكتبوا عن محاكمة رئيس تحرير "صوت الحق والحرية" التابعة للحركة الاسلامية (ومنهم حليحل) ودافعنا عن مقالة نشر في الصحيفة، ووقفنا الى جانب "صوت الحق" حين صدر أمر بإغلاقها من قبل "الشاباك". كنا إلى جانب "فصل المقال" في مواجهة السلطات الشرسة، وجئنا من عائلات احتفظت في الماضي بصحيفة "الاتحاد" حين كانت ممنوعة. ونحن أنفسنا، ندافع اليوم عن حرية تعبير الكاتب من دون قيدٍ أو شرط، من دافع الرصيد، لا الموضة، وندحض التحريض على الكاتب والزميل من دافع القوة لا الضعف. والدفاع ليس شخصيًا عن حليحل، فهو مبدع وصاحب قلم لاذع، نتكل على موقفه ويعرف كيف يدافع عن نفسه عند المحكّ، لكن دفاعنا يندرج أيضًا ضمن المبدأ وحرق معايير الازدواجية المستفزة. ألا يكفي خوض غمار الصمت والإزدواجية؟ وكيف لنا أن نبني بيتًا من الكلمة، حين يرمي بنا المنبر إلى غير رجعه؟

ننظر إلى يومنا، ويطرق بابنا بيان آخر، البعض من قادة "الوسط العربي"، يحلون ضيوفًا على مائدة رئيس الدولة، شمعون بيرس، ليتناولوا "الإفطار". هل تذكرون بيرس؟ قانا؟ أين البيانات والإدانات إذًا؟ ليت النيران التي وجهت للمقال أن توجه إلى الحالمين بـ "العيش والملح" مع "رئيس الدولة".

حلمنا ذات يوم ببناء أفق في السماء ومقاومة المستحيل في عهد يطوّق الأحلام. حلمنا بواقع أفضل فيه الحضارة والرأي والجريدة والمقهى، لكنَّ اختلال التوظيفات فينا أبعدَنا عن ذلك الهدف المنشود، المبتعد أكثر من عام إلى عام. وتقلص الحلم، هل تعرفون إلى أي حدٍ تقلص؟ إلى حدٍ صرنا نحلم بأن يختلف إثنان على فكرة في أحد المقاهي، ويغادران الطاولة مبتسمين... وسالمين.


الحريات ليست ترفا! / مرزوق الحلبي


لا فارق بين إقالة علاء حليحل، من رئاسة تحرير أسبوعية "فصل المقال" وبين استقالته ما دامت ملابسات ذلك هو كما أُعلن، وفي محورها مقاله النقدي الحادّ لسلوك جماعي يرافق حلول شهر رمضان. فهذا الوجه الظاهر للموضوع والذي يحبّ الغاضبون على علاء أن يبرزوه. لكن هناك الوجه الآخر الكامن في مفهومنا لحرية الرأي والإبداع وهو ما يتواضعون في الحديث عنه ومناقشته، وليس صدفة طبعا. وتأخذنا موضوعة حرية التعبير إلى الوضع الحرج لمن اختاروا الكتابة حياة لهم وحقلا لوجودهم. فاستقالة علاء أو إقالته في نهاية الأمر إقالة أو استقالة لحرية التعبير.

كان مقال حليحل نقديا بامتياز لم ينحصر في نقد ما نُجمع على نقده بل انبرى بذاتية إلى تبيان ما يضايق الكاتب شخصيا من الصائمين. وكان الأمر كافيا لسيل من ضغوط على "التجمّع الوطني" الذي تصدر "فصل المقال" عن شراكة اقتصادية لأوساط فيه ومحسوبة عليه. وخيّل إليّ في لحظة ما أن مظاهرات ستخرج تنديدا بالكاتب وفتاوى ستصدر بإهدار دمه. وقد قرأنا في التعليقات الإنترنيتية في عديد من المواقع نزعة كهذه. لكننا قد لا نتوقع من الأصولية الدينية مهما تكن مسمياتها إلا أن تمارس "حقّها" في فرض تصورها أو إيمانها على غير المتدينين. لكننا نستهجن حديث المشاعر وضرورة احترامها وهو الادعاء الأساس في الانقضاض على حليحل. فتصوّروا أن حديث المشاعر هذا طغى وتجبّر، عندها لن تقوم لنا حرية أوسع من خرم إبرة ليس تجاه الدين فحسب بل تجاه التاريخ وتجاه طائفة وتجاه مجموعة وتجاه قرية وتجاه حزب! ولنفترض أن حليحل كان أحدّ مما ينبغي، فهل هذا سبب كاف مقنع لإقالته/استقالته؟ ألا يحقّ أن يكون له أسلوبه المميز الخاص في التعبير الذي قد لا يروق لي أو لك أو لها؟ أليس امتحان حرية التعبير هو بالذات عندما لا نتفق مع اتجاه ممارسة هذه الحرية؟ وهو بالذات عندما نسمع الرأي الآخر أو النقيض؟ ألا تتقاطع أو تتشاطب حجة المشاعر بضرورة التسامح مع المختلف؟ ام أن كل ثقافتنا السياسية ما هي إلا شعارات كبيرة فارغة لا رصيد لها عندما تقع الواقعة؟

وفي موضوعة حرية التعبير بعد آخر هنا وهو هل هي تشمل الحقّ في نقد "المقدّس"؟ ولا نقصد هنا المقدّس الديني فقط بل "المقدّس" المفترض، أو "الثوابت" في الخطاب الوطني. إلى أي حدّ يستطيع واحدنا أن يشكل قانون النفي لهذا المقدّس من موقع الجماعة ومن داخلها؟ أجدني شخصيا من المؤمنين بحرية الاجتهاد في نقد "المقدّس" مهما يكن مصدره وفي الاستئناف على مجرّد اعتباره كذلك. ولا أعتقد وجود ضرر من حرية الاجتهاد مقابل الأديان والمعتقدات وعلى خط المواجهة معها ومع الموروث المرتبط بها. وهي ليست حالة غريبة في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، وينبغي ألا تحجب مشاهد الأصولية والظلامية الراهنة، كما تجلّت في الانقضاض على حليحل ـ ومن قبل منع الفنانة أمل مرقس من إقامة عرضها الغنائي "نعنع يا نعنع" ـ حقيقة انفتاح الثقافة العربية في مراحل ممتدة منها على تيارات ومذاهب واجتهادات مدونة أثرت الثقافة العربية والعرب وارتقت بهما. ويكفي أن نشير إلى عصر التنوير العربي لندلّل على أن المشهد الأصولي الراهن ليس قدرا ولا هو في حكم "المقدّس" المطلق والنهائي! سيتبدّل المشهد مثلما تبدّل غيره وإن كان مُمضًا قاسيا على العقول بشكل خاص. لا نهوض بدون حريات ولا تنوير بغير حرية إبداع واستئناف واكتشاف وتقويض وتفكيك باعتبارها أفعال تجسّد القانون الثابت الوحيد وهو أن لا شيء ثابت.

والسؤال الأساس موجّه للقائمين على أسبوعية "فصل المقال" الذين لم يمنحوا كما يبدو الكاتب حليحل حيزا كافيا من حرية مأمولة من كل كاتب محترف خاصة إذا كان ساخرا أو قاطعا شوطا طويلا في هذا الباب. صحيح أن المُقدم على العمل في صحيفة حزبية يُُدرك أنه سيكون مقيّدا بحدود النظرية والعقيدة وتخوم التنظيم الحزبي ومصالحه. لكنه، يتوخى، أيضا، أن يُمنح متسعا ليعمل بحرية ما. موقع إشكالي ومُربك يقضي بتطوّر ورم كتابي خطير اسمه الرقابة الذاتية يصيب نفسية الكاتب. فيلجأ إلى الاختزال أو الإلغاء في تعامله مع نفسه المُبدعة. ويصبح "لا مبدع" في المحصّلة. وهنا، عندما قرر حليحل رفع الرقابة الذاتية عن ذاته أتته الرقابة الخارجية مدججة بكل الذرائع. ويبدو أن حظه سيء لأن مقاله أتي في وقت يغازل "التجمع" فيه الحركة الإسلامية حول صيغة قائمة تحالف عشية الانتخابات البرلمانية. فكيف يستوي الغزل مع الهجاء ـ إذا صحّ التعبير؟ أو كيف سنوفّق بين حرية التعبير وبين المصلحة الانتخابية في حال يبدو فيها "التجمّع" الأكثر تهافتا على التحالف؟ لا يُمكننا أن ننسب لأسبوعية "فصل المقال" التي لا نستطيع "اتهامها" ـ كأي صحيفة لحزب أو تيار أو حركة هنا ـ البلاء الحسن فيما يتعلّق بحماية حرية التعبير. لكننا نتوقّع بعد هذا العمر وهذه "النضالات" ضد القمع السلطوي وخنق الحريات ودوس الحقوق ومن أجل إعلاء شأن الذات العربية في هذه البلاد، أن تفتح أذرعها قليلا لتتسع لشطحات علاء حليحل أو غيره ولحرية التعبير حتى وإن طرفت العين أو لسعت القلب! والحقيقة أنها لم تشذّ في تعاملها مع مقال حليحل عن صحف أخرى ومنابر كثرت مثل الزبدة على العرب دون أن تُتيح تعددية حقيقية في الرأي وجريانا حرا للمعلومات حتى لكتابها أو العاملين فيها.

كنا جزمنا من قبل أن الأصولية ليست هناك خلف الحدود بل هنا، أيضا، تنمو وتمتدّ كأنها المقياس لكل شيء، محور العالم ونقطة البيكار فيه والحكم والحاكم. هذا فيما العقلاء منّا والمنفتحون والمتحررون من أنشوطة الذات والهوية و"المقدّس" يتذرعون بانشغالهم بمواجهة اضطهاد الآخر وظلامية سياساته متوهمون أننا لا بدّ سنكسب الرهان. بينما الحقيقة أن كل تنازل للأصولية اليوم وكل رضوخ لمقدّسها وكل مسايرة غرضية، وكل تجاهل لحقيقة الاستبداد إنما يقرأ الفاتحة على روح حرية التعبير وقيم الحياة الأخرى وفي أساسها كرامة الإنسان وحقّه في أن يكون كما يحلو له. وعليه، وجب أن نقف مع حليحل وإن اختلفنا معه ومع حرية التعبير وإن كانت تبدو، في بعض الأحيان، في اتجاه معاكس. حرية التعبير ليست مسألة مختلف عليها بيننا وبين السلطة الإسرائيلية فحسب، بل هي موضع خلاق بيننا وبين السلطة الدينية أو الحزبية أو الذكورية داخل مجتمعنا. وحريّ بالذي يدّعي أن يواجهها على صعيد العلاقة مع الآخر أن يُقنعنا أنه يواجهها في مستوى العلاقة مع الذات وإلا فليكفّ عن الكلام!


(دالية الكرمل marzuqh@gmail.com)

ليس دفاعا عن حرية النشر بل من أجل حرية العقل/ نواف عثامنة


أن يضطر محرر صحيفة فصل المقال للاستقالة (مجبرا لا بطل)، فهذه حالة تعكس بؤس حالة مجتمعنا والضحالة الثقافية التي نعيشها، أما أن يقوم حزبه بإصدار بيان يتنكر فيه لمحرر الصحيفة الناطقة باسمه فهي حالة من التخاذل والتملق (رحم الله ميكيافلي وأميره).

كان حزب التجمع بسلوكه هذا قد دفع الزميل علاء حليحل للاستقالة بأعقاب نشر مقالته "كابوس اسمه رمضان" بتاريخ 22.08.2008 في فصل المقال. وجاء ذلك متزامنا مع حملة تطاول شرسة قادتها الحركة الإسلامية حيث وصلت بها الوقاحة المطالبة بإقالة علاء حيلحل. فمهما كان مضمون وأسلوب مقالة حليحل، لا يحق لأي كان المطالبة بصلبه وجلده. فحرية الرأي فوق "حساسية" الحركة الإسلامية وأهم من تشنجاتها.

لا أكتب هذا المقال دفاعا عن "حرية النشر" رغم أهميتها، بل دفاعا عن حرية العقل. فمقالة الزميل علاء حليحل تقع ضمن الحريات الطبيعية الثابتة التي لا يجوز المساس بها بأي ذريعة كانت. وخاصة أنها تعبر في مضمونها عن موقف صادق وصحيح لا يختلف عليه عاقلان. وهي صرخة الم واحتجاج عما أقحم عنوة وزورا على شهر الفضيلة المبارك. وردت في المقالة بعض التعابير غير الموفقة، كان حري به عدم استعمالها. كما تضمن المقال تعابير استعلائية مرفوضة. ولكنها تبقى تعابير هامشية غثة لا تلغي سمنة وصدقية المضمون، ولا يجوز استغلالها شماعة نعلق عليها جهلنا وتخلفنا لشن هجمة تحريض وتكفير.

موقف الحركة الإسلامية لم يكن مفاجئا، وخاصة وأننا قد خبرنا على مدار عدة سنين حملاتها المعادية لكل ما هو تقدمي ومتنور. أما المفاجئ والمخيب للآمال، فهو موقف وسلوك حزب التجمع؛ هذا الحزب الذي يطرح نفسه حزبا ديمقراطيا ليبراليا وعلمانيا، يحمل برنامج تحرر نهضوي. فبدل الوقوف مع محرر الناطقة بلسان حال الحزب والدفاع عن الموقف السليم، فضل التجمع نشر بيان أقل ما يقال فيه أنه متخاذل ومهادن. أما إن لم يكن هذا الموقف مفاجئا بل يعبر عن موقف التجمع، فهنا الطامة الكبرى. في هذه الحالة يكون التجمع قد خان رفاقه وتنكر لرسالته هو.

إن ما طرحه الزميل علاء حليحل في مقالته، هو في صميمه دفاع عن شهر الفضيلة وعن أهدافه. من يسيء حقا لهذا الشهر، هم أولائك المبذرون والمسرفون والمتباهون بكروشهم.

شهر رمضان المبارك هو شهر التواضع والتقشف والإيمان. وفي هذا السياق صدق الزميل علاء حليحل بنقده لما أُقحم علي شهر رمضان زورا وبهتانا من عادات أفرغته من مضمونه وأفسدت رسالته. ثمة جملة أو اثنتان في مقالة حليحل كان من الضروري الاستغناء عنهما، لما تتضمنه من مس بمشاعر الصائمين، الأمر الذي يجب ادانته. ما عدا ذلك فكل ما ورد في المقال صحيح وعلى كل مؤمن عاقل أن يتبناه.

وعطفا على ما ذكر في مقالة علاء حليحل نذكر أن أمتنا العربية من محيطها إلى خليجها تتربع على أسفل درجات الإنتاج، تعاني من الفقر ومن الجهل. وكان حريا بها استغلال شهر الفضيلة لمراجعة الذات والبحث عن طرق لإصلاح حالها. لكن الواقع عكس ذلك تماما. فبدل معالجة الأمية المستشرية في هذه الأمة، يتم استغلال رمضان لتعميقها. فخلال هذا الشهر وبسبب "توقيت رمضان" يخسر بناتنا وأبناؤنا نحو نصف يومهم الدراسي. فما علاقة ذلك برمضان، لماذا يجب أن يبدأ اليوم الدراسي الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة وينتهي الساعة الثانية عشر ونصف؟ اليس في هذا مساهمة في الجهل والتجهيل؟ والشيء ذاته بما يتعلق بيوم العمل. فهل نحن في وفرة من الإنتاج حتى نسمح لأنفسنا بخسارة نصف شهر العمل خلال رمضان؟ أليس في هذا التصرف تشجيع للكسل، والسلبية والاتكالية؟

وبما أننا أمام هذا التشويه الذي اعترى شهر رمضان، وما دمنا لا نستطيع تخليصه من الشوائب وإعادة مضمونه الأصلي إليه، فأضعف الإيمان أن يكون بيننا من يجرؤ على قول كلمة حق.

الخميس، 11 سبتمبر 2008

علاء حليحل/ بيار أبي صعب

جئنا نحتفي بزميلنا علاء حليحل، في مناسبة صدور روايته «الأب والابن والروح التائهة» عن «دار العين» القاهريّة (راجع المقالة في مكان آخر من صفحة «كتب»)... فإذا بنا نتضامن معه، وندافع عن حقّه في التعبير والتفكير.

في مجلّة «فصل المقال» التي تصدر من فلسطين التاريخيّة (22 آب/ أغسطس الماضي)، يتوقّف الكاتب الفلسطيني الشاب أمام «البذخ والتملق والنفاق والكذب والضحك على اللحى...» في رمضان. بأسلوب لا يخلو من الجرأة ــــ لكن ما عسانا ننتظر من الكاتب، أي كاتب، إلا الجرأة في مواجهة مجتمعه وعصره؟ ــــ يتناول المظاهر الاستهلاكيّة الطاغية عليه، متأففاً من جوّ يخوّل فيه المرء نفسه ممارسة الرقابة على الآخرين، و«يربّح ربّه جميلة» أنه صائم! يطلق حليحل العنان لرؤيته الساخرة التي تستمد جذورها ونبضها من مدرسة إميل حبيبي، فتبدو مرافعته الهذيانيّة، للوهلة الأولى، كأنّها ضدّ الشهر الكريم نفسه، وخصوصاً من خلال عنوانها الاستفزازي: «كابوس اسمه رمضان»، فيما هي لعبة أدبيّة تتعمّد التضخيم، متّسمة بخفّة الظل التي عوّدنا إياها علاء... ونقدٌ اجتماعيٌّ وسياسيٌّ يفكك الظواهر البشريّة التي تقف خلف الدين وطقوسه وشعائره.

تلقّى جمال زحالقة رئيس قائمة «التجمع الوطني الديموقراطي» في الكنيست، رسالة من «الحركة الإسلامية» رأت في المقالة «استهتاراً واستهزاءً وشتيمةً...»، فازداد الضغط على علاء الذي استقال من رئاسة تحرير المجلّة الناطقة باسم الحزب المذكور. إنّه القهر الجماعي يحكم علينا الحصار، يشلّ العقل ويزجّ بالأفراد في ظلام التعصّب والتحريم. وكلما مضينا في انحطاطنا، ربح العدو الإسرائيلي جولة جديدة!

الجمعة، 22 أغسطس 2008

كابوس اسمه رمضان!


يُخيّل إليّ أحيانًا أنّ الأمة الإسلامية تعيش حالة من "العِكس عكاس" منذ سنوات طويلة: فهي تصوم أحد عشر شهرًا في السّنة كي تنقضّ على المآكل والأطايب طيلة شهر رمضان (الذي من المفروض أن تأكل فيه أقلّ من باقي الشهور)، حيث يتحوّل شهر الزهد والتقشف والإفطار على بلحة (متزكرين؟) إلى شهر الطبايخ والنفايخ والكروش والنُشوش (جمع كلمة "نشّ"، وهي بالعامية التي أتيتُ منها تعني شيّ اللحمة).

إذًا، رمضان اليوم هو شهر التملق والنفاق والكذب والضحك على اللحى، وهو شهر البذخ والصرف والتشاهي (من شهوة) والتشهون (من التشاهي)، وهو شهر مُفسِد في طرازه وهيئته الحالييْن، أعتقد أنّ إلغاءه يجب أن يتحوّل إلى مطلب جماهيري لإنقاذ ما تبقى من صحة هذه الأمة.

وقبل أن تمزقوا هذه الصفحة وتشتموا الكاتب وحزبه، جدير بنا جميعًا أن نتوقف عند الحقائق التالية:

● شهر رمضان هو شهر العبودية للنساء، ينقلن إقاماتهنّ من الصالة وتنظيف الحمامات إلى المطبخ، فترى أمك/زوجتك قبل دخولها المطبخ في أول ليلة سحور، وتراها المرة الثانية بعد انتهاء رابع أيام العيد وهي خارجة من المطبخ، تسأل بريبة: قديش مرق وقت؟

● شهر رمضان بصيغته الحالية هو ثقل وحمل كبيران على أرباب وربات العوائل، ويجب على شيخ الأزهر أن يصدر فتاوى عاجلة تقضي بمعاقبة كل أب أو أم يقدمان أكثر من طبق واحد من الطعام على الفطور، كي ينقذوا الأمة من نفسها وكروشها.

● يبدو أنّ صدمة إدخال 4 كيلوات من أنواع الطعام إلى المعدة في خلال 5 دقائق تفعل فعلها بالناس، فتراهم يفرقعون المفرقعات طيلة ليالي رمضان "الجميلة"، ويعربدون بسياراتهم طيلة الليل، وبعضهم يشغل مسجلاته وآخر يلعب الشدّة حتى وقت السحور. ماذا يحدث لمليار إنسان يقضون ليلهم في تطقيش المكسرات والحلوى إلى حين حلول السحور؟ أية أمة منتجة ومحاربة هذه؟؟

● أذكر مرة أنّ مدرّس الدين في المدرسة الإبتدائية قال لنا بحسم إنّ فكرة الصيام في رمضان تتلخص في أن يشعر الصائم بعذاب الجائع وأن ينظف جسده وأن ينمّي عنده روح التكافل الاجتماعي. هل وصلت النكتة؟

● فلتعلم كل أم مسلمة تبذخ في الطبخ والنفخ أنها تعصى الله وأنها تخالف تعاليمه ولا شك أنها ذاهبة إلى جهنم. أية جنة تحت أقدام أمّ تربي أبناءها على التدليل والترف وحب المآكل والماديات؟ ما السيء في شوربة عدس وبعض اللحم المطبوخ مع البطاطا؟ أهي شتيمة هذه المأكولات الجيدة؟

● أكثر من 90% (أنا أتحمل مسؤولية هذا المعطى الإحصائي) من الصائمين في رمضان لا يصلون ولا ينفذون تعاليم الله، وفي الغالب يشتمونه على الطالعة والنازلة في أيام السنة العادية، وبعضهم يعصاه في الخمر والزنى والنفاق والنميمة والاغتياب (وفق تعاليم الإسلام ومفاهيمه) ولكنهم يتحولون إلى أبناء جبريل وأولاد عمة الرسول لَزَم في رمضان! والأنكى والأقبح أولئك المسلمون الذين يبدأون شرب الخمر ليلة العيد، فرمضان انتهى ويحق لنا أن نعيّد؛ ألم نصُم طيلة الشهر؟!

● ولا يكفي كل هذا، فتأتي الحملات الهلالية (على غرار الحملات الصليبية) على كل من لا يصوم: "عزا مش صايم؟ الله يشحرك!"؛ "يا فاطر رمضان يا مقلل دينك/ كلبنا الصعران ينهش مصارينك". وتستعر الحملة وتشتدّ إذا تجرأت على إشعال سيجارة أو تناول ساندويش في مكان عمومي، فتجحّ بك عيون المؤمنين الصائمين ويودّون لو يقتلونك "على المحل". لماذا؟ لأنهم "يربّحون ربهم جميلة" أنهم صائمون. هكذا، وقاحة صيامية غير مفهومة. فإذا كنت أخي الصائم/أختي الصائمة تبحث عن أجر حقيقي على صيامك وعذابك وقدرة تصبرك فيجب عليك أن تبحث عن فاطر وتجلس معه وهو يأكل ويشرب، كي تختبر نفسك وإيمانك. والحق الحق أقول لكم إنني لا أشعر بأيّ ذنب أو خوف عندما آكل بشهية كبيرة أمام صائم أو أنفخ الدخان بوجهه. لست مضطرًا لمراعاة أية مشاعر لأيّ صائم اختار أن يكسب الجنة بالتصبر والتحمل. كيف سيكسبها إذا لم يتصبّر؟ ولماذا لا يراعي الصائمون مشاعري وهم ينفخون بوجهي أثناء التحدث معي؟ لقد علمنا أستاذ الدين أن تنظيف الأسنان في الصباح لا يتناقض مع الصوم!

● أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، لأنني لم ولن أصوم، وأنا أصدق منكم بألف مرة مع أية ذات إلهية ستظهر لنا (أو لن تظهر) في المستقبل. فأنا لا أضحك على أحد ولا أغشّ أحدًا، وعندما ترون فاطرًا مثلي في رمضان يجب أن تخشعوا احترامًا له على استقامته مع نفسه وغيره.


الجمعة، 15 أغسطس 2008

المعلم


حتى لو لم تكن قصائد محمود درويش معروفة لعامة الناس الذين حزنوا عليه ورافقوا موته وتشييعه، إلا أنّ تأثيره عليهم ناجز لا محالة. فدرويش أثر على جيل كامل من الصحافيين والكُتاب وأهل الرأي والثقافة، وهو بهذا ثبّت مكانته أكثر من أيّ شاعر عربي معاصر، كونه وصل إلى العامة (من قراء الشعر) وإلى خاصة، وهؤلاء يصيغون يوميًا وأسبوعيًا ذائقة الناس ومضامين حيواتهم واهتماماتهم.

ولا ينحصر تأثير درويش في إسهامه الشعريّ والأدبيّ فحسب، بل يتجاوز هذا نحو التأثير على مبنى وشكل الرواية الفلسطينية، أي على شكل وكيفية روايتنا لقصتنا، لأنفسنا وللعالم. وهو في هذا "روائيّ" من الطراز الأول، مع أنه لم يكتب الرواية ولم يمتهنها. فهو روائيّ في تطويع القصيدة أمام السّرد، وتحويلها –أي القصيدة- إلى سردية ملحمية، لا تخاف من الواقعية، بل ترفعها إلى مصافّ الواقعية "الأركيولوجية".

فالطبقات التي كتب فيها درويش إنبنت وتكشّفت في "حفريّات" سعت للكشف عن الذاكرة، وفي نفس الوقت لصياغتها في كلمات وتفعيلات وقصائد، أي لإخراج الذاكرة من فعل التذكر الخامل إلى فعل الإستعادة والصوغ الفعّالين. كل من حاول إحياء ذاكرة ذهنية في كلمات مكتوبة يعرف صعوبة هذا الفعل. وكل قارئ (مخلص، مثابر) لدرويش تبنى روايته عنا، عن نكبتنا وعن قصتنا، من دون أن يشعر ومن دون أن يقاوم. فهذا ما يخلب اللبّ في كتابة درويش: إنه سيّد النص وسيّد القارئ، إلا أنه أذكى من أن يمارس سيادته هذه بفظاظة أو عنوة.

عندما قرأتُ للمرة الأولى "مديح الظلّ العالي" لم أفهمها كما يجب. كنتُ أظنها مرثية للفلسطينيين بعد خروجهم من بيروت، مع أنها في واقع الحال (في نظري طبعًا) تسجيلات مدروسة ودقيقة ليوميات البحث عن بدايات لا تنتهي ("بحر لأيلول الجديد")؛ فهي تفاؤلية رغم مأساويتها، وهي تدعو للمضيّ قدمًا رغم حجم الإنكسار. ولا يغيب عن القراء الفطنين أنّ كتابات درويش في الثمانينات مهّدت (له وللقارئ) للولوج في كتابته الجديدة، المعاصرة، المتخلية عن هيمنة البلاغة والإيجاز، والمتمثلة في كتبه الأخيرة، وخصوصًا "لماذا تركتَ الحصان وحيدًا".

كصحافي يبحث دائمًا عن العنوان، عن جملة سريعة لا تزيد عن ثماني كلمات (إذا أمكن) توجز ما يجب أن يعرفه القارئ السريع والكسول كي يكون "على دراية ما بواقعه" (كأضعف الإيمان)، أرى في درويش فنان العناوين بلا منازع. فهذه قدرة فطرية لا تنصهر إلا بالممارسة، ولكن أكثر منها، بالاختزال الذي يمكن أن يتأتى بطريقة واحدة لا غير: الشطب والحذف. درويش يكتب بالعكس: يملأ اللوح بالألوان الكثيرة ثم يكتب بالممحاة، يهذب ويحذف حتى تكتمل الهرمونيا بين ما هو مطلوب قوله وبين ما هو مطلوب كتابته.

درويش هو معلم وأستاذ، ورحيله في أوجّ مشروعه الشعريّ الذي أعلن قبل فترة أنه سيخصّصه للحب والغزل والإنسانيات (كم خسرنا نحن!) هو رحيل تجربة لا تتكرر، لا في سياق المحطات المُعاشة ولا في سياق التجربة المكنوزة. وككاتب في بداية طريقه بدأت التعلم من درويش أن أنتبه إلى ذكاء المعنى، الذي لا يفسد غيابه عن القارئ مَسرّة القراءة، إلا أنّ اكتشافه مع القراءة هو حدث مؤسّس للقارئ، كما للكاتب. هذه قدرة يسعى إليها كل كاتب، والقليلون ينجحون فقط.

لقد أخذ درويش العادي، المتيسّر، الشائع، وأدخله في خلود القصيدة. في لقاء صحافي معه قبل سنوات سألوه عن حبّه وشغفه بكرة القدم، فأجاب من ضمن سائر الأمور أنّ "كرة القدم هي أشرف الحروب". بساطة بليغة تختزل حياة المليارات من البشر، وترفع كرة القدم من رجال يركضون وراء كرة إلى مجاز يركض وراء المعنى. من وقتها توقفت كراهيتي لكرة القدم!

الجمعة، 8 أغسطس 2008

أوروفوار مونبرناس

في تلك اللحظة خُيّل لي أنّ باريس عربية؛ فالطاولة التي كنا نجلس إليها جمعت ثلاثة فلسطينيين (سهى من الناصرة، رائد من بيت لحم وأنا)، ثلاثة تونسيين (صالح وتوفيق والثالث نسيت اسمه) ومصرية (عزيزة). جميعهم يعملون في قناة "فرنسا 24" التي تبث باللغة العربية كقناة دولية. أضِف إلى ذلك أنّ أحدهم سكر سكرة شريرة وصار يخربط ويلبط في مقهى شيك في المونبرناس، ما غيرها، حتى خُيّل إليّ أننا في أحد مقاهي شارع أبي النواس في حيفا أو في "السُّوك" في الناصرة. إلا أنّ سكرة الفرنسيين تظلّ أخفّ ظلاً وأقلّ وطأةً وعدد الجرحى يقترب من الصفر (يا للعار)، لأنّ السكران كان يبرطم بالبونابرتية ويلوّح بقبضته في الهواء من دون أيّ فعل حقيقي يمنحه لقب "رجل" أو حتى "غُلام". والظريف الأظرف أنّ النادليْن اللذيْن كانا مسؤوليْن عن "الاعتناء به" كانا من فينة لأخرى يمسكانه كي لا يقع على الأرض وهو يتفتف ويتوعّد، بلغة رومانسية عذبة رغرغت لها عيناي.

ولولا كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي حول رحلته إلى فرنسا العام 1826، لكنتُ أسهبتُ في الجغرافيا والطوبوغرافيا وخفايا البورنوغرافيا في متحف الجنس الباريسيّ الشهير. ولكنّ الذين سبقونا كتبوا ولخّصوا، فتبقى لنا أن نتأمل ونتحسّر ونردّد ما ردّده الشاعر الفرنسي بودلير على ضفاف السّين:

"إنّ ذلك الذي ينظر من الخارج عبر نافذة مفتوحة، لا يرى مطلقا كثيرًا من الأشياء، كذلك الذي ينظر إلى نافذة مغلقة: فلا يوجد شيء أكثر عُمقًا وأكثر غموضًا، وأكثر خصوبة، وأشدّ عتمة، وأكثر إشراقا من نافذة مضاءة بشمعة. ذلك أنّ ما يستطيع الإنسان رؤيته في الشمس يعدّ أقلّ إثارة للاهتمام دائمًا من ذلك الذي يحدث خلف الزجاج؛ ففي هذه الفتحة السوداء أو المضيئة تحيا الحياة، تحلم الحياة، تقاسي الحياة."

هذا ما ردّدته لنفسي وأنا أدخل غرفة الفندق الصغيرة لأوّل مرة. وفي مقارنة سريعة كان يمكنني بسهولة أن أتبيّن أنّ مساحة هذه الغرفة لا تزيد بكثير عن "الطشت" العصري الكبير والمُرصّع بالكريمات الذي يستحمّ فيه جلالة الطفل عُمري بن عنان بن محمود آل حليحل، ابن أخي. ولكنّ العزاء يظلّ في الأبعاد الفلسفية أعلاه التي ثبّتها بودلير، إلى جانب التسامح الكبير الذي يجب أن تبديه كزائر لباريس: الملايين الملايين تريد زيارة باريس ولذلك قرّر الباريسيّون تصغير الغرف في الفنادق (الرخيصة) كي يتّسع كلّ فندق لأكبر عدد من الزائرين، فتنشرح الأفئدة وتنفتح المفاتح ("ولا مؤاخزة"- كما تقول عزيزة).

تل أبيب-باريس
أعتقد أنّ الميترو، أيّ ميترو في العالم، هو أكثر الدلائل سطوعًا على التحضّر والتحدّث (معذرة على التسطيح). فإلى جانب التيسير والتسهيل الكامنيْن في نقل عصب المواصلات الرئيس إلى ما تحت الأرض، فإنّ فكرة نقل عملية الانتقال من مرمى البصر إلى ما تحته، يضفي على العالم الفوقيّ قيمة لا يُستهان بها من الطمأنينة بأنّ جميع الذين فوق يمارسون الآن الحياة نفسها، وليس الانتقال من قطعة حياة إلى أخرى، كما يفعل الذين تحت. أهو السبب في الاسترخاء اللانهائي الذي ينتابك (والجميع) على دكك المقاهي الصغيرة المدورة (إذا تجاهلنا ليتري النبيذ اللذين شربتهما خلال ساعتين)؟

ولكنّ باريس تقترب من تل أبيب، حيث أنّ عملية إيجاد شقة لغريب فيها صارت مهمة صعبة محفوفة بالإذلال والمهانة. فكراهية الأغراب (عربًا أم غير عرب) بدأت تتغلغل في النخاع الشوكيّ لدى "رومانسيي الأرض اتحدوا"، والقصص عن عمليات التحايل والتهرب والرفض غير الصريح التي تنهال عليك هنا، تذكرك بالقصص التي يتناقلها أجدادنا وأعمامنا وأصدقاؤنا عن الصعوبة الكبيرة في أن يجد عربي مكانًا للسّكن في تل أبيب "الليبرالية الأوروبية".

وفي الناس المسرّة
ليلة الأربعاء-الخميس كان عيد ميلاد الروائية اللبنانية هدى بركات. ستة أشخاص متحرجمون حول ثلاث طاولات باريسية صغيرة (لماذا بهذا الصغر؟ فش خشب بفرنسا؟؟)، يتناولون شرائح اللحم والإوز والنبيذ والجعة ويحاولون الربط بين الجليل ولبنان، ومعرفة ما إذا كان عرق فلسطين يضاهي عرق لبنان أم لا. اسمه مقهى "الفلاسفة" ونحن أخذنا الموضوع بجدية كبيرة، فانهارت التنظيرات والتطريزات، يمينًا فيسارًا. لا يعقل أن تجلس في مقهى باريسيّ مع اسم مُلزم كهذا ولا تمسك شلّ سارتر وابن رشد، مرورًا بالشيخ الأكبر وانتهاءً بأسعار الوقود وعلاقتها بأزمة الفول في مصر.

في باريس يطيب الكلام وتشعر بأنك إنسان عاديّ، يسهر بمرح ولا يحسب حساب الغد، مثل باقي البشر. باريس، ميرسي كتير لألله.

الجمعة، 1 أغسطس 2008

بالجمال وحده؟

عرضت القناة الثامنة الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، الفيلم الوثائقيّ "ليدي كل العرب"، من إخراج ابتسام مراعنة. الفيلم يروي قصة الفتاة العربية الدرزية دعاء فارس (تسمّي نفسها أنجلينا، تيمّنًا بأنجلينا جولي) التي نافست على لقب ملكة جمال "كل العرب"، ثم تسجّلت في نفس الوقت للمنافسة على ملكة جمال إسرائيل. وعندما أعلمها القيّمون على المسابقة الثانية أنها يجب أن تختار بين المسابقتين (فلا يصح أن تكون ملكة جمال كل العرب وإسرائيل في نفس الوقت) وصل الفيلم ذروته الأولى، في طرحه لصراع الهوية في الدولة لدى العرب.

الذروة الثانية في الفيلم كانت عند ذهابها مع والدتها إلى بيت الشيخ موفق طريف لطلب المغفرة من "الطائفة" بأنها تجرأت على الترشح لمنصب ملكة جمال إسرائيل وإهانة "مشاعر" أبناء الطائفة. فترشحها هذا خلق جوًّا عاصفًا من الرفض تجلّى في قمّته في القبض على عمها واثنين آخرين خططا لقتلها لمحو العار.

القويّ في هذا الفيلم هو عدم إعلان وصاية على القصة، عدم إطلاق أحكام أخلاقية على قضية الترشح لملكات الجمال من جهة، وعلى الترشح لمسابقة دولة إسرائيل (من عربية درزية) من جهة أخرى. مراعنة روت القصة بحكمة وبهدوء، وتركت المجال لأبطالها كي يرووها بلغتهم، بمشاعرهم، بدوافعهم وأحلامهم. هذا قرار فني هام جدًا أعتقد أنّ مراعنة راهنت عليه صوابًا، رغم أنّ الفيلم في مجمله لم يطرح غنًى توثيقيًا تجاوز التقرير الصحافيّ.

في المقابل يبقيك الفيلم بتساؤل كبير: هل أنا مع دعاء فارس؟ هل المعركة على تحرر المرأة والإنطلاق بحريتها وأحلامها يتمّان عن طريق مسابقة لملكة جمال، تفعل فعل القمع والتخلف المضاد، فتضع المرأة مجددًا في سوق اللحمة والأفخاذ والأوراك؟ من جهة تتضامن مع هذه الفتاة الحالمة الشجاعة، ومن جهة أخرى يزداد احتقارك لمثل هذه المسابقات، لدرجة تجعلك تتمتم في نهاية الفيلم: شو بدك بهالشغلة؟

ملك اليهود
قرر رئيس الوزراء إيهود أولمرت، أخيرًا، أن يعلن انسحابه من الحلبة السياسة، مساء أمس الأول الأربعاء، وها هي دولة إسرائيل تدخل في معمعان سياسي جديد. في نفس الليلة، وفي نفس نشرة الأخبار، بُثّ تقرير عن قتل الطفل محمد موسى (9 سنوات) برصاص جلاوزة "حرس الحدود" في قرية نعلين التي تتظاهر مُستميتة على حماية أراضيها من وحش الجدار الفاصل العنصريّ، وقبلها بأسبوع شاهدنا إطلاق النار بدم بارد على فلسطينيّ متظاهر أعزل وهو مربط وواقف بين قائد الكتيبة وجندي فيها.

في دولة ديمقراطية حقيقية كان يجب أن يقف أولمرت ويعلن استقالته على هذين الأمرين اللذين يجسدان ببساطة عمق الأزمة الأخلاقية التي ألمّت بدولة اليهود، والمخيف حقًا، أنّ الأزمة في بدايتها، ليس إلا. على أولمرت وحكومته أن يذهبا إلى البيت جراء جرائم الإحتلال الفاشية، وليس لأنه دحش في جيبه بضعة آلاف من الدولارات. لست أخاف على نقاوة الحكم في إسرائيل بقدر ما أخاف على أخوتي العزل المتظاهرين مقابل أشرس الجنود وأعتاهم في العصر الحديث. أولمرت إلى البيت، فداءً لدم محمد موسى.

نزار قباني مجددًا
نشرت صحيفة "الحياة" اللندنية، هذا الأسبوع، قصائد وكتابات للشاعر المتوفى نزار قباني، لم تنشر من قبل. وهذه فرصة جديدة للتوقف مجددًا عند هذا الشاعر، الذي اخترق جميع الحواجز ومنحنا مراهقة جميلة وغنية بالحبّ العذريّ والحسّيّ، بمفردات العشق الضرورية لبناء تواصل مشاعريّ وجسدي مع من أحببنا.

تلك كانت فترة الغليان وقباني كان بركان الحمم. والآن، في قراءة جديده، تعود ذكريات المراهقة ومحاولات كتابة الأشعار (الفاشلة) بالأسلوب النزاريّ. لا زلت أذكر حتى اليوم حين وقفت المعلمة ليلى، معلمة العربية في الصف العاشر في ثانوية فم الذهب في الجش، وقرأت قصيدة لي كتبتها بوحي دواوين نزار، يقول مطلعها: "إليّ بعد طول الغيبة أكتبي/ قد تنازلت عن كبريائي فلا تعجبي/ قد ظننت أني الأمير في الهوى، فأيقنت أنني عاشق معجب".

أعتقد أنني أذكر هذه القصيدة لأنها –بنظري وبنظر قرائي الثلاثة آنذاك- أفضل ما كتبتُ من الأشعار. وإذا كانت هذه أفضل ما كتبت من الأشعار، فتصوروا لو أنني استمريت في درب نزار. أعتقد أنه كان سينتحر قبل أوانه بكثير!

والختام له من جديده:

الشِعرُ غادرني
فلا بحرٌ بسيطٌ... أو خفيفٌ... أو طويلُ...
والحب غادرني
فلا قمرٌ...
ولا وترٌ...
ولا ظِلُّ ظليلُ...

مسرحيد 2008: مفاجأتان في مهرجان واحد

جاءت المفاجأة هذه السنة في مهرجان "مسرحيد" من وجهيْن جديديْن على المشهد المسرحي المحليّ: رشا جهشان والفتى محمد زيدان. الأولى أدّت عرض "أصوات من هنا" (ولا أقول مسرحية) وزيدان الذي أدّى دور أخ يغار من أخيه الأكبر، محبوب القرية وأمه.


قدمت جهشان عرضًا كان أبرز ما فيه الحركة والرقص، ولكنّ أجرأ ما فيه وعي جهشان لمقدراتها الجسدية، لتركيبة جسدها الأنثوي، وهي لم تقع في نفس الوقت في مطب الإغراء الرخيص. فتسخيرها لجسدها (الراقص، الحالم، المتحرك، الرافض) جاء مثاليًا في مقاطع كثيرة، ومن خلال 15 عامًا من مشاهداتي المسرحية لم يسبق أن رأيت ممثلا أو ممثلة فلسطينيا قدّم مثل هذا العرض الصاخب، المثير للّهفة والمثير للحرج والمثير للغيظ (عند البعض) في نفس الوقت. استطاعت جهشان أن "تشتري" الجمهور (الذي كان في أغلبه من طلاب الثانويات، وأهل المسرح يعرفون مدى صعوبة إرضاء مثل هذه الشريحة)، فهي لا تخافهم، تبحث عن نفسها بينهم، وهذا يشعل لها السيجارة وذاك يجعلها تلقي برأسها على كتفه باكية.


وإلى جانب هذه الفرجة المسرحية والأدائية الخلابة، برز بفظاظة وغلاظة ضعف النص الذي كان يصدر عنها من مرة إلى أخرى، فلا هو نجح في بناء ولو طرف قصة أو حكاية، ولا هو نجح في التباري مع تجريدية الرقص والحركة، فظلّ في النصف عالقا، خصوصًا أنّ كلّ جملة كانت تطلقها بالعربية تلحقها جملة ترجمة بالعبرية فورًا، وأحيانًا كان ينشأ حوار بينها وبين المترجم، مما كان يطرح سؤالا مُلحًا أكثر من مرة: هل هذه مونودراما حقا؟


بالمقابل، أحضر الفنان المسرحي المخضرم محمود قدح (من أفضل الممثلين في البلاد، برأيي وبرأي الكثيرين من أهل المسرح) نتاج تجربته كفنان اختار أن يتمركز في قريته وأن يعمل مع مواهبها المحلية في المركز البلدي الذي يديره. فمسرحية "إشي بحزن العادي"، التي كتبها وأخرجها قدح، أعطت الفرصة للفتى الناشئ محمد زيدان بأن يكشف عن موهبة فذة ورائعة، غير عادية ونادرة. فهذا الفتى ما زال طالبًا في المدرسة، إلا أنه استطاع أن يحمل الجمهور على كتفيه لخمسين دقيقة كاملة، روى فيها قصة غيرة من أخ لأخيه الأكبر، وهي القصة التي تناصّت مع قصة قابيل وهابيل في النهاية.


زيدان ممثل ناشئ سيكون له شأن، مرح، مليء بالطاقة والثقة، دراميّ عند الحاجة وأحيانا ميلودرامي، ولكنه في جميع حالاته مسرحي متميز وآسر. أحد القيمين على المهرجان قال لي "بيناتنا"، بعد أن سألته لماذا لم تدخل هذه المسرحية في المسابقة الرسمية: "أغرش، بدك يوخد الجائزة وتخرب الدنيا"؟ أعتقد أنّ الدنيا خربت لأنه لم يأخذ الجائزة.


وعوْد على ملاحظة سأكرّرها، مثل السنوات السابقة: لن يحقق "مسرحيد" المستوى المهني المرجوّ منه في الإطار القائم، بمجهود القيّمين عليه وخصوصًا جهد مديره الفني أسامة مصري الذي يبدي إخلاصًا منقطع النظير لهذا المهرجان وعلى هذا يجب أن يُشكر مرارًا. يجب خلق إطار عمل من أشهر طويلة تُفتح فيها النصوص المشاركة في ورشات مع مهنيين ومختصين لبلورتها مهنيًا ودراميًا، وهذا الضعف ميّز جميع الأعمال المشاركة، هذه السنة أيضًا.



السبت، 26 يوليو 2008

مطلــوب متظاهــرون؟

ها هو وزير الثقافة الإسرائيلي، غالب مجادلة، يفتتح مهرجانا مسرحيا آخر (مهرجان "مسرحيد" في عكا)، كما افتتح وسيفتتح مهرجانات وعروضًا ثقافية تجري في المجتمع العربي عندنا، بصفته وزيرًا مسؤولا (للأسف) عن هذه النشاطات.

ما يثير الخيبة والضحك من شرّ البلية أنّ عددًا من الذين تظاهروا ضد حضور مجادلة لافتتاح مسرحية "حارق المعبد" في مسرح "الميدان" في حيفا، قبل عدة شهور، يشاركون في هذا المهرجان الذي يرعاه وسيفتتحه مجادله وزلمه في الدوائر الثقافية الإسرائيلية. يوجد ممثل مبتدئ شارك في المظاهرة إياها وها هو يشارك الآن في مهرجان سيأتي مجادلة لافتتاحه. هل سيتظاهر ضده ليلة الافتتاح؟ كيف يعمل الآن بنقود مجادلة وعكاكيزه من "مباي"؟ وأولئك من الفنانين المحمومين الذين استغلوا مبادئ وطنية كي يحتجّوا على مصلحة شخصية صرفة، هل سيأتون للتظاهر في عكا؟

هل اعتقدتم أنّ هذه قمة السخرية والعهر السياسي؟ كلا؛ فأحد العاملين في الصحافة المحلية تظاهر وقتها ضد عرض "حارق المعبد"، وبعد انتهاء المظاهرة وجده مدير المسرح جالسًا في الصف الأول لحضور المسرحية، تحت تبرير: "هاي لحال وهاي لحال"!

أعتقد أنّ جميع الذين تظاهروا وقتها لن يتظاهروا ضد مجادلة في "مسرحيد"، إما لأنهم يعملون الآن ومستفيدون، وإما أنّ لا مصلحة شخصية أو حزبية لهم كي يستغلوا المظاهرة لأجلها. هذه ليست ملاحظات مع "الميدان" أو غيره؛ هي ضد نهج مجادلة في تحويل أموال عامة من حقنا إلى منّة من مختار عربي يلبس بدلة وربطة وعنق، وهي أيضًا ضدّ النفاق والتزلف وعدم المبدئية والمثابرة عند بعض أهل ثقافتنا.

هذه التسجيلات هي متابعة ومراجعة ومساءلة يحق لنا طرحها (وسنعيد الكرة في كل مناسبة لوضع النقاط على الحروف) كما يحق لجميع من يودّ التظاهر أن يتظاهر. في رأينا، حتى تسويغ "هاي لحال وهاي لحال" لن ينفع هذه المرة.

الاثنين، 30 يونيو 2008

"مرْت الرئيـــس" وأحـــلام ليلة صيف


يبدو أنّ العالم "المتحضر" لا يستطيع أن يعيش من دون أميرة "نبيلة"، تكون جميلة، رشيقة، هيفاء وممتلئة نعمة. فكارلا بروني، "مرت الرئيس ساركوزي"، هي الصيغة الجديدة من الأميرة ديانا، التي "أضفت ألوانًا جميلة" على السياسة، كما يحبّ المعلقون والمتحدثون تبرير درّ لعابهم المشتهي على هيئتها الشهية (عذرًا على السقوط في فخ التعقيب الجنسويّ، فقد قتلني الجّناس!).

وتزداد مركزية وأهمية بروني في هذه الأيام إلى درجة تحوّل ساركوزي إلى "جوز بروني"، ومع أنّ هذا يحمل عزاء الانتقام الحلو بعض الشيء للنسويات (تعريف الرجل بواسطة زوجته)، إلا أنه لا يبشر بالخير: فتسليط الأضواء على قدّ بروني المشدود نحو السماء، وتجاهل قدّ ساركوزي المشدود نحو الأرض (فعليًا ومجازيًا) يُعيد الثقافة السياسية إلى ثقافة "القصور السلطانية" التي كان "الحرملك" يلعب فيها دور الريادة في الطبخ والنفخ والشلخ.

نحن من أنصار اندماج النساء في السياسة بنسبة 50% لا أقل (على الأقل)، مثلما حدث في الحكومة الإسبانية مؤخرًا، ولكننا ضد تحويل سيقان "مرت الرئيس" وفستانها ذي الصرعة الأخيرة (الذي يصرع الملايين) إلى محور التصريحات والتغطيات الصحافية حول زيارة هي الأولى لرئيس فرنسي لإسرائيل منذ مطلع الثمانينات، رئيس يميني "خرج من الخزانة" بصوت مُجلجل، وينافس جورج بوش بجدارة. بروني تُجمّل ساركوزي، وساركوزي يتربّص بنا.

زيارة ساركوزي هي خطوة أخرى في إعادة أوروبا إلى سرير "الصراع السياسي في الشرق الأوسط" وأنا أعتقد أن هذا السرير الخاص بالصراع يجب أن يظلّ مركز التغطيات والمتابعات، بدلا من السرير الرئاسيّ.

الغرب الأمريكي في النقب

صدّق الكنيست الإسرائيلي، الثلاثاء، بالقراءتين الثانية والثالثة، على "قانون درومي" الذي يمنح صلاحية لكلّ صاحب مُلك أو بيت بقتل أيّ سارق أو مُقتحم لبيته أو لمُلكه. ومع أنّ مُشرّعي القانون يختبئون من وراء الادّعاء بأنّ القانون ليس موجّهًا ضد العرب، بل هو عام وشامل لجميع المواطنين، إلا أنّ تجارب أخرى في أماكن أخرى من العالم تُفنّد هذا.

فجهات قضائية عربية محلية قالت في تقييمها للقانون إنه يُذكّر بما كان يحدث في أمريكا مع المواطنين السود، حيث كانت تُشرّع قوانين أمريكية "جنائية" ضد ظواهر معينة يعرف الجميع أنها محصورة بالأساس في المواطنين السود دون غيرهم. وهذا يرتبط بـ "قانون درومي" الذي سُنّ خصيصًا لمزارعي النقب من اليهود، ضد مواطني النقب العرب.

الخطورة الكامنة في هذا القانون هو تحليله للاعتداءات، بحيث تُمنح الرخصة للقتل بيد كل من يرغب، خصوصًا أنه من الصّعب الاثبات أو الدحض في المحكمة أنّ شخصًا ما قُتل حاول أو لم يحاول السرقة. وتتضح خطورة وانفلات هذا القانون عند مقارنته مع مبدأ الدفاع عن النفس في المحاكم الجنائية: فالدفاع عن النفس لا يُقبل في المحكمة دائمًا وأوتوماتيكيًا، بل يُسأل القاتل عن الظروف الخاصة وعن التهديد المباشر على الحياة وهل كانت طريقة الصّد نفسها معقولة؟ هذا غير موجود في القانون الجديد، وعلى كل واحد منا أن يبدأ بالخوف قليلا من هذه الرخصة المفتوحة للقتل.

من جهة أخرى، لم تبحث الحكومة والكنيست عن أساليب للقضاء على مُسبباب السرقات، وهي الفقر المدقع وسلب الأراضي وهدم البيوت وإفقار النقب عنوة لحمل أهله العرب على الرحيل منه كما ترغب الحكومة، بل فضل الكنيست الإسرائيلي أن يتغاضى عن كل هذا وأن يمنح اليهود والمؤسسة أداة حرب أخرى ضد العرب البدو في النقب، إلى جانب الأدوات الهائلة التي تُستخدم ضدهم اليوم للضغط عليهم وترحيلهم.

هذا ما يقصده الجميع حين يقولون إنّ إسرائيل دولة ديمقراطية لليهود ويهودية للعرب.

السبت، 14 يونيو 2008

ربيع الخريف


تكاملت الصورة المسرحية في أداء الممثلين حيث أنتج الثلاثة في حضورهم التمثيليّ-الأدائيّ وفي حضورهم الشخصيّ "العُمْريّ" عملاً مسرحيًا غير عاديّ هو "قصة خريف"، آخر إنتاجات "الميدان"





أوراق الشجر اليابسة المُصْفرَّة تتكوَّم على أرضيّة الخشبة مَشهدًا بَعدَ آخر، حتى تتحوَّل أرضية الحديقة العامّة التي تجري فيها الأحداث إلى أرضيّة خريفيّة ملأى بالأصفر والبنيّ الخريفييْن. إلى هذا تنضمّ الإضاءة الذّكية الماهرة (فراس روبي) التي تتقدّم وتتراجع وفق الموقف ووفق المشهد، راسمة بعناية كبيرة، إلى جانب التصميم الفضائيّ (نزار أمير زعبي)، أكثر التصميمات السينوغرافية إتقانا وسطوعًا التي رأيتها على خشبة "الميدان" منذ 15 عامًا وتزيد (أتذكر هنا أيضًا "حارق المعبد" و"أكسدنت موت الفوضوي" و"رابطة دم").


إلى جانب هذا، تكاملت الصّورة المسرحيّة في أداء المُمثلين مكرم خوري وسلوى نقارة وسليم ضو، الممتازين، حيث أنتج الثلاثة في حضورهم التمثيليّ-الأدائيّ من جهة، وفي حضورهم الشخصيّ "العُمْريّ"، من جهة أخرى، عملاً مسرحيًا غير عاديٍّ هو "قصّة خريف" للكاتب الايطالي ألدو نيكولاي، آخر إنتاجات "الميدان".


فالتقاء ثلاثة من مُخضرَمي مسرحنا الفلسطينيّ المحليّ أفرز مستوًى جديدًا لم يحدث أن حظينا به (رغم التجربة الأولى والأخيرة التي جمعت أكبر قدر من هذا الجيل وهي إنتاج "الميدان" الأول "الملك هو الملك")، لا نقول إنه عتّم على إنجازات الجيل الجديد في أعماله المتميّزة ("حارق المعبد" و"رُكب" آخرها)، بل نقول إنه رسم مُميّزات جديدة للحضور المسرحيّ لم نعتَدْ عليها في إبداع الجيل الجديد (وجيل الوَسَط) من مسرحيينا مؤخّرًا (علي سليمان، عامر حليحل، لنا زريق، آمال قيس، أشرف برهوم، محمود قدح، خليفة ناطور، روضة سليمان، وغيرهم).


ولا شكّ في أنّ رؤية خوري ونقارة وضو (بانتظار يوسف أبو وردة ومحمد بكري وغسان عباس وغيرهم) على خشبة واحدة هو أمر ليس بالعاديِّ في المشهد المسرحيِّ الذي اعتدنا عليه، وعلى هذا يستحقّ "الميدان" تحية، خصوصًا في ظلّ وعي إدارته الكبير بأنّ المعادلة لا تكتمل إلا بحِرفيّين من جيل اليوم، لا يقلّون مهارةً وقدراتٍ عن جيل المُخضرَمين.


نصّ هذه المسرحية مَتين، إلا أنه صعبُ المراس، منزلق المنحدر. فهو مُنْبَنٍ على شخصيّات ثلاثة مُسنّين، رجليْن وامرأة، يمتهنون قتلَ الوقت في البستان العام بانتظار الموت. حواراتهم غير مُتميّزة ظاهريًا، تبدو مُملة للقارئ العاديّ لا شكّ ومليئة بالرّغو واللغط الشيخوخيّ، ومن هنا كانت مهمة بناء الحالة المسرحية من خلال هذه الحوارات مهمة شاقة، تستوجب الفطنة والذكاء في ترقّب وتبيان الفعل المسرحيّ الكامن في المشاهد وفي الشخصيات. فالأفعال المسرحية التي في النصّ، رغم ما يمكن أن يوحي به النصّ ظاهريًّا بالخمول والرتابة والاجترار، هي أفعال كبيرة، جوهرية، شديدة التعقيد والعمق، من حيث أنّ هذه الشخصيات الثلاث تحارب الموت (والنسيان والإهمال ومَقدم الخريف)؛ وهل هناك فعل مسرحيّ (وحياتيّ) أكبر من هذا، أجمل من هذا، لبناء الدراما؟


واستقراء الفعل المسرحيّ كأداة أساسية لبناء الدراما هي المهمة الصعبة التي تمرّس بها المخرج نزار أمير زعبي منذ "الجدارية"، مرورًا بـ "بين حرب بين" و"حارق المعبد". فزعبي هو فنان إخراج الحوارات بلا منازع، وأعتقد أنّه الأول في هذا المجال لأنه يفهم أكثر من غيره من المخرجين والمُمثلين معنى الفعل المسرحيّ وكونه العنصر الأول والأخير في البناء المسرحي (وهذا ما يجب أن يفهمه كُتاب المسرح، أيضًا، قبل المخرج).


سليم ضو يؤدّي دور المُسنّ الغاضب، المغلق أمام المشاعر (في دور كوميدي-تراجيدي خلاب)، في مواجهة مكرم خوري الذي يؤدّي دور المُسنّ المُحبّ، فيما تلعب نقارة دور المُسنة التي لا تزال متشبثة بالحياة، بتصميم شعرها عند الكوافير، بالطبخ، بإطعام القطط. على هذه التناقضات انبنت الشخصيات وبرع الثلاثة في بناء شخصيات مسرحية متميزة، لكلٍّ منها النمط واللون اللذيْن يميّزانها، مما خلق حالة مسرحية غاية في الغنى والتنوّع جعلت من كل شخصية على الخشبة عالمًا مُتكاملاً، يختلف عن الباقي، لكنه يلتقي معهم في الأمور "الكبيرة"، في نقاط التّماس الوجوديّة التي لا مفرّ منها- تمامًا كما في الحياة.


هل الخريف المجازيّ-الفعليّ الذي تتمحور فيه مسرحية "قصة خريف" هو خريفنا الواقعي الآن، ثقافيًّا وسياسيًّا؟ مهما تكن الإجابة على هذا التساؤل، فإنّ إنتاج "الميدان" الجديد يجسّد ربيعًا ما في "الميدان" ومسيرته، تمثل في جمع نجوم ومخضرمي المسرح العربي الفلسطيني في البلاد مع طاقاته الجديدة. هذه خلطة متينة أنتجت مسرحية متينة، لتكون مسرحية "قصة خريف" برهانًا جديدًا على صحة الطريق الجديدة (الصعبة، الشائكة، الطويلة، الضبابية) التي خرج فيها "الميدان" مؤخّرًا، المُتمثلة في إعادة الكوادر المُؤسِّسة وتجنيد الكوادر الجديدة من أجل خلق حالة مسرحية-ثقافية أهم ما فيها التبادل المستمرّ إلى جانب الاستفزاز والتحفيز الكامنيْن في التقاء جيليْن مختلفيْن، يودّ كلّ طرف منهما أن يُثبت للآخر قدراته وطاقاته.


إذا لم تكن هذه الخلطة هي التعبير الأمثل عن شعار "بيت الفنانين"، فأنّى يكون التعبير؟


ألبوم خالد جبران الجديد: جسر إلى الكشف


"بريدج" (جسر) هو العنوان الذي اختاره الموسيقيّ خالد جبران للألبوم الجديد الذي يصدر بتوزيعه، مختارًا فيه ثمانية ألحان معروفة وغير معروفة للجمهور ليُمعن فيها توزيعًا وإعدادًا جَعَلا الاستماع إلى هذا الألبوم رحلة اكتشاف جديدة لهذه الألحان، لهذه الأغنيات.


فالاستماع إلى "مرسال المراسيل" (ألحان فيلمون وهبة) أو "لا عيوني غريبة" (ألحان وديع الصافي) في هذا الألبوم لا يعادل الاستماع إليها مُغنّاة من فيروز والصافي؛ فجُبران يُخرج هذين اللحنين من رتابة ما قد أسمّيه "الحبّ العاديّ" للألحان وللأغاني المألوفة والمُحبَّبة، نسمعها في البيت أو في السيارة أو أثناء حفلة عرس، ويأخذهما إلى منطقة "الحبّ الكشّاف" (إغفروا لي فلسفتي المصطلحيّة)، أي ذاك الحبّ الكامن فيكَ (عن معرفة سابقة) إلا أنه يكشف وينكشف من جديد، وهو بهذا يُنسيك "الحبّ العادي" الأول.


هذه فعلة ليست بالهيّنة في أيامنا هذه، التي تحكمها الرتابة، رغم وهم التعددية الإعلامية والمضمونية الهائلة (كم موقع إنترنت وقناة تلفزيونية يمكن للمرء أن يشاهد في اليوم؟). وبالتالي، فإنّ ما يمكث في هذا الألبوم، ما يجعله غير عاديّ وجديرًا بالتأمل والالتفات، هو خروجه على الرّوتين والمألوف، إن كان من ناحية اختيار المقطوعات وإن كان من ناحية وضع توزيعاتها الجديدة.


وعدا عن المقطوعتين سابقتي الذكر، ففي الألبوم ستّ مقطوعات أخرى هي: "شدّ الحزام" لسيد درويش؛ "إم الخلخال" لمنير بشير؛ "يا ميت مسا" (فولكلور)؛ "واه حبيبي" لجيوفاني بيرغوليزي؛ "سماعي شدّ عربان" لجميل الطنبوري؛ و"ارتجال" لخالد جبران. ما يُميّز هذه الاختيارات هو أنها غير "تجارية"، أي أنها غير معروفة لعامة الناس -وأنا منهم- في الموسيقى. فـ "يا ميت مسا" و"سماعي شدّ عربان"، مثلا، لا تقولان لي شيئًا كإنسان غير مثقف موسيقيًّا، ولكنّ الاستماع إليهما في سياق هذا الألبوم يجعلانهما جزءًا من عمل متكامل أتكئ فيه على ما أعرف وعلى ذاك الذي يتكشف لي أثناء الاستماع.


وأنا قد استمعت إلى الألبوم هنا (يعني فلسطين التاريخية) وفي القاهرة، حيث أردتُ أن أختبر تأثير المكان على الاستماع، خصوصًا وأنّ التوزيع الموسيقي في الألبوم يطغى عليه الطابع المصريّ الجميل المتجسد في الأكورديون والكولة (المزمار المصري من عائلة الناي) والربابة. ومن محاسن هذا الألبوم أنني تعرفت على الاسم الحركي لآلة "الكولة" (المزمار- كما كنت أسمّيها جاهلا مَرضيًّا)، وتعرفت عن طريق الإنترنت على بعض عازفيها المشاهير (هكذا كتبوا) أمثال عبدالله حلمي وابراهيم كوالة والمغربي زروال.


هذا الألبوم هو دعوة للخروج عن النصّ، عن النمطيّ والمألوف. إنه بهذا مغامرة شيقة لمن يحبّ كسر الروتين (الموسيقيّ) ومغامرة قد تكون صعبة وشاقة على من لا طاقة لديهم للتعرف على آلة جديدة أو توزيعة جديدة لأمر خبروه- وهم الخاسرون.


(قلتُ إنني استمعتُ إلى الألبوم في القاهرة لكنّني لم أجد القاهرة (التي أحبها حبًّا شديدًا)، لا في الألبوم ولا في القاهرة، فهي غارقة في المستورَد والسّريع، والكولة لا تُسمع فيها ولا الأكورديون ولا الربابة).

الجمعة، 6 يونيو 2008

مات فؤاد، عاش فؤاد!


مات فؤاد.

اختار جسده أن يرتاح من العلاج المنهك المتواصل، ولكنني أخاله أراد الارتياح من الأمل الزائد، من الأمل اليائس.

خمسة وثلاثون عامًا مرّت ضاحكة، على وجه فؤاد. كان يتصل من مرة إلى أخرى، أو يبعث إيميل: سمعت آخر نكتة؟ وكنا نضحك ونتواعد على نكتة جديدة، من دون ميعاد. كان يغيب أحيانًا سنة وأكثر، وكنتُ أغيب سنة وأكثر، ولكن اللقاء كان دائمًا استمرارًا مباشرًا، من دون تكلف، للقاء السابق: "كيفك يا رفيق؟.. صرت أنصح مني.."

كان فؤاد مُعدِيًا بمرحه، وأحيانًا مُثيرًا للغيظ: كيف يمكنك أن تكون ضاحكًا هكذا، باسمًا، مُحبًّا ومحبوبًا، دائمًا وبلا توقف؟ لماذا نحن لسنا مثلك؟ هل لأنّ أجسادنا معافاة (نسبيًا) فلا وقت لشكر الآلهة على كلّ يوم جديد من دون ألم، من دون يأس؟

المئات من الوجوه في جنازتك أعرفها، بعضها ظلّ معي وظللتُ معها، والكثيرون تفرّقوا أيدي فلسطين، فلا أذكر إلا وجوهًا سهرنا معها ليلة، أو تلك التي عرّفتني عليها في لقاء شارعيّ عابر (ضاحكٍ طبعًا). جاءوا كي يقفوا جميعهم أمام كنيسة الأرثوذكس في الرملة ينتظرون الموكب (كعادة "الغُربيّة") وأعتقد أنّ جميعهم كانوا يتساءلون، بطريقة ما، حول قدرة فؤاد على جمع هذا الخليط الغريب العجيب، الكبير الغنيّ، من حوله، من دون أن يخدش للحظة هرمونيا الحياة من حوله.

أذكر منك الآن صورة واحدة تلحّ عليّ: كنا خمسة أو ستة، شبانًا وصبايا، قبل أكثر من عشر سنوات، حملنا أمتعتنا ويمّمنا شطر إقرث ذات ليلة صيفية (بطلب من صبية إقرثية في المجموعة كبس عليها الحنين، هل تذكرها؟ ماذا جرى لها؟ هل أنصفتها الدنيا كما ظلمتك؟). أشعلنا موقدًا أمام الكنيسة العتيقة وشوينا اللحم وشربنا ما تيسّر من عرق رام الله الشهيّ المُبارك، وكنتَ تمسكُ بالعود الذي أحببتَه وتُصرُّ على أن تغنّي للشيخ إمام، بينما كنا نحن (سكارى، عرابيدَ) نطلبُ منكَ أن تغني "سيرة الحبّ" (ما أتفهنا!). كم كنا سخفاء ونحن نقمع عودَكَ، وكم كنتَ عبقريًا حين أجبتَ قبل أن تبدأ بعزف "سيرة الحب"، راضخًا: "بس تصحوا رح تترجّوني أعزف الشيخ إمام".

في فجر ذاك اليوم الإقرثي عزفتَ لنا "واه يا عبد الودود" وكنتُ أنا أغلي القهوة الصباحية الحلوة وأتأمّل الجليل البرتقاليّ المصبوغ بحياء الشمس. في تلك اللحظة أتذكّركَ، تغني لعبد الودود، والجميع نيام من حولنا، ولم أكن (لغبائي) أعرف بتعقيدات جسدك المزمنة، بتفاصيل الكبد والكليتيْن، ببدء العدّ التنازليّ. هل لو عرفتُ وقتها كنتُ سأقول لك جملة تودّ أن تكون حكيمة في ذلك الفجر الجميل؟ لا أعرف، ولكنني أشكر حنين رفيقتنا إلى قرية جدّها وجدّتها الذي منحني هذه اللحظة الناصعة كي أتذكرك فيها دائمًا.

الآلاف مشت وراء فؤاد في أزقة الرملة وفي شارعها الرئيسيّ. للحظة تخالُ نفسك في مظاهرة: الشرطة تنظم السير وألفان أو أكثر من العرب يمشون في الشارع "اليهوديّ" الرئيسي في مدينة تريد طمس أهلها العرب الأصليين. هذه مظاهرة فؤاد، جمع الآلاف كي يغلقوا الشارع في مدينته ريثما ينام نومته الأخيرة في المقبرة، المُطلة على الشارع الرئيسي.

فؤاد سيحرس الشارع الرئيسي في الرملة من الضياع، ونحن سنحرس ما تبقى من طاقة كي نعود إلى مشاغلنا وننتظر بقلق موت صديق آخر، خانه جسدُه أو خانَ جسدَه.

مات فؤاد، عاش فؤاد!

الأحد، 1 يونيو 2008

هنا قديتا، هل تسمعونني؟


يتقاسمون في هذه الأيام أرضَ قَدّيتا: هواةُ الطبيعة يُريدونها لهم، بلا كهرباءٍ أو حضارةٍ، وآخرونَ يُريدونَ أرضَها كي يصنعوا نبيذًا جليليًّا أنيقًا؛ وآخرون يأتونَ مِن مُنطلقاتٍ صهيونيةٍ لا غيرَ. وقدّيتا، قرية جدّي المُهجرة في 1948، لا تفهم عَلامَ الخلاف؛ فمن موقعها في أعالي الجليل، مُطلّة على الجشّ ورميش ومارون الراس، لا زالت تحتفظ بآبار المياه أمام عتبات البيوت، ولا زال عنّابها وتوتها مَضربًا للأمثال، ومَسرحًا لأحاديث العشق الخَجِلة.

في كلِّ ذكرى للنكبة تُلحُّ عليَّ قدّيتا. في السّنة الأخيرة بدأتُ العمل على موقع ثقافي سياسي يحمل اسم "قدّيتا"، كي تحضُرَ قريتي في العالم الافتراضيّ الشّبكيّ، كتعويضٍ (مرحليٍّ؟) عن حضورها الجسديِّ الغائب، أو عن حضورنا الجسديِّ الغائب.

لم يكن جدّي مُتحدثًا عظيمًا. كان يَرُونُ إلى صمتِهِ طيلة الوقت، جالسًا على الشرفة المُطلة على قرية لجوئنا، الجشّ، وينظر نحو الأفق بلا كلل. لم يُجلِسْني يومًا على ركبتيْه وأنا صغير ليحكي لي عن قدّيتا التي تركَها وبعضَ أبنائه وقتِها، ليرحلوا إلى عَكْبَرَة، المُهجَّرة بدورها. أهلي المُهجّرون لجأوا إلى قرية هُجِّرت قبل قريتهم بأيام، ليسكنُوا بيوتَ أهلها المَقتولين أو الهاربين. هل هذا أفضل من أن يسكُنُها يهود؟ هل يُخفّف هذا من حدَّة الألم، أم أنه يَزيدُهُ لأنّ "ظلمَ ذوي القرابةِ أشدُّ إيلامًا؟"

كنتُ أعرفُ أننا لسنا من الجشّ، وأنّ قدّيتا موجودة في مكان ما. كان الصّغار من عائلتي (الكبيرةِ المَديدةِ، الحاضرةِ في سورية ولبنان والأردن) يقضون أماسيهم الصيفيّة في قدّيتا، يقطفون التوت والعنب والتين، ويَحكُونَ عن "فَرْكَش"، ذاك اليهوديّ قاسي القلب الذي جاء واستوطن في الأرض الحُرجيّة المجروحة. صار "فَركش" لنا كابوسًا مرعبًا، رغم أنني لم ألتِقِه إلا مرة واحدة. مرَّ من أمامِنا ونحن نلعب البنانيرَ، وأشار أحدهم بخوف إليه، قائلا: "فَركش.. فَركش"! اختبأنا فورًا. كان شعرُهُ طويلا جدًا، أشعثَ، ملابسُه رثة ويتكئ على عكّاز خشبيٍّ طويل، يتبعُه كلب كبير هرم لا يبشّر بحسن نيّةٍ تُذكر. بعد أن مرَّ قال أحدُهُم إنه يضربُ الأطفالَ العرب الذين يذهبون إلى قدّيتا، لأنه يخاف أن يُتلفوا الطبيعة من حوله. سألتُ بما لم أكن أعيه وقتها بما يكفي: "ليش إحنا مِنخرّب الطبيعة؟"...


* * *

أنا من فئة "النازحين"، أي الذين هُجِّروا من قراهم في النكبة، ولكنهم ظلوا في نطاق الدولة التي قامت، فيما ينحصر لقب "المُهجّرين" على أولئك الذين غادروا الوطن، فبقوْا خارج الحدود. لطالما فكّرتُ، ونحن نصرخ بحقِّ العودة، نكتب عن حقِّ العودة، نقسم بحقِّ العودة، فيما إذا كنا –النازحين- جزءًا من هذا الحقّ أم لا؟ هل سنعود يومًا، أم أنّ العودة ستنحصر في اللاجئين، ضمن اتفاق سياسيّ عمليّ، يُعيد الجيل الأول المُهجَّر إلى قرى الضفة الغربية، كي يموتوا بسلام؟ وهل مات جدّي بسلام، حين دفنّاه في تراب الجشّ، ولماذا لم يُوصِنا بدفنه في تراب قدّيتا؟ هل كان يخاف "فركش" مثلنا؟

أتطلّع إلى عُمري، ابن النصف سنة، ابن أخي، وأبتسم له. لاجئٌ ابن لاجئٌ. عفوًا: نازحٌ ابن نازحٌ. أمه نازحة أيضًا، من البروة. إلى أيِّ عالم قدمتَ يا عمري، والمعاني كلها فُقدتْ، والأسئلة كلها نفدتْ؟ هل ستعني لك الذكرى الثمانون للنكبة شيئًا؟ أحملكَ وأدورُ بكَ في جنبات الشرفة الكبيرة في بيت جدِّكَ. قدّيتا على مَبعدِ عشر دقائق ولكنها بعيدة أكثرَ من أيِّ حلٍّ في الأفق. أُرقّصكَ على ذراعيَّ قليلا، فتشعرُ بالغبطةِ. أيةُ أغانٍ يُغنّون للجِّيل الرابع للنكبة في ذكراها السِّتين؟ لماذا لم يقولوا لنا في مناشير الدعوة للمَسيرات والاحتجاجات أيةَ أغانٍ علينا أن نُغني للجيل الرابع للنّازحين، ونحن نُرقّصهم على شرفات ريفية جليلية تُطلُّ على ما تبقى من ذاكرةِ جُذورهم؟


* * *

لا أشعر بما يُفترَض أن أشعر به في الذكرى السِّتين للنكبة. أستيقظُ كالمعتاد، أنامُ كالمعتاد، أقرأ قراءاتي كالمعتاد. أتابع تعبَنا الفلسطينيَّ الذي أريق بين الضفة وغزة على شاشات جُثثنا، وأبحث عن بُقع الخزي والعار التي على بلوزتي. هذه بقعة من غزة، وتلك من رام الله، وهذه من القصبة في نابلس. أسرع في لهاثي بين الغرفة والصالة كي لا أفوَّت بداية النشرة الإخبارية على "الجزيرة". أريد أن أعرف كم قتيلا وقع اليوم في غزة. ولكنّ "الجزيرة" تبدأ بقتلى بيروت. هل يصحّ يا بيروت؟ أن تسرقي الخبر الأول منا في الذكرى الستين للنكبة؟ أين التضامنُ يا بيروتَ؟؟

لستُ سعيدًا بأنني فلسطيني. هل يمكن أن أقول هذا من دون أن تنهال البيانات على رأس هذا المتساقط المتخاذل الإنبطاحيِّ؟ ولكنني لست حزينًا كذلك. أعتقد أنني لا مُبالٍ، في هذه الأيام. أي أنني بيْنَ بيْن. لا "أتشاءَلُ" ولا "أتفاءَمُ". هكذا، عاديٌ. عاديٌ جدًا. أنا فلسطيني من دون شعور خاص، في الذكرى السِّتين لنكبتي. أبحث عن مواطن الألم في جسدي فلا أجدها، أبحث عن مواطن الغضب فلا أجدها، ولا أجد في جسدي مواطنَ للفخر أو للعار أو للأمل أو للتشاؤم أو للحبّ أو للكراهية أو للحنين أو للبلادة. لا أجدُ شيئًا.

أتأمّلُ تصميم موقع "قديتا. نت" الذي لم يُنشر على الويب بعد، وأبتسم. هنا قديتا. من قلب عكا الساعية إلى صيف مُلتهب. هنا قديتا. لا أسمع أحدًا في الذكرى السِّتين لنكبتي، فهل تسمعونني؟