الخميس، 11 مارس 2010

باريس: اليوم الرابع








نصحتني هيام بالتوجه إلى أحد متاجر شبكة "القارب الصغير" لملابس الأطفال للتبضع بحلل جديدة لدشة الآخذة في التوسع. بعد أن رطنتْ بالفرنسية مع سهى في الهاتف أسماء أماكن لا أذكر منها شيئًا، هطلنا إلى المقهى الأليف لتناول الغداء وإذ بدُرّة لا تزال هناك، ومعها نيكولا. دُرة هي منتجة تونسية أنتجت فيلم "حرير أحمر" الذي مثلت فيه هيام (رقصت بالأساس) وأخرجته رجاء عماري. وقد جلسنا إلى الاثنتيْن في الحادية عشرة صباحًا من ذات اليوم، في ذات المقهى، نحتسي الشاي الأخضر (والعضرا!) ونتحدث عن السينما ومَن يخرج ماذا ومَن ينتج مَن.

وقد أسهبنا هيام وأنا في الحديث عن الفيلم الذي نكتبه (حسنًا، هي التي أسهبت) وعن مشاهد الحب والتعري والتمزمز التي تملأ الفيلم. وقد فكرتُ بصوت عالٍ في القعدة بأنّ هذا سيكون ربما أول بورنو فلسطيني، فضحكنا ملء أشداقنا، ثم خفتت ضحكتي حين تذكرت أنّ أبي وأمي سيشاهدان الفيلم، وحماي وحماتي، وأنسبائي وأقربائي، في الوطن والشتات. تمعنتُ في هيام طويلا وفهمت الفخ الذي تنصبه ليه: هي في باريس، مدينة الأنوار والتنوير (للفرنسيين فقط)، فماذا يهمها؟ وأنا؟ ماذا سأفعل بجحافل المؤمنين والمؤمنات الذين يخافون الجنس والحب والتمزمز؟ هل ستكبر دشة بلا أب وما ذنب ديناصورتي البريئة بكل هذا؟

إلتقيت دُرة في ورشة السينما MFD التي شاركت فيها في مدينة مراكش في المغرب قبل ثلاث سنوات (أو سنتين- لا أذكر)، بنفس السيناريو الذي نعمل عليه (عفت طيزي من هالفيلم!)، وقد سافرت وقتها إلى مراكش ثلاث مرات في نفس السنة، حيث كثرت الزبدة على العرب وفاضت (فسّرت لي هيام أنّ الفرنسيين يطلقون كلمة "زبدة" على العرب المهاجرين في فرنسا، حيث أن الكنية هي كلمة "عربي" بالفرنسية ولكنها معكوسة ترتيب الحروف). دُرة امرأة جميلة ومُحبة وصادقة وعفوية مع أنها منتجة هامة ومعروفة (هذا الدمج نادر جدًا في عالم السينما)، وهي ترأس اليوم صندوقًا لدعم السينما في فرنسا، وقد أنتجت مؤخرًا الفيلم الثاني لرجاء، والذي بدأت عروضه الافتتاحية.


طبعًا، هيام بدأت الحديث من طق طق للسلام عليكم، من الترميمات التي تقوم بها في البيت حيث توسع شقتها بعد شراء شقة الجيران (ذكرتني بالنكتة عن مقاول البناء الذي تزوج اثنتين ففتحهما على بعض)، وحتى طرائف وقصص لينا ومنى، ابنتيها الجميلتين. كان من المنعش أن ألتقي دُرة بعد هذه الغيبة، وإذ بي ألتقي نيكولا أيضًا على الغداء، وهو مخرج ومنتج قدم لنا ورشة في مراكش وقتها. حدثني عن الفيلم الوثائقي الذي أخرجه عن غزة بعد العدوان عليها، حيث دخل غزة بعد أسابيع قليلة من العدوان، بثلاثمئة وخمسة وستين ألفًا وسبع وأربعين واسطة ومداخلة ورسالة وبيانًا. اسم الفيلم "عايشين"، وقد بدأ عرضه في المهرجانات، ولا شك في أنه من الأعمال السينمائية النادرة التي أنتجت عن غزة بعد العدوان عليها.


يحادثني نيكولا بالعربية من مرة لأخرى، وأتفاجأ، ثم يشرح لي أنه متزوج من عربية فأتفاجأ أكثر. ثم يبطحني أرضًا حين يقول لي إنّ اسم شركة الانتاج التي يديرها "عكا"، وقد أسماها على اسم مدينة الجزار، التي يحبها كثيرًا. ثم يقول لي إنه أنتج وأخرج في مطلع التسعينات فيلم "الكفوف الذهبية" عن نادي الملاكمة المعروف في عكا، ثم يسألني بثقة عن أبرز الملاكمين العكيين من عائلة خاسكية، فأتظاهر بأنني أعرفه، وأستزيد. ثم تحول الحديث إلى منحًى حزين بعض الشيء حين حدثته عن معشوقته (عكا) وعن بيع بيوتها للمستثمرين والمستوطنين اليهود، وعن الجريمة والمخدرات والعنف والإهمال. ثم رويت له ما روته لي إم الدُشة عن إطلاق النار الذي حصل قرب بيتنا قبل يومين حين دهم بعض الشبان البيت ليقتلوا أحد الأبناء الشباب فيه، فهرب الشاب فما كان من المعتدين إلا أن أطلقوا النار على أبيه!

هذه هي حال عكا مؤخرًا، أتنهد وأنا أقول له، ثم يحك دماغه ويطلب المزيد من المعلومات عن فلسطينيي الداخل، فلا أبخل، فيزداد إحباطه، ثم يستعيد عافيته كسينمائي مدمن، وتبرق عيناه وهو يتساءل مع نفسه أكثر مما يُسائلني: ربما من الجدير صنع فيلم عن هذا الوضع.

ألتقي بسهى عند نهاية العالم، نحو اليمين قليلا، في حي البرجوازية الباريسية المتعفنة أجبانها. تقول إنها تسكن هنا لقرب المكان من مكان عملها وعمل بيار، زوجها العتيد (في 26 تموز المقبل في الناصرة؛ عليكو عزومة). نتمشى في الشوارع العريضة الفسيحة النظيفة البيضاء وأتضايق من صفاء الجو والهواء، كمن اعتاد على تلويث باريس الجميل. تقول لي إنّ الحي يفيض على جانبيه باليهود الأغنياء، وهم أنفسهم من يدعمون الدولة الصهيونية، فتنتابني رغبة هائلة في القرفصة في وسط الشارع وإلقاء خرائي الفلسطيني الثائر في هذه البقعة الصهيونية من باريس، إلا أنّ توقف سهى فجأة وإدارتها لرأسها بحيرة وسط مفترق الشوارع، يعيدني إلى الواقع، وألفاها تقول ببعض المرح القلِق: "أنا مش منيحة بالجغرافيا". أسبّ تركيبة النساء الوراثية التي تجعلهن ضعيفات في الجغرافيا الحيزية، ثم تنقذ سهى نفسها بأن تقترح أن ندخل محل الملابس هذا للأطفال قبل أن نصل المحل العيني الذي أرسلتنا هيام إليه، كرّم الله وجهها.


نشتري طقمين "بهبلوا" لدشة العربيدة، وتنتخي سهى فتشتري حذاء زهريا هدية لدشة أيضًا، فأضطر لدعوتها على القهوة والتريسيمو ثم العشاء، كي أردّ لها الصاع صاعين! والحقيقة أنني أصريتُ على عزومتها كمكافأة على خدمات الإرشاد التي توفرها لي كلما أتيت باريس، ولم أفطن إلا وأنا في الميترو عائدًا إلى الفندق، إلى أنّ سهى وفرت لي في الواقع خدمات "ضياع" في باريس وليس إرشادًا (عزمتها على الفاضي). وقد اضطررت في نهاية الأمر إلى توجيه مسارنا إلى بيت الرفيق أيلي، وهو يلقنني على الهاتف المحمول إرشادات جغرافية عجزت سهى عن ترجمتها إلى خطوات فعلية على أرض باريس.


يقطن أيلي في شقة باريسية حسناء، باهرة الضياء، بحبوحة العيش، لا تعرف الهراء. وفورًا يصب لي مدعوقًا عربيدًا أحضره معه طازا من عند صديقه الكاتب المعروف جون بيرجر، وهو أشبه بخلطة من الحكول ونكهة برية عطرة، فتحت لي مجاري التنفس والكلام والبول بعد أول رشفة صغيرة. وما هي إلا لحظات حتى أبرم إيلي وسهى سلام الشجعان النصراويين، وبدأا الحديث عن حارة البرتيس والروم، والكاثوليكيين والموارنة والسنة، وأنا في الوسط أحاول أن أتتبع خيوط المؤامرة النصراوية التي سيطرت على هذه الشقة الباريسية الجميلة فحولتها إلى زاوية منزوية في مقهى "الرضا".


يعمل إيلي على فيلم جديد يهدس به، ويحدثني عن طريقة كتابته وإخراجه للأفلام وتطبيقه للأفكار التي تلاحقه (التفاصيل في كتاب "فضائح فلسطينية في باريس الأبية"). أحاول أن أسرق منه سر الصنعة، أو على الأقل بعضًا من ملامحه، ثم نُشرّق ونُغرّب ونمسك شل الحركة السينمائية من مشرقها إلى مشرقها (التفاصيل في الكتاب آنف الذكر). لا ينسى إيلي الإشارة إلى كرشي المتنامية، ثم لا يتمالك نفسه فيهدّ قليلا على أخي عامر، صديقه اللدود، فأهدّ قليلا على أطراف عائلة سليمان، وأشعر بالطمأنينة لأنّ الحديث في نهاية المطاف دار ودار واستقرّ في الحمائل والعائلات، حفاظًا على التقاليد. فأكلنا المزيد من الحلوى التونسية الشهية التي أحضرها معه من الدولة الخضراء.


تدخل ياسمين، عزيزة أيلي التي تشاطره الشقة، وفورًا تنزلق مع سهى في محادثة هامة ومثيرة حول اللهجات والكلمات النصراوية، والفرق بين الفلسطينيين واللبنانيين. وقد أسرّتْ إلينا ببعض الكلمات النصراوية التي يصرّ إيلي على حملها معه (نيويورك فباريس)، وأفظعها لا شكّ كلمة-جملة "مَطِكْطهنِّشْ" (لم أُطِقهُم). نضحك ونشير إلى إيلي بأنّ النصراويين الأقحاح أنفسهم توقفوا عن قول مثل هذه الكلمات، ونناشده الحفاظ على مياه وجوهنا أمام هذه الجنوبية الموسيقية التي سرقت من سهى تعبير "مِنينا ولا مِنيكو؟" لأغنيتها القادمة (وكل واحد يقراها كيف بدو).


منذ يومي الأول أُغرمتُ بالبط. وبعد الخروج من عند إيلي وياسمين نجلس، سهى وأنا، في مقهًى مجاور لشقتهما، ونأكل. أطلب البط مع البطاطا وخلافه، وتأكل سهى سلطة فرنسية عليها شرائح خبز محمص مع جبنة زرقاء متعفنة من فوقها. نتحدث عن الأطفال وعن التغييرات في الحياة وعن الزواج والبيروقراطية الفرنسية وكسل موظفي البريد في فرنسا. كما نستلم شلّ هيام لأنها بعثت بنا إلى محل للملابس يحتاج إلى ميزانية ضخمة مثل ميزانية ممثلة سينمائية تشارك في خمسة أو ستة أفلام في السنة وتقبض باليورو. مثل هيام مثلا.


حين نفترق في محطة المترو، نتفق على محاولة الالتقاء مجددًا قبل عودتي، الأحد، ثم توشك أن تغادر سهى وهي تحمل كيس الورق الذي يضم هديتها لدُشة (الحذاء الزهريّ)، فألحقها وأمسك بتلابيبها مذعورًا.


في المقطورة أفكر فيما إذا كانت سهى نسيت أم تناست الكيس، كيف تبعث الحذاء إلى ابنة أختها. وعندها يمكنها أن تقول إنها اشترت هدية لابنتي ونسيتُ أنا أن آخذها، ثم تهديها لابنة أختها، وهكذا تضرب طفلتين بحذاء واحد. ولكنني تراجعت عن هذه المؤامرة، خصوصًا حين تذكرتُ أنّ سهى لا شكّ تائهة الآن في أنفاق المترو، لا تعرف الشمال من الجنوب، فأرسلتُ إلى باريس طاقة إيجابية حارة، إعتقد الجالس إلى جانبي أنها روائح هضم البط خرجت من أسفل معدتي المضطربة، فقام وبدّل مكانه.


ملاحظة رقم 1: جميع المكتوب عنهم والمصوَّرين في هذه المدونة تلقوا الإنذارات والتحذيرات الشفوية والخطية بشأن التدوينات اليومية وطابعها الساخر المتعفن، مما اقتضى التنويه.

ملاحظة رقم 2: للحيارى من القراء والقارئات الذين يتساءلون عن اليوم الثالث وماذا حلّ به أقول: عملت مع هيام حتى المساء ونمت في الساعة الثامنة كالقتيل واستيقظت في الثامنة صباحًا من اليوم الرابع. ستتفقون معي أنه يوم غير جدير بالتكتكة على لوحة المفاتيح، إلا إذا كانت شهيتكم مفتوحة لتعرفوا في أيّ مشهد "ينط البطل على البطلة"- على حدّ تعبير الديرحناوية الجميلة.


الثلاثاء، 9 مارس 2010

باريس: اليوم الثاني

أستيقظ باكرًا رغم إصراري على النوم جيدًا. منذ أشهر، أي منذ ولادة الدشة الضاحكة، أستيقظ باكرًا وأنام باكرًا. مثل الدجاج. "نام بكير وقوم بكير وشوف الصحة كيف بتصير"، يهمس مثلنا الشعبي الذي يحثّ على العمل مثل الحمار والنوم مثل الدجاجة، وإمشي الحيط الحيط، ولا تنسَ أن تموت بلا مغامرات. الحقيقة أنّ الصحة جيدة في مثل هذه الظروف، ولكن ماذا ينتفع الإنسان لو نام باكرًا واستيقظ باكرًا وخسر لعبة المحبوسة في الثانية عشرة ليلا بين البكري العربيد و"بو ندى" الصنديد؟

عند الفطور أمسكتُ بالفندقيّ متلبسًا (هل ذكرتُ أنه عربيّ أيضًا؟). عندما وضع لي ملامح الفطور المتواضع أمامي، إنضمت إلى غرفة الطعام صبية جميلة من الشرق البعيد (يابانية أو صينية أو كورية، لا أعرف)، وعندما جلست هرع إليها بصحن فيه قطعتا كروسون وقطعتا باغيت!! أيها الحقير؛ لو كنتُ امرأة جميلة لحملتَ إليّ من الطعام ما يكفي قبيلة. المفارقة طبعًا أنّ هذه الشرق-بعيدة لا تأكل إلا نزرًا، وهي تحظى بكمية الطعام التي من المفروض أن تُقدّم لواحد مثلي. أزدرد مهانتي على مضض وأحمل كوب القهوة وأصعد إلى غرفتي.


اليوم عملت مع هيام على السيناريو. بانتظارنا أيام غير هينة من الحكي والحكي والحكي، ثم الكتابة والتغيير. هل عملتم مرة مع شريك على نص مسرحية أو فيلم أو أيّ شيء؟ حسنًا، لا تفعلوا! وهذا طبعًا لا يتعلق بنوعية ولطافة وإنتاجية الطرف الثاني (في حالة هيام). ما يهم هو اصطدام شحنات كهربائية من فئة 220 فولط، صادرة عن شخصين (مبدعين) يعتقدان أنّ باريس تسحب طاقتها الكهربائية من ضوئهما. ولكن العمل مع هيام يظل لطيفًا وإبداعيًا حقًا، وهي تذكرني بأم الدشة أكثر من عشر مرات في اليوم، من ناحية القدرة الخارقة على تجنيد الحروف اللانهائية للكلمات اللانهائية التي تطلقها في فضاء الغرفة.


حين أروي لهيام أنني سأكتب عن قدراتها الكلامية الهائلة، تعترض وتلح إلحاحًا أن أكتب لقراء المدونة أنّ المشكلة فيّ أنا وليست فيها. كما تطلب مني أن أكتب لكم أنّ الكلام المُراق على أرضية مكتب شركة الإنتاج الباريسية متركز فقط في الفيلم الذي نعمل عليه، ليس إلا، وبالتالي فهو عمل وكدّ، ما من بعده جد. حسنًا، سأكتب، أقول لها، ولكن هل سيخفف هذا من وقع البرد الباريسيّ على أيدينا ووجهينا ونحن نسرق النيكوتين سرقة في مدخل العمارة، مثل لصين مذنبين؟ لا تدخين في الأماكن العامة وأماكن العمل. نخرج، هيام وأنا، إلى صقيع باريس الذي يُلحق أضرارًا غير رَجُوعة بالخصيتين وأطراف البنكرياس (غير رَجوعة: نهائية، غير قابلة للتغيير- والشكر لمضاء على الكلمة الدلوعة).


الطقس هنا غير مسبوق، يقولون لي. حتى إنّ نيكولا، المنتج، اضطر اليوم للسفر إلى جنوب فرنسا كي يحاول حل المشاكل الانتاجية التي طرأت على تصوير فيلم يجري في هذه الأيام هناك. فالطاقم التجأ إلى الجنوب الفرنسي لتصوير أيام مشمسة وحارة، ما يليق بالريفييرا الفرنسية، إلا أنّ الثلج انهمر هناك، لأول مرة من عشرات السنين، ودُقّ الخازوق دقـًا. أبتسم وأنا أتخيل نيكولا المسكين يجرف الثلج عن أسطح المنازل والطرقات كيف يتمكنوا من تصوير الممثلة تتسفع تحت الشمس وهي تلبس البكيني بدرجة حرارة 5 تحت الصفر. هذه مشاكل الأثرياء، أبتسم مرة ثانية، فليأتوا إلى هنا وليحاولوا أن يدخلوا إلى الإنترنت عن طريق الشبكة اللاسلكية في هذا الفندق الحزين. النكتة أنني اتصلت الليلة بالفندقيّ الذي يغشني في الفطور لصالح ابنة الشرق البعيد، وقلت له بحزن ويأس: الإنترنت لا يعمل في الغرفة، فأجابني بكل هدوء وحسم: "لا أستطيع أن أفعل شيئًا. بونسوار". بونسوار في عينك!


عبر الإس إم إسات والإيميل (حين أنجح في فتحه) تصل التقارير من الأرض المحتلة: دشة مستمرة في تجميع المعجبين والمعجبات، وهي دائمة الضحك والمكاغاة، حتى إنّ "أبو شادي"، زوج النانا (يحرق أخت التبرْجُز!)، وقع في حبها لأنها تضحك له طيلة النهار، ناهيك عن غزلها المستمر وغير المنقطع لفريد ابن السنة ونصف السنة، الذي يشاطرها النانا. ها أنا ذا أجلس في باريس بعيدًا وابنتي بدأت تمتهن الغزل وهي في الشهر الثالث وأسبوع ويومين فقط. من الأجدر بي أن أضب شنطتي وأن أهرع إلى عكا سباحة كي أضع الحدّ على الزعرورة، ولكن بالأساس، كي أقبلها ألف قبلة وأشم رائحة بشرتها النضرة، ورائحة نتاقها العطرة، على ملابسي المُخضرّة.


الاثنين، 8 مارس 2010

باريس: اليوم الأول

لحظة مؤثرة...


لحظة مؤثرة أكثر...



متجر شركة "أبل" في محاذاة اللوفر. هاي الصورة عشان أحموشي




ساحة متحف اللوفر. يطير الحمام (البط في هذه الحالة)...






وضعتُ رواية "روائح ماري كلير" (للتونسي الحبيب السالمي) في محفظتي، من بين سائر الكتب التي على المنضدة (وديوان لعناية جابر). لم أكن أعرف أنها تسجل قصة حب في باريس، ولكنني كنتُ قرأت عن تميز هذه الرواية، فقلتُ أقرأها في الطائرة. حملتني الرواية بهدوء وبلا "دراماتيكية" تُميّز روايات الحبّ، إلى باريس، وحين حطت الطائرة في مطار شارل ديغول كنتُ قد قطعت ثلثيها على الأقل، وكانت قصة الحب بين الراوي وماري كلير قد بدأت تتدهور، وفق جميع علائم انتهاء الحب (تعرفونها؟.. أصعبها التجاهل).

هكذا حطت الطائرة وأنا أعيش تفاصيل احتضار حبّ باريسيّ، من دون أن أعيش حبًا كهذا، يتمناه جميع الرومانسيين (الأحياء منهم والأموات). كانت باريس نائمة في السادسة صباحًا وكان البرد ينخر جسدي، وندمت أشدّ الندم لأنني لم آخذ معي الكلاسين البيضاء الطويلة التي نبهتني إليها أم الدشة ولم أنتبه. باريس باردة في هذه الأيام، ولكن ألفة كبيرة تلفني معها اليوم، على خلاف المرة السابقة، التي كانت سريعة ومقتضبة: "كويكي على الواقف". حتى متحف اللوفر بدا باسمًا هذه العصرية (من دون علاقة بأنّ الدخول إليه اليوم مجانيّ) ولم أكترث للريح الصّرصَر التي هبت على ساحة الكونكورد والمِسلة الفرعونية (الملطوشة) التي تنتصب في وجه لا أعرف من.

اليوم الأول في باريس جميل، ويبدو أنّ نصائح العزيز بيار ستفعل فعلها. طلبتُ منه أن يسمي لي معالم وأماكن جديرة بالزيارة، ولم يبخل، بل استزاد، وأعتقد أنني في ورطة الآن، لأنّ الوقت الممنوح لفسحي محدود، وسأضطر إلى تحمل عتاباته الودية وهو يسأل بتعجب (في الأيميل): لا؟ ما زرت "ثياتر دي لا فيل"؟؟ له له يا رفيق!

يقع الفندق الذي أنزل فيه في المنطقة الضبابية العصية على التعريف، بين "حقير" و"متواضع". ورغم أنه آيل للسقوط في كل لحظة إلا أنّ فيه "واي فاي" وببلاش. وقد اقتصر فطور الفندق هذا الصباح على قهوة سوداء وبعض الحليب، كروسون واحد صغير وربع (يمكن ثمن) باغيت، إلى جانب قطعة زبدة ووجبة مربى صغيرة. ما يشبه فتحة النفس ليس إلا. كمية الطعام التي أزدردها على الواقف، حين أستيقظ، قبل تنظيف أسناني، قبل أن أجلس إلى الفطور. كنتُ أعتقد أنّ هذه هي المقدمة لا أقلّ، وأنّ البيض والمقانق (بالميم) والأجبان آتية لا ريب، إلا أنّ الفندقيّ المناوب ابتسم لي حين ابتسمتُ له، وفهمتُ. ولكن أكثر ما أغاظني أنه كان يجلس خلفي في السابعة والنصف صباحًا، لا أحد غيرنا في "غرفة الطعام"، وكان يمضغ الباغيت بصوت عال ثم يشفط القهوة شفطًا، فكانت كل شفطة وكل مضغة تقطعان أحشائي قطعًا، ولولا أنني أنحدر من عائلة لم يُخلق بعد مَن يسدّ شهية أبنائها، لقُمتُ من دون أن آكل وجبتي الضئيلة المتواضعة (لن أقول حقيرة).

في التاسعة مساءً يقرصني الجوع، فأقرصه. أبحث عن "أيّ حاجة في أيّ حته" تلائم ميزانيتي المتواضعة. يلهمني أنفي في اللحظة الحاسمة فأشمّ رائحة لحم ببهار عربيّ. بعد ثوان أراه: سيخ شوارما يسبّح الليل ورواده. هنا يسمونه "كباب" ولكن لن نتوقف عند التفاصيل. يطالعني وجه الكبابجيّ الملتحي بلحية غير حيادية، فأطلب دجاجًا بالإنجليزية، ثم أتذكر، فأسارع: "عربي؟" يبتسم ويقول: "مْنين؟"، أقول فلسطيني، وأرجو ربّ العباد في سري أن لا يسألني "مْنين؟" مرة أخرى، لئلا أدخل في متاهة عكا وعرب الداخل والثماني وأربعين وتصنيف الانتماءات وتقلبات الهوية والطقس وسراويل الحسيني الداخلية. يبتسم حين أقول له إنني فلسطيني ويسأل السّؤال الطبيعي بعد هكذا كلمة: "دْجاج بالكاري؟ بالبازيليك؟ بالخردال؟". أبتسم ملء جوعي، وأطلب بالبازيليك. يحاول البائع أن يتودد إليّ لكنّ عربيته مثل فرنسيتي، فنصمت بعد حين وعيني على ساندويتش الدجاج وعيني الأخرى على القدس (بمزح معكو؛ عيني الأخرى على فرنسية حسناء، ولكن يجب على كل فلسطيني في العالم أن يحشو كلمة القدس في أي نصّ يكتبه، وها أنا قد انتهيت من "الكوتا" المقدسية المفروضة عليّ).


آكل ساندويش الدجاج بشهية وبعد اللقمة الثانية أندم لأنني لم أشترِ اثنين، إلا أنني أنظر إلى كرشي في المرآة وأشكر الآلهة أنني لم أشترِ اثنين، فأكتفي برقائق البطاطا المقلية المغمسة بالمايونيز، ثم أتحلى بتفاحة حمراء يانعة (سامعة مدام؟)، وأجلس إلى الحاسوب وأعمل على السيناريو.

أتفحص الإيميل. لا شيء مثيرًا. أقرر أن أكتب يوميات باريسية حتى عودتي ونشرها في المدونة. أستسخف الفكرة؛ من بحاجة إلى هذه الترهات؟ ولماذا يجب نشرها على الملأ. لو كنتُ فاتحًا غازيًا أو ظافرًا لقلنا "محمولة". بعد نصف ساعة من تقليب المحطات الأربع الفرنسية في التلفزيون المتحشرج، أعود إلى الحاسوب وقد قررت أن أكتب هذه اليوميات وأنشرها. يعني إبراهيم كناعنة أحسن مني؟

سأنهي الليلة "روائح ماري كلير" وقد أقرأ قليلاً من ديوان عناية جابر الذي اصطحبته معي أيضًا. إشتريت أيضًا من المطار كتاب "صورة دوريان غري" لأوسكار وايلد بترجمة جديدة (بالعبرية). سأقرأه أيضًا. ولكنني أشتاق إلى دشة شوقًا هائلاً. أقلب صورها في ذاكرة الحاسوب. أحبها. أنام على صوت مكاغاتها وصراخها العصبي وهي تهجم على أنفي لتعضه، كما تحبّ أن تفعل.

الاثنين، 22 فبراير 2010

إيليا سليمان... الفيلم الذي يُخيف إسرائيل

كي تعرض فيلماً في إسرائيل، يجب أن يصدّق عليه «مجلس مراقبة الأفلام». لكن الرقابة والمنع الأساسيين يأتيان من الموزعين ودور العرض التجارية الإسرائيلية. هم يمارسون رقابة ذاتية سياسية، تلغي كلّ ما لا يستوي مع قيم إسرائيل الصهيونية، وهذا ما نسمّيه «تعاظم الفاشية في إسرائيل».... وآخر ضحاياها إيليا سليمان وفيلمه «الزمن الباقي».

يصعب طبعاً أن نجد منتجين يملكون الشجاعة للحديث عمّا يدور اليوم، في مناخ الحقد المتصاعد الذي يؤثر في جميع المناحي الحياتية. لكن المنتج الإسرائيلي آفي كلاينبرغر الذي عمل منتجاً مساعداً لفيلم «الزمن الباقي»، يملك تلك الشجاعة. كلاينبرغر يعيش آثار «الفاشية المتعاظمة» بنفسه، وفق ما يقول لـ«الأخبار». إذ يرى «الزمن الباقي» مُقصىً عن الصالات في إسرائيل، ولم تعرضه حتى الآن إلا أربع صالات فنّ وتجربة (سينماتيك)، أبرزها «سينماتيك تل أبيب». كلاينبرغر يقول إنّ الموزعين ودور العرض يتذرّعون بحجج تجارية واهية، مثل عدم قدرة الفيلم على تحقيق الإقبال الجماهيري. «أنتظر نجاح الفيلم تجارياً في «سينماتيك تل أبيب»، عندها سنرى ما سيقولون».

يروي الشريط قصة عائلة سليمان من عام 1948 حتى اليوم، مروراً بأهم المحطات التاريخية، وغنيّ عن القول أنّ الرواية تختلف كلياً عن «القيم الصهيونية الأساسية» («الأخبار» ٢٠/ ٧، و١٩/١٠، و٣٠/١١/٢٠٠٩، ثم ٢٩/١/٢٠١٠). يُشبّه الناقد يئير رافيه الأجواء اليوم بأجواء الثمانينيات التي أفرزت الانتفاضة الأولى. ويورد مثالاً عن فيلم شهير لعاموس غيتاي تناول قصة عمّال عرب يبنون البيوت لليهود ويشتاقون لأراضي آبائهم، ما أدى إلى تهميش غيتاي وإبعاده عن التلفزيون الإسرائيلي الرسمي، و«الشعور بالإسكات وقمع حرية التعبير والإنكار» بحسب قوله. والأجواء اليوم عصيبة ومتشجنة: جريدة «معاريف» تلغي نشر لقاء مع الممثل والمخرج محمد بكري («جنين، جنين»)؛ شركة «يس» للبثّ والإنتاج تتراجع عن عرض «الجنة الآن» لهاني أبو أسعد الذي لم يُعرض أيضاً في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام ١٩٤٨، وأمثلة أخرى لـ«يس» آخرها فيلم «يافا» لإيال سيفان الذي مُنع أيضاً داخل الخط الأخضر.

يقول كلاينبرغ: «هذا الجو ليس جديداً على الدولة. لكن الخطاب يختلف الآن، وخصوصاً منذ سطوع نجم أفيغدور ليبرمان. الناس لا يريدون أن تدعم المؤسسة أيّ أمر يخالف القيم الأساسية للدولة بوصفها دولة «يهودية ديموقراطية». انظر ماذا يحدث مع لجان القبول للبلدات اليهودية التي ترفض أن يسكن العرب فيها. هذه عنصرية مُقوننة بل أبارتهايد. أتوقع سَنّ قوانين تقيّد دعم الإنتاجات السينمائية لدى الصناديق الداعمة».

شنّت بعض الصحف هجوماً عنيفاً على إيليا سليمان. ولم تنشر معه أيّة حوارات، إذا استثنينا مجلة «عغبار هعير». لقد تجرأ مراسلها أفنير شبيط على نشر لقاء مع السينمائي الفلسطيني، مما جاء فيه: «لا أعتقد أنّ هناك مكاناً للمقارنة بين الدولة الصهيونية والنازية. إنها تذكِّر أكثر بالاتحاد السوفياتي ومعسكرات العمل والسّخرة التي أنشأتها». أثار الحوار حفيظة زبولون أورليف، رئيس لجنة التربية والثقافة في الكنيست الذي لم يتأخر ردّ فعله: «للأسف هناك مواطنون سابقون بمثابة طابور خامس، استغلوا الديموقراطية الإسرائيلية وميزانياتها لمحاربة إسرائيل بوصفها دولة يهودية. أتوقع من المؤسسات الثقافية أن تتحلى بالمسؤولية، وألا توفر منصة لمبدعين يعلنون رغبتهم في مناهضة شرعية دولة إسرائيل. لا علاقة للمسألة هنا بحرية التعبير، بل هي قضيّة التعاون مع أعداء الدولة، والتحريض على دولة إسرائيل والشعب اليهودي». ورغم أنّ «الزمن الباقي» لم يحظَ بأيّ دعم مادي من مؤسسات الاحتلال، إلا أنّ أورليف يهاجمه، موجهاً سهامه إلى الصالات التي قبلت بعرضه، فيما تتلقى دعماً من «لجنة أورليف للثقافة».

وقد توقّف في المقابل بعض النقاد في صحف الاحتلال، عند جودة الفيلم. فقد علّق أوري كلاين، الناقد السينمائي في «هآرتس»: «إنّه فيلم جميل جداً (...) يثبت أنّ سليمان تحوّل إلى فنان كبير، ومعلم يسيطر على أدوات فنه». أما جدعون ليفي، الصحافي المعروف بتغطيته المتواصلة للفلسطينيين والعرب في «هآرتس»، فكتب: «في 1948 غطينا أعين المعتقلين العرب بقماش الفانيلا وصرخنا عليهم بفظاظة «افتح الباب!» تماماً كما نفعل في 2010. لا جديد تحت سماء فلسطين وإسرائيل».

«من وظائف الفن أن يضحكنا. اليهود رووا النكات في الغيتوات، ولا بدّ من أن يفهموا لماذا يروي الفلسطينيون النكات في مخيمات اللاجئين»، يقول إيليا سليمان. لكن يبدو أنّه متفائل بعض الشيء، إذ لا أحد يضحك في إسرائيل اليوم!


(نُشرت المقالة في "الأخبار" اللبنانية)


الخميس، 11 فبراير 2010

ثرثرات فوق السور (4)

الرفيقة دُشة. أسنان على الطريق...


بالواسطة- 1


قد يصلح اسم الفيلم المعروف، "سكس، أكاذيب وفيديو تيب"، عنوانًا للتقرير الذي بثته القناة العاشرة الإسرائيلية، ليلة أمس، عن الفساد في السلطة الفلسطينية. فالسكس حاضر (رغم بشاعته الأخلاقية والجسدية)، والأكاذيب هنا والفيديو تيب في أبهى حلله: فيديو مخابرات سرية. لا أعتقد أنّ أحدًا تفاجأ ممّا يفعله لصوص أوسلو في الضفة الغربية، وكمية الفساد المتفشية في السلطة الفلسطينية، ولكنني تفاجأتُ حقًا بشهية رفيق الحسيني الجنسية المفتوحة على مصراعيها، رغم سنه المتقدمة؛ فالزلمي يدبو "موّيت" وها هو يلحق عضوه بجسارة وبطولة وصمود عزّ مثيله في انتفاضات الشعب الفلسطيني الباسل.

وقد كتب موقع القناة العاشرة أنّ أبا مازن هدد نتنياهو (في رسالة حامية) بأنه سيستقيل في حال بثّ التقرير عن أمين سرّه (الحامي). عفوًا؟ لماذا يبدو من هذه الرسالة أنّ أبا مازن أجير لدى بيبي يهدد المسؤول عنه بالاستقالة إذا لم يمارس سلطته على برنامج تلفزيوني؟ ما العلاقة؟ وهل يعتقد أبو مازن أنّ بيبي يريد حقًا بث التقرير وكشف فساد لصوصه؟ أكثر ما تتمناه إسرائيل سلطة فلسطينية معظم قباطنتها ممسوكون في أماكن حساسة (وحامية).

ما يثير اهتمامي حقًا هو مصير السيدة الشجاعة التي سمحت بتسجيل الحسيني الحامي في بيتها وتعاونها مع كاشف الفساد فهمي شبانة ومع المخابرات الفلسطينية. هل ستنجو هذه السيدة بجلدها؟ والسّؤال الذي لا يقلّ أهمية: لماذا يغضبون من الحسيني المنتصب لأنه رغب في أن ينكح سيدات المجتمع الفلسطيني؟ ألا ينكح هو وعصابته منذ أوسلو الشعب الفلسطيني في جميع ثقوبه؟؟ وبلا فيزالين؟!

بالواسطة- 2

اللي ما عندو واسطة لا يروح ولا ييجي. هذه هي النتيجة التي توصلتُ إليها اليوم بعد أن رفعنا أكم تلفون، أم الدُشة وأنا، كي نحاول تدبير دور لصورة أشعة للرفيقة دُشة، التي تنتق على الحيط الواقف. والقصة أنّ الطبيب وجّهنا إلى صورة أشعّة لمعدة الرفيقة دُشة التي تبخّ بخًا (من فوق ومن تحت)، وهكذا وجدت إم الدشة نفسها في مواجهة موظفة لا تفهم إلا بالتعليمات الجافة، ولا يهمها أنّ الرفيقة دُشة تتألم وتصرخ في الليل وتتلوى بين أيدينا. وبعد أن فشت إم الدشة غلها في الموظفة الحقيرة وأسمعتها رأيها بالضبط في بعض أعضاء عائلتها الحميمية، فشت غلها فيّ.

وهكذا شمّرتُ عن مهانتي، وبدأتُ حلقة اتصالات هدفها الوصول إلى الواسطة الأثخن في المستشفيات المجاورة، التي ستمكّننا من تصوير معدة الرفيقة دُشة قبل حلول حرب لبنان الثالثة. وبين أخذ وردّ، واتصال وسجال، وهادا بعرف هاد، وهايا بتعرف هاي، استطعنا الحصول على دور سريع بعد يومين- وهذا كما يعرف جميع الأهالي المنتظرين لصورة أشعة حدث جَلل لا ثانيَ له. ثم اتصل فاعل الخير (ربنا يوقفلو أي حاجة في أي حته) وقال إنه سيُدخلنا بشكل "بيراطي" (يعني: قرصنة) غدًا وليس بعد الغد، وهذا كرمال عين الحلوة (الاسم محفوظ في ملفات التحرير). بالواسطة صوّرنا معدة دشة، قبل نضوج العنب والتين، ومن حظنا أننا نعرف الناس التي يمكن أن تتوسط أو تكون حلقة في واسطة. إنها دولة واسطات حقيرة ومُنتنة. هل ستقولون إننا صرنا جزءًا من منظومة الواسطات؟ يبدو هذا على الأغلب، ولكنني مستعد للمحاكمة والتذنيب وتلقي حكم ثلاثة أشهر في خدمة الجمهور في مكتب النائب العائد غالب مجادلة، لو أنّ هذا سيوقف ألم دُشتي الباكية.

بعد قليل ستبدأ دُشة بتطليع أسنانها. حدا بعرف دكتور أسنان بمون في "رمبام"؟


بالواسطة- 3

قررتُ، بعد تخبطات دامت لسنوات، أن أقتني "بلاي ستيشن". فقد كنت خائفًا (ولا زلت) من إدماني عليها، لأنني سريع الإدمان على مختلف الأمور، والموقف محرج الآن بعد ولادة الدُشة وتكاليف الهاغيز وأبناء عمومته وأخواله وأنسبائهم وأقربائهم في البلاد والمهجر. لكنّ القرار تمّ، وقد تحمس عامر أخي أيضًا للفكرة وهو يبحث في هذه الأيام عن صفقة مجدية بشراء ماكنتين اثنتين من الطراز القديم (رقم 2) نستطيع تشغيل الألعاب "المدقوقة" (المزورة) عليهما من دون تأنيب ضمير (راجع بند: حق الشعوب التي خضعت للاستعمار في نسخ الألعاب وبرامج الحاسوب مجانًا حتى العام 2134).

هل من واسطة لمثل هذه الصفقة؟؟



الثلاثاء، 12 يناير 2010

سأكون شعبوياً أيضاً: يعيش حمّص لبنان



يوم الجمعة الفائت، تناقلت وكالات الأنباء الإسرائيلية أخباراً عن مئات، وربما آلاف المحتفلين الذين غمروا قرية أبو غوش الفلسطينية المحاذية للقدس، واحتشاد نحو 40 طاقماً إعلامياً، وإغلاق الشارع الرئيسيّ في القرية منذ العاشرة صباحاً. فالحدث يستحق إغلاق الشارع: صحن حمّص بوزن أربعة أطنان سيهزم الرقم القياسيّ الذي حقّقه لبنان قبل أشهر.

فجأة، تحوّلت قرية فلسطينية على أطراف العاصمة الأزلية إلى ساحة وغى يعمل الجميع فيها على كسر الرقم القياسي اللبناني. ما قاله جودت إبراهيم -صاحب مطعم «أبو غوش» للحمّص والمُبادر لهذه البهدلة- لموقع «معاريف» الإلكتروني، يعكس الكثير: «أريد أن يرى العالم ولبنان أنّ حمّصنا هو الأفضل والألذّ مذاقاً. وإذا كان كِبر الحجم يهمّ، فسنريهم مَن يملك الأكبر» (والحديث للبنانيين)! مقولة نموذجية لأسرلة بغيضة تعكس ملامح العربي الذليل الذي يبيع الحمّص «الأصلي» لأبناء عمومتنا، الباحثين عن «الأوثنتيك» في بلاد السّمن والعسل.

ورأى إبراهيم أنّ هذا اليوم هو «يوم عيد». وعندما صعد ممثل كتاب «غينيس» إلى المنصة وصدّق على الإنجاز، أُطلقت البالونات البيضاء والزرقاء (الإسرائيلية) إلى ضواحي هواء القدس، وانطلق بعض شباب «أبو غوش» في رقصٍ ودبكة!

لكن، قبل أن تحكموا على رجل الأعمال الفهلويّ الذي ازدادت نجوميته الحمّصية نجوميةً، عليكم أن تعرفوا أنّ العربي صانع الحمّص لم يفوّت فرصة عرض السلام على لبنان «الشقيق». ها هو يعلن بتعايش نموذجيّ: «آمل أن يقبلوا اقتراحي، وأن نصنع الصحن المقبل معاً. آمل أن تكون الحرب الوحيدة بيننا، حرباً على الحمّص».

عفواً؟ أيّ حرب بالضبط بينك وبين لبنان؟ هل أنت من جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي؟ وكيف يمكن بالضبط أن تصنع صحن حمّص مشتركاً مع اللبنانيين؟ هل ستعود أنت وأصدقاؤك اليهود مُحبّو الحمص إلى بيروت؟

من المثير للقشعريرة أن ترى مذيعاً تافهاً (زهير بهلول) ونجمة «عربية إسرائيلية» عابرة (مريم طوقان) يعتليان منصة هذه البهدلة. هو يضحك ويبتسم ويقهقه، وهي تغني للطاعمين. هل بحثتم عن مثال صارخ للتشويه الإسرائيليّ السّمج والمعيب الذي لحق ببعض أبناء أقليتنا الصامدة؟ ها هو أمامكم، بصريح المهانة.

هذه الكتابة ليست «فزعة» للحمّص اللبناني، ولا الفلسطيني، ولا «الإسرائيلي» (الهجين). مهاترات كِتَاب «غينيس» كانت (وستظلّ) دائماً أحاديث مسلية وغريبة يتسلى بها القوم لا أكثر. لكن الشعبويات تظلّ المجسّ الأفضل لجميع الظواهر والتعابير التي تُرصد أكاديمياً وبحثياً وصحافياً بكلمات أكبر، وبمصطلحات تتجاوز الحمّص بالطحينة والليمون.

مع ذلك ـ بعد إذنكم ـ سأكون شعبوياً أنا الآخر، لوهلة، وسأطلق صرخة غضب فلسطينية مجلجلة تنصر حمّص بيروت على حمّص بعض «عرب إسرائيل» التابعين لابن العمّ «المُغمِّس» طرباً وجذلاً. وإذا سُمح لي ببعض الدراماتيكية، فسأصرخ بالأحمر القاني: يا طبّاخي لبنان، اتّحدوا!


(المقالة في "الأخبار" اللبنانية)


الاثنين، 28 ديسمبر 2009

عزارة


(قصة قصيرة)

رغم سنواتي العشر، إلا أنني كنت قادرًا على استيعاب أنّ أمرًا جللاً وقع. كانت والدتي تغلق باب غرفة نومنا في كلّ مرة يُفتح، كي لا نسمع ما يدور من همس مضطرب في الصالة. لم تكن "جلسات" كهذه تتم في المنزل إلا في الأمور الجِّسام، ولم يكن باب غرفة الأطفال يُغلق أثناء قعدات القهوة والبابونج، بل على العكس: كان دائمًا مفتوحًا على الصالة، وكانت نساء الحيّ والعائلة يتناوبنَ على تقبيلنا في كلّ مرة ندخل ونخرج، والجملة نفسها لا تنفكّ تتردّد:

"الله يحميهن."

يبدو أنّ أختي كانت تفهم أكثر مني، بسنواتها الإثنتي عشرة، وربما بحدسها الأنثويّ الذي بدأ يتفتح على واقع الحياة من حولنا، فكانت تنصت باهتمام عبر شقّ الباب وكان الخوف يسيطر على قسمات وجهها في كل مرة يعلو اللغط، فتهرع إلى عمق الغرفة وتجلس إلى المكتبة الصغيرة وتنهرني بحدّة:

"سوّيت وظايفك؟"

كان الهمس من حولنا يحمل من مرة إلى أخرى كلماتٍ مثل "عزارة" و"بهدلة"، إلا أنّ اللغط كان يزداد عندما يُسأل السّؤال نفسه، من مرة إلى أخرى، وبحدّة مُريبة كانت تبعث الخوف في طفولتي القلقة:

"يعني هيي لازم تحكي؟ الله يفضحها!"

كانت "العزارة" في الحارة قد انتشرت، وحتى حين لم أنجح في صدّ تسديدة الكرة صوب "مرماي" في ملعب الحارة، لم يوبّخني أحد من "الكبار" ولم يطلبوا عزلي عن مهمة حراسة المرمى كما كانوا يفعلون دائمًا. كان الانتباه مشدودًا إلى "العزارة"، وكانت الأحاديث تغلب على اللعب، حتى إنّ "رئيس الشلة" تنازل في النهاية عن لعبة "الجُول" اليومية، ليجلس إلى "الكبار" وليتحدّثوا عمّا حدث، ليس قبل أن يشعل سيجارة وينفخ دخانها بسنواته الست عشرة، ونحن "الصغار" نتحلق من حولهم، مُصرّين على سرقة ما أمكن من المعلومات والتفاصيل عن هذه "العزارة"، وكيف تبدو وما معناها.

وعندما انذهل معظم المحيطين بي من جملة "كبيرنا" الحذرة: "كان يحط إيدو..."، لم أتورّع عن الاندهاش مثلهم، مع أنني لم أفهم ما تعني هذه الجملة. ثم صرخ الجميع مرة واحدة: "لا؟؟"، حين قال كبير الشلة وهو ينفث دخان سيجارته:

"تحت الكلسون!"

تأخر أبي تلك الليلة في العودة إلى البيت، وكانت أمي تنتظره عند "البرَنده" المُطلة على القرية، وتدخن بقلق، بينما كانت أختي تتمتم بهمس هي وابنة عمي التي اختارت أن تبيت عندنا الليلة، حيث شكّل هذا المبيت لديّ علامة أخرى على هول المصاب؛ إذ أنّنا كنا نبيت عندهم ويبيتون عندنا عندما يتوفى شخص في العائلة.

هل مات أحد؟ ولكن أين بقية أبناء وبنات عمي؟ ولماذا التمتمة تحت اللحاف؟ وأين أبي؟

عندما سمعتُ صوت الشاحنة ارتحتُ قليلا. بعد أقلّ من دقيقة كانت دعسات أبي المألوفة وهو يصعد الدرج تتضح أكثر وأكثر، ثم سمعت أمي تعود من المطبخ مصحوبة برائحة القهوة العربية الدافئة. صمتت أختي وابنة عمي وصرنا ثلاثتنا، من دون تنسيق، نحبس أنفاسنا ونحاول التقاط أية كلمة تأتي من "البرندة"- بلا نجاح يُذكر.

لا أعرف كيف انقلبت الآية، ولكن الحركة دبّت في العائلة اليوم التالي، وبدأت أشمّ رائحة "شعط" الدجاج والأرز المطبوخ ورائحة "الفقعية" والكبة، وفجأة كان عدد كبير من أطفال العائلة يتجمّع في بيت كبير العائلة، ومن حولنا رجال كُثر ونساء كثيرات. أنساني الطعام واللمة الهائلة لجميع أنواع مسدسات "الطقيع" و"الفشك" والبواريد، أيّ تفكير بأيّ أمر شغلني بشأن "العزارة"، وطفقتُ أركض مع الراكضين وألعب مع اللاعبين وأموت مع المطخوخين.

حين وقف كبير العائلة بدأت جميع النساء تنهرنا بعنف وخوف غير مسبوقيْن، حتى إنّ خالتي العصبية ضربت ابن خالي على خده كي يصمت، فتنبّهنا إلى جدية الموقف، فأنصتنا رغمًا عنا. تحدث كبير العائلة عن أمور لم أفهمها، ولكنني استطعتُ أن أفهم "عيلة وحدة" و"بسيطة". كان جميع الرجال يهزّون رؤوسهم موافقين، وعندما انتهى كبير العائلة من خطبته تقدّم نحو أحد الرجال كنتُ أناديه وقتها "عمي"، كما كنت أنادي جميع الرجال البالغين، واحتضنه وقبّله. ومن بعده توالى جميع الرجال على احتضانه وتقبيله، وفجأة انطلقت زغرودة حامية ومن بعدها "إيويها" مجلجة، مضطربة بعض الشيء.

حلّ صمت مهيب حين تقدمتْ إحدى نساء العائلة وهي تجرّ فتاة خلتُها في عمري أو أكبر قليلا، ووقفتْ أمام "العمّ" المُحتفى به وطلبتْ منها بحزم، والاثنتان تبكيان بخوفٍ:

"بوسي عمّك!"

في الليل، وأمي تغطيني، سألتـْها أختي:

"يعني خلص؟"

تطلعتْ إليها أمي وقالت بحزم:

"تروح تتخيّب! شو هيّي أول وحده؟ بدّا تخرب العيلة؟ إوعك بحياتك تجيبي هاي السيرة أو تفتحي هيك موضوع! فاهمة؟"

تمتمتْ أختي بكلمات قدّرتُ أنها خضوع تام لمطلب أمي.

أطفأتْ أمي النور في الغرفة، ثم نظرتْ إلينا بحبّ هائل، وقالتْ بهدوء وهي تدمع:

"الله يحميكُن."


الجمعة، 11 ديسمبر 2009

عينا دُشّه السّاحرتان




فقدتُ لغتي.

بعد سنوات طويلة من القراءة والكتابة وتصفح المعاجم والإخلاص لـ "لسان العرب"، خِلاً وصديقًا، فقدتُ لغتي؛ فقدتُ عشرات آلاف المرادفات والمتضادات المُصرّفة والممنوعة من الصرف، لأجد نفسي طيلة الأسبوعين الأخيرين عالقًا في كلمات معدودات لا تتغير: دش الدش الدش، حبيبتي، حبي، ديناصورة، عزا عزا عزا، عشا عشا عشا، عسا عسا عسا، يختي، خيتا، ألبي، شو هالعيون؟ إنتي قوليلي شو هالعيون وبحلّ عنك!! دشدوشة، منتوشة، فركوشة، زمبيعة، فرقيعه، برقوقة، طبيلة، زميرة، يختي، ملكة جمال ساحة عرفة!، دشة دشة دشدوشة؛ وهكذا.

أروح وأجيء وسط هذه المعجزة وأنا مقتنع بأنّها حدثت لي وحدي أنا، وكأنّ البشرية لم تحقق هذه المعجزة منذ أول قرد استنسخ نفسه آدميًا، وها نحن الآن، في عكا الأبية، أتأمل عيني شذا الساحرتيْن، وأغني لها في الرابعة والنصف صباحًا: يمّا الشلبية، عيونها لوزية...

فقدتُ لغتي، ولكنني اكتشفتُ لغتها.

*
تقول دُشه (والحكي للجميع): "وأنا أنا، هل أنتَ أنتَ؟" أهمس لها: هذا شاعرنا فهل جاءك في المنام؟ أحكي لها عن شتاء ريتا الطويل والقصيدة التي لا تنتهي، ولكنها تطلب مني أن أهمس في أذنها: "بكوب الشراب المرصع باللازورد، انتظرها". أهمس، ثم أغني بصوتي الفجريّ الصدئ المتعب: "طلعت يا محلا نورها..." وأنا أرجو في قرارة نفسي أن تنام- ولكنها لا تنام. دُشه تحرس هدوء المكان.

تمتهن دُشه السّهر على أعتاب الفجر، فتنام النهار وتقيم الليل، رضاعة وبكاءً وتحفيضًا. ثم تقرأ ما تيسر من سورة "وَعْ وَعْ"، وتطلب بعينين متيقظتين المزيدَ من الدفء فتستلقي على صدري وأعُدّ لها جميع الشعرات الزائدة في حاجبيها وتحت أنفها، وأستمع إلى لغتها الطافحة بالشهيق والزفير، فتخجل لغتي، فأغني: "يللا تنام، يللا تنام"، سارقًا المعنى من رغبتها في الانكماش ثانية في رحم أمها.

أمددها قربي في السرير وأرقبها تتأمل العتمة. هل تراني؟ هل ترى هاتان العينان ما يطبخ لنا الوقت من زاد اخضرارها؟
المعجزة حاضرة في: تفتح عينيها يومًا بعد يوم/ صوت بكائها الذي يمزق الأحشاء/ صوت صمتها الذي يمزق الأحشاء/ ابتسامتها اللا إرادية وهي ترضع/ قبعتها الحمقاء فوق رأسها المتشكّلة (الحمقاء)/ الوبر الخفيف النابت على أنحاءٍ في جسدها/ نظرة أمّها لها/ اقتراب النعاس من حركة يدها اليسرى/ سرّتها/ هجومها على الأصبع التي تفحص جوعها/ عنادها المبكّر (والشديد)/ "حصانها" المثابر/ انقطاع النفس وهي تستحمّ/ أغفاؤها على صدري/ ترنيمة الشوق للحياة في فجرها/ الوسن في نهاية الرضاعة/ تأملها السقف بلا هوادة/ بُرازها/ قيؤها/ حبّ جديْها وجدتيْها الغريب (قائمة غير نهائية).

*
أتحسّر على سيجارة إلا أنّ التدخين في البيت ممنوع، والفجر لم يطلق سراح الشمس بعد، فأدخن في الشرفة الباردة. صباح بارد جديد. الغيوم تتظاهر بتجاهلي، رغم أنني أعرف أنها تتحرجم فوق البيت كي تطلّ على إيقاع حبها الخفيف. أدخل لأسمع تنفسها، فنحن "مُسَرسبان" من قصة التنفس، ثم أعود، ثم أقلق بعد ربع ساعة، ثم أقوم، ثم أقلق ثانية. تنام على بطنها ويد سريعة تطبطب على ظهرها تفضح تنفسها البطيء-السريع. نبضات قلبها سريعة، مثل نبضاتي، ولكنّ نبضاتها ملأى بالوعود ونبضاتي ملأى بالأخماس والأسداس.

من مرة إلى أخرى، ليلَ نهارَ، تطلق تأففًا غامضًا، مكبوتًا، نسميه "زَعْبَرة". الأم تقول مغصًا أو توسعًا في المعدة، وأنا مقتنع بأنها تنادي علينا، قتلا للوَحدة. أسبوعان وجسدها لا يحتمل أية شاعرية أو بلاغة، ولكنني أرى ولادة المستقبل على فوطة أكلها المتسخة دائمًا. أرى قصيدة حياتي.

صارت لي ابنة. أقرأ من قصيدة غسان زقطان: "ليس لي ابنة/ كي تعيد إلى القلب/ ما كان يسقط من عشرة الناس/ في طرق لا يراها الرواة…". دُشه: هل ستحبين الشعر؟ لا، دعكِ من حبّ القصائد المكتوبة. كوني شاعرة!

*
في التاسعة وخمس وخمسين دقيقة صباحًا، في الثامن والعشرين من تشرين الثاني للعام 2009، استيقظ البرقوق في جسدي. كنتُ أظنه مات وشبعَ، إلا أنّ الحياة قالت كلمتها. حيوان منوي واحد وبويضة واحدة كافيان ليستيقظ آخَرُكَ على آخر جديد. تعدّ على أصابع يديك ما تغير: دفءٌ في القلب، خدرٌ في الجسد، لهاثٌ في غدد البكاء، سعارُ في غدد الضحك، وَجيفُ في أطراف الفرح.

أتأمّل صورها (للمرة الألف) وأبحث عن ملامح المرأة التي ستكونها. أشتعل غضبًا حين أتيقن من أنّ رجلا واحدًا على الأقل سيكسر قلبها يومًا (سأكسر رأسه!)، ومن أنّ خيبة واحدة على الأقلّ ستسحق تفاؤلها (سأسحق هذه الخيبة!) ومن أنّ فقدانًا قاهرًا (واحدًا على الأقل) سيغيّر حياتها يومًا (سنعيش من أجلها إلى الأبد!).

ثم أشتعل فرحًا حين أرى أول ضفيرة ناصعة السواد، أول فستان صيفي رفراف، أول فرحة لها بأوّل دراجة، أول يوم في المدرسة، أول 100 في امتحان الخط (خطها جميل، لا محالة!) وأول رسوب في الكيمياء (دعكِ من الكيمياء فالبحر أجمل)، أول "طفشة" مع صديقاتها على كورنيش بحر عكا (وقلق أمها!)، أول دفتر يوميات سترسم عليه قلبًا متناسقًا بالأحمر، أول رفة قلب لأحد أبناء صفها (سأكسر رأسه!)، أول تفتح على هموم فلسطين، أول مظاهرة، أول شتيمة علنية أمام والديْها (جيل خرا!)، أول سيجارة في الحمام، أول حفلة راقصة تمتدّ حتى منتصف الليل (وقلق أمها!)، أول خروج من البيت، أول دمعة في أول مهاتفة وهي خارج البيت، أول سكرة معها في بار مدينتها الجديدة (جين وتونك)، أول السّعي وراء الحياة، أول حبّ يُوجع الجّسد (سأكسر رأسه!).

*
فقدتُ لغتي.

صرتُ ناطقًا باسم عينيّ دُشه. ثم اتسعت لغتي...


(11 كانون الأول 2009، السادسة إلا ربع صباحًا)

الاثنين، 30 نوفمبر 2009

شذا بكر-حليحل



كتائب شذا بكر-حليحل

القيادة العامة

بيان رقم 1


تزفّ كتائب الرفيقة شذا بكر-حليحل في عكا وسائر الجليل،
إلى أبناء شعبنا العظيم بشرى

العملية الإنجابية البطلة


التي أنجزتها الرفيقة المناضلة عبير بكر، يوم السبت، 28 تشرين الثاني 2009، الساعة 9:55 صباحًا في المستشفى الفرنساوي (الاستعماري-الإمبريالي) في ناصرة الجليل.

وبهذا، تعلن كتائب الرفيقة البطلة شذا بكر-حليحل عن بداية العدّ التنازلي لكنس العدو الغاشم من أرض فلسطين، وبداية عهد وطني جديد.


معًا على الدرب


هوية قومية - ماتيرنا وبابمرز!

اللجنة الإعلامية

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

قصيدتان للشاعر المغربي ياسين عدنان


شاعر مختلف

لو أني ولدت فلسطينياً

كنت سأبدو صاحب قضيةٍ

وكان النقاد

سيجِدُّون في البحث

عن معنى عميق

لقصائدي

وسيفتشون فيها

عن تلابيب الجرح

ومدائح البرتقال.

فكانت سعاد ستعني البلاد

وعائشةُ الأرضَ

والعناق سيغدو التحاماً

يعشب القضية

والانتظار

طوال النهار بمقهى المحطة

سيعني

الصمود في وجه الحصار.

لو أن الأمن

وجد في آرائي

تلك التي لم أجهر بها

ما يُهدد الأمن

لكنت الآن أرفلُ

برتبة سجين سابق

كنت سأبدو عميقاً

حتى وأنا

أتحدث عن أصناف الجعة

وأحوال الطقس،

جديراً بالتضامن

ساعة الأنينِ

وساعات الشكوى

كنت سأظفر، وبما

بحق اللجوء

إلى عاصمة شقراء

باريز، مثلا...

هناك، كانت ستُغري بي

عيناي

شعري الاسود الفاحم،

صمتي الأريبُ

يداري فرنسيتي المعطوبة

كنت سأغوي

فرنسية عذراء

أفتضُّها دونما مهرٍ

فأصاهر رامبو سِفاحاً.

لكنني أتيتك أيها العالم

طارئاً كانقلابٍ

جافاً كنعي.

جئتك أيها العالم هكذا

بدون قضية مناسِبةٍ

وبلا مناسَبة تقريباً.

جئت عاديا في سنة عادية،

وبشكل عادي

كتبت قصائد

في لون الحياة تماماً،

ولم يكتشف أحد بعد

أني

شاعر مختلف.





الشعراء

هكذا هم الشعراء

تحبهم بنات أقل جمالاً

من عشيقات المغنين

ونجوم كرة القدم،

لا تأبه بهم سكرتيرات الدواوين

وتستثقلهم مذيعات القناة الأولى

حتى بارميطات الحانات الرخيصة

غالباً ما يُلبين نبيذهم بضجر.

..........

وحدها كرابيح الجلادين

تذكرهم

وحده رصاص الجبناء.

(عدنان ياسين)

الجمعة، 20 نوفمبر 2009

سأخون مدينتي


أشتاق إلى حيفا الآن.


كنتُ أعلنتُ طلاقي منها بعد زواجٍ من 13 عامًا، حين تزوجتُ عكا وابنتها منذ خمس سنوات. إنتقل المكان وانتقلت إليه، ثم انتقلنا سوية إلى زمان جديد. أفكر الآن في المكان ولا أذكر إلا الناس: الرفاق والرفيقات (في السّهر والمرح والتسيّب)، الأصدقاء والصديقات، العاشقات والعابرات، الشوارع والأشجار الشتوية في شارع "هيلل" التي تفوح برائحة المنويّات الغريبة (هل لاحظتم؟).


"المكان حيث تتشكّل"- أحاول أن أصيغ حكمة، ولكن أليس المكان حيث تتحلل أيضًا؟ وحيث تتدمّر وأليس المكان، أيضًا، حيث ترمّم نفسك؟ وحيث تضحك وحيث تبكي، وحيث تنام وحيث تسهر، وحيث تسعد وحيث تشقى؟ ولماذا المدن، مع أنني أحبّ جليلي وقريتي ومساحات الخضرة اللانهائية حوالي نبع "العكروش"؟ أليس المكان بتفاصيله؟ أليست تفاصيل الجبل أشهى من البحر، أم أنّ العكس هو الصحيح، أم أنني في غمرة التباس المكان عليّ أتوق إلى سعادة لم أعشها؟


فجأةً، تتراءى حيفا فضية كأشعة الشمس في هذا الشتاء المتردّد. أنظر إليها من عند رصيف مقهى "البيغي" على الغربيّ في عكا، وأحلم بسكرة عصراوية في "فتوش" تطرحك في الفراش حتى يحين موعد السكرة الليلية الرسمية. عَلامَ يا هذا، وما الخطب، وما الذي أشعل فتيل الحنين إلى حيفا بعد هذه السنوات؟

إذا كانت عكا "أجمل نساء فلسطين" (على ذمة الشاعر)، فإنّ حيفا أكثرهنّ شبقًا ومجونًا، وأنا كالعالق بين معشوقتيْن لا فكاكَ من التصدّع بينهما مثل أرض يباب تتشقق في غمرة القحل، أو تذوب في غمرة العُباب (المطر الكثير- على ذمة ابن منظور). إلى ماذا أشتاق في حيفا؟ لا أعرف تحديدًا، ولكنّ صورتنا (خمسة شبان متحمسين) ونحن نجلس على شرفة البيت المتهالك في شارع "مسادا" بعد إغلاق الجريدة، نستمع إلى شربل يقرأ "شتاء ريتا الطويل" لدرويش، تلحّ عليّ، مع أنّ تلك القراءة لم تكن لـ "ريتا" معيّنة بعد. يبدو أن القارئ والمستعمين هم الذين يسكنون الصورة وليس "ريتا".

أسير في شوارعها مؤخرًا وأحمل ذاكرة مضطربة. هنا كذا وهنا كذا، وهناك كذا وهناك كذا. كأني أسير في آخر يوم للذاكرة، أحاول حصرها وممارستها قبل أن تنتهي. تخفّ بي الأرض ويبدو شارع "الحالوتس" (لأول مرة في الحياة) جميلاً. "الحالوتس"؟ جميل؟؟ أتذكر هذا الشارع في رواية "إخطية" لإميل حبيبي، ولكنني الآن أتذكر "شوارما الأخوة" وكم هي مسؤولة عن كرشي النابتة رغمًا عني. وأتذكر فلافل "أرمون" وفلافل "ميشيل" ومطعم "الجبل" قرب الجريدة حيث كنا نشرب البراندي الرخيص ("إكسترا فاين"، الشهير بـ "أبو زبلة") ونتحدث عن تغيير العالم.

وصلتني في البريد الكهربي رسالة فيها رابط لبحث جديد: نسبة الكشف عن أعضاء النساء اللازمة لزيادة "تحشر" الرجال بهن هي 40% من أجسادهنّ، لا تزيد ولا تنقص. ابتسمتُ. هل كشفت حيفا لي مؤخرًا عن 40% من صدرها أو عجيزتها أو فخذيها؟ لا أظنّ، فأنا تكفيني رقبتها وهبوط الشهوة من غرتها نحو كتفها كي أغازلها وحدي، وسط زحام التاكسي وفظاظة السائق وظلف الركاب وحديث هذه العجوز البائسة عن آلام ركبتيها.

فجأة، عادت حيفا وكأنها لم تغِبْ للحظة؛ "ليسَ المكانُ هوَ الفخ" أعاد درويش أربع مرات في قصيدته "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي"، وأنا أعيد وراءه: "إنّ الزمانَ هُوَ الفخ ُّ". ماذا سيكون إذًا فخّ هذا الزمان؟ أهي رياح الحبّ العاتية في أرجاء الرحم الحبيب؟

"أيّ إنسان لم يَختبر نشوة الخيانة لا يفقه شيئاً على الإطلاق عن النشوة"، قال جان جينيه، وأنا أشعر بخيانتي لعكا ولكنّ المعشوقة –حيفا- تستأهل كل هذه الخيانة! هل يجب أن أحرق جسرًا كي أعبر آخر، ولماذا كل هذه الدراماتيكية في حبّ مكان لا يعني شيئًا من دون ساكنيه؟ عكا أشبه ما يكون بالبيت، وحيفا أشبه ما يكون بغرفة مغرية في فندق تحمي عاشقيْن.

ألتجئ إلى شقة عامر لأكتب، فأقع في الحنين. هل الحنين إليه أم إلى ما يعنيه لي من تاريخ ومن حيفا؟ لا أعرف، ولكنني أرتب شقته كلما ذهبت وكأني أصرّ على أنها شقتي. يا للنوستالجيا المثيرة للشفقة!

هل المكان هو ذريعتنا للاختباء من الزمن؟



الأحد، 1 نوفمبر 2009

البرزخ

لن أسميه "انسدادًا في مجاري الكتابة"، فهي حاضرة، والشكر للات والعزة، ولكنه ما يشبه التحيّن اليقظ لكتابة ستأتي. أشعر بكميات هائلة من الكلمات تنتظر اللحظة المناسبة، ولكنّ الجسد لا يتعاون معها. لا أجلس للكتابة حين يكبس الوجع بل أقرأ أكثر. أمارس توأم الكتابة الجميل وأنتظر الطوفان.

أكتبْ، أكتبْ، أكتبْ! تبًا، لماذا لا تكتب؟ الفكرة جاهزة، المواد تتراكم، البرولوغ شبه نهائيّ، الفصل الأول يجري من تلقاء نفسه، فلماذا لا تكتب؟

أستمع للموسيقى. أنور ابراهام. التونسيّ العذب. عندما أكبر أريد أن أصير أنور ابراهام. أعني أنني أريد أن أكتب مثلما يصنع الموسيقى. بأعمق بساطة ممكنة. لقد وجد المعادلة، فمتى أجدها؟ الكتابة أقلّ شأنًا من الموسيقى. الموسيقى تترفع على الكلمات، لا تحتاجها، تلعب في المجرّد، تتحايل على المنطوق. الكتابة تتعثر بمحدودية النصّ، بحاجته إلى الأحرف.

أجهل النوتة. يكتبونها بنقاط ترتفع وتنزل. لا شكّ في أنها لغة بقوانين ومنطق داخلي. ولكنها تحتاج إلى الأذن فقط، بينما تحتاج الكتابة والقراءة إلى العينين. ذهب الخيال. حاول أن تبنيه من جديد. أكتب كما الموسيقى، بأقلّ ما يمكن من الإملاءات، بأكثر ما يمكن من الاقتراحات. كيف تكون الكتابة اقتراحًا وهي بالغة الوضوح؟ لو صارت الكتابة كالموسيقى لفاضت بالاقتراحات بدل الإملاءات.

كيف يكتبون نصًا مثل لحن “halfaouine” (غناه لطفي بشناق في أغنية "ريتك ما بعرف") أو لحن “vague, var”؟ كيف نقول كل شيء من دون الحاجة إلى القول حقًا؟ هل على الكاتب أن يكون موسيقيًا كي يدرك المعنى؟ معنى القول، أقصد، وليس المعاني "الحياتية" العابرة.

بيانو وأكورديون وعود. من بحاجة إلى أكثر من هذا كي يكتب رحلة مثل “Le voyage de sahar”؟ وكيف يكتبون رحلة السّهر بحروف متراصة مغلقة ونهائية؟ هل هذا ممكن؟

الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل. لماذا لا يُعلن الكلارينيت –الآن وهنا- نهاية الكتابة؟ سأصبّ قليلا آخر من النبيذ. بصحتكم. بصحة النصّ الذي خانني مرة أخرى. تعسًا للعالم؛ لماذا لا يدخل البرزخ إلا اللحن؟؟


الخميس، 29 أكتوبر 2009

نصٌ للشتاءِ


(لا يقرأه إلا الثعابين)


الش
تاءُ هو الشهوةُ، لأنّ الشهوةَ حنينٌ إلى ارتعاشاتِ الجسدِ، والمطرُ ارتعاشاتُ الشتاءِ. في الشتاءِ يتفتّح الجّسدُ حينَ تنامُ الأشجارُ؛ فالعلاقة عكسية ٌ وهي عصية ٌ على الفهمِ إلا في حَضرةِ الجّسدِ. خُذوا جسدًا وألقوه في يَمِّ البردِ فتستيقظُ مسامُه. تبحثُ عن مَسامَّ أخرى تُؤنِسُها، عن جسدٍ آخرَ يعبثُ بهذه المساماتِ فيُسليها ويَحكي لها قصصًا عن الحبِّ والجنس، نهايتُها سعيدة (مُبكية). الشتاءُ اقترابُ الجّسدِ من أصُولِهِ، مِن درايتِه بأعضائِه وتفصيلاتِها، مِن معرفتِه بفتحاتِ اليقظةِ والنعاسِ حين تدْلهمُّ الغيومُ ويتزاحمُ المطرُ على أبوابِ الرائحةِ.

الشتاءُ قناعة ُ الجَّسدِ بأنّ البردَ حليفٌ وليس غريمًا، بأنّ المطرَ صديقٌ وليس عدوًا، بأنّ هذهِ الرائحة الرطبة الممتلئة هواءً مُقيمًا، هي نعمة ٌ وليست نقمة ً. الشتاءُ حنينُ الأصول إلى مُرادفاتِها وهو انبهارُ الأنفِ بروائحَ بدئيةٍ تتفتحُ في مساءٍ عابقٍ بالرّذاذ الخجلِ، بمشروعٍ لليلةٍ ماطرةٍ ستعيدُ الفرحة إلى الأغطية الشتوية الثقيلة. الشتاءُ حكاية ُ المَددِ التي تَحكيها القطراتُ السّاقطة ُ على الشّعرِ وعلى الأحذيةِ وعلى أكفِّ الأيادي الهاربة إلى مَوْئلٍ في الجّيوب المزدحمة بالنقودِ وعلب السّجائر والقدّاحات وأوراق العشق والكهرباء وتدوينات الأفكار السّابحة في الجوّ، الهاربة من ملل الشمس الساطعة.

*

الشتاءُ هو البحثُ عن الحقيقةِ في كذبةِ الشّمس الساطعةِ.

*

الشتاءُ هو الصباحُ. رعشة الجَّسد المصدوم بالبرد الصباحيِّ عند الخروج من تحت الغطاء السّميكِ (إلي إلى لِما شبقتني؟)، تضاهي رعشتَه وهو ينتفضُ لذة، حين يُفرغ حبّه في جسد الآخر المُستسلم للغيم. تلك الرعشة التي تتحايلُ على نشاط الجسد المُفتعَل، تصدمُه، تجعله يُعيدُ الغطاء إلى الجَّسدِ المُتمدِّدِ تحتَ سطوة حلمه الشبقيِّ الطازج، تجعله يبحث عن دفءٍ نابضٍ عنيف ينبعث في ثعابين البطن المتلوية، أسفله وداخله. الشتاء ثعابيننا الباحثة عن يد أخرى تبحثُ عن رعشة صباحية شتوية، هي الأخرى. يدان اثنتان تبحثان عن لذة الآخر، من دون جنس، من دون قُبل، من دون احتكاكٍ. يدٌ ويدٌ وثعبانٌ ومَخبأ مُظلم يختبئ تحت غابةٍ سوداءَ من القصائد.

*

هكذا يصيرُ الشتاءُ اكتفاءً!

*

إنها مؤامرة الصباح الصامتة، ريحٌ تحتكّ بريحٍ، جسدٌ يحتكّ بجسدٍ، يبحث عن معنًى لتكوّرات عجيزة نسائية في تحدُّبات جسدٍ رُجوليٍّ، يندمجان معًا في نومة "ملعقة"، يتكوّران في بعضهما البعض، يصمتان وهما يبتسمان لحركة الثعبان المُستيقظِ في خدر الصباح السريع، الهادئ، شبه الناعس. لا شيءَ مُستيقظًا إلا الثعابين. إنه البُطءُ، الخفة، الهمسُ، الإيجازُ وكلامِ الحبّ العِربيد. فهذه اللحظاتُ لهما فقط، ليسَ للجَّسديْن النائميْن-اليقظيْن، بل لها، للثعابين المتيقظة كحميرِ الوحشِ.

طوبى لمن تملّكت ثعابينهم زمامَ أمورهم في صباحٍ شتويٍّ، فأغدقوها سيلاً حارًا غامرًا يليق بأهزوجة "رجعت الشتوية". فهذا اليوم ليس للعمل وليس للدراسة وليس للتبضع وليس للاستجمام وليس للخروج وليس للدخول وليس للطبخ وليس للنفخ وليس للسياقة وليس لركوب الحافلات وليس للقطارات وليس للسفر البعيد وليس للسفر القريب وليس للجنازات وليس للأعراس وليس للزيارات وليس لجبر الخواطر وليس لكسر الخواطر وليس للمجاملات وليس للقاءات وليس للمقاهي وليس للمطاعم وليس للجلوس على الناصية وليس للتسكّع وليس للتهندم وليس للتغندر وليس للإسراع وليس للإبطاء وليس للسّعي وليس للعامة وليس للخاصة وليس للتلفاز وليس للصّحف وليس للكتب وليس للحاسوب وليس للكتابة وليس للقراءة وليس للمحادثات الهاتفية وليس للدواوين تُعقد على شبابيك الحارة وليس للشائعات تُقال على عجل وخوف وليس للأخبار تأتي ممّن لم نُزوّدِ وليس للتشاؤم وليس للتفاؤل وليس للتفكير وليس للتدبير وليس للترزق وليس للإقدام وليس للهروب وليس لفعل الخير وليس لفعل السوء وليس لأيّ أحد يطرق أيَّ باب- هذا اليومُ للشتاءِ.

رائحة الأرض والشجر الذي يستعدّ للنوم؛ ارتطام المطر بالمطر، ارتطام الجسد بالجسد. لا أعرف أيَّ الصوتين أجمل: ارتطام المطر بالأرض، بالشجر، بالرخام، بالأرصفة، أم صوت ارتطام الجسد بالجسد، صوت اللحم يتعرّق على اللحم، صوت اللحم يستقبل اللحم وينفتح على مساماته الصارخة بألف أغنية: أغنية للخوف، أغنية للبرد، أغنية للشكّ، أغنية لليقين، أغنية للحياة، أغنية للموت، أغنية للثورة، أغنية للخنوع، أغنية لثعبانها، أغنية لثعبانه، أغنية للأصابع المتحسّسة على أيقاع الأنفاس المتقطعة، أغنية لبصمات الماريحوانا في هذه المضاجعة تسير على مهلٍ كأنّ الريح ليست تحتهما، وكأنّ القلق ليس تحتهما، وكأنّ الشاعر لم يصرخ في عتمة الليل: وجدتُها! وجدتُها! وجدتُ قبلتها في غمرة المطر!

يُصليان في اليوم مضاجعتيْن وفي الليل مضاجعاتٍ ثم ينامان التراويح. يُسبّحان اسم خالق هذا الجسد وهذا المطر العنيد المُنسال على جدران ريحهما. شتاءٌ يهبّ على جسديْن فيصيران شعوذة مُربكة: ثعبانان شقيان لا يحترسان، فالقلب لا يحتمل هذه الشقاوة، والجسد على وشك أن يهرم وعلى وشك أن ينهزم وينهار تحت وطأة تناور الجسديْن، ويودّان لو يهدأ البنزين في محركيهما، فيغنيان تهليلة للنوم وتهليلة للسفر إلى راحة مُرتجاة. الشتاء تعب لذيذ وسرير حارّ لا يبرد. يصرخ السرير: أنا هنا، أنا هنا، فهاتِِ أكثر ولا تبخلْ يا شقيّ!

*

الشتاء عودة الروح إلى منابعها. الشتاء رجفة. الشتاء ارتجاف. الشتاء مؤامرة رذيلة ضدّ الفضيلة. الشتاء ليلة القدر امتدّت على فصل كامل!

(22 كانون الأول، عام المطر)


الجمعة، 23 أكتوبر 2009

ثرثرات فوق السور (3)

  • حدثني الطبيب سامر خوري، مسؤول ملف الوليدة الوشيكة شذا (دُشّه) حليحل وأمها الحامل، فقال: "حدث منذ فترة طويلة أنني كنت أشرف على توليد امرأة عربية، وكانت ولادتها صعبة للغاية، فكانت تصرخ بملء ألمها، وتصيح طالبة زوجها: إسماعيل! إسماعيل! ولما سألتُ عن سرّ غياب زوجها عن غرفة الولادة قالوا إنه كان هنا إلا أنهم اضطروا لإخراجه لأنه كان "يتصبّب" على النساء الأخريات في غرفة التوليد! ولكن وضع المرأة أصبح صعبًا فخرجتُ وناديته، ولما دخل نظر إلى امرأته التي كانت تتمزق ألمًا وصاح بها: ليش بتصيحي هلقدي؟! كل الناس سامعه صوتك، أسكتي! وهكذا صمتت المرأة مرة واحدة وكأنّ أحدهم أخرس الصوت فجأة، واستمرّت في ولادتها العسيرة بلا أيّ صوت."- حتى هنا قصة خوري. في الطريق فكّرتُ كم اسماعيل على المرأة العربية أن تتحمل ريثما يموتون جميعهم، ويُولد جيل جديد من الإسماعيليين؟
  • تسلم الشاعر موسى حوامدة قبل فترة قصيرة رئاسة تحرير الملحق الثقافي في صحيفة "الدستور" الأردنية، ولم يستغرقه الأمر كثيرًا كي يضع بصمته المتميزة على الملحق الأسبوعي، الذي صار يُقرأ بتمعّن وتأنٍّ ومتعة. الغالب في التوجّه الجديد دمج السريع بالبطيء، القصير بالطويل، السلس بالكثيف. وحتى في المقالات أو المواد الموجزة لا تجد استسهالا أو سطحية. "الدستور" الأردنية دخلت منذ أسبوعين في قائمة زياراتي الشبكية الدائمة.
  • أقرأ كثيرًا في هذه الأيام عن فترة حصار نابليون لعكا، حيث أعكف على كتابة رواية تجري أحداثها في هذه الفترة. ما أبشع تاريخنا! ما أكثر القتل فيه، والدسائس والكراهية وحبّ التزعّم. من يقرأ تاريخ تلك الفترة وكميات المعارك الهائلة التي جرت بين الأمراء والولاة في أصقاع سورية الكبرى، لا يستغرب ما حدث لنا مع أحفادهم في العصر الحديث. ثم أنّ "الجزار" لم يصمد في وجه نابليون، بل يعود الفضل إلى آخرين. كيف؟... عليكم أن تقرأوا الرواية.
  • عندما اقتربتْ بيروت بعد إعلان نتائج "مسابقة بيروت 39"، بدأتْ تبتعد مرة أخرى. وأنا بالكاد أتقن الاقتراب من عكا.
  • ما هي وتيرة الكتابة في مدونة شخصية؟ مرة في الأسبوع؟ مرة في الشهر؟ مرة في الشهرين؟ هل هناك عقد بين كاتب(ة) المدونة وبين القراء؟ متى ييأس القارئ من المدونة ومتى ييأس الكاتب(ة) من المدونة؟ هل يجب الإلتزام بمواعيد نشر واضحة؟ ولماذا الإلتزام؟ إليس من طابع المدونة الشخصية الدوزنة على السجية؟ ولكن، من يسمع هذه الدوزنة من دون وعدٍ بالمزيد؟
  • واستمرارًا في الدوزنة: سأبدأ يوم الأحد القادم بتعلم العود على يد الجهبذي العنيد ذي العود الرشيد، حبيب شحادة حنا، في جمعية "المشغل" في حيفا. أنتم مدعوون إلى كونسيرت الصولو الأول لي في المدرج الغربي في جرش صيف 2010. الرجاء الحجز سلفًا فالأماكن محدودة!
  • "لم أستطعْ أن أراكِ اليومَ / ولكنني لسْتُ حَزينًا / إذا كانَ المطرُ الذي بَللني في الصّباحِ / قدْ بَللكِ أيضًا." (قصيدة "مطر" للشاعر حسين بن حمزة)

الأربعاء، 14 أكتوبر 2009

كيف هرب «دياب» إلى أمجاده الغابرة!




فراس خطيب

لم يدخل العرب فلسطين. فقد احتدم الخلاف بينهم على أعتاب حطين، فعادوا أدراجهم، ليقرّر «دياب» أن يدخلها بمفرده لـ«محاربة جيش اليهود الجبّار». لكنّه وجد نفسه أسيراً في قاع سفينة أميركية، في قلب زنزانة مخنوقة، سوداء من شدّة الظلمة، يكسوها غبار الفحم. يبدو مترهل الملامح، منكسر الهيئة، أسيراً بين ماض وحاضر، يهرب من الهزيمة ــــ أي هزيمة ــــ بحديث عن أسطورة «الأمجاد» التي سبقتها. هزيمة جلية ومجدٌ يظلّ كلامياً، إلى أنْ يصدح بوق الباخرة، كأنها صيغة الأمر من حرّاسه، فيهمُّ دياب بجسدِه المتعب، حافي القدمين، ليملأ الصندوق فحماً، كي تمشي السفينة، فيعود إلى مجلسِه ويعاود الحديث عن أمجاد كانت وأخرى لم تكن.

مونودراما «دياب» التي احتفلت أخيراً بعرضها الخمسين في حيفا (وهو إنجاز بحد ذاته بالنظر إلى وضع المسرح الفلسطيني في الداخل)، استوحاها كاتبها علاء حليحل، من «تغريبة بني هلال». تلك السيرة الشعبية التي رَوَتْ عن ملاقاة «بني هلال» لـ«أعدائهم»، وحكت عن سيرهم في طريق الانتصارات. لكنّ حليحل أبدع في توظيفها بطريقة لا «تدغدغ» مشاعر المتلقي بمقدار ما تحاكي العقول. إذ يخلط في نصّه، بإتقان ووعي حذرين، بين أساطير الماضي (أنا دياب ورايتي رايِهْ، وأنا عربي وكرامتنا غايِهْ)، وهزائم الحاضر (يا ضو، وين رحت؟).

الحكاية يرويها دياب الذي بعثرته الروايات ورمته إلى قاع السفينة. إنّه فردٌ يشبه جماعته، لا يتقن ماضيه ولا يذوّت حاضره، حتى فقد بوصلته. تراه يتوسل حارسه تارةً «يا حارس، شُربة مي وحياة إمكْ»، وطوراً يحاكيه بلغة الممتطين صهوةَ جيادهم قبل الهجوم: «يا حارسْ! يا حارسْ! يا كلبَ البشرية! هل تُسلم أم تدفع الجزية؟».

لم يحلم دياب بأن يكون مثل حارسه، فقد قبل بالواقع وارتقى ليكون «قديساً معذباً» وهكذا كانت نهايته. وإذا امتلك رجال غسان كنفاني (في «رجال في الشمس») خيار طرق الخزان كي يحيوا، فإنّ دياب علق بين الغبار، من دون أن يمتلك خزاناً ليطرقه. وانتهت المسرحية، كما اختار كاتبها، بمغناة «صرت العبد، وصرت العبد».

بعد مسيرة قطعتها المسرحية، منذ فوزها في «مهرجان مسرحيد 2005»، يبدو الممثل عامر حليحل أكثر نضجاً ووعياً للحالة السياسية والعاطفية الطالعة من النص. يبدو أكثر سَكينةً من عروضه السابقة. ذلّل تحديات النص التي تخلط بين بساطة اللغة وصعوبة معانيها الكلاسيكية، فخلق توازياً بين النص وتجسيده على الخشبة. استطاع أن يتنقل بين «الكذب والحقيقة»، بين «المجد والهزيمة» بحركات مقنعة، تحت إيقاع موسيقي مُتقن وحسّاس (من تأليف الموسيقي حبيب شحادة).

لكن في المقابل، فإنّ الإخراج الذي حمل توقيع سليم ضو، بدأ إبداعياً مع فتح الستارة، ثم توقف نموّه بعد المشاهد الأولى، فوقع في خطأ «الاستقرار». كان ممكناً ــــ ومنعاً لهيمنة الروتين ــــ اللجوء إلى حركات تجعل من الزنزانة عالماً، تماماً كما السجين يراها عالمه الواسع رغم ضيقها. فكيف إذاً، يصمد الأسرى 30 عاماً في غرفة صغيرة؟ كيف يحيون ويموتون ويعشقون في تلك الرقعة الضيقة؟ كان لا بدّ من إقحام تلك التجربة أكثر من أجل دفع التمثيل والنص إلى الأمام، لا العكس.

تستمد مونودراما «دياب» مادتها من الواقع السياسي. إنّها عملٌ ذو صلة بالأحداث الآنية: أسرٌ وتهاون و«اعتدال» وهيمنة أميركية على كل شيء. من يتباهى بفرسه «الخضرا» التي اعتلاها لـ«تحرير فلسطين»، هو الذي يأكل «الماكدونلدز» في قاع الباخرة. وإلى متى سيظل عالقاً؟ لا أحد يعرف.

ألسنا جميعاً عالقين في قاع تلك السفينة/ الهيمنة، نراقص خيالاً ونبكي واقعاً؟!

(عن صحيفة "الأخبار")



الخميس، 8 أكتوبر 2009

فرنسوا ثائرًا!



كانت المفاجأة كبيرة، لدرجة أنّ خروجك من القاعة عند انتهاء المسرحية لم يكن كافيا لتشكيل رأي عمّا شاهدته قبل لحظات، بل يزيد من حيرتك، ثم تستقرّ حيرتك على جملة واحدة مجلجلة في الرأس: "يحرق حريشك يا فرنسوا"!

فرنسوا هو فرنسوا أبو سالم، المسرحيّ المخضرم، والعرض هو مسرحية "أبو أوبو في سوق اللحامين" المنتجة بدعم الصندوق العربي للثقافة والفنون في عمان، والتي تُعرض في مهرجان المسرح الآخر في عكا، والذي يقفل أبوابه اليوم الخميس. يقف فرنسوا على المنصة إلى جانب الممثل الشاب الممتاز أدهم نعمان، وسوية يلعبان لعبة مسلية بعض الشيء، وسخيفة في بدايتها: لعبة الأب والابن اللذين يخططان للاستيلاء على مخترة الحمولة. فالاثنان يديران ملحمة العائلة وحياتهما مليئة باللحوم النيئة ورؤوس الخرفان المقطوعة. في لحظة ما، وبعد مرور حوالي عشرين دقيقة، تبدأ مسرحية أخرى، لعبة أخرى تتضح معالمها مع الوقت؛ إنها لعبة الجنون اللا نهائي، جنون واعٍ لنفسه حتى أدقّ التفاصيل، خروج على المألوف وإمعان في الغرابة والتغريب؛ إنه مسرح القسوة في تجلياته القصوى، والمشاهد يجلس مشدوهًا ممّا يجري أمامه.

يتحوّل اللحم النيّء ورؤوس الخرفان إلى أداة العمل الأساسية في المسرحية: يقطعانها، يطحنانها، يأكلان الكبد النيء على الخشبة، يلعبان باللحم، يحملان غالبية المسرحية رؤوس خرفان لتكون شخصيات المسرحية الأخرى. يفعلان كل هذا من دون اعتذار، "بوقاحة"، بطبيعية من يرى في حياته وحياة من حوله كتلة من اللحم تنتظر من يقطعها ويأكلها. تتحول الخشبة مع الوقت إلى ساحة مليئة بقطع اللحم والدم التي تطغى على كل شيء. حتى إنّ الابن يقوم في النهاية بتقطيع أبيه بالمنشار ليتطاير دمه على وجه ابنه وليلقي الابن رجل والده المقطوعة أمام الناس!

إنها لعبة خطيرة، حتى القرف أحيانًا؛ هي مغامرة مليئة بالدهاء قد أراهن وأقول إنها بحاجة إلى شخص مثل فرنسوا أبو سالم ليقوم بها؛ بحاجة إلى مسرحيّ يقف على الخشبة منذ أكثر من أربعين عامًا، أخرج ومثل وعمل كل ما يمكن عمله، والآن، من شيخوخته الشابة يطلّ علينا وعلى المسرح ويقول ساخرًا: الآن، سأريكم أيها الأوغاد. وفي جسارته هذه يطرح أبو سالم قصة تدور أحداثها في القدس، وترتكز إلى ثيمة السلطة والاحتراب عليها، إلى الطبيعة البشرية وإلى الفلسطيني الراضخ تحت الاحتلال وقد تحول بعد كل هذه السنين إلى إنسان نهمٍ يسعى لتملك القوة وممارستها على أبناء شعبه (أيذكركم هذا بشيء ما؟).

إنها أمثولة قاسية، عنيفة جدًا، فظة حتى أبعد الحدود، ولكنها في نفس الوقت ترتكز إلى كوميديا المفارقة وإلى السخرية الذاتية المفرطة التي تراوح طيلة الوقت بين الحدّ الفاصل الدقيق بين السّخافة نفسها وبين التسخيف المقصود. أليست هذه الحياة التي نحياها اليوم؟

في هذا العمل أثبت أبو سالم أنّ في جعبته المزيد، وأنّ بوسعه أن يفاجئ من جديد. لا أعتقد أنّ الجميع سيحبّ الفظاظة والسّوقية (معذرةً من الأسواق) والهمجية التي يتعامل فيها الممثلان مع اللحم النيء وحضوره الطاغي على الخشبة، ولكن هذا لا يهمّ؛ ما يهم أنّ هذه المسرحية تعيد الرونق المفقود إلى المسرح، إلى مهمته الأساسية: أن يصفعنا وأن يجعلنا نفكر في مسلماتنا (الفنية، التذوقية، الحياتية) من جديد.


"أبو أوبو في سوق اللحامين" * فكرة وإعداد بوحي من ألفرد جيري: فرنسوا أبو سالم، بمشاركة باولا فينفاك، أوليفيا ماجنان، جوي الهنان وعامر خليل * تمثيل: فرنسوا أبو سالم وأدهم نعمان * إضاءة: فيليب أندريكس * إنتاج: الصندوق العربي للثقافة والفنون- عمان والمركز الثقافي الفرنسي

الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

ثرثرات فوق السور (2)

  • استمعت اليوم (الأربعاء، 30 أيلول) إلى مقابلة إذاعية أجرتها "ريشت بيت" (الإذاعة الإسرائيلية الرسمية) مع رئيس لجنة المتابعة، محمد زيدان. الحقيقة أنّ المقابلة كانت مخجلة في جميع نواحيها: في عبرية رئيسنا الضحلة، في أفكاره المبعثرة، في شعاريّاته السطحية، في تعميماته المعيبة، منها أنه قال: "نحن مع الاندماج الكامل في المجتمع الإسرائيلي". عفوًا؟ هل يمكن أن تعرف "نحن" و"اندماج" و"مجتمع إسرائيلي"؟ لقد أتى تعيين زيدان رئيسًا للمتابعة منعًا للتصدع في اللجنة (المتصدعة) في الصّراع على تعيين رئيس "إشكاليّ". هذه التسوية تستأهل مثل هذا الرئيس. دمتم ومات الوطن.
  • أصدرت "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" نشرة حزبية وزعتها تحت عنوان "باقون بكرامة وحقوق" تروّج فيها للإضراب العام يوم غد (الخميس، 1 تشرين الأول). خطوة ممتازة ونحيي مثل هذه المبادرات، وحبذا لو أنها صدرت عن أحزاب أخرى ثانية (لم أنكشف على غيرها حتى الآن). ولكن ما يثير الابتسام أنّ "الجبهة" بالذات، التي كانت ضد الإضراب في ذكرى هبة أكتوبر بشكل منهجيّ ومثابر في السنوات الأخيرة، لم تكتفِ بتبنيه هذه السنة بل أصدرت نشرة خاصة به. لا تهدِ من تحبّ إن الله يهدي من يشاء.
  • في 8 تشرين الأول القادم، الخميس، في الساعة 19:00، سيُعرض فيلم إيليا سليمان المتين، "الزمن الباقي"، في مهرجان الأفلام الدولي في حيفا. رُوحوا...
  • ليش الصياد ما ببوس الغزالة؟ (من يوميات نباتيّ)
  • مطلوب: غرفة صغيرة للكتابة. مواصفات: من 2×2 حتى 4×4. في عكا أو حيفا. طاولة وكرسي ونقطة كهربا. باب وشباك. المبلغ المقترح للايجار: حتى 300 شيكل (أحسن ببلاش). من يوفر لي الغرفة سأكتب له شكرًا في الرواية التي أعمل عليها (غسان بيرومي: بعدني بستنى). من شان النبي!!
  • حقيبةُ الكحل والزينةِ والأسرارِ الشهريّة/ على الكتف/ شفتانِ غليظتان في دوّارِ المنارة/ الأولادُ تمنَّوا الموتَ في شوارعِ تل أبيب/ النساءُ شتمنَ حظهنَّ العاثر/ وكلَّما مرت،/ يحترقُ الفلافلُ في الزّيت/ وينسى الحلاقونَ مقصّاتِهم على الرؤوس/ وتطيرُ مخيّلاتٌ فاسقة في شارع رُكَب. (قصيدة "مرور"، وليد الشيخ)

السبت، 26 سبتمبر 2009

السائح الجوّالي، عند نقطة تشارلي

"تشارلي تشيكبوينت". يتسخم!


أحسست بقليل من الخزي حين تداعى إلى ذهني أنّ هذه ستكون زيارتي الثانية إلى برلين، عاصمة فرحي الخريفيّ. كنتُ أنظر عبر شباك الطائرة إلى الأسفل حين قررتُ أنني سأتعامل مع نفسي بجدية هذه المرة وسأقوم بجولة سياحية في المدينة، كما يليق بأيّ كاتب يدّعي الفضول وحبّ المعرفة، ولن أقضي هذا المهرجان (أيضًا) في "خيمة الكُتاب (والكاتبات)"، أشرب النبيذ وأدخن السّجائر وأحرق عرض جميع الكتاب العرب الذين لم يُدعوا إلى المهرجان، أنا وجميع الكتاب العرب الذين دُعوا إلى المهرجان.

وشاءت الصدف أن تكون محطة انطلاق الحافلات السياحية في جولتها في المدينة لصقَ فندقي إلا "شربة سيجارة"، وكنتُ قد اهتديت إليها وأنا في جولتي الأولى بعد الوصول بساعة، إذ أنني أحبّ أن أكتشف في المدن مراكز الطوارئ التي يمكن اللجوء إليها بعد الواحدة ليلا: أماكن بيع التبغ والكحول. كنتُ فخورًا بقراري السياحيّ الجريء وقد تناقشتُه مع بعض الرفاق في "خيمة الكُتاب" في المهرجان، فاستحسنه الجميع وأثنوا عليّ إلا أنّني لم أجد فردًا صمدًا منهم يقبل بالقدوم معي. قلتُ في سرّي إنني أشكر الآلهة أنني لم أخلق مثل باقي الكُتاب، كسولا ومُحبًا "للتبحيط" (التبحيط: التصاق الطيز بأيّ جسم ثابت على الأرض والتوقع بأن يمرّ العالم كله من أمامك)، وأنني لا شكّ إنسان متميز وهبته اللات والعزة موهبة الكتابة والإبداع ولم تسرق منه نشاطه وحيويته وانتباهه إلى الأمور الأخرى في العالم غير القراءة والكتابة (سنتناسى للحظة المرة الـ 674 التي قررت فيها آخر سنة البدء بحمية طعام، ومعهد اللياقة الذي انضممت إليه قبل شهر ولم تطأه قدماي بعد وإصراري على التدخين وصعودي في الوزن وعزوفي عن النشاطات الاجتماعية وتفضيل الوحدة (بفتح الواو) على الوحدة (بكسر الواو)).

إستيقظت في التاسعة صباحًا ونزلتُ إلى الإفطار. وجدت حسن وسليمان ومحمود وعلوية. ورغم تبجّحي مجددًا بجولتي المباركة إلا أنّ تصريحي ضاع وسط مناكفات حسن وعلي، وبين تبرمات علوية من الألم في ظهرها وإصرار سليمان على أنّ العرب أمة أَمَة. قلتُ يا ولد ما لك إلا نفسك، وعليك بها إن كنتَ لها، فقمت واستأذنت ويممت شطر الحافلة السياحية، بعد أن حملت حقيبتي السوداء وملأتها بالماء والسجائر وكاميرا الفيديو ومحفظتي المحشوة بعشرين يورو وبعض الفستق وورقة عليها عنوان “h&m” لشراء الملابس لدُشّة التي على الطريق.


تشارلي نكبتنا
نقدتُ الموظفة التي تقف إلى جانب الحافلة 15 يورو عزيزة فبادرني السائق فورًا بإنجليزية متعبة: "أنت من إسرائيل"؟ تحرك الصدأ في مفاصلي وتنبه الفلسطينيّ المطارَد المعشّش في خلايا الشتات وقلتُ في نفسي: "موساد"! سألته عن سؤاله، فبرطم شيئًا بإنجليزية متحطمة وأشار إلى شعري. قلت: سأحلقه ابن الداعرة فور وصولي عكا!

تربعت في الطابق الثاني من الحافلة والهواء يداعب شعري، فأحسست بروعة قراري، رغم الازدحام الطلق من حولي والبرطمات بكل لغات بابل. تحركت الحافلة وبدأت المذيعة تنشد محفوظاتها عن برلين بالألمانية والإنجليزية تباعًا، وخُيل لي أنها تقرأ جملها التي تسابق الريح والتي تحفظها عن ظهر قلب، من كتاب بين يديها. وابتسمت أكثر وأنا أتخيلها تعيد الجمل المحفوظة عن ظهر قلب وهي "مُكرّة مُفرّة مُقبلة مُدبرة معًا" فوق جسد زوجها. هنا سفارة اليابان وهنا سفارة السعودية وهنا السفارة الإيطالية. بدأ "الآكشن" يزداد حين وصلنا إلى بنايتين كبيرتين متقابلتين قالت إنّ التي على اليمين كانت مقرّ الحكم في برلين الشرقية وتلك التي على اليسار مقرّ الحكم في برلين الغربية، والشارع الذي نسير فيه كان جدار برلين المشؤوم. وفجأة مررنا من قرب مقطع من الجدار لم يهدموه، بقي للذاكرة والتذكّر (ونحن لها!)، وفي نهايته تقاطع طرق صنعوا فيه نموذجَ الثكنة العسكرية الأمريكية التي كانت تسمى في السابق "حاجز تشارلي" (تشارلي تشيكبوينت)، وقد كانت المعبر بين برلين الشرقية والغربية أثناء الحرب الباردة وقبل إسقاط الجدار الخرائي.


شعرتُ بأهمية اللحظة وبثقل التاريخ يطحن كاهلي. وقد شاءت الصدف أن تتوقف الحافلة في نقطة استراحتها الثانية عند "تشارلي"، فهرعت بكاميرا الفيديو إلى الشارع وصورت الثكنة مع "زوم إن" فنيّ يعبر عن اختلاج مشاعري المتضاربة في صدري الذي لا يزال عابقًا بالدخان من سهرة الأمس. في طريق الالتفاف إلى الباص ثانية لمحتُ "كشك" يبيعون فيه قداحات مكتوب عليها "أحبّ برلين" فتذكرت حماي وأنه يحبّ جمع القداحات التي تحمل أسماء بلدان العالم، فدفعت له يورو ونصف اليورو ومشيت نحو الحافلة. لكنّ الحافلة كانت قد اختفت وعليها، في الطابق الثاني المشمس، حقيبتي التي فيها كلّ شيء؛ فسمعت أمي تصرخ من بيتنا في الجش: "راح الصبي"!


بلـّمتُ للحظة وبدأت بحساب الموقف بسرعة كما يليق بطالب سابق في قسم الحسابات: في جيبي ثلاثة يوروهات ونصف اليورو، في يدي كاميرا وفي يدي الأخرى قصفة زيتون، وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي، ثم تحوّل مشيي إلى ركض متفائل إذ اعتقدت لوهلة أنّ الحافلة اختفت وراء الانعطافة القادمة ولا بدّ سألحقها لو أسرعت، فلما وصلت المفترق راكضًا لم أجدها لا عن اليمين ولا عن اليسار، ولم أشمّ لحظتها (رغم ضبط أنفي على مستوى حساسية كبير) بقايا الديزل في الهواء، فتوقفت حائرًا وتذكرتُ فورًا ابنتي "دُشة" التي ستولد بعد شهرين ونيف من دون أب، فأحسستُ بالبكاء سيغمرني إلا أنني تذكرت قول أبي وجدي وجدّ جدّي وجدّ جدّه، في مثل هذه الأوقات: "إجمد!"، فجمدتُ.


قوات التدخل السريع
وبعد أن جمدتُ، وقفت في الشارع وبدأت أشير إلى سيارات التاكسي. مرت أربع أو خمس حتى توقف تاكسي كانت تقوده امرأة. دخلت التاكسي وبدأت بسؤال سريع حول إذا ما كانت تعرف مسار الخط السياحي. نظرتْ إليّ بفرح غير مفهوم وبدأت ترطن بالألمانية. أعدت السؤال عليها فازدادت ابتسامتها وهي تعيد الحديث بالألمانية. قلت: أبسّط الموضوع. "إلى الفندق" طلبت منها، "فندق إلينغتون". سألتْ شيئا بالألمانية فأعدت: "فندق إلينغتون". سألتْ شيئًا آخر. كان على تلك اللحظة أن تكون اللحظة المناسبة والحاسمة كي أخرج من التاكسي وأسنفر بروحي باحثًا عمّن يفكّ الخط بالإنجليزية. ولكن ابتسامتها التي كانت ترافق تساؤلاتها الألمانية أشعرتني بالأمان وأنا في حرج من موقفي العسير، فبقيتُ.

من حسن حظي أن كرت الغرفة (المفتاح) كان في جيبي فأعطيتها إياه. نظرت إليه وصاحت مبتسمة "فندق إلينغتون!" وكأنني كنت أقول لها قبل لحظات فندق أبو العبد. كنت طوال الطريق إلى الفندق أجول بنظري في الشوارع، أراقب الحافلات السياحية التي تروح وتجيء بجحافلها، وكلما مرّت حافلة كهذه أحاول التركّز في وجه السّائق الذي يعمل في "الموساد"، إلا أنّ جهودي ضاعت هباءً، فاستسلمتُ وألقيت بجسدي على الكرسي الخلفي الوثير، وعملتُ بالحكمة الأثيرة: "إذا كنتَ غارقًا في الخرى، فتمتع بدفئه على الأقل"، وهكذا ارتخيتُ طيلة الطريق إلى الفندق ولم أفكر في مسألة محاسبة الرفيقة السائقة إلا عندما توقفت أمام الفندق.

أشارت السائقة إلى المرآة، فرأيت رقمًا بالأحمر يعلن: 10.6. استفسرتُ، فأعادت الإشارة إلى المرآة، ففهمت فجأة أنّ هذا الرقم الأنيق، الأحمر، الصغير الذي يلمع على طرف المرآة إلى اليسار السفلي هو العدّاد! "يحرق أخت المسرحية"، تمتمتُ بيني وبين نفسي، حائرًا بين أن أتعجب من ارتفاع الأجرة أو أتعجب من تقدم العلم والتقنيات في بلاد "شلايدين آخسين". أخرجتُ اليوروهات الثلاثة ونصف اليورو من جيبي وبدأتُ أصرخ على السائقة وكأنها صماء:


I will go to my room and bring you the money!


بدت السائقة متهيبة بعض الشيء من صراخي، ثم برطمت بعضًا من الألمانية فأعدتُ جملتي عليها، ولكنها ازدادت احمرارًا فازددتُ اخضرارًا (دائم الخضرة يا قلبي). في ثوانٍ انشحن الجوّ في التاكسي وبدأت أفكر في السجون الألمانية وهل هي متقدمة تكنولوجيًا مثل سيارات الأجرة، حين وجدت السائقة تسحب من يدي اليوروهات الثلاثة ونصف اليورو وتبرطم في وجهي شتيمة أعتقد أنّ ترجمتها إلى العربية يمكن أن تكون كالتالي (بتصرّف): "كس إم ربك يا منيك يا ابن المنيك!".


لم تسمح لي كرامتي الشرقية بمثل هذه البهدلة، خاصة من غربية-إمبريالية-مصاصة دماء الشعوب، فكنتُ على وشك أن أقتبس لها من كتاب "الاستشراق"، فعدلتُ حين تذكرت أنني لم أقطع سوى 100 صفحة منه نسيتها منذ سنوات، فأعدتُ يائسًا:


I will go to my room and bring you the money!


لم يبدُ عليها أنها تأثرت أو انفعلت، فحاولتُ بما تبقى من ماء وجهي وأنا أشير بأصبعي إلى أعلى، إلى سقف التاكسي:


Room! My room! Money, money…


حين ابتعدت التاكسي وأنا واقف في مدخل الفندق وأحد عاملي الاستقبال يقف وينظر إليّ بشماتة وهو يدخن سيجارته، أحسستُ بحزن كبير، فأخرجتُ في حركة سريعة البطاقة التي تحمل اسمي والخاصة بمهرجان الأدباء وعلقتها على صدري كيف يعرف هذا الأشقر الجميل من أنا وما أهميتي في السياق الثقافي المُعوْلم، وأشعلت سيجارة ووقفت إلى جانبه أبثّ دخانها بوقار. بعد برهة تذكرت: محفظتي! ما زالت في الحافلة!


(خلص تعبت، بعدين بكمّل...)


الجمعة، 18 سبتمبر 2009

"عجمي" والمرثية المفقودة


(تحذير: المقالة تكشف تفاصيل عن نهاية الفيلم والمفاجآت التي فيه، مما اقتضى التنويه)

يبهرك فيلم "عجمي" الجديد لحظة مشاهدته، ثم يصفعك، ثم تحتاج يومًا أو يومين كي تنجح في معالجته بهدوء وروية، خاصة بما يخصّ المقولة السياسية التي يخرج بها الفيلم. هو فيلم الازدواجية بجدارة: ازدواجية الإخراج (يارون شاني اليهودي واسكندر قبطي العربي)، ازدواجية التمثيل (ممثلون عرب ويهود)، ازدواجية التعريف (فيلم إسرائيلي-فلسطيني) وازدواجية المجتمع (يافا-اللد-الرملة-تل أبيب).

يطرح الفيلم قضية شائكة لم يسبق أن عُولجت بهذا الزخم في عمل سينمائي: وضع الفلسطينيين العرب في يافا (واللد والرملة) اليوم، واستحالة العيش في الظروف السياسية والمجتمعية التي أفرزها قيام دولة إسرائيل، بعد أن أدّت النكبة إلى قتل يافا واللد والرملة وتحويل هذه المدن من حاضرة مدينية ثقافية وسياسية إلى ضواحي فقر وجريمة، في الراهن الإسرائيلي اليوم. هي -إذا شئتم- تجليات النكبة بعد 61 عامًا: هذا ما قد يؤول إليه الفلسطينيون في إسرائيل وهذه هي المرآة التي ننظر من خلالها إلى مركز فلسطين التاريخي: بؤس وجريمة وضياع للمستقبل.

يتمحور "عجمي" في عدة قصص في مبنى كتابة سينمائي على نمط “mini plots”، أي الحكايات الصغيرة المتطورة لعدد كبير من الشخصيات، تجتمع كلها في تراكم حبكي نحو نهاية مكثفة لتصنع مقولة واحدة تراجيدية. لكن المشكلة الأساسية في الفيلم تتجلى في النهاية، حين تتضح معالم المفاجآت التي تحتويها: كنا نظن أنّ مالك (الشاب من الضفة الغربية) قُتل برصاصة من ضابط الشرطة اليهودي (داندن) لنكتشف أنّ من قتل بالذات هو الضابط برصاص الطفل نصري؛ كنا نعتقد أن "بينج" العربي قتله ضباط الشرطة بكبسية على بيته لنكتشف أنه مات بجرعة كوكائين (كريستال) زائدة؛ كنا نعتقد أنّ لا علاقة بين الجندي المخطوف (أخ ضابط الشرطة) وبين قصص يافا، إلا أننا نكتشف أن الساعة التي كان يود مالك أن يهديها لمشغله "أبو الياس" تتبع للجندي المخطوف الذي تُكتشف جثته لاحقًا.

هذه الانفراجات في الحبكة (من ناحية معرفية) تقود المشاهد إلى بعض الأسئلة الملحة: يبدو أن الشرطة تقوم بعمل ممتاز في يافا واللد والرملة، ويبدو أنّ الضابط هو إنسانيّ من الدرجة الأولى، رغم كلّ شيء. في هذا بعض التسطيح وأعتقد أن فيه رهانًا مغلوطًا من ناحية سياسية في الوضع الراهن، ولا يشفع للمخرجيْن أنّ الفيلم محبوك ومصنوع بمهارة عالية. فالسينما ليست وضعية الكاميرا وإتقان السيناريو والتصوير، فقط، بل هي –وربما بالأساس- المقولة التي من أجلها صُنع الفيلم؛ فيلم بلا مقولة هو ترفيه مصقول و"عجمي" ليس فيلم ترفيه على الإطلاق. لا يمكن الاختباء وراء الفنية العالية والجرأة الهائلة في الطرح الاجتماعي ولا يمكن الاكتفاء بمقولة: "ما بدنا كل شي ينحضر من مفهوم سياسي"، ولكن ما العمل والفيلم سياسي من الدرجة الأولى، شاق ويضغط على الجروح المفتوحة بألم.

في أحد مقاطع الفيلم يهبّ أهل الحي العرب للدفاع عن مطلوب للشرطة من حارتهم ويصدون التحريين، فيسأل أحد الضباط بيأس: لماذا يمنعوننا من اعتقاله؟ نحن نريد اعتقال مجرم يبيع المخدرات لأبنائهم؟... الجواب يأتي بسرعة من أحد الضباط في الجلسة: إنهم ببساطة يكرهوننا. وهذا صحيح مئة بالمئة: نحن نكره الشرطة الإسرائيلية؛ إنها شرطة عنصرية وقامعة وقاتلة وتتعامل مع العرب باحتقار وكراهية. الشرطي ليس "في خدمة الشعب" بل في خدمة قمعه والنيل منه. هذه هي الحقيقة الأساسية في الفيلم وأعتقد أنّ مخرجيْه فوّتا فرصة ذهبية في تطوير هذه الثيمة، ليفقدا القدرة على صوغ لائحة الاتهام الكامنة في جوهر الفيلم.

هل أحببتُ الفيلم رغم هذا؟ الحقيقة أنني أعيش ازدواجية قد يقع فيها الكثيرون، أيضًا. من جهة نحن نعلم أنّنا لسنا ملائكة وفينا المجرمون والقتلة والفتوّات، ومن جهة أخرى نحن نعلم أنّ يافا كانت ستكون أجمل وأبهى وأكثر تطوّرًا من تل أبيب لولا قتلها في عزّ شبابها. من هنا، لم ينجح الفيلم نهائيًا في كتابة المرثية المطلقة ليافا، ولكنه على الأقل بدأ بكتابة تأبينها. كان هذا التأبين سيكون أبلغ وأصدق لو أنه تركز في القاتل أكثر وربما، وعذرًا على الفظاظة، بصق في وجهه.

"عجمي" فيلم مشغول بحنكة وذكاء (رغم الحاجة إلى التقصير)، وخسارة أنه لم يُولِ المزيد من الذكاء والفطنة لأبعدَ مما تقتضيه اللقطات المؤثرة في أزقة يافا.


الجمعة، 4 سبتمبر 2009

ثرثرات فوق السّور

  • ينجح الفيلم الوثائقي "بلعين حبيبتي"، في مقاطعه الممتازة، في أن يُراكِم الواقع الفلسطيني العبثيّ إلى درجة اتضاح عبثيته. فالعبثية (الأبسورد) عصية على التعريف وعلى التجسيد بالوسيط المرئي-المسموع. فمجرد أن تقول إنّ هذا شيء عبثي يجعل العبثية تفقد طغيانها غير المنطوق به. عليك أن ترافق مسيرة "اللجنة الشعبية" في بلعين برفقة "اليساريين اللا صهاينة" والأجانب المتطوعين الذين حوّلوا النضال ضد جدار الفصل العنصري إلى قصيدة جديدة في ديوان "حالة حصار". المؤسف أن تستغل السلطة الفلسطينية و"فتح" نموذج بلعين للقضاء على المقاومة. نأمل ألا ينجحوا. حاليًا: "بلعين حبيبتي" هو شهادة حية لكلّ من يرغب في توثيق أحد جوانب القضية الفلسطينية على الأرض؛ فيلم متماسك في معظمه، محبّ للناس الذين يوثقهم ولا يخجل بعدم حياديته.

  • هل أنا الوحيد في العالم الذي انتبه إلى أنّ ولاية "أبي مازن"، قبّح الله "فتحَه"، انتهت منذ أشهر وأنه "رئيس" (قال يعني) غير شرعي؟ ولماذا لا يغرب هذا الشيء السّخيف عن فضاءاتنا؟ لقد وصل بي اليأس أنني اشتقت هذا الصباح إلى عرفات!

  • تلعثم "أبو الجار" حين فتحنا سيرة الصيام في المصعد. سألني عن الصيام فقلت له "تمام"، ولما سألته قال "برضو تمام". سألته لماذا لا يصوم؟ قال: "جربت زمان بس اكتشفت إنو الواحد يا بتديّن وبعمل كل الفروض يا بلاش". حييتُ صراحته وشجاعته، وقلت له كلامًا مشابهًا (تقريبًا؛ سأعفيكم من التفاصيل). حين هطلتُ في طابقي قلتُ بأوتوماتيكية عربية كلاسيكية: "تفضل". أجاب بأوتوماتيكية عربية متوجّسة: "مرة تانيه جارنا، الدنيا رمضان"...

  • كانت الموظفة على الخط الآخر لطيفة جدًا. للحظة اعتقدت أنني اتصلت ببدالة شركة "جوال" الفلسطينية وليس ببدالة شركة "بيلفون" الإسرائيلية. فالرفيقة الخليوية صفعتني بعد الترحاب بجملة "خليك معي هلأ". هلأ؟؟ جديدة هاي. فما أعرفه أنّ "عرب الداخل" (أو عرب الشمينت) معروفون في الضفة بـ "عرب إسّا"، إشارة إلى كلمة "إسّا" العامية الدارجة، وهي حكر وتمييز لنا، الفلسطينيين المرابطين (والمربوطين) في أرض الأجداد. توجّستُ من كلمة "هلأ"، وفكرت في ثانية بأنّ شركات الخليويات الإسرائيلية بدأت بتبني نموذج "آوت سورسينغ" (كيف بَلا؟)، أي تشغيل عاملين بأجور رخيصة في دولة نائية (نائمة) لاستقبال اتصالات المتصلين، أي أنّ الرفيقة الخليوية التي تتحدث معي تجلس الآن في بيت ساحور أو طولكرم وليس في مركز "بيلفون" في عكا أو الكريوت. ولكن بعد أخذ وردّ عادت رفيقتنا الهَلأوية/ إلى الإسّوية/ فشعرتُ بخوشبوشية/ وسألتها عن إمكانية/ لتخفيض سعر الفاتورة الشهرية. فأجابت: "إضحك في عبك على الدّيل اللي إنتا ماخدو"، فضحكتُ، فأنهتْ: "بتحبّ خدمة تانية بليز؟"... "بليز"؟؟ جديدة هاي!

  • "من نسج الخمرَ وشاحًا/ للنهديْن؟/ من أطلق أسرابَ الغزلانِ/ على الردفيْن؟// بالنار يُطهّرني/ هذا السّحر الكامن/ في الجفنيْن// لأرى خارطة الجنّة/ ما بين القرطيْن"- قصيدة "خارطة الجنة" للشّاب الأزلي الثائر الشاعر حنا أبو حنا، من ديوان "عرّاف الكرمل"، الذي سأعود إليه قريبًا في مقالة موسّعة. حاليًا علينا أن نعرف وبسرعة "من نسج الخمرَ وشاحًا للنهدين"!

  • العربي مشتهي يكون أثيوبي هَاليومين.

  • العربي مشتهي يكون أثيوبي.

  • العربي مشتهي يكون.

  • العربي مشتهي.

  • العربي.

  • .

الأربعاء، 12 أغسطس 2009

FACEBOOKLESS


إكتشفتُ، في غمرة حياتي الديجيتالية، أنني صرت أصرف الكثير من الوقت أمام الحاسوب في العمل مقابل بريدي الكَهربيّ وصفحتي في "فيسبوك"، إلى جانب الترجمة والكتابة (وطرق مواقع لا تلائم الجوّ الداهم للشهر الفضيل). واكتشفتُ أكثرَ أنّ مجمل الوقت الذي صرتُ أقضيه في متابعة "فيسبوكي" وتغذيته وصيانته والحفاظ على أواصر القربى مع "أصدقائي" الـ 493 الذين اكتسبتهم في نصف سنة، أخذ يتزايد يومًا بعد يوم، حتى صارت "ديوانة الفيسبوك" تحرق بضع ساعات من النهار –لا أملكها- فصرتُ كقول الشاعر:

سقى الله يومًا قَصَّرَ اللَّهوُ طُولَهُ / وظلَّتْ خياشيمُ الأَباريق تَرعُفُ
بروْضٍ تَمشَّى بينَ أَزهارهِ الصَّبا / فتحسبُها مذعورة ً حينَ ترجفُ

واكتشفتُ أكثرَ وأكثرَ أنني أشاطر 493 "صديقًا" شؤوني اليومية وأفكاري وصوري وأفلامي وما تقذفه حمم البريد الكهربيّ كلّ يوم، رغم أنني بالكاد أعرف 100 شخص من هؤلاء "الأصدقاء" شخصيًا! فاستغربتُ من هذه "الخُوشبوشيّة" التي زججتُ فيها نفسي، أنا الأنتي إجتماعيّ بجدارةٍ- فتأملتُ واستغربتُ.

وفي قرار خاطفٍ، سريع، لا رجعة عنه، قمتُ ظهيرة أمس بقطع الكهرباء عن حسابي في حديقة الوجوه هذه، معلنًا انتهاء علاقتي به (ولو إلى حين)، وذلك بين مستنكر(ة) ومستغرب(ة) ومستهجن(ة). وقد مضت عليّ حتى الآن 48 ساعة بالتمام والكمال وأنا facebookless، لا "ستاتوس" أغذّيه ولا "نُوتس" أضيفها ولا "إنبوكس" أنكشه ولا "أصدقاء" أضيفهم، ومع هذا، فأنا لا أشعر بأيّ نقص عضويّ أو نفسانيّ أو مَشاعريّ، وعجبي؛ فالنصف سنة التي ولّت أوهمتني بأنّ "كتاب الوجه" هذا غرض عصرانيّ ضروريّ للإنسان "الأبْديتيد" في حياتنا اللاهثة، مثل الهاتف المحمول والبريد الكهربيّ وقنوات الدِّش ومفاتيح السيارة الجديدة المتدلية من طرف جيب البنطال.

ومن دون أن أغرقكم بتنظيرات قد تعكّر مزاجكم حول "الفيرتوال" الذي حلّ محلّ "الواقع" وحول "السايبر سبيس" الذي حلّ محلّ "حيالله سبيس"، يسعدني أن أقول لكم إنني بخير، والجميع يُقرئكم السلام من أرض التخلف والرجعية، هنا في لابتوبي الذي لم يخشّ "فيسبوك" منذ 48 ساعة، ولم أسمع منه حتى الآن أية احتجاجات أو اعتراضات، اللهم إلا حشرجات البطارية المهترئة ومروحته التي تنافس المكيّف بهوائها الملتهب.

إذًا، فعملية استئصال الورم الخبيث لم تكن صعبة، رغم أنني حضّرت نفسي لنوبات "كريز" يرتفع فيها ضغطي وتتزغلل عيناي وتدبّ قشعريرة المدمن في بدني، طالبًا جملة "ستاتوس" فذلكية أو "نوت" جديدة تخلب الألباب أو رضًا ساديًا لذيذًا في تجاهل "طلب صداقة" من شخص(ة) ثقيل(ة) الظلّ، ثخين(ة) الزناخات. لم ألحظ حتى الآن عوارض فطام أو توتر في الكلى، ولم يغزّني بنكرياسي ولم يخذلني كبدي، وها أنا أكتب لكم من أرض اليباب، من الربع الخالي، حيث الحياة بلا تعقيبات تستدرّ التعقيبات، وصور عائلية حميمة تستدرّ تعقيبات حميمة.

وقد إلتاعت حماتي الفيسبوكية، كرّم الله ورقَ دواليها، حين رأتني أضيف صورة شذا الأولتراساوندية ("جَنينتنا" ابنة الستة أشهر بتوقيت ما قبل الولادة)، فبسملتْ وحوقلتْ واستعوذتْ وكبّرتْ، ثم عاتبتْ: "ديروا بالكو من صيبة العين!!" وهكذا، وللمرة الأولى، بدأت بتفحّص قائمة "أصدقائي" في "فيسبوك"، متقصّيًا أثر شخص(ة) "بعيون زُرق وسنان فُرق"، ثم تذكرتُ أنني لا أؤمن بالحسد وعيونه، وبأنّ العرب وصفوا الحاسد على أنه ذو "عيون زرق وسنان فرق" من أجل القافية فقط، كما يحبّ شعب العنتريات، فانصرفتُ عن هذه المخاوف ونبذتها (رغم أنني لم أضع صورة "دُشة" مرة أخرى؛ ولا تنام بين القبور...).

وقد بدأت نفسي تعوف هذا الـ "فيسبوك" منذ أكثر من شهرين، حين تيقنت، في إشراقة ليلية مظلمة، أنّ هذه المساحة الفيرتوالية صارت، تحت أناملنا، "ديوانة" عرب جديدة، نلتقي فيها للقلقة والدردشة وتمضية الوقت، تمامًا كما يلتقي معدومو الإنترنت في المقاهي الشعبية و"الكوفي شوبز" وأرصفة الطرق ومكاتب العمل والحافلات والتاكسيات والطائرات لطقّ الحنك. والحقيقة أنني لم أستفد من "فيسبوك" شيئًا يُذكر، اللهم إلا تعرفي على كاتب(ة) أو اثنين جيدين، وقد يعود هذا إلى عدم قدرتي على تسخيره بما يكفي من المهنية، أو إلى أنني أنتمي إلى جماعة لا تريد تسخيره لأمور تتجاوز "صباح الخير للجميع!" و"فقت اليوم مبعوص" و"طالعه على استراحه..." (وأنا مال أهلي؟!).

وكي أعفي الناس من أمزجة "ستاتوسي" وكي أستريح من أمزجة "ستاتوسهم"، سحبت الفيشه، فانسحبتْ وانسحبتُ.

فهل سأصمد؟؟