الخميس، 7 أبريل 2011

عند خط التماس المستحيل، بينكَ وبينكَ

لقد مات جوليانو واقفًا. مثل الأشجار ومثل برقوق نيسان. لم ينحنِ ولم يُهادن. كان على المرء أن يتابع تفاصيل المسرح اليومية كي يعرف حجم العناد الذي تتطلبه حياة مثل حياة جول. أن تنتقل مع عائلتك إلى مدينة أخرى خارج الراحة الإسرائيلية التي كان من السهل جدًا أن يستسلم لها نجمًا في مسرح "الكاميري" أو بطلا في الأفلام السينمائية الإسرائيلية



"أنا لن أخرج من جنين إلا بطلقة في رأسي"- قال جوليانو خميس في الاجتماع الليلي المتأخر الذي جمعَنا هو والمخرج أودي ألوني وأنا. منذ أشهر عديدة نعمل على فيلم روائيّ طويل تحت عنوان "أنتيغونا في جنين". قصة مُمثلة من المخيم في المسرح تلقى حتفها في النهاية لأنها لم ترضَ أن تعيش وفق ما يطلبه المجتمع منها. وها هو بطل الفيلم يُقتل قبل بطلته.

كان جُولْ (هكذا نسمّيه تحببًا) يعي التهديدات التي عليه وعلى المسرح، لكنّ المثير لديه أنه كان يفكر بعقلية صاحب البيت، وليس بعقلية فنان ضيف من "الداخل" جاء ليساعد أبناء المخيم وسيمضي لاحقًا إلى شؤونه. هذا هو الفارق الصغير-الكبير الذي لا زال يفصلنا جميعًا عن جول. بيته في جنين ملازم لبيت رفيقه وصديقه زكريا زبيدي، وفي هذا البيت نمْنا وتناقشنا حتى الإنهاك. كان مشغولا بما يحدث في فلسطين وبحملة المقاطعة ضد إسرائيل، التي كان هو وألوني من رموزها المعروفين. يحلل الواقع من وجهة نظره الثائرة دائمًا، يدور في البيت كأسد هائج، يحمل ابنه "جيه" ويُهدهده وهو يصرخ عليّ وعلى أودي: "عن أيّ أفق تتحدثان؟.. ما هذه السذاجة؟!"

لكنه كان ساذجًا في حبّه للمسرح وللمخيم لدرجة الخيال أحيانًا. يروح ويجيء بسيارته الحمراء المعروفة التي قتل فيها، يتوقف في الأزقة، يمازح ويقبّل ويحتضن. "جول مِننا" يقول الشباب من حوله وهو يصرّ على التنكيت على العرب واليهود، فيبادلونه الضحك. جول "يهودي فلسطيني" صافٍ ونقيّ. إنه من أوجد هذا المصطلح بحذافيره. لم ينسَ يومًا أنه ابن آرنا اليهودية (اليسارية، المناضلة) ولكنه لم ينسَ أنه ابن صليبا خميس (المناضل). كان يراوح بينهما، ويبحث بصمت ومن دون كلمات عن مكان ينتمي إليه. تل أبيب لم تعد 
خيارًا، وخياراته في الداخل أيضًا تقلصت.

إنه ذئب وحيد، عاش وحيدًا في داخل أسئلته وانتماءاته، وقُتل وحيدًا أمام مدخل المسرح الذي بناه بالدّم والفرح. في الأيام الأخيرة كان يواجه أزمة كبيرة مع بلدية جنين ومحافظها حول المبنى الجديد للمسرح الذي بناه في مركز المدينة. منعوه لدواعٍ تخطيطية من الاستمرار، ولكنه في ابتسامة واحدة (مغيطة جدًا) قال لنا ببساطة: "مش مهم، أنا بعرف قطعة أرض أحسن..." هكذا، يعرف قطعة أرض أفضل لبناء المبنى ثانية!
لقد مات جوليانو واقفًا. مثل الأشجار ومثل برقوق نيسان. لم ينحنِ ولم يُهادن. كان على المرء أن يتابع تفاصيل المسرح اليومية كي يعرف حجم العناد الذي تتطلبه حياة مثل حياة جول. أن تنتقل مع عائلتك إلى مدينة أخرى خارج الراحة الإسرائيلية التي كان من السهل جدًا أن يستسلم لها نجمًا في مسرح "الكاميري" أو بطلا في الأفلام السينمائية الإسرائيلية.

كان يرى في مشروع الفيلم الجديد عصارة له، لتجربته، لما يرغب بقوله للعالم ولمخيم اللاجئين في جنين. فهذا الفيلم استمرار لمسرحه الشقيّ، الشجاع، العنيد الذي أصرّ على صنعه. قبل سنة أخرج "العذراء والموت" لمسرح "الميدان" في حيفا وخرجت من بين يديه مسرحية عاصفة، ملتهبة، صافعة مُدويّة. ثم أخرج قبل أشهر قليلة قصة "أليس في بلاد العجائب" ليحوّلها إلى قصة فتاة من جنين يجبرها أهلها على الزواج فتجد خلاصها ومهربها في عالم العجائب. لقد كان هاجس المجتمع يسيطر على كلّ ذرة منه. كنا نصرخ متفقين في الثالثة صباحًا وزكريا زبيدي معنا: لا يمكن تحرير الأرض من دون تحرير الإنسان! كان هذا ما أخافهم، أخاف قوى الظلام (كانوا من كانوا) التي رأت في المسرح والسينما "بدعة" وداسوسًا على المجتمع الفلسطيني.
لقد حاولوا في السابق أن يحرقوا مسرح "الحرية" ثم قبل أقلّ من شهرين أن يحرقوا سينما جنين. إنها حرب ضروس على طابع وهوية الفلسطينيّ الذي نريده لأنفسنا. نحن ندير معركة شرسة ضد الاحتلال والصهيونية، ولكن معركتنا الاجتماعية لا تقلّ ضراوة. علينا أن نجاهر بذلك، علينا أن نقول إنّ مناضلا مثل جول مات على مذبح فلسطين، ولم يمت لشأنٍ أقلّ أهمية من محاربة الاحتلال: لقد مات في حربه على مستقبلنا جميعًا، وهو لذلك شهيد للحرية.

قد يضحك جول الآن من هذه الكنية، هو الذي لم يستسلم في حياته لأية تسميات شعاراتية أو مبالغ فيها. في إحدى جلساتنا في مطلع السنة، قلنا له، أودي وأنا، إنه يقوم بأهم عمل ثقافي وسياسي في فلسطين التاريخية منذ الانتفاضة الثانية. ضحك بخجل. كان يضحك بخجل حين تُسمعه إطراءً ويغيّر الموضوع فورًا. ولكننا لم نسمح له هذه المرة. كان يهمّنا أن نقول له ذلك، أن يسمع هذه الكلمات منا وقتها، لأنه كان على شفا الانهاك. الإداريات الصعبة والتهديدات ومشاكل البلدية كلها بدأت تؤثر عليه، لكنه قبل شهر أو أكثر استقبلني بمرح كعادته وسألني فورًا من دون مقدمات: "بتستحيش على حالك تيجي كل جمعه من عكا ومتجبش سمك لأهل المخيم؟.. إنتي وطني إنتي؟"

لم أجلب سمكًا بعد لأهل المخيم، ولا أعتقد أنني سأجلبه لهم قريبًا. إنكسر فيّ (وربما فينا) بعض من الحنين الفوريّ غير المشروط للمخيم. أعرف أنه سيعود، لا شكّ، ولكننا الآن مثل الأب الغاضب على ابنه البكر لأنه آذى الابن الصغير. يحبّ الاثنين، و"يكره" الأول لساعات قليلة، ولكنه سيغطيهما بنفس الغطاء في الليل وسيقبّلهما نفس القبلة.

أقبلك جول لأنك أنرتَ لنا الكثير وكشفت الكثير من عوراتنا في سعيك المستمرّ والحثيث على خط التماس المستحيل، بينكَ وبينكَ. وها نحن الآن، نجهّز لمراسم دفن صديق آخر، مناضل آخر، فنان آخر، وسننكمش على أنفسنا أكثر. لقد انكمشنا بما فيه الكفاية في السّنوات الفلسطينية الأخيرة حتى تضاءل حلمنا حجمَ بذرة خردل. لكنك جول (المولود في يوم النكبة، المقتول في يوم قتل مارتن لوثر كينغ) زرعتَ فينا بدلا منها بذرة عباد الشمس، كي لا نتوقف عن النظر إلى الشمس واحتضان وجهك فيها.

الأحد، 6 مارس 2011

بلاكبيري والخمسمئة دقيقة: Talkin’ To Me؟؟

عندها اقترب مني فخري وهمس لي بالجواب الذي يشرح سياسة الشركة في هذه الحالة، وجعلني أحلف ببُرداية معمر القذافي البنية بأنني لن أخبر أحدًا بالأمر، وإلا فصلوه فصلا مُميتًا، مما يقد يعني اندلاع نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان


مع أنني نادرًا ما أتحمّس للتجديدات والاختراعات التقنوية التي تغزو حيواتنا يومًا إثر يوم، إلا أنّ أناقة وفخامة ووسامة جهاز البلاكبيري (BlackBerry) أسرت لُبي، فاصطحبت المدامَ برأيها الرّشيد، لتراقب وتفحص وتحارب، فرأت واطمأنّت، ثم قالت: يدخل بيتي بسلام- فدخل.

والحقيقة أنّ الصدمة التي استولت عليّ جراء حمل جهاز مُعقد كهذا في جيبي تراجعت فورًا لتحتلّ محلها صدمة استهلاكية من نوع آخر، كُنهها المفارقة، والسخرية قدرها. فحين جلستُ إلى الرفيق (العربي) في شركة “بيليفون” (الترجمة من العبرية: مصّاصو الدماء) علمنا في بُرهة-سُرعة- ومضة البرق أنه صديق أخي، وأنه يعلم أنّ أحد المسؤولين الكبار في فرع الخدمات الذي كنا فيه واحد من أنسبائنا اللزم، ويعلم أيضًا أنّ عليه اقتراح أفضل الرّزم الموجودة في الشركة على الإطلاق، وإلا اشتعلت نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان.

قال لي الرفيق فخري (كرّم الله قميصه الأبيض البيليفونيّ الناصع): سأعطيك رزمة لم تحلم بها. وأنا صدّقوني، سوى الأرق المزمن الملازم لي منذ ليالٍ طويلة، لا أحلم إلا بكنبة صغيرة في مكتبي أضعها للاستلقاء ظهرًا، أو بتلفزيون قديم أنصبه بقربي في شارع البنوك وألعب عليه بلايستيشن معظم النهار. لكن فخري أصرّ وكشف تفاصيل الصفقة: جهاز بلاكبيري 9300 على سنٍّ ورُمحٍ؛ 1200 دقيقة اتصال لكلّ الشركات في الشهر؛ 1200 إس إم إس لجميع الشركات في الشهر؛ ورزمة إبحار في الإنترنت بسعة 2 غيغابايت في الشهر- وكل ذلك بـ 280 شيكلا شاملة لضريبة القيمة المضافة!

ورغم أنني جاهل أشدّ الجهل بعالم الخليويات وأصوله ولا أعرف النقاش أو المطالبة بأية أمور في هذا المجال، كما يفعل نزار طيلة النهار، إلا أنني شعرتُ وهو يشرح لي بأنّ هذه صفقة أخت شَليتة. ومما زاد من تأكدي اللكزة التي تلقيتها من كوع المدام فوق الطحال مباشرة، حيث لم أكد أنظر إليها متألمًا حتى ابتسمت ابتسامة عريضة وواسعة، أذكر أنها لم تبتسم لي مثلها إلا عندما تحشّرتْ بي وقتها في مكتب “عدالة” القديم في شفاعمرو، وهي تسألني بجانب ماكينة التصوير: إنتي جديد هون؟

والآن إلى المفارقة التي وعدتكم بها في أول المقالة: اتضح لعبدكم الفقير، وبعد تكتكات سريعة داهمة من الرفيق فخري، أنّ شركة “بيليفون” تكرهني أشدّ الكراهية كزبون، حيث أنّ معدل استخدامي للهاتف المحمول بلغ 170 دقيقة حكي شهريًا و160 إس إم إس لا غير! أي أنني بالكاد أتحدّث 6 دقائق يوميًا في هاتفي النقال وأبعث 5 رسائل نصية.

بعد أن نظر إليّ فخري من فوق لتحت، ومن تحت لفوق، بنظرة تعني “في منك على شوكالاطة؟”، قال إنّ هناك مشكلة جدية! اللكزة الثانية من المدام لم أفهمها ولكنها هدّدت هذه المرة سلامة الكلية اليمنى. قال فخري عزّ وجلّ: لازم تحكي 500 دقيقة بالشهر وإلا رح تدفع 80 شيكل بالشهر زيادة على الـ 280. لم أفهم في البداية، ولما أعاد تلاوة ما تيسّر من سورة الرّينغتون، سألتُه: بس ليش؟ مش من مصلحة الشركة أحكي أقلّ في قلب الرزمة؟… عندها اقترب مني فخري وهمس لي بالجواب الذي يشرح سياسة الشركة في هذه الحالة، وجعلني أحلف ببُرداية معمر القذافي البنية بأنني لن أخبر أحدًا بالأمر، وإلا فصلوه فصلا مُميتًا، مما قد يعني اندلاع نيران اللقلقات والتبرّمات والشكاوى بين الأنسباء، على محور الجش-عكا-أبو سنان.

بعد أن خرجنا من مركز الخدمات وأنا متسلح “بثمرة العليق السوداء” (BlackBerry) شعرتُ بالورطة الحقيقية: من 170 دقيقة في الشهر عليّ أن أطوّر مقدرات كلامية تفوق الـ 500 دقيقة (وأنا حتى لا أفكر مجرد تفكير في الـ 1200 دقيقة المتاحة أصلاً)! فجأة شعرتُ بركبتيّ تضعفان: هل سأضطر إلى التحدث إلى الناس من الآن فصاعدًا بدلا من بعث إيميل أو إس إم إس؟ يا إلهي: 500 دقيقة في الشهر!!

وعليه، أصدقائي ومعارفي وكل من يملك رقم هاتفي، هذه دعوة مني صادقة وحقيقية: من يرغب بالتحدث معي هاتفيًا أرجو منه أن يرسل لي رسالة نصية بكلمة واحدة: “إحكيني” (Talk To Me!)، وسأبادر للاتصال بكم على الرّحب والسّعة.

ألم أعدكم بمفارقة؟… هل بلّغت؟ اللهم فسَمِّسْ (وبرجعلك)!

الأربعاء، 26 يناير 2011

الكاتب كمخلوق أُمّيّ

(زوروا موقع قديتا)

إليكم بهذه المعضلة: كلما وجدت نفسي منغمسًا في العمل على مشروع جديد (مجموعة قصصية، رواية، مسرحية، فيلم، لعبة محبوسة) تحوّلت إلى أمِّيٍّ لا يقرأ ولا يعي ما يدور حوله؛ إذا كانت الكتابة انغماسًا حتى النخاع في الدنيا وقضاياها وتفاصيلها، فكيف يكتب المرء وهو منقطع عنها؟

قبل قليل سألني نايف، زميلي اللدود في مكتبي نصف-الجديد، إذا كنتُ قد رأيتُ كشف “الجزيرة” أمس حول محاضر المفاوضات السّرية بين إسرائيل والفلسطينيين، وأجبت فورًا: نعم. لكنني بعد برهة تذكرت أنني لم أشاهد “الجزيرة” ليلة أمس، ولا الليلة التي قبلها ولا التي قبل تلك (لأسباب كثيرة، أهمها أنني تعبت من مشاهدة “الجزيرة” مؤخرًا، فالشعور الذي يرافقك طيلة المشاهدة أنّ عليك الآن لبس طنجرة على رأسك والإمساك بالشُّوبَك المدوّر وإرسال زوجتك وطفلتك إلى الملجأ). لقد قرأتُ عن الموضوع في خبر “هآرتس” الموسع هذا الصباح. في كل ليلة أعود إلى البيت منهكًا من ضغط موعد تسليم مسودة الفيلم، وفي التاسعة مساءً ودقيقتين أجد نفسي ملقيًا على الكنبة في الصالة أشاهد فيلمًا لا أتابع أية كلمة فيه وأنا بين النوم واليقظة، أو كما نقول في القرية: “عيوني عم بتناكحوا” (طبعًا باستعمال الفعل الصريح والمشبرح).

أشحط نفسي للنوم وأنا أتجنب نظرات أنطون تشيخوف: اشتريت مجموعته الكاملة قبل فترة ولم أقرأ للآن إلا الكتاب الأول “القصص القصيرة”. وقد وعدت نفسي بأن أكتب مقالة مطولة عن الكتاب للموقع لكنني لم أكتب المقالة ولم أتقدم في قراءة الأجزاء الأخرى أيضًا. أشعر بالخجل من الرفيق أنطون. أمرق بجانب كتبه وأغضّ الطرف، كما أنني أغضّ الطرف عن مجموعة أخرى لتولستوي وكتاب “موبي ديك” بترجمة جديدة، وكتابين ثلاثة لهامنغوي، ودواوين شعرية أهداني إياها شعراء عرب التقيتهم في سفراتي الأخيرة، كما أغضّ الطرف عن بعض الأفلام “النوعية” التي تنتظر من أشهر أن أفضّ نايلونها لأشاهدها، بعضها لفليني والآخر لهيتشكوك والبعض لمخرجين روس.

منذ شهر أو أكثر وأنا أُمِّيٌّ، لا أقرأ ولا أتابع؛ أسير مثل الشبح بين الكتب ولا أكاد أقرأ خبرًا في الجريدة لأكثر من فقرته الأولى. أعتقد أنّ خبر المحاضر السرية هو الخبر الوحيد الذي قرأته بالكامل (مع التعليق المرافق) منذ أشهر طويلة. حياتي مليئة بالنصوص: المئات منها تصل الموقع كلّ شهر؛ أقرأ معظمها وأهمل بعضها؛ أتابع ما ينشره الزملاء في الموقع وما يحرّرونه وحتى عندما أكون “منطفئًا” من التعب، إذ أحسب حساب سؤال قد يبغتني حول مادة ما وردت في الموقع ولم أقرأها؛ يا للفضيحة عندها: رئيس تحرير الموقع ولم تقرأ المقالة؟

النصوص: كلمة بعد كلمة، حرفًا بعد حرف. تتزاحم في الذهن لبرهة ثم تنسحب مخلفة دمارًا في خلايا الذاكرة لا يُرمّم. على المرء أن يحسب ألف حساب لكلّ خلية ذاكرة في مخِّه، خصوصًا عندما يتجاوز الخامسة والثلاثين وآلاف الليترات من الكحول ومئات اللفائف من الماريحوانا. يجب على المرء ألا يسمح بدخول أيّ نصّ إلى مُخه ما لم يكن جديرًا. لكن الطامة (واللطمة) أنك لن تعرف مدى جودة النصّ إلا بعد قراءته. ناهيك طبعًا عن النصوص التي يجبرونك على قراءتها مثل لافتات الشوارع والبانرات في المواقع الإنترنتية والمواقع نفسها في الغالب. عليك أن تكون حذرًا في كمية النصوص التي تسمح لها بغزو دماغك، وإلا صرت مثلي: ماكنة تستقبل النصوص من هنا وتطلق سراحها من هناك، من دون أيّ تأثير يُذكر، سوى إنهاك خلايا الذاكرة. يعني مثل كتب باولو كويلو التافهة.

هل علينا أن نقرأ لمن نحبّ فقط وبقدر مقبول ليس إلا؟ هل نلبي نصيحة لوقيوس أيناوس سنكه حين طلب من كاتب شاب، وببساطة: “لا تقرأ إلا للمؤلفين المُمتازين. وعندما تشتهي التوجّه إلى شخص آخر، عُد إلى ما قرأته في السّابق”؟ لا شك أنكم رأيتم فيلم “روائع العقل”، الذي يروي قصة العالم العبقري. في الكتاب الذي شكل مصدر وحي للفيلم جاء: “لم يدافع ناش عن أفضال القراءة، فهو يؤمن بأنّ التعلم الزائد من مصدر ثانٍ سيقمع من حسّه الإبداعيّ والأصيل”. لكن اللورد جورج بايرون يخالف هذا الرأي كلية: “لو كان بمقدوري أن أنشغل بالقراءة دائمًا، لما كنت سأشتاق للمجتمع”.

أشعر بالذنب لأنني لا أقرأ ما أريد. أقرأ الكثير من النصوص المهنية والمتعلقة بالترجمات والعمل، لكنني لا أجد الوقت لرفع رجليّ على الطاولة وإشعال سيجارة دافئة والاستسلام للصفحات المتتالية. ومع ذلك أجد عزائي في مارك توين، الذي أتحمّض لقراءة روايته الخالدة مجددًا، إذ قال: “الإنسان الذي لا يقرأ كتبًا جيدة ليس أفضل بشي من الإنسان الذي لا يعرف القراءة”.

الآن: سأعود إلى العمل. لديّ نصّ مُملّ للترجمة!

الاثنين، 8 نوفمبر 2010

سلامتك أبو نزار، ويلعن أبو الصحافة!

فجأة أحسستُ بالمسؤولية: نحن موقع ثقافي ويجب أن نفي هذا الشاعر الفذ حقه بكلّ شيء: بخبر الوفاة، بتغطية الجنازة، بإعداد ملف أدبيّ/ نقديّ/ ثقافيّ/ بصريّ عنه. عدتُ لأصبح صحافيًا مُحتقرًا (بفتح القاف وكسرها)



إستنجدت بي مراسلة صديقة من صحيفة “هآرتس” قبل قليل (الساعة 22:12). اتصلت وبقلق كبير سألتني: “هل مات الشاعر طه محمد علي؟ لقد وصل إلى الجريدة الآن نعي للنشر.”
أحسستُ بفراغ كبير يملأ قفصي الصدريّ دفعة واحدة. سألتها من أين لها هذه الأخبار وبدأت على الفور بالتنقل بين المواقع الإخبارية العربية المعروفة ولكنني لم أجد أثرًا لطه محمد علي. أعطيتها رقم بيته في الناصرة وهممتُ بالاتصال به ولكنني عَدَلتُ. ماذا سأقول؟ هل مات أبو نزار؟ إرتعشتُ للحظة ثم وضعت المحمول مكانه.
دخلت إلى “غوغل نيوز”. لا شيء. ثم برمة أخرى في المواقع العربية الإخبارية. لا شيء. ولكنني في قمة بغتتي وانبغاتي بدأت أفكر كمحرر لموقع “قديتا”: يجب تحضير خبر يليق بالفاجعة. يجب تحضير ملف سريع. أحسستُ بالندم الكبير لأنني لم أستمع لطلب الزميل فراس خطيب قبل افتتاح الموقع: “تعال نفتتح الموقع بملف عن طه محمد علي”.
قضمتُ أصابعي وعضضتُ على فضاء خيبتي.
إستدرتُ رأسًا إلى الخلف وتطلعت إلى الرفّ العلوي في المكتبة التي تقف ورائي بكتبها الغاصّة، تسجّل تفاصيل حياتي وهي تمضي وأنا مُنكب فوق حاسوبي النقال الهرم. استللتُ خمسة دواوين شعرية لطه محمد علي ومجموعة من قصائده ترجمها للعبرية أنطون شماس ونشرتها دار “أندلس” في العام 2006. قلبت الدواوين ببطء وألم. توقفت عند قصائد أضحكتني وأخرى أبكتني وأخرى جزمتُ وقت قراءتها أنها من أفضل ما كُتب بالعربية على الإطلاق.
بدأت بكتابة الخبر، فصغتُ العنوان: “الموت يُغيّب الشاعر الفلسطيني الكبير طه محمد علي”. ثم توقفت بعد العنوان. هل أكتب خبر وفاته قبل موته؟ أيّ جنون هذا؟؟ يلعن أبو الصحافة ما أحقرها!
استندت إلى الخلف وبدأت بقراءة بعض القصائد من “حريق في مقبرة الدير”، ديوانه الثالث. قرأت “عبدالله ومدللة” وقصيدة “لم يكن” التي يفتتح بها الديوان وقررتُ أنّ هذه القصيدة يجب أن تختتم الخبر الذي يجب أن أبدأ بإعداده. فجأة أحسستُ بالمسؤولية: نحن موقع ثقافي ويجب أن نفي هذا الشاعر الفذ حقه بكلّ شيء: بخبر الوفاة، بتغطية الجنازة، بإعداد ملف أدبيّ/ نقديّ/ ثقافيّ/ بصريّ عنه. عدتُ لأصبح صحافيًا مُحتقرًا (بفتح القاف وكسرها) ودفنت في ثانية الكاتب المُحبّ لهذا الشاعر المتمسك به حتى النهاية، ليحل محله المحرر الصحافي.
وضعت مقدمة الخبر عن ولادته في صفورية وتلخيص لحياته ودكانه في سوق الكازانوفا، ثم مجموعة إصداراته الكاملة، وترجمتُ عن العبرية التظهير الذي كتبه أنطون شماس للطبعة العبرية. ثم استعوقتُ الزميلة من “هآرتس” التي من المفترض أنها اتصلت ببيت العائلة في الناصرة لتستفسر. هل يعني تأخرّها تأكيدًا للوفاة وهي الآن تُعدّ الخبر بسرعة كي ينزل إلى الطباعة قبل وقت إغلاق الصحيفة (الساعة الآن الحادية عشرة ليلاً)؟ أرسلت لها رسالة نصية. مرت دقائق ولم تردّ. يبدو أنّه فارقنا.
عدتُ إلى الخبر وبدأت بضبط إملائه وصياغاته وتحضيره في “الأدمينيستريشين” لنشره في الموقع فور تأكد الخبر. العنوان جيد، سأبقي عليه. يجب أن يكون الخبر معلوماتيًا ولكن تحليليًا ونقديًا لإبراز أهمية أبي نزار كشاعر لا يتكرر. تأكدتُ من أنّ ديوانه الأول “القصيدة الرابعة وعشر قصائد أخرى” موجود أمامي ويمكنني نسخ فقرات من المقالة الافتتاحية الممتازة للديوان التي كتبها أحمد حسين وقتها. ماذا أيضًا؟ أنا بحاجة إلى صور. “غوغل فوتوز”. ولكن رسالة الزميلة من هآرتس إلى محمولي أوقفت كلّ شيء: “وضعه مستقر. كان هذا إنذارًا كاذبًا. شكرًا جزيلاً”.
شكرًا جزيلاً؟؟ على ماذا؟ أنني كتبت خبر وفاة شاعر أحبّه بكلّ لغتي، قبل أن يموت؟
أنا أكره الصحافة، أكره الأخبار، أكره الحقارة في ضرورة كتابة مثل هذا الخبر، الحقارة في كتابة الخبر قبل الوفاة.
الآن، سيقول الساخرون مبتسمين: أصبح لديك خبر شبه جاهز فيما إذا لو…
إخرسوا! سأمحوه فورًا. لا أريده في حاسوبي. لن أحتاجه قريبًا. فأبو نزار بخير والشعر بخير.
(حتى لحظة نشر هذه المقالة في الموقع لم أمحُ الخبر من حاسوبي بعد…)

(11:32 ليلاً)

الأحد، 31 أكتوبر 2010

فديتكَ تشيخوف: كيف يموت مثل هذا الكاتب؟

القراءة في بيوغرافيا أنطون تشيخوف التي ألفها هنري تروايا، مهمة لذيذة ومُخدّرة، إلا أنها صادمة ومُحزنة. صفحة بعد صفحة ترافق هذا الكاتب العبقريّ في سيره نحو نهايته المحتومة: الموت المبكر بالسّل...

توفي أنطون تشيخوف في الساعة 20:21 مساء الأربعاء الماضي (20 تشرين الأول الجاري 2010)، وأنا أجلس وحدي في مطار أمستردام الدولي، آكل قطعة بيتسا حقيرة وأحتسي كأسًا من بيرة هولندية سقيمة. أقصد أنني وصلت الصفحة رقم 501 من كتاب البيوغرافيا الذي بدأت قراءته قبل أسبوع من تأليف هنري تروايا. دمعت عيناي وأحسست بحاجة كبيرة للبكاء، فنزلت بعض الدموع الخجلة ومسحتها بسرعة.
ذهبت في خلال أسبوع إلى رحلة عاصفة شيقة هي حياة الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف. رافقته في أيام طفولته البائسة وظلم والده المتديّن له وإجباره على الجلوس في الدكان العائلي المظلم في شتاء روسيا القارص وترديد الصلوات والتراتيل لساعات مرهقة وغير معقولة. رافقته وهو يراقب عائلته تنهار بعد إفلاس الدكان وتفرّق العائلة واضطراره للبقاء وحيدًا في قريته النائية. وما صدمني في بداية الكتاب أنني عرفتُ أنّ تشيخوف ينحدر من عائلة أقنان، عبيد. وقد عمل جده بجهد كبير كي يفتدي أبناء العائلة ونجا أبوه من هذا المصير لحسن حظنا جميعًا.
عندما بدأ تشيخوف دراسة الطب تحقيقًا لرغبته في أن يصبح طبيبًا يطبب الناس، بدأ يكتب بعض القصص “التافهة” كما نعتها للمجلات الروسية التي كانت تدفع بعض القروش لقاء كل سطر وكان ممنوعًا من كتابة قصص بأكثر من عشرين سطرًا كي تكون جذابة وسريعة في أعين القراء. وقد أدت هذه التقييدات إلى إجبار تشيخوف على اتباع أسلوب بسيط ومتقشف في الكتابة، بعيدًا عن الإطناب الروسي في الكتابة (والكلام)، ومتمردًا على أسلوب تولستوي ومجايليه آنذاك. وانطلاقًا من هذه الكتابات التي كان ينجزها من أجل النقود تطورت مهاراته الكتابية وصار يكتب بغزارة وبسرعة وبتكثيف كبير. ومع أنه تقدّم في هذا المجال بسرعة، إلا أنه ظلّ يقول: الطب زوجتي الشرعية أما الأدب فهو عشيقتي السرية.
من المستحيل التوقف عند محطات حياة تشيخوف على طول هذا الكتاب الممتاز. إلا أنّ اكتشاف مرض السلّ لدى تشيخوف في مطلع عشرينياته جعل من حياته سباقًا مع الزمن. وبحكم كونه طبيبًا كان يعرف أنّ نهايته لا ريب ستكون على يد هذا المرض المزمن اللئيم، إلا أنه عاش حتى سنته الأخيرة في حالة إنكار تامة لسوء وضعه الصحي، ورغم ذلك ظلّ يتنقل بين البيوت والإقطاعات في الريف الروسي وموسكو وبطرسبرغ وباريس ونيس وإيطاليا. كان يبحث عن الشمس دائمًا: يبحث عنها حرفيًا من أجل صحته ويبحث عنها مجازًا في كتاباته. كان يهمه أن يوثق الحياة الروسية كما هي، ببساطة وصفها وبدقة تفاصيلها وكان ينأى بنفسه عن الديباجات والإطنابات التي ميزت الأدب الروسي حينها.
لم يكن تشيخوف رجل الشعارات الرنانة، بل كرّس كل حياته وأمواله لبناء المدارس والمكتبات وتجنيد التبرعات لمحاربة الأوبئة. كان المعيل الوحيد لعائلته واضطر أن يوازن بين رغبته في العطاء وبين مصاريف العائلة الكبيرة. وأعتقد من خلال فهمي لما قرأت أن حالة المَساس التي كانت تنتابه لشراء البيوت والإقطاعات نبتت من أصل عائلته كعائلة عبيد سعت للاستقلال والعيش بحرية وكرامة وأعتقد أنه رأى في البيت الرمز الأول والأخير للاستقلالية والكرامة.
كانت علاقات تشيخوف مع النساء غريبة كل الغرابة؛ فطيلة حياته لم “يرتبط” بأكثر من ثلاث أو أربع نساء، وحتى هؤلاء كانت العلاقة معهن غير مستقرة، غير مفهومة. وقد وصف نفسه في أكثر من مكان في رسائله وأحاديثه أنه ليس ملهوفًا على الجنس إطلاقا. وقد اضطر للانتظار حتى سن الثانية والأربعين، قبل موته بعامين، كي يقع في غرام الممثلة أولغا كنايبر من “مسرح الفن” الذي أسسه نميروفيتش-داشينكو وستانيسلافكي، والذي أخرج وقدم جميع مسرحيات تشيخوف. فالتعاون مع “مسرح الفن” كان بالنسبة له حبل النجاة ولولا هذا المسرح لتوقف تشيخوف عن كتابة المسرح بعد أول مسرحية له حيث أهين هو ومسرحيته وأضحى أضحوكة الوسط الثقافي. إلا أنّ نهج التمثيل الذي كان يختلف في هذا المسرح أعاد الثقة إلى تشيخوف وقرر كتابة المسرح لهذه الفرقة.
يمكننا أن نستدلّ الكثير عن أسلوب تشيخوف في الكتابة والتفكير عن الكتابة (وهو أسلوبي المفضل) إذا قرأنا هذا المقطع من إحدى رسائله للكاتب الروسي الشاب (آنذاك) جوركي، الذي كان قد بعث له بمخطوطات وطلب رأيه. يكتب له تشيخوف: “إنك تستخدم الكثير من الأوصاف بحيث يصعب على القارئ أن يقرر أيها يستحق اهتمامه بشكل خاص وهذا ما يتعبه. فإذا كتبت “جلس رجل على العشب”، فهذا المعنى واضح ومفهوم ولا يتطلب إعادة قراءة، غير أنه سيصعب عليك أن تتابعني بسهولة من دون أن ترهق دماغك لو أنني كتبت: “رجل طويل ذو صدر ضيق ولحية حمراء متوسط الطول جلس دونما ضجة وهو يسترق النظر حوله بتخوف وتوجس على رقعة من العشب الأخضر الذي داسته أقدام المشاة!” فالذهن لا يستطيع استيعاب كل هذه الأوصاف في الحال، والمهارة الفنية في الموضوع تتجلى فيما يمكن استيعابه وفهمه مباشرة وعلى الفور”. (ص 342) وقد أوجز هذا الرأي في رسالة لأخيه ألكسندر: “الإيجاز قرين الموهبة”. (ص 456)
كان تشيخوف كما تشهد رسائله ورسائل الآخرين والمحادثات التي وثقت، إنسانًا حادّ الذكاء وسريع الفطنة ومتقدًا بروح دعابة ساخرة ولاذعة، لكنه لم يكن كَلبيًا بالمرة مع الناس أيًا كانوا. كان أحيانًا يجلس لساعات يستمع إلى محادثات ضيوفه الكُثُر الذين كانوا يزعجون وحدته، يبصق دمًا من السلّ ويتحرق للكتابة ويبتسم لكل هؤلاء الغرباء ابتسامة واسعة.
حارب لأشهر طويلة في أيامه الأخيرة لكتابة آخر مسرحياته، “بستان الكرز”، وكانت زوجته الممثلة أولغا تحثه برسائلها على إنهاء المسرحية، حيث أنّ موعد العروض قد تحدد وهو لم يُنهها بعد. كانت هذه مهمته الأخيرة، إلا أنه ولأول مرة في حياته كان عاشقًا بحقّ وكان بُعده عن أولغا مصدر عذاب له لا يُوصف. كانت معنوياته ككاتب في الحضيض وهو يشعر بأنه يحتضر ببطء، وكتب لزوجته أولغا: “إنني بعيد كل البعد عن كل شيء بحيث أنني بدأت أحسّ بالقنوط. أشعر أنني انتهيت ككاتب، وكل جملة أكتبها تبدو عقيمة القيمة، ولا فائدة منها على الإطلاق”. (ص 469)
في الثانية عشرة والنصف ليلا من 3 تموز (يوليو) 1904 قعد تشيخوف في الفراش في منتجع معزول قرب برلين حيث كان مع زوجته، وطلب الطبيب. كانت هذه المرة الوحيدة في حياته التي يطلب فيها الطبيب. وعندما حضر قال له تشيخوف ببساطة بالألمانية “Ich sterbe”- “أنا أموت”. وقد رفض تشيخوف أن يرسل الطبيب في طلب أنبوبة أكسجين لأنه لا فائدة من ذلك، وبدلا من هذا جُلبت قنينة شمبانيا. “أفرغ كأسه ببطء وتمدد على جانبه الأيسر، وبعد لحظات قليلة توقف تنفسه وانتقل إلى عالم الموت بنفس البساطة التي طالما اتصف بها”. (ص 501).
لا يمكن للمرء أن يصف أهمية الانكشاف على حياة الكاتب الذي تحبّ. فجأة تفكّ الكثير من الرموز ويتضح الكثير من الصور، ويصبح نتاجه أكثر منالية ووضوحًا. لقد دفنتُ قبل أيام تشيخوف والآن أنا متحير كلّ الحيرة بين أن أبدأ بقراءة البيوغرافيا عن شكسبير، أم الاستسلام لأسبوع أو أكثر للرواية الأمريكية العظيمة “موبي ديك” من جديد وبعد سنوات طويلة من قراءتها…
لا أعرف، لم أقرر بعد، ولذلك أنا أقرأ حاليًا رواية ساحرة لإسماعيل كاداريه الألباني.

_________
“أنطون تشيخوف”. تأليف: هنري تروايا، ترجمة: حصة منيف، إصدار: المشروع القومي للترجمة، 2000

هلوسات مانشسترية والكثير من البطّ

“رزق الهبل عالمجانين”- أسمي هذه الظاهرة. فهناك من يشتري لك تذكرة سفر بالطائر الميمون، يدفع لقاء مبيتك في الفندق (غرفة “جنسية” موفقة هذه المرة) ويمنحونك مصروفًا يوميًا معقولا ويدفعون لك أجرَ حضوركِ، كي تجلس على المنصّة مع كاتب آخر أو اثنين وتقرأا عشر دقائق (كلّ واحد)، ثم تجيبان على بعض الأسئلة… وخلص.

أروج وأجيء إلى بريطانيا مثل البندول. ولولا تعلقي الشّره بالفطور الإنجليزي الشهير (يُنظر القصيدة في الأسفل) لما كنت متأكدًا من تلبية الدعوات للمشاركة في مؤتمرات أدبية، بعضها يكون جماهيريًا مثيرًا (”هاي فستيفال” قبل ثلاثة شهور) وبعضها يكون حميميًا حدّ الوحدة (مهرجان “ليفربول”، أمس الأحد (17 تشرين الأول 2010)). في اليوم التالي عرّجت على مانشستر للمشاركة في قراءة أدبية أخرى في مهرجان مانشستر الأدبي. وقياسًا بما حدث في مهرجان الثقافة العربية في ليفربول (تشبه صفد في حقارتها)، فقد كانت القراءة والنقاش في مانشستر أشبه بالاحتفاء بثلاثتنا بجائزة بوكر البريطانية مينيموم (ثلاثتنا: ياسين عدنان وعبد القادر بن علي وحضرتي)!
“رزق الهبل عالمجانين”- أسمي هذه الظاهرة. فهناك من يشتري لك تذكرة سفر بالطائر الميمون، يدفع لقاء مبيتك في الفندق (غرفة “جنسية” موفقة هذه المرة) ويمنحونك مصروفًا يوميًا معقولا ويدفعون لك أجرَ حضوركِ، كي تجلس على المنصّة مع كاتب آخر أو اثنين وتقرأا عشر دقائق (كلّ واحد)، ثم تجيبان على بعض الأسئلة… وخلص.
ولكنني اليوم فكّرت في الموضوع أكثر وأنا ألتهم تشيز بورغر بالـ “هام” والمُخلل و”باين” من الغينيس الإنجليزي الأسود، وتوصلتُ إلى نتيجة مفادها أنني أنا من يصنع لهم معروفًا وليسوا هم.
نعم، هكذا، بكلّ وقاحة. فيما يلي التسويغات:
أنا كفلسطيني ضحية الإمبريالية البريطانية. الآن وقت السّداد. الرجاء الدفع باليورو أو بالإسترليني؛
أنا وقح وأدحش كلمة “فاكِن” في حديثي أكثر من مرة، فيُحرَج البريطانيون المهذبون ويضحكون في الأمسية، فتنجح وتنفرج أسارير المنظمين فأنقذهم من ارتباك التهذيب المُملّ؛
نجيب محفوظ توفي وأدونيس اعتزل الشعر وسعدي يوسف لا يحبّ المهرجانات؛
مواصفاتي ومواهبي المتعدّدة: أنا عربي وهذه خانة؛ أنا فلسطيني وهذه خانة؛ أنا رجل ليبرالي منفتح وهذه خانة؛ أنا أنتي صهيوني وهذه خانة؛ أنا أكتب عن القضايا الاجتماعية ولا أكتفي بالسياسة كما هو متوقع من الفلسطينيين وهذه خانة؛ أنا متعاون وأحترم المواعيد وأردّ على الإيميلات بسرعة وهذه خانة؛ الكثير من قصصي مترجمة للإنجليزية مما يسهل عملية القراءة في المهرجانات وهذه خانة؛ أنا لا أتطلب كثيرًا ولا أتبرم كثيرًا وهذه خانة؛ أنا “الآخر” في أكثر من سياق وهذه خانتان على الأقل.

نـُط يا بط!
جلس عبد القادر بن علي (مغربي-هولندي) وياسين عدنان (مغربي) إلى يميني وجلس الجمهور قبالتنا وقرأنا، ثم سألونا فأجبنا، ثم صفقوا لنا فابتسمنا، فابتسموا، فوقـّعنا على الكتب فوقعنا في الفخ: هذه تحبّ الفلسطينيين، وذلك يريد أن يفهم أكثر وأولئك جميعًا ينتظرون أن يقولوا لك كم كان مثيرًا ومضيئًا لهم (illuminating). ثم انتقلنا إلى الأمور الهامة حقًا في كلّ مهرجان أدبيّ أو فنيّ: العشاء والقهوة والبيرة وجرد المشهد الثقافي-التقوّلاتي من المحيط الحاسر إلى الخليج الخاسر.
صرتُ أتعب وأملّ من السفر. تخبط رجلاك في أرصفة غريبة، وحيدًا بلا رفيق. تفكّر في دُشة الديناصورة الصغيرة وأمها، وتبحث عن أقرب دكان للملابس كي تمارس “شوبينغ” عنيفًا، فتشتري للدشة 74983279847 بلوزة و324093820948 كنزة للشتاء. تمارس شوقك بشراء الملابس لابنتك الخلابة. هل صرتُ إمبرياليًا إلى هذه الدرجة؟ أنفض عني غبار تأنيب الضمير لأنني لا أشتري لنفسي شيئًا في أية سفرة. أعتقد أنّ هذا يبعد عني شبهة التسوّق الرأسمالي الشّره.
أشتاق الآن، وأنا أجلس بالفانيله البيضاء على شاطئ الحرّ الخريفي الخرائي في عكا، أشتاق إلى برد مانشستر الذي تتساقط الخصيتان لشدّته. أنا رجل الشتاء، أين الشتاء؟ الحضارة في الشمال عند المطر، والجهل والتأخر في الجنوب عند الحرّ والشمس والصحراء. أنا أكره الصحراء وأكره شمس الوطن وأحبّ غيوم بريطانيا وفرنسا أكثر من أطلال الغابسية وسحماتا. هل يصحّ ذلك؟؟
إنها فرصة مثيرة أن يجد المرء نفسه بعيدًا لثلاثة أو أربعة أيام عن بؤرة الخمول التافهة التي نحيا فيها، وأن ينظر من بُعد آلاف الأميال إلى عكا أو حيفا ويشعر بسعادة غامرة لأنّ الطبق الصيني الذي طلبه للتوّ مليء بالبطّ. البط؛ هذا الاختراع الجميل.
البط، سيداتي آنساتي سادتي، البط هو ذروة كل مهرجان أدبيّ بلا منازع!
نعم، والفطور الإنجليزي…

فطور إنجليزي
في الثامنة صباحًا
أداعب النقانق المُحمرّة مثل خدّ امرأة خجلى.
تسبح قطع البيكون
في صفار البيض
ولا يحتمل البيض المقلي اغتراب الشوكة والسكين
في جسده الأبيض.
إنها ترنيمة للفطور الإمبريالي-
من قال إنّ الاستعمار يفسد للشهية قضية؟
ولا ننسى –فلتنسَني يميني!-
رقائق البطاطا والبصل المقلية
بزيت الخريف البارد.
مرحى للبودينغ الأسود المشبوه
مثل عميل مدسوس…
في الثامنة صباحًا
من كل صباح-
يقتلني الفطور الإنجليزي الدّسم
فأندَسمُ !

السبت، 16 أكتوبر 2010

كل عام وأنت بخير، أوسكار وايلد


لا يمكن للمبدع أن يكون جزءًا من المجموع، يجب أن يسلخ نفسه عنه كي يحبه من بعيد، كي ينتقده ويُشرّحه وكي ينصره بأدوات أفضل. هذا ما تركه صديقي أوسكار وايلد لي. هذه وصيته التي قرأتها في كتاباته


القليل من الكتب تلك التي يتذكر الواحد منا متى قرأها أول مرة (في باريس)، وقليلة من بينها الكتب التي تتركك صريعًا في الفراش بعد الانتهاء منها، لا ترغب بقراءة أيّ شيءٍ بعدها. "صورة دوريان غراي" (The Picture of Dorian Gray) لأوسكار وايلد هو واحد من هذه الكتب.

قليلون هم الكتاب الذين يَرقون بروح دعابتهم أو ببعض أقوالهم المفذلكة إلى مستوى كتابيّ ودراميّ وفنيّ يجعل من هذه الفذلكات جواهرَ ودررًا تزين التاج الكبير المتقن، ولا تكون التاج نفسه. فالجمل الكثيرة الذكية التي تملأ هذه الرواية تُكسب القراءة فيها، تراكميًا، حالة من الذهول اللذيذ، يتحول إلى خدرٍ ثم إلى استسلام كامل لعبقرية كاتبها.

وُلد أوسكار وايلد في 16 تشرين الأول 1854 في دبلن في إيرلندة وتوفي في 30 تشرين الثاني 1900. ومنذ تشكل وعيه قرر أن يُجاهر بميوله الجنسية المثلية خارجًا بهذا على جميع المعتقدات والأعراف الاجتماعية في إنجلترة آنذلك، التي انتقل إليها وهو في السابعة عشرة من عمره. لم يَخفْ وايلد من هويته الجنسية ومن آرائه الحادة الثاقبة النفاذة، بل ضمّنها في هذه الرواية وفي مسرحياته (أشهرها "مروحة السيدة فندرمير" و"أهمية أن تكون جديًا") ومقالاته ومسلكياته الاجتماعية. وقد دفع ثمنا لذلك حين اعتقل في 6 نيسان 1895 وقُدم للمحاكمة بعد أربعة أيام، حيث وصف مُدّعي الدولة وايلد بأنه مجرم أفسد الشبيبة "لأنه حوّل الأخلاقيات إلى كلمة مستهجنة، وحوّل "الهودينيّة" (مذهب اللذة) إلى أداة فساد، ودفع عددًا كبيرًا من أبناء الشبيبة إلى ممارسة المثلية بتأثير منه". وأعلن المُدعي أنّ كتاب "صورة دوريان غراي" هو كتاب مُفسِد وحقير "وقد قرأته بصعوبة بالغة".

في 25 أيار أدين وايلد بممارسة "اللواط والتسيّب المُطلق" وحُكم بالسجن لسنتين مع الشغل والنفاذ. بعد خروجه من السجن انتقل إلى باريس وتوفي جراء التهاب في غشاء المخ.

لقد كان وايلد كاتبًا بالغ الذكاء شديد اللذع ممُعنًا في الكَلبية الأدبية والاجتماعية؛ في رواية "دوريان غراي" يُشرح وايلد حالة النفاق الاجتماعي والسياسي والأخلاقي التي سادت آنذاك. فعندما تحدث عن رجل سياسة في الرواية كتب عنه: "لقد اعتزل السلك الدبلوماسي في لحظة غضب لأنهم لم يقترحوا عليه أن يكون سفيرًا في باريس، إذ أنه يعتقد أنه الأحق بهذه الوظيفة نظرًا لأصله وكسله والإنجليزية الجيدة التي يكتب بها برقياته، إلى جانب شهوته الفائقة للملذات".

لقد احتقر وايلد ثقافة القطيع ورأى في الفردانية المبدعة أصل الأشياء وأهمها: "أن تكون خيّرًا معناه أن تكون في هرمونيا (انسياب) مع نفسك... التنافر ينشأ عندما تُجبَر على أن تكون في هرمونيا مع الآخرين. حياة الإنسان الخاصة هي الأهمّ مطلقًا... الفردانية هي الأسمى. الأخلاقيات العصرية مرهونة بالانصياع لمعايير الفترة التي تحيا فيها. وأنا أرى أنّ رجل الثقافة الذي يقبل بمعايير عصره يتصف بانعدام مُقرف للأخلاق."

وايلد هو كاتب التفرّد (بمعنى: التميز؛ بمعنى: الفرد) بجدارة. يسأل في دوريان غراي (على لسان اللورد هنري باستخفاف: "إذا أردت أن تكون محبوبًا، فكن من الوسطيين". إنها الوسطية التي تقتل المبدع، تجعله كائنًا رماديًا غارقًا في "المشهد العام"؛ في "قوانين اللعبة"، في المفاضلة والقياس اللانهائييْن لـ "ما يصحّ ولما لا يصحّ". إنه كائن غريب، أوسكار وايلد، حادّ وساخر بشكل مؤلم أحيانًا،حتى في تعامله مع النقد الأدبي الذي لم يُنصفه أبدًا وقتها. في ردّ على نقد خبيث كُتب عليه قال: "كلّ نصّ نقديّ هو ما يُشبه السيرة الذاتية لكاتبه، سواءً أكان ممتازًا أم هابطًا".

إلا أنّ وايلد لم يكن خاليًا من التناقضات. فتفرّده ونظرته المزدرية للمجتمع لم تمنعه من أن يكون شخصية اجتماعية معروفة، نجمًا في عصر لم يعرفوا بعد ما تعنيه هذه الكلمة. كان هندامه أنيقًا إلى أبعد الدرجات وكان يعاقر الخمر والرجال والحياة الثقافية بشهية كبيرة، حتى بعد أن تزوّج. لقد كان على دراية بالنفوس الفاعلة من حوله في "المجتمع المخمليّ" الاجتماعيّ والثقافيّ، لدرجة أنه قال عنهم: "لا يوجد ما هو أسوأ من أن يتكلم الناس عنك، سوى أن لا يتكلموا عنك". إنها شبه نبوءة صغيرة، متواضعة، سبقت عصر الإعلام والصور والنجوم والتقولات وصناعة الـ "بَزّ" (buzz) الإعلامي.

لقد كان في قمة سخريته ضد المُسلّمات حين رفض ما يدور حوله من تقديس للتجربة والنضوج وما إلى ذلك من الزيف الاجتماعي الذي يلفّ الأوساط التي يدور فيها، حتى كتب: "التجربة تفتقر لأيّ بُعد أخلاقيّ- فهي ليست إلا كلمة يُطلقها الناس على أخطائهم". ثم هاجم المحافَظَة الاجتماعية وزمَ الشفاه وبرم الأبواز المنافقة التي تدّعي التأدَّب والجِّدية، فكتب: "السبيل الوحيد للانتصار على الشهوة- الاستسلام لها".

لا يمكن أن يوافق المرء مع جميع ما كتبه وقاله وايلد، خصوصًا في نظرته الطهرانية إلى الفن ودعوته إلى نفيه وتجريده عن أيّ شيء آخر، بمعنى "الفن لأجل الفن". كتب: "ثمة عالمان فقط: الأول قائم من دون ضرورة التحدث عنه وهو العالم الحقيقي. الثاني هو عالم الفن ويجب أن نتحدث عنه باستمرار وإلا اختفى". ككاتب يؤمن بالعلاقة الوشائجية العميقة بين الفن والبيئة (الاجتماعية، السياسية، الأخلاقية...) أختلف مع وايلد تمام الاختلاف، وأرى أنه من ضمن تناقضاته اللذيذة أنه خلّف وراءه أدبًا ومسرحًا مُتصليْن اتصالاً وثيقًا بالمجموع والبيئة. أن تكره القطيع لا يعني أن لا تكتب عنه؛ على العكس: كراهيتك له ستطلق العنان للصّدق والحقيقة في نصوصك (ولغضب القطيع وجعاره).

لقد صرخ وايلد بنعومته المألوفة ضد الزيف والتزيف، ضد ما سُمي وقتها بـ "الأخلاق الحميدة": "ليس هناك ما يُسمى كتابًا أخلاقيًا أو غير أخلاقي. يمكن للكتاب أن يكون مكتوبًا بشكل جيد أو بشكل سيء. هذه كلّ القصة." لم يُحبّ السعي اللاهث للمجتمع من حوله وراء المظاهر والتزيّي: "المُوضة تعبير كريهٍ للبشاعة، لدرجة أننا نضطرّ لتغييرها كلّ ستة أشهر!" على المرء أن يكون بعيدًا عن الحسابات الاجتماعية وعن اللعبة المدروسة والمرسومة سلفًا، عليه أن يخرج ضد الجُبن والاختباء وراء الحياء المصطنع: "الإنسان يعبّر عن نفسه بضآلة عندما يتحدث باسمه الصريح. إمنحوه غطاءً وسيخبركم بالحقيقة." كان يرى الحياة بمنظار سبق عصره: منظار التعرّي. كان ينظر عبره إلى الناس ويرى عبر ملابسهم ووقفاتهم وأحاديثهم الحقيقة المخفية: "غالبية الناس أناس آخرون. أفكارهم أفكار شخص آخر، حيواتهم تقليد، شهواتهم اقتباس."

كما أنّ الدين لم ينجُ من براثن هذا الثائر الجميل: "المسيح هو أفضل الأمثلة: حتى عندما يُضحّي المرءُ بحياته فإنه لا يكون مُحقـًّا بالضرورة".

أنا أحبّ وايلد حبًا جمًا. أعتبره صديقًا شخصيًا. أقرأ له بهدوء، ببطء شديد. أتمتع بكل جملة ونقلة ومزاج. أغفر له تشنجاته وكَلبيّته (الكَلبية: السخرية شديدة النقد، cynicism) الفطرية لأنه سبق عصره. فصل نفسه عن القطيع وأطلّ عليه من بعيد. لا يمكن للمبدع أن يكون جزءًا من المجموع، يجب أن يسلخ نفسه عنه كي يحبّه ويكرهه من بعيد، كي ينتقده ويُشرّحه وكي ينصره بأدوات فنية أفضل. هذا ما تركه وايلد لي. هذه وصيته التي قرأتها في كتاباته. هذا ما أحاول فعله ولمّا أبدأ بعد.

والخاتمة له طبعًا: "من هو الكَلَبيّ؟ إنه الذي يعرف سعر كلّ شيء، ولا يعرف قيمة لأيّ شيء"...


هنا جنين: استقرار ومرارة

الاقتصاد يسير إلى جانب الأمن: حافلات مجانية من الناصرة إلى جنين ونابلس لتشجيع التبضع، وآلاف كثيرة من الجنود والشرطيين الفلسطينيين خريجي معاهد الجنرال دايتون العسكرية في الضفة الغربية. نحن "عرب إسرائيل" هنا. يحبوننا ولكنهم يبغضوننا في نفس الوقت. نوع من الأخوَّة المشوّهة



مدخل
الجنود على الحاجز يعرفون جيدًا الممثل جوليانو خميس، مدير ومؤسس مسرح “الحرية” في جنين. عندما نتوقف عند حاجز الجلمة المؤدي إلى جنين ينظر الجندي إلى الكرسي الخلفي في السيارة، حيث جيني (زوجة جوليانو) وابنه جيه جيه (جهاد)، فيقول له جوليانو: “هادا ابني الصغير… البنت مش معي اليوم”. يهزّ الجندي رأسه ويسجل رقم السيارة في السجل الطويل الذي معه ويعيد إلينا بطاقات الهوية. نحن نحمل بطاقات هوية إسرائيلية، زرقاء، وهي مُرحّب بها في جنين اليوم، بعد سنوات طويلة من منع حامليها من دخول مناطق “أ” الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية “الكاملة”. إنه عصر جديد من تشجيع سياحة عرب الداخل إلى جنين ونابلس ورام الله. الأسباب اقتصادية بحتة: فليأتِ عرب الداخل الذين يلتقطون قوتهم بصعوبة في دولة اليهود ولينفقوه في الضفة الغربية.

الاقتصاد يسير إلى جانب الأمن: حافلات مجانية من الناصرة إلى جنين ونابلس لتشجيع التبضع، وآلاف كثيرة من الجنود والشرطيين الفلسطينيين خريجي معاهد الجنرال دايتون العسكرية في الضفة الغربية. نحن “عرب إسرائيل” هنا. يحبوننا ولكنهم يبغضوننا في نفس الوقت. نوع من الأخوَّة المشوّهة. أخوة اثنان في عائلة واحدة، يعيشون جنبًا إلى جنب ولكنهم يعيشون على تفاعلات عاطفية وتاريخية غريبة، مستعصية.

أعود إلى مخيم جنين للمرة الأولى بعد زيارة قمتُ بها في اجتياح العام 2002 مع جوليانو نفسه، التقينا وقتها زكريا زبيدي، المطارد رقم واحد وقتها. اليوم، يحيا زكريا في حياة جديدة بعد اتفاق الهدنة الموقع العام 2007، عندما تنازلت المقاومة الفلسطينية عن السلاح في مقابل وقف ملاحقة المقاومين الأمنية وتصفيتهم. شاب آخر يدرس التمثيل في مدرسة التمثيل في مسرح “الحرية” في مخيم جنين، يقول لي على فنجان قهوة في مقهى “ديليكيت” في مركز جنين: “قاومت سبع سنين”، يرفع بلوزته ويرينا القُطَب التي على خاصرته. أكثر من عشرين قطبة. “أنا بكِلية وحدة اليوم… بس بتعرف؟ هاي الانتفاضة الثانية كانت دمار كبير رجّعنا مية سنة لورا.”

بعد يومين في جنين لا تعرف كيف تهضم هذا الهدوء المَشوب بالملل. هل نامت جنين ومخيمها بعد البطولة إياها؟ ما الذي يبحث عنه الناس هنا؟ خيار المقاومة بات باهتًا، بعيدًا، أشبه بذكرى حلوة ومقيتة في نفس الوقت. لا تغرنكم الشعارات والكلام الكبير عن المقاومة والصمود، رغم إنها شعارات صحيحة؛ فالمقاومة والصمود كانا عجيبيْن فعلاً وقتها، لكن الشعارات تُغفل التفاصيل. التفاصيل اليومية، القصص، الفساد، التعفن، التعب، الخمول، اليأس، التسليم باللاجدوى. ليس هذا كلامًا للنفي أو للتقريظ الفارغ؛ إنه حال جنين اليوم، جنين البطولة والصمود.

أحارسٌ لأختي أنا؟
يقوم مسرح “الحرية” بأهمّ ما يمكن للمسرح أن يفعله في أية حاضرة متمدنة أو عريقة: ينبش الجروج وينكأها. لا شيء ممنوع أو محرم. يقول لي المقاوم في المقهى: “الاحتلال هنا”، ويضع سبابته على جانب جبهته بقوة. يغرز أصبعه مرة تلو الأخرى في جانب جبهته ويردد: “الاحتلال هنا، الاحتلال هنا”. أصدّقه وأقبل نظريته، لا لأنها تلائم نظريتي، بل لأنها تصدر عن مطارد نام في الكهوف والشوارع وتشرد بين بيوت جنين لسبع سنوات. الممارسة لديه سبقت النظرية، وليس مثلنا، نظرياتنا تنتظر الممارسة بفارغ صبر.

سيذهب إلى رام الله لتمثيل فيلم. سيلعب دور البطولة. تُبرق عيناه وتلمعان بفرح طفولي. مقاوم مسلح يبحث عن فلسطين في عدسة الكاميرا بعد أن يئس من فوهة البندقية. هل هو الذي يئس منها أم هي التي يئست منه؟

يحذرني جوليانو والمخرج أودي ألوني (من مؤسسي وقياديي حملة المقاطعة الثقافية ضد إسرائيل) من عدم كتابة كل شيء. أوافق. لست صحافيًا الآن يريد أن يصدم القارئ بسبق تصريحيّ يدوم لساعتين قبل تنحّيه جانبًا. سمعت وسأسمع قصصًا مريبة، غريبة، وأخرى تبعث على الاشمئزاز من تحوّل المقاومة إلى مهنة كأية مهنة. من أنا لأحكم عليهم؟ ألا يستحق المقاوم معاشًا يشتري به السجائر والطعام والذخيرة؟ ولكن المعاشات سيطرت، ومنابع النقود التي كانت تصل من “رموز” السلطة تحوّلت إلى مستنقع كبير آثم.

يتلمس ألوني طريقه بحذر وسط الشوارع. نتحدث بالإنجليزية خوفًا وحذرًا. مع أنّ ألوني من المبادرين لحملة المقاطعة الدولية على إسرائيل من منطلقات مناهضة للصهيونية، إلا أنّ المكان لا يتفهم مثل هذه التفاصيل. إنه يهودي يمشي وسط جنين وعليه أن يتعكز على العربي الذي معه كي يكتسب شرعية السائح “الصديق”.

حدثتني المتطوعة الألمانية فقالت: “جئت إلى هنا كي أتطوع لثلاثة أسابيع، ووجدت نفسي أمدد الفترة لثلاثة أشهر أخرى. أعمل مع فرق من الشبان والشابات، أحبهم وأتعلم منهم الكثير. ولكنني أظلّ غريبة رغم أنني هنا، في المكان والحدث. بعد تجربة عسيرة تعلمت ألا أمشي وحدي في الشارع. من الصعب أن تقنع الشباب الذين يقتعدون الأرصفة والمقاهي أنني لست أجنبية “سهلة”، سائبة، يمكن العبث بها وبجسدها. لقد تعلمت أن آخذ حذري، أن أتصرف وفق أصول ورموز المكان الاجتماعية والثقافية.”

هل يزعجك هذا؟ هل يحبطك، أتساءل. “في البداية انزعجت جدًا، ثم اقتنعت بأنني يجب أن أكون هنا رغم كل شيء. أنا هنا لفعل شيء محدد، واضح، سأفعله لأنني مقتنعة به. أحسّ بعدم الراحة اجتماعيًا كأجنبية، ولكنه ثمن بخس أدفعه مقابل ما يمرون به هنا.”
القصص التي يخرج بها الممثلون هنا عنيفة، صدمة، مرعبة. قصص عن نساء تُقتل ونساء تُشوّه بالكبريت والنار. حالة اجتماعية مخيفة، تصدمك رغم توقعك بأنّ الحال هنا “أكثر محافظة” من الداخل. ولكنّ حجم الظاهرة يشلك. كيف يمكن أن نتحدث عن حق المرأة على جسدها بينما يناضلون هنا على حق المرأة بأن تخرج من البيت لرؤية مسرحية؟ في جنين سينما جديدة، “سينما جنين”. أنشأها ويديرها عدد من المتطوعين الألمان. الجميع يُجمع هنا وبلا تردد أن مسألة حرقها مسألة وقت لا أكثر. عندها ستصيبنا الخيبة جميعا: محبي المسرح والسينما والثقافة، الغرب، العالم، سنبرم أبوازنا وسنقول كلمات مثل “تخلف”، “تأخر”، ولكنّ المتطوعة الألمانية أذهلتني عندما رفعت سبابتها وألصقتها بجانب جبهتها وقالت بهدوء: “الاحتلال هنا”.

هل هذا استنتاج شائع هنا؟؟

يهودي! يهودي!
بدأت الأسبوع الماضي العمل على كتابة فيلم روائي طويل عن اجتياح إسرائيلي لجنين. عليّ كي أكتبه كما يجب أن أقضي الكثير من الأوقات مع أهل المخيم كي يكون الوصف والتفاصيل قريبة قدر الإمكان من حقيقتهم، لا حقيقتي. ليلة الأربعاء/الخميس كنت أقف مع أكثر من 15 شخصًا فوق سطح البيت الذي يقطنه جوليانو مع زوجته وابنه الطفل في جنين وألتقط الصور لبحر الأضواء المنزلية التي تملأ المرج الواسع المظلم. العفولة في الواجهة، خلف جنين، ونحن نتحدث عن بشاعة “بلدات التطوير” التي بنتها إسرائيل ليهود شمال أفريقيا لاستيعاب هجرتهم في الخمسينيات. نتحدث عن بشاعة الخضيرة أيضًا، ونتانيا وأوفكيم وغيرها. نتحدث عن البشاعة واليأس طيلة الليل.

ألفّ مع جوليانو في أزقة المخيم. أذكره شذرًا لكنه يحفظه عن ظهر قلب. الدعوات لتناول القهوة تصدر بكرم، لكنّ بعض الأطفال يشيرون إليه: “يهودي، يهودي”… يقترب جوليانو منهم ويتحدث إليهم عن اليهود والمسلمين وسرعان ما يحتضونه جميعًا في صورة تذكارية. أقرب ما يمكن إلى “الديسونانس” الخارق.

سأروح وأجي إلى المخيم كثيرًا في الشهرين القادمين وسأكتب بما استطعت من الصراحة، رغم الكثير من الحبر السريّ. عليكم أن تبحثوا عن الكلمات المختئبة من وراء هذا الحبر…

الأربعاء، 25 أغسطس 2010

الطريق الصواب

نشر موقع “يديعوت أحرونوت” الإلكتروني، صباح اليوم الأربعاء، خبرًا حول قيام 4 شبان من طمرة في الجليل باختطاف وتعذيب وضرب قريب لهم من العائلة يبلغ من العمر 19 عامًا، وذلك لأنه لم يرتدع عن كونه مثليًا جنسيًا!

ويقول الخبر الذي نشرته بعض المواقع العربية إنّ الشاب تعرّض لعدة أيام لتهديدات هاتفية من طرف الشبان الذين لم يعجبهم أنّ ابن عائلتهم قرّر الانتقال إلى تل أبيب وممارسة حياته الجنسية والعاطفية والاجتماعية كما يرغب ويريد، بل شعروا بالإهانة ربما في البلد، خصوصًا إذا كانت شلة أخرى من الشبان قد عايرتهم في “القهوة” وهم يشربون الأرغيلة: “روحوا ضبوا ابن عمكو (أو ابن خالكو) الهومو”…

إنها الوصاية الأخلاقية التي يعتقد المجتمع العربي المنغلق أنه يتمتع بها على أفراده. مجتمع قبلي ورجعي يحاول أن يحرس أبناءه وبناته ليلَ نهارَ؛ يهتمّ بألا يخرج أحدهم عن التلم أو “الطريق الصواب”. والطريق الصواب المرسوم لهذا الشاب من طمرة معروف: ثانوية، جامعة أو قصارة، تعمير بيت، التزوج من بنت 18 عذراء، إنجاب 5 أولاد في 5 سنوات، العمل مثل الحمار، تزويج الأبناء والبنات وبناء البيوت وشراء الجهاز ثم التقاعد على “سطيحة” البيت وحمل المسبحة ولعب الشيش بيش حتى القبر. أعتقد أنه أحسن فعلاً عندما رفض هذا الخيار البائس!

ولكن أن يتجرّأ أحدهم، فيتمرّد على هذا المسار وينتقل للسكن في تل أبيب (تل أبيب كملاذ وحيد)، كما فعل الشاب المخطوف، ويختار درب حياة مستقلا بعيدًا عن القرية، فهذه وقاحة “وسيابة” و”انحلال” لا ثانيَ له! وسنقول في سبيل تبسيط وتسطيح المعضلة إنّ بعض المتفهمين سيتفهمون عملة شبان العائلة النشامى، لأننا “شعب حامي ومحافظ”، والجميع كان سيطبل لهم ويزمر لو أنّ هذا الشاب مثلا ظلّ في القرية ومارس نزعاته وميوله. ولكنه خرج منها ورحل بعيدًا- أليس هذا كافيًا كي تتركوه وشأنه؟؟ نسأل من باب التبسيط الشعبوي.

وهكذا، سيدور الحديث الآن في الصالونات والمقاهي والكوافيرات حول بعض المآثر التي نعرفها: “هني بطلعلهنش يعملوا هيك أكيد، بس خيتا بتعرفي هوي شو بعمل؟”؛ أو: “رفعوا راس البلد”؛ أو: “هاي عاداتنا وتقاليدنا وشرفنا”؛ أو: “منيح اللي علموه درس. وينتا طالعين الشباب من الحبس؟ لازم نزورهن”.

وسيتلخبط الليبراليون المحافظون في أحزابنا وجمعياتنا: “نعم إكس ولكن واي؛ يمكن زد ولكن سي؛ فكرك صاد بس عين؟… إحنا مع شين بالتأكيد، ولكن شو مع طاء؟” وكالعادة، سيتخربط هؤلاء وسيغرقون في تفاهتهم وانفصام شخصياتهم المُزمن في كل ما يخصّ مواجهة المجتمع داخليًا.

وهذا الشاب الطمراويّ؟ يخطفونه عنوة برشّ غاز الفلفل عليه وعلى صديقه في وضح النهار ويشبعونه ضربًا. هل اعتقدوا أنه إذا أكل قتلة سيشعر فجأة بحبّ جارته ابنة الـ 17 عامًا وسيتزوجها مع سحجة لموسى الحافظ؟
؟

Pub الحارة



(نُشرت المقالة في موقع "قديتا.نت")

لا يختلف التأثير الذي يخلفه مسلسل “باب الحارة” عن التأثير الذي تخلفه سكرة كحولية: غيبوبة وعي وتفكير. يتحول السّكير بعد بطحة العرق إلى إنسان سهل، طيّع، خالٍ من القدرة على الحُكم المعرفي أو الخاصّ بالوعي- وهكذا أمتي، تتحوّل إلى مستهلكة لاجترارات ضحلة وغبية عن زمن ولى كان يجدر تناوله بمنظار نقديّ وتاريخي، وليس بالتمحّن على شوارب معتز ليلَ نهارَ.

لقد حاول البعض سابقًا الترويج لمسلسل المُبحلقين (شفتوا كيف بضلهن يبحلصوا؟) على أنه يروّج للنخوة العربية والتقاليد والعالم العربي المفقود في معمعان الراهن المعاصر. وكم كانت هذه المحاولة ممجوجة من أصلها؛ فالرائي لهذه التفاهة يلاحظ مستوى التمثيل الغبي (لم استعمل “هابط” عن وعي؛ إنه تمثيل غبيّ!) والإخراج التقني الذي يعتمد على حركة كاميرا مرسومة سلفا لدرجة الانتحار مللا: “وايد”، زوم إن، تِلتْ، ثم زوم إنننننن على وجه أحدهم، شريطة أن يكون ذا شوارب.

ناهيك عن أنّ الاستنتاج حتميّ: إذا كانت أيام زمان هيك فأهلا بالاغتراب ما بعد الحداثويّ.

كما أنّ الاحتراف في مطّ اللحظة حتى أقصاها يُحرج حقًا جميع الفلاسفة الذين كتبوا ونظروا عن الوقت والزمن. فالوقت في “باب الحارة” جامد، يُمطّ حسب الحاجة إلى تطويل الحلقة الليلية، غير آبهين بتطوّر القصة (كنت سأقول حبكة، ولكنني تذكرت أنّ لا حبكة سوى الشوارب العربية المرسومة بالكحل والرّدح النسائي النمطيّ).

كم من المخجل أن تكون عربيًا في هذه الأيام، وأنت تعرف أنّ 300 مليون شخص (غالبيتهم على الأقل) يجلسون كلّ ليلة بعد إفطار جامد ويستسلمون بمحض إراداتهم لهذا الهراء التافه. على الناس أن تعرف أنها تافهة؛ لم يعد بالامكان الاختباء وراء القناة المنتجة أو المخرج أو الكاتب أو الممثلين النجوم. الناس التي تفتح بيوتها لهذا الإدمان الشعبوي السطحي ليست عميقة أو ذكية بشكل خاص. أعرف أنني أتحدث عن بعض عائلتي وأصدقائي وأبناء بلدتي والجليل والمثلث والنقب وفلسطين التاريخية والشرق الأوسط والهلال الخصيب والمغرب العربي وشبه الجزيرة. ولكنهم كذلك!

مسلسل “باب الحارة” يذكرني بأحد الصحافيين الأمريكيين حين سألوه عن صحيفة منافسة، فأجاب: هذه الصحيفة يكتبها أناس لا يعرفون الكتابة، وينقحها أناس لا يعرفون التنقيح ويحررها أناس لا يعرفون التحرير ويقرأها أناس لا يعرفون القراءة. وكذا باب الحارة: يمثلها أناس لا يعرفون التمثيل، ويكتبها أناس لا يعرفون الكتابة، ويخرجها أناس لا يعرفون الإخراج، ويشاهدها مشاهدون لا يعرفون المشاهدة.

مرحى للنمس!

(شكرا للرفيق هشام نفاع على العنوان الهادف)

الاثنين، 16 أغسطس 2010

إطلاق موقع "قديتا.نت" على الشبكة: ثقافة وسياسة وإبداع


أطلقت مجموعة من الكتاب والمبدعين والمثقفين، صباح اليوم الإثنين، موقع إنترنت جديدًا اسمه "قديتا.نت"، وسيعنى الموقع بالثقافة والسياسة على وسعهما وامتدادهما، وتأتي تسمية الموقع على اسم قرية "قديتا" الجليلية التي هُجرت في نكبة العام 1948.

(www.qadita.net)

يشغل الكاتب والناقد والصحافي أنطوان شلحت مهام المحرر المسؤول، فيما يشغل الكاتب والصحافي علاء حليحل مهام مدير التحرير. وتتألف هيئة التحرير من: هشام نفاع، أفنان إغبارية، محمود أبو هشهش، رشا حلوة، فراس خطيب، رازي نجار، ياسمين ظاهر، مروان مخول، راجي بطحيش، أسماء عزايزة، سامي مطر، شربل عبود ومجد كيال.

ويحوي الموقع موادّ خاصة وحصرية لكتاب وكاتبات من فلسطين والعالم العربي، حيث يُعرّف الموقع نفسه على أنه مساحة "لإعادة الاعتبار إلى الكلمة المنشورة في عجالة اليوميّ والرّاهن، ومَركزتها ثانية كحالة أدبية وثقافية وسياسية واجتماعية، لها ما تقول، بعمق وإصرار ومن دون مداهنة. ستكون الجودة المعيار الأول والأساسيّ، ولن تقع كتابة متمردة أو “غير محافظة” ضحية الشطب لأنّ نشرها سيغضب البعض أو سيثير “الحساسية”. نحن نعتقد أنّ هامش الحرية في النشر باللغة العربية آخذ في الانحصار، في ظلّ التوترات السياسية والاجتماعية والاصطفافات المختلفة، وفي ظلّ المشهد العربي-الإسلامي السّاعي يومًا بعد يوم (بمعزل عن الأسباب) نحو تضييق الخناق على الإبداع الخَلاق."

ويركز الموقع الجديد على المواد والكتابات في مجال الأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلي والسياسة، وسيحوي ولأول مرة زاوية للكتابة المثلية العربية، بالتعاون مع مؤسسة "القوس" للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني.

وتؤكد الهوية التأسيسية للموقع على أنّ "الإبداع الخَلاق هو غايتنا. وحين نتحدث عن الإبداع الخَلاق فإننا نتحدّث في الأساس عن حقّ الكاتب(ة) في كتابة وصوغ ما يخالف النهج المتبع، ما يشهر سيفًا على البقرات المقدّسة، ما يستفزّ الحياء العام والأصحّ- ما يستفز الجُبن العام. هذه هي غاية الإبداع الأساسية: أن يعيد النظر في المسلمات، أن يسائلها وأن يُمهّد لطريق أخرى، مخالفة، متباينة، ريادية. نحن لسنا حياديين؛ لن ندّعي الموضوعية ولن نختبئ وراء صياغات فضفاضة لا تغني ولا تسمن. نحن منحازون للانفتاح على الجهات الأربع، على إعادة النظر والفحص، على تحدّي الحدود والخطوط الحمراء بشكل دائم ومثابر. هذا لا يعني أننا سنكون فوضويين من أجل الاستفزاز؛ سنحاول أن نكون جريئين وسبّاقين من أجل حماية حرية الكلمة والنشر والتعبير.

"نحن نؤمن بأنّ الجودة الإبداعية هي الحلّ لحالة الشرذمة الفكرية والثقافية التي يستبغ بها حالنا العربيّ الراهن. ما نريده هو أن نكون منصّة منتصرة للمبدع وليس ضده؛ أن نتعامل مع النصّ على أنه اللبنة الأساس في صوغ الأفكار والمستقبل. نحن نحلم بمستقبل أفضل يحفظ مكانًا لائقًا للإبداع والخَلق، لا للارتكان والتسليم."

السبت، 7 أغسطس 2010

على هذه الأرض ما يستحق الذمّ!



لا يصمد فيلم "كما قال الشاعر" في امتحان الزمن؛ فمخرجه نصري حجاج اعتمد على انفعال اللحظة بعد موت الشاعر محمود درويش وحاول أن يعبّر عن غياب الشاعر بشريط وجدانيّ شبه تجريديّ، يعتمد على صوت الشاعر وشعراء آخرين يتلون شعره، وفي الخلفية فيديو صُور في محطات درويش الأساسية: البروة، الجديدة، حيفا، رام الله، بيروت، باريس، تونس... إلا أنّ التصوير والإخراج العادييْن (في أحسن الأحوال) حوّلا هذا الشريط التلفزيوني إلى ما يشبه الراديو المتكلم.
لا يصمد هذا الشريط الذي بثته قناة "أخبار المستقبل" ليلة اليوم السبت (7 آب) في امتحان الزمن لأنه وليد اللحظة، ابن السرعة غير المفهومة في تصوير مثل هذا الفيلم بعد موت الشاعر مباشرة، من دون التمتع (والاشتعال ببطء) بموقدة الزمن والنظرة الهادئة عن بُعد. إنه شريط قصير النفس، خالٍ من العمق السينمائي (الشكليّ والمضمونيّ) الذي كان من الممكن أن يرفعه إلى مرتبة فنية أعلى بكثير. الأثر الذي تركه الشريط ربما على المشاهدين بعد موت الشاعر بقليل انتهى واختفى، وظلّ الامتحان الآن سينمائيًا لا غير. بلا "خصوصية اللحظة".
لهذا، تُضحي مشاهدة الشريط بعد الدقائق الأولى معاناة تُثقل على المرء صورة بعد صورة، وتجعل المشاهد (أنا في هذه الحالة) يتساءل عن سبب صنع هذا الشريط: أهو استذكار نوستالجيّ أم محاولة سريعة وغير ناضجة لإنتاج ما يشبه أيقونات (رسمية) للذاكرة عن الشاعر؟ كما أنّ المشاهدة التراكمية، دقيقة بعد دقيقة، تحوّل هذه المحاولة السينمائية إلى كيتش دبق يمنعك في بعض لحظات الفيلم (المرأة التي تتجول في مكتب مجلة "شؤون فلسطينية" في بيروت، مثلا) من التضامن حتى مع موضوع الفيلم.
لا يشفع للشريط أنّ نخبة ممتازة من الشعراء حول العالم قرأت قصائد لدرويش مترجمة إلى لغات الشعراء المختلفة، حيث أنّ أقوى لحظات القراءة كانت لجوقة الفتيات في بداية الشريط وللشاب الذي ألقى قصيدة بلغة الإشارات. وبموازاة هذيْن المثاليْن، لا يمكنني الإشارة إلى أية لحظة درامية في الشريط، رغم الإمكانيات الكامنة المحتملة الكثيرة فيه. لقد قتل هذا الشريط أيّ مَجاز مُمكن، وصارت الصورة فيه ترجمة حرفية للنصّ المَلقيّ، حتى لتخال الفيلم في لحظاته السّيئة جدًا دعاية تجارية لحُرج جميل أو لفندق فاخر.
إنه شريط بلا هوية أو مُميز يُذكر. يتخبط في أسئلة حبّذا لو أنه طرحها على الشاشة بقوة: كيف يُمكن تخليد الشاعر وصورته؟ هل الشاعر هو شعره أم جميع التفاصيل الأخرى التي تحيط بشعره؟ كيف يمكن الحديث عن درويش بصوته من دون الوقوع في فخ الاستسلام السّهل لإلقائه الساحر، وبالتالي التكاسل البائن والظاهر في المعالجة السينمائية؟
وإذا كان القصد تأليف قصيدة سينمائية لدرويش، أي كتابة الشعر بالكاميرا كما يحبّ عشاق وصُناع السينما "الفنية" أن يقولوا، فأين هي القصيدة السّينمائية؟ التصوير عاديّ وتحت العاديّ في الغالب؛ الأفكار الإخراجية "صغيرة"، لا تحمل أية بشرى سينمائية؛ القصة معروفة للجميع فأين ما وراء القصة؟
(وتُعسًا للعالم: متى سيتوقف مخرجونا عن لقطات "البانوراما" التي تبدأ بكاميرا ثابتة ثم تبدأ الكاميرا بالدوران كي "تلتقط" المشهد؟ أليست هذه اللغة التصويرية-الإخبارية-التقريرية-الملائمة لتقارير الفضائيات عكس كلّ ما هو سينمائيّ وإبداعيّ شكلانيًا؟)

الأربعاء، 21 يوليو 2010

واحة الإسكندر: هنا دُفنت الحقيقة

بتأخير فاحش إنتهيت أمس من قراءة رواية "واحة الغروب" للروائي المصري بهاء طاهر (الطبعة السابعة، دار "الشروق المصرية)، وهي الرواية الحائزة على جائزة "بوكر" للرواية العربية للعام 2008. ومن العصيّ أن تجتمع في رواية واحدة عناصر عدة تعمل كلها على مستوى واحد من السرد الخطي (لينيئار)، رغم الإستعادات التي كانت تتخلل الرواية، وخصوصًا لدى بطلي الرواية المأمور محمود وزوجته كاثرين. فالسرد في هذه الرواية تقليدي بامتياز من هذه الناحية، إلا أنه جريء وحافل بما يمكن تسميته "التجاوزات البنيوية"، وبذلك يبرز التجديد والحيوية الكامنين في هذه الرواية عند الانتهاء من قراءتها.

ولعلّ أبرز هذه "التجاوزات" إبراز شخصية الإسكندر الأكبر كشخصية مركزية حاضرة في الرواية وتفاعلاتها، رغم غيابه وبُعدنا عن تفاصيله الصغيرة التي استعان بها الكاتب لبلورة الشخصيات الأخرى، وقد نجح طاهر في استحضار الإسكندر الكبير بشكل لافت وحميمي عن طريق بحث كاثرين المثابر والعصابي بعض الشيء عن مقبرته المفقودة. كما أنّ البحث عن قبر الإسكندر في واحة سيوة المنعزلة بدلا من الإسكندرية يشكل مجازًا قويًا لمعظم شخصيات الرواية، وخصوصًا للمأمور محمود، الذي ينتظر الموت ويبحث عن القبر الذي سيأوي إليه.

العناصر المجتمعة التي لمستها في بناء الرواية تحوي (من ضمن ما تحوي): البطل الرئيس الذي يصارع عوامل داخلية وخارجية، تنضم إليه شخصيات ثانوية بعضها مركزي (مثل كاثرين زوجته) وبعضها هامشي رغم حضورها الطاغي (مثل مليكة والشيخ يحيى والشيخ صابر وأخت كاثرين ورفاق المأمور). إنه الغَزْل بمعناه التقليدي: خيوط تتداخل فيما بينها لتستند على الخيط المركزي الكبير، لتصنع جميعها سجادة ملونة غنية، تمتدّ على عوالم متفرقة، بعيدة، متنافرة (لدرجة الجمع بين القاهرة ودبلن في إيرلندة)، لتنجح في الموالفة بين هذه العوالم بجدارة.

الرواية غنية بتفاصيلها وبهاء طاهر كاتب حذق ("خالتي صفية والدير"، "لم أكن أعرف أنّ الطواويس تطير")، يمارس حرفته الكتابية بنفس طويل واهتمام مرئي ومحسوس بالتفاصيل الصغيرة التي تبني العوالم لدى الشخصيات وتغنيها. إنها فراسة المتأمل والباحث في ذات الوقت، وهكذا نرى طاهر يعود إلى كتب التاريخ ويقرأها ويستفيد منها (معلوماتيًا واستيحاءً) ويبني عليها مُتخيّله حول تلك الحقبة التاريخية التي يتحدث عنها، والتي تلت فشل الثورة العرابية في مصر ضد الاحتلال الإنجليزي.

وليس أجمل من واحة منعزلة في وسط الصحراء كي تكون "ميكروكوزموس" متكاملاً يستطيع من خلاله طاهر أن يبرز مكامن الضعف والقوة في بني البشر، مواد كتاباته المتميزة. فالانغلاق الذي تعيش فيه واحة سيوة، بشقيها الغربي والشرقي، يبعث المأمور محمود على التفكير مليًا –في معظم صفحات الرواية- بحياته وقراراته وبحياة المصريين وقراراتهم. الصحراء الممتدة تستفزّ الذهن، رغم أنها قتلت علاقته الحميمية مع زوجته.

رغم ذلك، لا أظنّ أنّ الرواية كانت تحتمل قصة حب مبتورة، غير واضحة المعالم، بين محمود وأخت زوجته فيونا التي تأتي إلى الواحة لتموت فيها. أعتقد أنّ هذه القصة أضرّت بنهاية بلورة قصة محمود (الشخصية الرئيسة) بصفاء وجلاء من دون الحاجة إلى "أنتيغونست" جديد.

رواية "واحة الغروب" ممتعة، شيقة، مكتوبة باحتراف كبير. لم أقرأ معظم الروايات التي وصلت وقتها إلى اللائحة القصيرة لجائزة الرواية العربية ونافست "واحة الغروب"، ولكن من خلال قراءتي لهذه الرواية أعتقد أنها جديرة بالجائزة، وفق معطياتها المستقلة.


الاثنين، 5 يوليو 2010

ضمير المتكلم (والصامت)


قراءة في رواية سيد قشوع الجديدة "ضمير المتكلم" (גוף שני יחיד): حبكة محبوكة وأسلوب ناضج



ينجح سيد قشوع في كتابه الأخير، "ضمير المتكلم" (גוף שני יחיד)، بتخطي مرحلة جديدة من مراحل تطوره ككاتب متميز، نحو نضج أدبي وروائي وسردي. فـ "ضمير المتكلم" رواية مركبة، سرديًا وتقنيًا ونفسانيًا، أكثر من سابقتها "ليكن صباحًا"، وذلك لاختيار قشوع السّير في مبنى سرديّ غير تقليدي، يذهب ويرجع على محوريْ الزمان والمكان، كما أنّه يختار بطليْن يسرد بواسطتهما القصة: المحامي (بلا اسم في الرواية) وأمير، يتنقل بينهما في فصول يُخصّص كل واحد منها لأحد البطلين في الرواية على التوالي.


ولكن لو تتبعنا اسم الرواية لرأينا أنّ قشوع اختار أن يستخدم ضمير المتكلم السردي مع أمير، "أنا"، بينما سرد قصة المحامي بضمير الغائب، "هو". يبدو لي أنّ هذا الخيار كان بديهيًا حيث أنّ سيرة أمير، كطالب جامعي من المثلث في جامعة القدس، تتساوق وتقترب من بعض السيرة الذاتية لقشوع، وأعني التفاصيل الحياتية اليومية التي يبني من خلالها الكاتب عوالم أبطاله، ولا أقصد بالضرورة المحطات الحياتية التي تصنع "قصة" شخص ما.

كما أنّ هذه التفسيرات تختزل معانيَ أخرى يمكن اشتقاقها من الاسم الأصليّ العبريّ للرواية، حيث يمكن تقسيم العنوان إلى ثلاث كلمات تشكّل كل واحدة منها عمودًا من الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها الرواية: "جسد" (גוף)، "ثانٍ" (שני) و"وحيد" (יחיד). الجسد جسد يونتان في الأساس (وجسد ليلى)؛ الثاني هو أمير بالنسبة للمحامي، والمحامي بالنسبة لأمير؛ والوحيد- هما أمير والمحامي سوية، وكل على حدة.

كما أنّ الضمير ليس للمتكلم فقط، بل لأمير الصامت المراقب للعالم من حوله. ولن أدخل في تفسيرات أخرى كي أمنع نفسي من فضح معلومات وتطورات قد تفسد القراءة للراغبين.


يُسجَّل لصالح قشوع في هذه الرواية قدرته السردية الممتازة، التي تؤهله لبناء قصة تحدث من خلال محورين كتابيين متوازيين في البداية، ثم ليتقاطعا في النهاية. هذه تقنية غير جديدة في السرد الروائي (خصوصًا في السنوات الأخيرة)، ومع ذلك تظلّ خطيرة وفيها من الرهان الكثير، حيث أنّ أيّ ترهّل في تطوّر السرد سيجعل من الانتقال بين شخصيتي الرواية أمرًا مُملا ومتعبًا، وهذا لم يحدث لدى قشوع بالمرة؛ فالانتقال من فصل إلى آخر كان محفوفًا دائمًا بالتشويق والرغبة في معرفة المزيد عن المحامي وعن أمير في نفس الوقت.

كما يُسجّل لصالح قشوع نضجه الأسلوبيّ وعدم ارتكانه إلى الكلبية (cynicism) كما فعل في كتابه الأول، "العرب الراقصون"، وفي بعض روايته الثانية، وكما يفعل في كلّ أسبوع في عموده الشخصي في ملحق "هآرتس". فهو يلجأ في هذه الرواية الأخيرة إلى صياغات محسوبة وجمل تحمل الكثير من النصوص الخبيئة (subtexts) من دون تزويقات أو ملاحظات لاسعة تتكرّر بكثرة. قشوع يقرر أن يمنح القصة نفسها وتعقيدات شخصياتها مركز الحلبة، ليتنحى جانبًا ككاتب مع أسلوب مميز، مما قد يصدم بعض القراء للأسلوب "غير الملائم" لسيد قشوع الساخر. ما فعله قشوع هنا يشبه سعي الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير إلى كتابة أدب لا يمكن التعرف فيه البتة على أسلوب الكاتب، وبكلمات فلوبير: "على الكاتب أن يكون مثل الله: لا يُرى ولكنه موجود في كلّ مكان". هذا ما فعله قشوع قياسًا بكتاباته المألوفة حتى اليوم.

أنا أعتقد أنّ هذه نقطة لصالحه، كونها تدلّ على تطوره الدائم ككتاب من دون الإرتكان إلى سهولة السخرية والفذلكات الجميلة في كتاباته السريعة. إنها طريق وعرة لأي كاتب "يملك أسلوبًا" وعلامة فارقة: من يجرّ من، الكاتب أم أسلوبه؟
كما أنّ قشوع يكتب بحساسية كبيرة قصص النساء في الرواية، وهذه مهمة غير سهلة أيضًا لكاتب رجل. ناهيك طبعًا عن أنّ الحبكة نفسها مثيرة، مليئة بالتجديد على مستوى الأفكار القصصية، غير نمطية حتى في مقاطعها النمطية المتعلقة بقوميات الشخصيات ومكانتها الاجتماعية. كما أنّ البُعد "البوليسي" الذي تكتسبه قصة أمير لاحقًا، من دون تبني هذا الجانر بحذافيره، تفتح بابًا جديدًا على قدرات قشوع وإمكانية جديدة لطرقها.

ومن فرط رغبته في إكساب المضامين لشخصياته وعوالمها تخاله أحيانًا محاضرًا إنتروبولوجيًا، يُعلم أبناء عمنا اليهود، بلغتهم، بعضًا من المعلومات والدروس اللازمة عن العرب والفلسطينيين. لا بأس، فليتعلموا- فهم بحاجة إلى هذا. ولو لم تكن هذه الرواية مكتوبة على يد عربي بالعبرية لليهود، لكانت هذه الملاحظة سلبية في أساسها: الإطناب والميل إلى الكتابة التدريسية في بعض مواقع السرد.

من جهة أخرى، يؤخذ على قشوع أمران أساسيان، في نظري، يتعلق الأول بإصراره الحثيث، بعد كلّ ما كتبه، أدبيًا وتلفزيونيًا، على الاستمرار في التنكيل بشخصية العربيّ، بجوانبها السيئة أو المنفرة أو غير المحمودة على أقلّ تقدير. لا أقول هذا من باب التحفظ من النقد، على العكس فأنا من مريديه المتحمّسين، بل أقوله حرصًا على قشوع من أن تتحول هذه التوصيفات إلى فزاعة تقف عاليًا كراية حمراء تميّز كتاباته.

أما الأمر الثاني فيتعلق بالنهاية: فمع تقدم الحبكة بدأتُ أقتنع بأنّ قشوع يأخذنا إلى متاهة غير منتهية، غير محلولة، عن عمد، وإذ به يرتب لنا لقاءً بين شخصيتي الرواية، وبنظري هذه أضعف حلقة في الرواية. فمثل هذا اللقاء الحتميّ أفسد ما بناه قشوع طيلة الرواية من العالميْن المتوازييْن وكنتُ أشعر بلذة خفية أثناء القراءة مُدركًا (عن خطأ) أنّ قشوع سيصدمنا بنهاية غير متوقعة حتمًا، لا يلتقي فيها البطلان. ولن يشفع له أنه ترك لنا علامة سؤال في الفقرة الأخيرة من الرواية، فقد أتت في رأيي غير مقنعة ومصطنعة بعض الشيء.


الأحد، 4 يوليو 2010

6 ملاحظات على المونديال: "زيكُوكِيم"*



1
الكثيرون يستغربون لماذا أشجع ألمانيا. فهو ليس فريقًا "جذابًا"، "سكسيًا"، لا يوجد فيه أطافيل معجزات ولا نجوم براقة ولا تفتا هندي. ألمانيا؟ يسألون باستهجان،
وبدلا من البحث عن جميع حسنات هذا الفريق أفكر بالسبب الأكثر منطقية وطبيعية وغريزية للعبة مثل كرة القدم: أبي يشجع ألمانيا. كانت مباريات المونديال حدثًا في البيت يجمعنا أطفالا في الصالة إلى جانب أبي ويجعلنا نفرح حين يهلل أبي لهدف ألمانيّ، ونحزن حتى البكاء حين يغلق أبي التلفاز ويتنهّد بحسرة: "يحرق دينن"!

أيوجد سبب أفضل من هذا السبب؟ إنه السبب الذي جعلني أحمل أمتعتي وعائلتي عصر أمس وأيمّم شطر الجش كي أشاهد اللعبة الحاسمة التي ستقرّر (في نظري المتواضع) حامل الكأس لهذه السنة. حتى ظرافة وطلاقة ونغاشة دُشة الضاحكة لم تستطع منع أبي من الجلوس أمام التلفاز معي ومشاهدة المباراة. في كلّ مرة كان يخطئ الألمان ضربة أو يفوّتون فرصة أقول بعصبية: "يحرق دينن!" ليتمتم أبي (الصائم المُصلي اليوم): "أستغفر الله".



2

ومع ذلك: الروح الجماعية، الانضباط، الانضباط، الانضباط. صار الانضباط مَسبّة في زمن "الزيكوكيم" هذا. فالمفترض بـ "الزيكوكيم" التي ينتجونها لنا كلّ سنتين أو ثلاث أن تُرقّصنا لأنّ "الزيكوك" رقص أو نغرّد لأنه ضرب الكرة "سالْطة". صار الفرد نجمًا ومركزًا في لعبة جماعية، والخطر، كما رأيناه في لعبة الأمس بين الأرجنتين وألمانيا، أن ينهار الفريق حين ينهار النجم. ميسي نجم ورقيّ وليد الساعة، مثار الإعجاب، "زيكوك"، لكنه ليس قائدًا، لا يركض اللاعبون خلفه ويفدونه بعرقهم وجهدهم، خاصة إذا كان يركض كي يلحق حاله بهدف يتيم في المونديال حفظًا لماء وجهه (وعقود عمله مع النوادي الأوروبية).

في ألمانيا يوجد قائد: يواخيم، المدرب. توجد هرمية، احترام للجهد الجماعي، الإخلاص للهدف، كتفًا إلى جانب كتف. قد لا يكون كلوزه وميلر ومان وغيرهم "جذابين" و"سكسيين" و"نغشين" مثل ميسي وروني وبكهام وغيرهم من فطريات النجومية السابقة والراهنة والآتية، إلا أنهم يتقنون أمرًا واحدًا أساسيًا: الانضباط والطاعة. لهذا أحبّهم. أنا في النهاية إنسان "مربّع"، أومن بالهرمية والانضباط واحترام الهدف والطريق. لا أومن بالفوضوية الطفولية ولا برومانسية البطل الذي سيأتي من أول الملعب إلى آخره، هائمًا بنفسه، يطير على أثير نفسه، ليثبت نفسه، أمام نفسه (والعالم).


3
راهنتُ بيني وبين نفسي على أنّ لعبة الأرجنتين وألمانيا ستكون لعبة "الأرجنتين أو ألمانيا": لعبة طاحنة، بلا تسويات، بلا حَسمسات. ولم يكن من الطبيعيّ أن يتوقع مشجع لفريق يحبه أن يكون هذا الفريق طرفًا مطحونًا في مثل هذه المعادلة، ولكنني توقعت أن ينهار الفريق الألماني كما انهار الأرجنتيني، في حال غيروا من مفهومهم للّعبة في مواجهة ميسي ومرادونا. كانت هذه خشيتي الكبرى ولكنها لم تتحقق. يواخيم: خليك هيك.


4
المشجعون غوغائيون، متحمّسون، غير منطقيين، غير عقلانيين ولذلك فإنهم لا يرون العمود الذي في عيون فرقهم، يعتقدون أنها "ميسي ولو طارت". من حقّ كلّ مشجع أن يدافع عن معبوده، عن مثاله، عن "زيكوكه"، ولكن رجاءً تـَفـْتِفـوا التنظيرات على خيبتكم بعيدًا عنا. قبل ثلاثة أيام إنهارت البرازيل (فطريات نجومية أخرى) تحت أقدام الهولنديين. في عكا، حيث أسكن، يحبون البرازيل. يحبونها إلى درجة أنّ بعضهم خرجوا يصرخون إلى الشارع، ثم تناول أحد المشجعين البرازيليين المتفحمين علم البرازيل وأخذ يمزقه وهو يصرخ بأعلى صوته: "ولكو أنا برازيلي! ولكو أنا برازيلي!"

المشجعون لا يفقهون الكثير، خصوصًا القدامى وأصحاب المعرفة والإحصائيات وساعات المشاهدة اللانهائية. أقول هذا كمشجِّع موسمي يستيقظ من سباته في كلّ أربع سنوات ليشجّع فريقه الألمانيّ في المونديال، ثم يعود إلى شؤونه البعيدة عن كرة القدم. ويخلف على حماي أبو حمّوده الذي يأتي عندنا أحيانًا لمتابعة ألعاب فريقه المفضل برشلونة (وميسي طبعًا) ويفقعني محاضرات لا نهائية عن حبيبه الأرجنتيني الذي مَغطوه بالقوة كي يَطوَل قليلاً. رأيت ميسي في لحظاته الكبيرة، الخلابة في مباريات برشلونة، ولكنني رأيته أيضًا في الأسفل، في القاع السحيقة، واستطعت أن أفرّق بين الحالتيْن.

لا أدّعي أنني أكثر ذكاءً من غيري، ولكنني لست مُلوّثًا، لا أجمع الأخبار والعناوين كلّ يوم، لسنين طويلة، كي أثبت أمرًا أريد إثباته بأيّ ثمن: "كاكا ولو طارت". عندما لعبت ألمانيا مع غانا شتمتُ فريقي وانتقدته؛ لقد لعبوا بشكل سيء ومهين وغبيّ، تمامًا كما لعبت الأرجنتين أمس مع ألمانيا.

5
البرازيل ونجومه لا يقلون تفاهة عن الأرجنتين ونجومها، ولكنّ مشجعي البرازيل (متأسف على التعميم) غوغائيون أكثر من أيّ مشجعين آخرين. لماذا؟ لأنهم يلوكون عنجهيتهم التي تتحطم سنة بعد سنة، وهم يعتقدون أنهم يلوكون شوكولاتة سويسرية. ما يشبه "الجقارة بطيزي بشخّ بكلسوني" (متأسف على الفظاظة).

6
أعتقد أنّ ألمانيا ستفوز بكأس العالم. إذا حدث ولم تفز فسأحزن كثيرًا، وإذا خسرتْ بسبب غبائها فإنني سأشتمها مثلكم. فأنا لست أعمى ألوان العلم الألماني.



* إلى قارئات وقراء المدونة من أرجاء العالم العربي (وهم كُثرُ حسب برنامج العدّ والإحصاء في المدونة): "زيكوكيم" كلمة عبرية تعني المفرقعات النارية، ومفردها "زيكوك"، أي مُفرقع ناريّ، سريع الاشتعال، سريع الانطفاء.