الأربعاء، 14 أغسطس 2013

مكتبتي المُتمنّعة


لم تعد متاعب الانتقال من بيت إلى آخر جديرة بالتأمل، خصوصًا لمن مرّ بهذه المعاناة أكثر من 8 مرات في حياته البالغة. فتعبئة الكراتين والأكياس وغربلة حياتكم لفئتين لا ثالث لهما (بأمر من قيادة الجبهة الداخلية): يبقى أو يُلقى. لا مكان للتردّد أبدًا، لا مكان للتأمل. يجب أن يكون القرار واضحًا بشأن ما يجب أن يُدخل إلى الكراتين والصناديق وبين ما سيُلقى به غير مأسوف على شبابه في حاوية النفايات الخضراء عند مدخل العمارة. C'est la vie، هذه هي الحياة.

لكنّ رَزم مكتبة كبيرة من الكتب ونقلها ليس بالأمر الهيّن، بل هو الأصعب من بين سائر الأمور في الانتقال إلى بيت جديد، والحاجة العملية، الباردة، الكمداء، لرزم حياتك (الأعمال الكاملة- حتى هنا) في كراتين ستُغلق في نهاية المطاف بـ "لزيق صدّام" البنيّ، ومن بعدها الطوفان (طوفان فعلي في الحمام الجديد). لكنّ المكتبة البيتية كائن عصيّ على الامتلاك والتملّك، يبتزّ منك صفنة لا نهائية تتعلق بالانتقال بعلاقتك معها من مرحلة "الطفو والعوم" إلى مرحلة التصنيف والترتيب. هذا انتقال مُميت لمن مرّ به، لمن لا يقوى على إنهاء قراءة كلّ الكتب التي على الرفوف ويخشى من وضع هذا الكتاب بالذات على رفٍّ قد يدخله في غياهب النسيان. 

إنها أزمة هائلة، معركة مصيرية بينك وبين الذاكرة على اختلاف شعبها. الشعبة الأولى هي الذاكرة العينية للكتاب العينيّ: أين اشتريته، برفقة من، متى، لماذا، هل قرأته، هل غلافه جميل؟ الشعبة الثانية من الذاكرة هي الطريق التي قطعها الكتاب منذ شرائه وللآن: هل "ترنّخ" في كومة كتب على طاولة المكتب أم على "كوميدين" غرفة النوم أم نُسي في محفظة قديمة ألقي بها على رفٍّ علويّ في خزانة لا تُتفتح إلا نادرًا. الشعبة الثالثة في ذاكرة الكتاب تتعلق بمضمونه، وهذه لا تزيد أهمية بالمناسبة عن الذاكرتين الأخريين، كما يميل البعض للتفكير. الكتب في النهاية هي رفيق ومُجالس، وهو ليس بالضرورة "ابن ناس" دائمًا. المضمون ليس هامًا في غالب المرات، فغالبية الكتب –للأسف- مثيرة لخيبة الأمل. ما يهمّ هو كل هذه الخلطة والشعاب: هي التي يجب أن تقودك وأنت تملأ الكراتين بكلّ هذا الكمّ اللانهائيّ من الورق المُجلد.

الكتب أوراق مُجلّدة في أساسها، تتطلب مكانًا للعرض والتخزين. إنها مادة يومية، لها شكلها وأصول التعامل معها، مثل أيّ مادة أخرى في البيت (الصحون، ورق التواليت، المنافض). لكنها مادة عزيزة غالية. لو وضع أحدكم سيفًا على رقبتي فسأتنازل بسرور عن أكثر من 200 كتاب من مئات الكتب التي أصرّ على نقلها معي حيثما حللتُ. لكنّ لا أحد يسلط مثل هذا السيف عليّ، ولذلك أستمرّ بجرّ هذه الكتب الرديئة (يُنظر أعلاه: شعاب الذاكرة) والتبرّم منها مرة بعد أخرى. ولا شيء أجمل من التبرّم من الكتب، خصوصًا لدى الجدعان أبناء الجدعان الذين يعملون في نقل البيوت. ينظرون بغضب إلى عشرات الكراتين المكدّسة، برغم أنك شرحت للزعيم في المكالمة الهاتفية حجم الكتب وعدد كراتينها. لكنهم يُصرّون دائمًا على التبرّم باندهاش. مع الوقت طوّرت نوعًا من السادية الخجولة مع هؤلاء الجدعان، فلم أعد أشعر بتأنيب ضمير أيًّا كان بسبب ثقل الحمولة. لا بأس، فليشعروا قليلا بوطأة الكتب ومضامينها، تمامًا كما يشعر قارئها (أو شاريها). ومع الوقت صرت أتجاهل السؤال الأزليّ الذي يلفظه واحد منهم (وأحيانًا أكثر): هل قرأتَ كلّ هذه الكتب؟ الجواب لا طبعًا ولكنني أبتسم ابتسامة كاذبة مفادها: إحزر.

والحقيقة أنني لا أعرف شخصًا قرأ كلّ الكتب في مكتبته (هذا لا يعني أنه غير موجود في مكان ما). أن تقتني كتابًا لا يعني أن تقرأه بالضرورة. لو كانت القراءة هي الفعل المَرجوّ من هذه الصفقة المشكوك بجدواها لكانت المكتبة البلدية أو مكتبة الجامعة الملاذ الفوريّ. لكنّ شراء الكتب هو علامة اجتماعية فارقة. فعل الشراء هنا "خالص ونقيّ" وحاشا وكلا أن نتعامل مع على أنه Shopping بغيض مثل شراء المكياج أو العطور أو تبغ الأرجيلة. شراء الكتب هو نصف الفعل وأحيانًا الفعل كلّه في سياق الكتب التي لم تقرأها بعد. إنه إدمان خالص لا غبار عليه ولا سؤال: تشتري ما تيسّر (وما لا يتيسّر) لأنّ عليك أن تشتري هذا الكتاب، تمامًا كما يشعر مُحبّو الأحذية أمام حذاء جديد في الفاترينة. هم ونحن يتملّكنا الشعور ذاته: سنشعر بأننا ناقصون لو عدنا إلى بيوتنا من دون هذا الحذاء/الكتاب.

الكتاب بضاعة ككلّ البضائع، لكنها أكثر إثارة، خصوصًا عندما تملأ بها المكتبة الجديدة في الصالون الجديد. بمعنى: هل تروْن كم نحن مثقفون؟ وهذا فعل نُحسَد عليه، نحن معشر المدمنين على شراء الكتب، لأنّ لا أحد يملأ الصالون بالأحذية أو أحمر الشفاه أو الفساتين أو سيارات البي أم دبليو، رغم أنه قد ينافسنا مُدمنو شراء السّيديهات الموسيقية، أو من تبقى منهم، منذ تحوّل الألبومات إلى عدد غير كبير من الميغابايتس (لن أدخل في مسألة تحوّل الكتب أيضًا إلى كمية لا بأس بها من الميغابايتس، ومجرد التفكير للحظة أنه يمكن دحش كل كتبي الورقية في البيت في داخل كيندل أو آيبد واحد تثير القشعريرة في خلايا الزائدة الدودية). مع ذلك، نظلّ نحن، مُستنشقي رائحة الكتب الجديدة والقديمة، أصحاب الحظوظ الأوفر في العرض والاستعراض.

ثم مسألة الترتيب: حسب مواضيع، كُتاب، سنوات، دور نشر؟ كيف يرتبون مئات الكتب؟ هل تتخيلون مقدار الوقت الذي تحتاجونه لذلك؟ وهكذا، في لحظة صفاء وشجاعة نادريْن قررتُ: العشوائية هي الحلّ. لن تجدوا في مكتبتي اليوم أيّ منطق ولو بسيط في ترتيب الكتب. أخرجتها كما هي من الكراتين ووضعتها على الرفوف. الهمّ الوحيد الذي كان يشغلني أثناء "الترتيب" هو العثور على كتاب بالثخن الدقيق المطلوب لإغلاق صف من الكتب المتراصّة. أشعر بسعادة غامرة لأنني انتصرتُ على الحاجة للتريب والمنطق ووجدتُ نفسي أنثر الكتب كما ينثر الباذر بذاره، بلا انتقاء أو منطق ظاهر. 

الآن أشعر بأنني أحبّ مكتبتي أكثر، فهي "إنسانية" أكثر، فوضوية، مُتمنّعة غضة، قد تحرق قبالها نصف ساعة وأكثر للعثور على كتاب تبحث عنه، لكنه وقت نوعيّ أنت بحاجة إليه لتعرف حجمك الطبيعيّ (الصغير الحقير) أمام كميات المعرفة اللا نهائية.
وفي النهاية، من يأبه لعدم العثور على كتاب ما يحتاجه؟ فأيّ كتاب أحتاجه موجود على الإنترنت بهيئة pdf!


الخميس، 18 يوليو 2013

تويترات الغفران

من مرة لأخرى، نحظى بفرص نادرة وغير متكرّرة كثيرًا للتعرّف عن كثب على الحقيقة البسيطة التي يحبّ الكثيرون نسيانها: التخلف ليس محصورًا في الجلابيب الإسلاموية والسّلفية، بل في الجلابيب الباباوية المسيحانية أيضًا. فالبابا فرنسيسكوس أطلق حسابًا جديدًا على التويتر (2.7 مليون مُريد حتى الآن) فيه ميزة خاصّة لا يتمتع بها أيّ حساب تويتر: إلحقونا على التويتر وستحصلون على صكّ غفران- تمامًا كما كانت الكنيسة الفاشية في العصور الوسطى تفعل. يأتي العبد الفقير إلى الدير أو الكنيسة، ويدفع كلّ ما يملك (عفوًا، يتبرّع) من أجل صكّ دينيّ مختوم سيعود عليه بفائدة عظيمة. إنتبهوا جيدًا: هذا الصكّ سيُقصّر من فترة وقوفه في منطقة "المطهر"، ريثما تتطهّر الروح قبل دخولها إلى الجنة. أشبه ما يكون بـ "VIP Club". إذا قصّروا دورك قبل الدخول إلى الجنة فأنت لستَ بحاجة لاحتمال رائحة إبطيْ رجل لا يضع الديدورانت أو تبرّمات امرأة حامل بأنها جائعة. من قال إنّ الناس سواسية حتى في السماء؟
وبحسب "الغارديان"البريطانية، قال الكاردينال كلاوديو ماريا تشيلي، إنّ فتح الحساب في التويتر لا يكفي للحصول على صكّ الغفران، بل يجب أن تتوافر الشروط التالية أيضًا:
1- الإيمان. نعم، نعم، هل اعتقدتم أنكم ستضغطون Follow وانتهى الأمر؟ يجب أن تتسلّحوا بالإيمان. من يؤمن ويضغط Follow فقد فاز فوزًا عظيمًا. من يضغط Follow بإيمان عميق ومُتفحّم قد يجد نفسه راكبًا طزطز البابا الزجاجيّ ويسير بسرعة خيالية على الأوتوستراد نحو الجّنة. ولكن مع ذلك يُسأل السؤال: لو كنتُ حقًا مؤمنًا مخلصًا ومتفحمًا، فلماذا أنا بحاجة إلى صكّ غفران؟
2- تتبُع التغريدات والتطوّرات لحظة بلحظة، أو كما صاغها مصدر في الفاتيكان: "عليكم أن تتبّعوا الأحداث في بث حيّ ومباشر. لن يكون بوسعكم الحصول على الغفران عبر التشات في الإنترنت فقط". فهمتم يا كسالى؟ هل اعتقدتم أنّ الله والبابا لم يزرعا برنامج تجسّس في حسابكم على التويتر؟
3- اعتراف المؤمن بخطاياه، وعليه أن يشعر بالندم والأسف الحقيقين. لمن يعترفون؟ للعصفور الأزرق؟
4- أن تكونوا أغبياء.
5- وحمقى.
إنه الانتقال من الثقافة "الأنالوجيّة" إلى الثقافة "الديجيتالية". فحتى اليوم كان بإمكانك الحصول على كرت الغفران هذا إذا تسلقت الدرج المقدّس في روما. ولكن هذه موضة قديمة. لماذا على المرء صعود الدرج بينما بالإمكان أن "يكشط ويربح في الحال"؟.. وكيف يجب على أيّ ثورة ديجيتالية أن تنطلق وتكون مقنعة؟.. أصبتم- نحن بحاجة إلى كمبيوتر "ماك بوك إير" من شركة "التفاحة" كي نبدو أكثر ما يمكن من الكُوليّة. وليس هناك أمر مثير للهيجان الشبابيّ المؤمن أكثر من بابا كُول.
تمعّنوا في الصورة المرفقة بهذه المقالة جيدًا: البابا ينظر إلى شاشة هذا العفريت الرقميّ (كوريالايسون!) وهو يحاول إخفاء حَرجٍ بسيط بزمّ فمه وشفتيْه كما لو أنه يغالب مَغصًا. وأين اُلتقطت الصورة؟ نعم، على مركب بحريّ في ميناء ما، وقبطانان شهيّان يحملان "الماك بوك أير" بخنوع كبير. لماذا في ميناء؟.. لأنّ البابا موبايل وأونلاين 24 ساعة وفي كل مكان، 24/7، وما عليكم إلا الـ Follow. ماك بوك على الأرض، صكوك في السماء. (جورجينا، لا تنسي رجاءً إرسال طاقة زهور عملاقة باسمي وباسم مجلس إدارة شركة "آبّل" على رفع قداسته للمبيعات هذا الشهر.)
قلنا في البداية إنّ هذه الفرصة نادرة ولا تتكرّر كثيرًا، لأنّ الميديا الغربية تحبّ تصوير السلفيين والمُلتحين الإسلاميين في المُغر والكهوف وفي المظاهرات التي يحرقون فيها العلم الأمريكيّ، كرمز على "المدّ البربريّ" الذي يهدّد العالم "المتحضر". ويأتي حساب التويتر التافه الآن ليكشف عن أنّ التخلف الدينيّ "البربريّ" موجود في كلّ مكان، في عقر دار العالم "المتحضّر"، وهم يلبسون جلابيب بيضاء مع صلبان مذهّبة وخواتم تُقبّل بشراهة عذراويّة. من يبعث طائرات رُكاب لقتل الآلاف من "الكفرة" لا يختلف في جوهره بشيء عمّن يَعد الناس بتقصير الدور قبل الدخول إلى الجنة لمجرد أنه كبس Follow. الاثنان يتعاملان مع البشر على أنهم خراف يمكن اقتيادها لهنا وهناك وفق رغبات ومصالح أصحاب الجلابيب. والخراف بحاجة إلى راعٍ، والراعي يُغرّد منذ اليوم على هواه.
(ملاحظة للمدمنين: البابا فتح أيضًا حسابًا على فيسبوك وفورطال أخبار وحسابًا في بنتريست. هيا إلى المناهل!)

السبت، 6 أبريل 2013

سنتان على اغتيال جوليانو: قتيل الحرية


كم من السهل أن نصوغ بيان استنكار لذكرى مقتلك الثانية. سنحمّل الأمن الفلسطيني والإسرائيلي التقاعس عن معرفة القاتل وقد يُجرون مع أحدنا لقاءً إذاعيًا. وسنتحدّث عن مآثرك ومشروعك وسنرفع نخبك في مقهًى على ناصية الخيبة

هكذا يا جوليانو مضت سنتان. لم نحتفِ بك هذه السنة كما فعلنا في السنة السابقة، ولم نتابع ملف اغتيالك لنعرف من الجاني (أهو في الشرطة الإسرائيلية أم الأمن الفلسطيني أم الشاباك الإسرائيليّ؟). بعد اغتيالك اجتمعنا بالرئيس الفلسطيني محمود عباس واليوم لا أعرف من هو السخيف في كلّ هذه المهزلة: نحن الذين جررنا أنفسنا إلى مقاطعته أم الألسن التي مدّوها لنا في الجلسة وبعدها- ألسن كاذبة ومنافقة وجبانة. “جوليانو شهيد الحرية” ردّدنا بعناد، ولكننا نسينا أنّ الشهيد لا يُحاسَب على موته؛ لا أحد يُصرّ على معرفة الجاني، فهو شهيد وحيّ يُرزق هناك. أنت قتيل الحرية ونحن نسينا لماذا قتلوك أصلاً.
إنها الدنيا يا صديقي، لا أحمّلها فوق طاقتها ولا أجلد ذاتنا بكَ. من الطبيعيّ أن ننسى ومن الطبيعيّ أن ينسوا. الحياة أقسى ممّا يمكن أن نتصوّر –وأنت خير من يعرف ذلك- وهذه الجبانة تفتك بنا بلا رحمة. لكن ليس من الطبيعيّ أن نخون كلماتنا وشعاراتنا بهذه السرعة. ألم أقل لك من قبل إنّ من قتلك قتل فينا بقية أخرى من الرغبة في الحياة؟ كيف نحافظ على شمعتك مُتقدة وشموعنا انطفأت أو على وشك أن تُطفأ؟ هل رأيت حالنا المسرحية والأدبية والسينمائية وهل تعتقد أننا قادرون -بخمولنا- على حمل قضيتك كما يجب؟
لم أزر قبرك ولو مرة واحدة بعد دفنك. لا أحبّ القبور ولا زيارتها. أشعر بزيف ما وأنا أحاول أن أصطنع هدوءًا وقورًا فوق القبر، وأنا أعرف أنك لم تكن هادئًا ولا وقورًا. في السيارة التي أقلّت جثمانك من حيفا إلى حاجز صندلة إلى مقبرة الكيبوتس الغريبة، لم نتوقف عن الضحك والبكاء. كان مزيجك الغريب يطغى على الجوّ وأنت ممدّد في السيارة الطويلة في نعشك، لا تضحك ولا توبخ ولا تصرخ كما كنت تفعل في السنوات الأخيرة: “إنتو العرب…!”
نحن العرب. نعم، نعترف. نحن كذا وكذا وكذا، وأنتَ كنتَ “نصف عربيّ”، وكان هذا نصفك المُشوّه. وأنت “نصف يهوديّ” وهذا كان أيضًا نصفك المُشوّه. ومن هذيْن النصفيْن نما إنسان جميل مثلك. أليست هذه الأرض المقدسة، تُنبت السمن والعسل من قلب الدماء؟ ولكنها قذرة أيضًا، هذه الأرض، ولعوبة وحقيرة، وهي –كما سماها الجميل الثاني الذي غاب، طه محمد علي- “هذه العاهرة!”.
لم أعد إلى مسرح “الحرية” من بعدك. الشباب والصبايا حافظوا عليه ولكنني لم أعد حتى لزيارة. لا أطيق الجلوس في صالة الطابق الأرضيّ حيث أكلنا كميات خيالية من الحمص وشربنا كميات غير إنسانية من القهوة السوداء. أشعر بأنها خيانة مجلجلة لك. أعرف أنني انهزاميّ؛ كان عليّ أن أحبّ المسرح أكثر وأن أزوره أكثر وأن أصرّ على الإسهام في إنتاجاته الجارية، ولكنني لم أفعل. أنا غاضب يا جوليانو على مخيم جنين. أتصدّق؟ حتى الآن. غاضب وحاقد. ستقول إنّ القاتل لا يمثل ناسه، وسأوافقك، لكنّ صمتهم المُدوّي (حتى اليوم) جعلهم شركاء في الجريمة. أبناء أمي وبلدي ووطني.
كم من السهل أن نصوغ الآن بيان استنكار لذكرى مقتلك الثانية. سنحمّل الأمن الفلسطيني والإسرائيلي التقاعس عن معرفة القاتل وقد يُجرون مع أحدنا لقاءً إذاعيًا. وسنتحدّث عن مآثرك وعن حجم مشروعك الذي لا يتكرّر. وبعدها؟ سنرفع نخبك في مقهًى على ناصية الخيبة، وسنعود إلى مشاغلنا أصغرَ قليلاً. هل رأيتَ كم صغرنا- في عيون أنفسنا بالأساس؟ هل رأيتَ كيف فقدناك دفعة واحدة وبلا مقاومة؟ ولكن عليك أن ترضى بهذا يا جوليانو، فالمقاومة للدبابة فقط، أما الفن والفنانين فلهم الصفحات الأخيرة، بعد إعلانات “سيارات للبيع”.
أحبك جوليانو. لا زلت أحبكَ. كأنك طيرٌ بحريّ يحلق فوق رأس ابنتي شذا وهي عند بحر عكا تطارد الموجات الكبيرة. ترفع سبابتها بفرح وتصرخ منفعلة: “بابا شوف”! هل رأيتَ كيف صرتُ رومانسيًا انفعاليًا بعد غيابك، وخنتُ السخرية والتهكم المريريْن؟ إنه الصدأ يا عزيزي، صدأ الآلة وصدأ النفس وصدأ العزيمة. من المفرح أنّ الجيل الذي سيرث مِلحَنا غاضب وثائر أكثر منا، وعلى هذا نشكره. وهل تصدّق أنني للتوّ استخدمت عبارة “الجيل الذي سيرثنا” كأننا في الثمانين؟ هذا ما تفعله رصاصات غادرة في ساعة الزمن.
سأحفظ لنفسي حقّ كتابة نصّ آخر لك في الذكرى الثالثة، وسأحفظ لك حقّ السخرية مني ومن نصوصي.
سلامات رفيق.


الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

تبارك اسم الكوندوم



سأبدأ المقالة بالسّطر الأخير: تخلفوش كتير (أو بالمرة(!
فقد احتفل العالم، أمس الأول، بولادة طفل المليار السابع: الرفيقة دنيكا مي كماتشو دخلت التاريخ من أوسع أبوابه بمجرد إطلاقها لزعيقها الحادّ في توقيت حاسم. التاريخ ينتظر بطولاتها القادمة. لكنني أشك إذا ما كانت ولادتها بطولة ما أو حدثًا ذا فأل خير (على المستوى العام وليس الخاص. تتربى بعزّ أهلها). وكلمة عزّ هنا هي مربط الفرس: أيّ عز ينتظر الكوكب الأرضي مع عشر أو إثني عشرة مليار من الكائنات البشرية التي تدبّ على اثنتين (وتأكل وتتبرز مثل التي تدبّ على أربع)؟
جميع المؤشرات تدلّ على أننا كبشرية ماضون بسرعة كبيرة نحو انفجار سكّانيّ مُهلك. لقد بدأ الأمر في أفريقيا: أناس كثر وطعام وماء قليلان. إذا انهار الاتحاد الأوربي بعد سنتين مثلا (اللهم حافظ عليه، فلدينا بروبوزولات عديدة في الدُرج) فمن سيطعم مليارات الجائعين والمرضى والعطاشى؟ الغرب يدفع ضريبة استعماره الآن بمُسكّنات “إنسانية” فوتوجينيك، لكنها بالأساس حلول ووقاية يسعى من أجلها الغرب: فهو يطعم الجياع في بلدانهم كي لا يبدأوا الزحف باتجاه دُوله.
البشرية –كعادتها- غبية في المحصلة: حروبات ونزاعات وإهلاك قاتل لقطعة الأرض الصغيرة التي تقلنا منذ دهور سحيقة في رحلة كونية بلا خارطة. نتكاثر بلا وعي ونقول: الرزق على الله. المشكلة أنّ أحدًا لم يوقع عقدا معه بشأن المصروفات السنوية لإطعامنا. يسمونها “كوتا”. أين الكوتا أبا عيسى؟
الهندسة الوراثية التي تهدف لمضاعفة المحاصيل الزراعية تجعل من طعامنا مأكولات بلا طعم حاملة لوباء سرطانيّ محتمل سيحصد الأخضر واليابس. ما نحن بحاجة إليه اليوم هو “كيّ القرص الصلب” (بلغة الاحتلال الإسرائيلي الهايتكيّة) لمفهوم العائلة والتناسل والبقاء. فلنقل منذ اليوم: ابن(ة) -وربما اثنان- لا أكثر.
الكرة الأرضية ضاقت ذرعًا بنا: نلوثها كالمجانين ونمصّ خيراتها حتى الثمالة. نتركز في الصراعات المرحلية وننسى الصراع الأكبر بيننا وبين هذه المساحة المُعطاة الصغيرة من الأرض. نحن في مواجهة معضلة بسيطة جدا: كي يستمر الجنس البشري عليه أن يتقلص. بهذه البساطة. لا نريد (أنا على الأقل) 10 مليارات من الناس بعد عشرين سنة (على أكثر حدّ) فليكونوا سبعة مثل اليوم. فليكن عدد المولودين بعدد الراحلين. تحديد النسل الكوني هو أمر الساعة وملاذنا الأخير المتاح. لن ينفعنا “الآيفون سبعة” بعد عشر سنوات. هل سنأكل آبس بدلا من البندورة؟
هذه مهمة صعبة وأعتقد أنها شبه مستحيلة ولذلك يجب أن تكون دكتاتورية وقمعية. على كلّ دولة أن تجمع مواطنيها وتقول لهم: حسنا، لهونا كثيرًا وتضاجعنا كثيرًا، ولكن ردّدوا معنا الآن رجاءً بصوت واحد: ك..و..ن..د..و..م.. نعم بالميم وليس بالنون. الكوندوم هو مُخلص البشرية ولذلك يجب صنع بعض التماثيل له والدوران من حولها مرتين أو ثلاثا في السنة، فعدد سكان الأرض لا يسمح بموسم طواف واحد للجميع.
يا عمال العالم خلصوا برّه!” هو شعار المرحلة؛ تبّتْ يدا (وخصيتا) المخالفين ولتقع عليهم أقصى العقوبات. وإذا كانت البشرية بحاجة إلى “ستة-عشرة” أبناء وبنات في السّابق للفلاحة وكسب الرزق (والطوش الحمائلية)، فما الحاجة اليوم لثلاثة أو أربعة أو خمسة أطافيل؟ من يستطيع اليوم تعليمهم وتربيتهم وتنشئتهم كبشر منتجين ونافعين في ظروف الحياة الراهنة؟ ماذا سيأكلون وأين سيتعلمون وأين سيسكنون (هم وأزواجهم وأطافيلهم)؟
قد يبدو تحديد النسل القسري أمرًا غير ديمقراطي ولكن لا بأس- فلتذهب الديمقراطية للنوم في هذه المسألة، لا يهمّ؛ قليل من التعسفية تنقذ حياة الإنسان. لا مجال للالتماسات الآن وعلى جمعيات حقوق الإنسان أن تصمت في هذه المسألة وإلا فإنّ ناشطي حقوق الإنسان المرفهين سيضطرون بعد عشرين سنة لمشاركة الناس الذين يدافعون عنهم طعامهم وأسرَّتهم. بيناتنا: هل تريدون ذلك حقا؟
أخواتي وأخواني: توقفوا عن الإنجاب مثل الأرانب؛ فكروا بأطافيلكم والمستقبل الأسود الذي ينتظرهم. تذكّروا أحد الكليشيهات التي تحبّون تردادها بسطحية عابرة: الكيف لا الكمّ. خزّنوا طاقاتكم ووفروا مجهودكم لليلة واحدة ناصعة، تحتفلون فيها مع الأصدقاء والأحباب، تعلنون فيها: الليلة سنزرع ثمرة حياتنا وسنهتم بأن تكون متفرّدة وجميلة ولا تتكرر.

(ملاحظة من أجل النزاهة: محسوبكو شارك في إنجاب دُشة وإم الدشة مُصرة على ولد آخر، لكنني أرفض بتعنّت. لا أعرف إلى متى سأصمد. تقبل التبرعات بالفيزا والشيكات…)

الأحد، 26 يونيو 2011

“لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”


نتآمر، دُشَّة وأنا، فنسرع إلى غرفة النوم. أحملها فتقف على الفرشة الواسعة وأعُدّ: واحد، تنين، تلاتي… تبدأ بالضحك بعد كلمة “واحد”، ثم ألقي بها إلى الخلف لتقع على المخدّات واللحاف فرِحةً صارخة. ثم تبدأ وصلة “الجَّحشَنة” التي لا تنظر إليها أم الدُشة بعين الرضا. لكننا –دُشة وأنا- نحبّها حبًا جمًا. نتصارع، نعضّ، “نُزغزغ”، نطرب فرحًا وضحكًا عند القيام بالحركات التي تحبّها الدُشة الممتلئة طاقة. في مثل هذه اللحظات أشعر بأنني خارج نفسي، خارج حدود المرئيّ والمسموع؛ أشعر بأنني ضيفٌ سعيدٌ مُرحَّب به في بساتين دُشة اللامتناهية.

دُشة صديقتي الحميمة. عمرُها الآن السنة ونصف السنة ورغم ذلك فإنها تشاطرني ساعات البيت بعد العمل، مثل رفيقة مخلصة. أفرش لها الطعام مرتيْن (على الأقل) قبل أن تنام. دُشة تحبّ الطعام. عندما أسألها “هَم؟” تبدأ بالركض صوب المطبخ والهمهمة بفرح: “هَم! هَم!”. دُشة أخذت مني شهيتي وكرشي وجبهتي الواسعة (أنا أدّعي أيضًا أنها أخذت مني العينين والخدّين والشعر وكل ما هو جميل فيها، ولكنني سأمتنع عن مثل هذه التصريحات لأنها تغيظ آل بكر أجمعين، وخصوصًا أم الدُشة).

دُشة تحملني على شحذ ذهني دومًا؛ فهي ممتلئة بالطاقة والحركة، تملّ بسرعة، تحبّ التشويق والتغيير والبحث الدائم. ترفض التكرار ولا تحبّ منه إلا ما يُضحكها- وحتى ذلك إلى حين. أضطرّ إلى مجاراتها في كلّ هذا، أنا الرّوتينيّ المنهَك دومًا من الروتين. أتذكّر الغناء فجأة، فأغني لها. أحبّ أن أغني لها “هالأسمر اللون” (بصيغة سناء موسى). وفي أحيان كثيرة أتذكّر صوت إم الدشة وهي تتحسّر: “ولك البنت رح تطلع خرسا إزا بتضل معك!” (دلالة على إقلالي في الكلام)، فأبدأ بالحديث معها وهي تجلس في العربة الخضراء وأنا أدفشهما في منتصف شارع بن عامي في عكا، فأسألها عن صحتها وعن رغبتها في الشرب أو الأكل، لأكتشف أنها نائمة بابتسامة سعيدة.

دُشة تعلمني الرسم من جديد. أتذكر أنني أحمل اللقب الجامعي الأول في الفنون الجميلة، رغم أنني اعتزلت الفن فور حصولي على الشهادة (وهذا كان من أجمد وأنجح القرارات التي اتخذتها في حياتي). نشتري لها الألوان والدفاتر الكبيرة ونتبطّح على السّجادة في الصالة ونرسم معًا. كرمالها تعلمت من جديد أن أرسم الأبقار والزّرافات والكلاب والدِّيَكة والشجر. ثم اكتشفتُ أنها تُحبّ أن أرسم نفسي لها، فلا تخلو جلسة رسم من بورتريه شخصي لي، يثير ضحك دُشة، خصوصًا عندما أرسم النظارة المربعة فوق العينين. تضحك باسمة ثم تصيح: “بابا”. فأذوب.

دُشة عكية حقيقية: جميلة، ذكية، قوية، جدعة، مشاكسة، عنيدة، مْحَصْنِة. ابنة السّاحل بجدارة، السّاحل الذي يحوّل سُكانه إلى “حربوقين” وجدعان، يرطنون بلغات الكون المطلوبة للتجارة ويطوّرون العادات اللازمة لمدن الساحل من الاختلاط بالأغراب واعتماد حياة الصيد (على جميع أنواعه!). أب دُشة فلاح بلا أرض ونازح بلا فخر، وأمها ساحلية تعمل ببطاريات دوراسيل، ودُشة تفوقنا الاثنين معًا- وبجدارة. إنها قنبلة طاقة، تستفزّ الجّسد الصّدِئ والنفس الهادئة (أو المُستسلمة). دُشة زنبرك الحياة ومَكُوكها، ومن لا ينضمّ إلى إيقاعها سيخسرها في برهة.

دُشة بدأت تتكشف عن ولع بالأحذية. مؤخرًا، صارت تدور في البيت حاملة حذاءها الصيفي الفضي، وتبرطم وحدها وهي تبرم فيه بالبيت. في البداية اعتقدتُ أنها صارت تحبّ الأحذية لأنها ترمز إلى إحدى الكلمات المفضلة عندها: “باي”. وباي هذه ترمز بكلّ وضوح إلى مشوار طارئ بعد الظهر أو إلى المشوار اليومي الصباحي إلى بيت حاضنتها، أم شادي. دُشة تحبّ أم شادي كثيرًا، وأم شادي تحبّ دُشة كثيرًا. وأية كلمة “باي” ترتبط عند دشة فورًا بأم شادي. لكنني –والحديث الآن عن الأحذية- أعتقد أنّ دُشة بدأت تطوّر العلاقة الحميمة المعروفة بين النساء والأحذية، منذ الآن. على هذا المنوال ستنتف البنت حاجبيْها الكثيفيْن بعد شهرين!

دُشة قوية حتى الفزع. عندما ننزل سوية مع الطابة للعب في الساحة الكبيرة المحاذية للمنزل، تستولي عادة على طابات الأولاد الآخرين الذين يكبرونها سنًا وحجمًا. في المرة الأخيرة اختطفتْ طابة التوأميْن ابني الثالثة أو الرابعة وبدأت تركض نحو البيت. بالكاد أمسكتها وأعدتها إلى السّاحة وهي تصرخ وتعربد، ولكنها أصرّت على احتضان الكرة والنظر بشكل مخيف صوب التوأمين وهما يُمسكان ببنطال والدهما بجزع بادٍ. مثل هذه المواقف تثير خوفي من قوة هذه الابنة، لكنها في الوقت نفسه تثير فرحي لأنّ ابنتي قوية. مثل هذه الحياة الخرائية بحاجة إلى عكية أصلية كدُشّة.

لم أكتب لدُشة أو عنها منذ المقالة الوحيدة التي كتبتها بعد ولادتها بشهر. كنتُ مشغولا حتى الآن بالتعلم، بدراسة طباعها والمهام المَنوطة بها. لقد سرقتني دُشة حتى نسيتُ الوعد الذي قطعته على نفسي بحرارة: أن أكتب لها وعنها كلّ شهر على الأقل (كنت رح أقلعِطكو). لقد تبخّر هذا الوعد وظلت دُشة حاضرة مثل قصيدة لا تنتهي، وأنا “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”. أريدها فوّاحة مُزدانة أبدًا، ولتذهب جميع النصوص الأخرى إلى الجحيم!

دُشة ساحرة فاتنة. عيناها باتساع الفرح كله، خدّاها كاحمرار المشمش البلدي في تموز، رموشها بغزارة الحبّ الأول. لها في العينين بريق أخّاذ، ساحر آمِر. هل يُسمّونه الكاريزما؟ فليكُنْ. شهية مثل الكرز الجِّشّيِّ. دُشة جميلة حتى الألم. سعادتنا بها أكبر من أيّة أبجدية. أكتب الآن لأنني سعيد بها حتى البكاء. لم أكتب لأنني سعيد، منذ قرون غابرة!

إنها نائمة الآن. عصرية يوم السبت القائظ هذا هزمت طاقتها التي لا تنضب، لكنني أعرف أنها ستستيقظ بعد قليل بهمّة أكبر، وعلي أن أجهّز منذ الآن لائحة الطعام حتى نومها، وتفاصيل الترفيه. سأتمشى معها إلى البحر. إنها تحبّ البحر كثيرًا. سنعرّج عند أشرف في مقهى “رزاز”، مقهى الدُشة الرّسمي وستكرع كوبًا كبيرًا من البرتقال المعصور الطازج. ثم ستركض وراء ظلها على الكورنيش مثل حورية. أعرف أنني أبوها، وكلّ أب سيقول الكلمات بعينها عن ابنته. وسيزيد. أعرف أنني لستُ موضوعيًا، ولن أكون، أعرف. لا بأس. يحقّ لجميع الآباء في العالم أن يتغزّلوا ببناتهم كما أفعل، وسيكونون مُحقين مثلي تمامًا. أعرف كل هذا، ولكنّ ابنتي أجمل وأشهى (سمايلي).

الخميس، 7 أبريل 2011

عند خط التماس المستحيل، بينكَ وبينكَ

لقد مات جوليانو واقفًا. مثل الأشجار ومثل برقوق نيسان. لم ينحنِ ولم يُهادن. كان على المرء أن يتابع تفاصيل المسرح اليومية كي يعرف حجم العناد الذي تتطلبه حياة مثل حياة جول. أن تنتقل مع عائلتك إلى مدينة أخرى خارج الراحة الإسرائيلية التي كان من السهل جدًا أن يستسلم لها نجمًا في مسرح "الكاميري" أو بطلا في الأفلام السينمائية الإسرائيلية



"أنا لن أخرج من جنين إلا بطلقة في رأسي"- قال جوليانو خميس في الاجتماع الليلي المتأخر الذي جمعَنا هو والمخرج أودي ألوني وأنا. منذ أشهر عديدة نعمل على فيلم روائيّ طويل تحت عنوان "أنتيغونا في جنين". قصة مُمثلة من المخيم في المسرح تلقى حتفها في النهاية لأنها لم ترضَ أن تعيش وفق ما يطلبه المجتمع منها. وها هو بطل الفيلم يُقتل قبل بطلته.

كان جُولْ (هكذا نسمّيه تحببًا) يعي التهديدات التي عليه وعلى المسرح، لكنّ المثير لديه أنه كان يفكر بعقلية صاحب البيت، وليس بعقلية فنان ضيف من "الداخل" جاء ليساعد أبناء المخيم وسيمضي لاحقًا إلى شؤونه. هذا هو الفارق الصغير-الكبير الذي لا زال يفصلنا جميعًا عن جول. بيته في جنين ملازم لبيت رفيقه وصديقه زكريا زبيدي، وفي هذا البيت نمْنا وتناقشنا حتى الإنهاك. كان مشغولا بما يحدث في فلسطين وبحملة المقاطعة ضد إسرائيل، التي كان هو وألوني من رموزها المعروفين. يحلل الواقع من وجهة نظره الثائرة دائمًا، يدور في البيت كأسد هائج، يحمل ابنه "جيه" ويُهدهده وهو يصرخ عليّ وعلى أودي: "عن أيّ أفق تتحدثان؟.. ما هذه السذاجة؟!"

لكنه كان ساذجًا في حبّه للمسرح وللمخيم لدرجة الخيال أحيانًا. يروح ويجيء بسيارته الحمراء المعروفة التي قتل فيها، يتوقف في الأزقة، يمازح ويقبّل ويحتضن. "جول مِننا" يقول الشباب من حوله وهو يصرّ على التنكيت على العرب واليهود، فيبادلونه الضحك. جول "يهودي فلسطيني" صافٍ ونقيّ. إنه من أوجد هذا المصطلح بحذافيره. لم ينسَ يومًا أنه ابن آرنا اليهودية (اليسارية، المناضلة) ولكنه لم ينسَ أنه ابن صليبا خميس (المناضل). كان يراوح بينهما، ويبحث بصمت ومن دون كلمات عن مكان ينتمي إليه. تل أبيب لم تعد 
خيارًا، وخياراته في الداخل أيضًا تقلصت.

إنه ذئب وحيد، عاش وحيدًا في داخل أسئلته وانتماءاته، وقُتل وحيدًا أمام مدخل المسرح الذي بناه بالدّم والفرح. في الأيام الأخيرة كان يواجه أزمة كبيرة مع بلدية جنين ومحافظها حول المبنى الجديد للمسرح الذي بناه في مركز المدينة. منعوه لدواعٍ تخطيطية من الاستمرار، ولكنه في ابتسامة واحدة (مغيطة جدًا) قال لنا ببساطة: "مش مهم، أنا بعرف قطعة أرض أحسن..." هكذا، يعرف قطعة أرض أفضل لبناء المبنى ثانية!
لقد مات جوليانو واقفًا. مثل الأشجار ومثل برقوق نيسان. لم ينحنِ ولم يُهادن. كان على المرء أن يتابع تفاصيل المسرح اليومية كي يعرف حجم العناد الذي تتطلبه حياة مثل حياة جول. أن تنتقل مع عائلتك إلى مدينة أخرى خارج الراحة الإسرائيلية التي كان من السهل جدًا أن يستسلم لها نجمًا في مسرح "الكاميري" أو بطلا في الأفلام السينمائية الإسرائيلية.

كان يرى في مشروع الفيلم الجديد عصارة له، لتجربته، لما يرغب بقوله للعالم ولمخيم اللاجئين في جنين. فهذا الفيلم استمرار لمسرحه الشقيّ، الشجاع، العنيد الذي أصرّ على صنعه. قبل سنة أخرج "العذراء والموت" لمسرح "الميدان" في حيفا وخرجت من بين يديه مسرحية عاصفة، ملتهبة، صافعة مُدويّة. ثم أخرج قبل أشهر قليلة قصة "أليس في بلاد العجائب" ليحوّلها إلى قصة فتاة من جنين يجبرها أهلها على الزواج فتجد خلاصها ومهربها في عالم العجائب. لقد كان هاجس المجتمع يسيطر على كلّ ذرة منه. كنا نصرخ متفقين في الثالثة صباحًا وزكريا زبيدي معنا: لا يمكن تحرير الأرض من دون تحرير الإنسان! كان هذا ما أخافهم، أخاف قوى الظلام (كانوا من كانوا) التي رأت في المسرح والسينما "بدعة" وداسوسًا على المجتمع الفلسطيني.
لقد حاولوا في السابق أن يحرقوا مسرح "الحرية" ثم قبل أقلّ من شهرين أن يحرقوا سينما جنين. إنها حرب ضروس على طابع وهوية الفلسطينيّ الذي نريده لأنفسنا. نحن ندير معركة شرسة ضد الاحتلال والصهيونية، ولكن معركتنا الاجتماعية لا تقلّ ضراوة. علينا أن نجاهر بذلك، علينا أن نقول إنّ مناضلا مثل جول مات على مذبح فلسطين، ولم يمت لشأنٍ أقلّ أهمية من محاربة الاحتلال: لقد مات في حربه على مستقبلنا جميعًا، وهو لذلك شهيد للحرية.

قد يضحك جول الآن من هذه الكنية، هو الذي لم يستسلم في حياته لأية تسميات شعاراتية أو مبالغ فيها. في إحدى جلساتنا في مطلع السنة، قلنا له، أودي وأنا، إنه يقوم بأهم عمل ثقافي وسياسي في فلسطين التاريخية منذ الانتفاضة الثانية. ضحك بخجل. كان يضحك بخجل حين تُسمعه إطراءً ويغيّر الموضوع فورًا. ولكننا لم نسمح له هذه المرة. كان يهمّنا أن نقول له ذلك، أن يسمع هذه الكلمات منا وقتها، لأنه كان على شفا الانهاك. الإداريات الصعبة والتهديدات ومشاكل البلدية كلها بدأت تؤثر عليه، لكنه قبل شهر أو أكثر استقبلني بمرح كعادته وسألني فورًا من دون مقدمات: "بتستحيش على حالك تيجي كل جمعه من عكا ومتجبش سمك لأهل المخيم؟.. إنتي وطني إنتي؟"

لم أجلب سمكًا بعد لأهل المخيم، ولا أعتقد أنني سأجلبه لهم قريبًا. إنكسر فيّ (وربما فينا) بعض من الحنين الفوريّ غير المشروط للمخيم. أعرف أنه سيعود، لا شكّ، ولكننا الآن مثل الأب الغاضب على ابنه البكر لأنه آذى الابن الصغير. يحبّ الاثنين، و"يكره" الأول لساعات قليلة، ولكنه سيغطيهما بنفس الغطاء في الليل وسيقبّلهما نفس القبلة.

أقبلك جول لأنك أنرتَ لنا الكثير وكشفت الكثير من عوراتنا في سعيك المستمرّ والحثيث على خط التماس المستحيل، بينكَ وبينكَ. وها نحن الآن، نجهّز لمراسم دفن صديق آخر، مناضل آخر، فنان آخر، وسننكمش على أنفسنا أكثر. لقد انكمشنا بما فيه الكفاية في السّنوات الفلسطينية الأخيرة حتى تضاءل حلمنا حجمَ بذرة خردل. لكنك جول (المولود في يوم النكبة، المقتول في يوم قتل مارتن لوثر كينغ) زرعتَ فينا بدلا منها بذرة عباد الشمس، كي لا نتوقف عن النظر إلى الشمس واحتضان وجهك فيها.