السبت، 26 سبتمبر 2009

السائح الجوّالي، عند نقطة تشارلي

"تشارلي تشيكبوينت". يتسخم!


أحسست بقليل من الخزي حين تداعى إلى ذهني أنّ هذه ستكون زيارتي الثانية إلى برلين، عاصمة فرحي الخريفيّ. كنتُ أنظر عبر شباك الطائرة إلى الأسفل حين قررتُ أنني سأتعامل مع نفسي بجدية هذه المرة وسأقوم بجولة سياحية في المدينة، كما يليق بأيّ كاتب يدّعي الفضول وحبّ المعرفة، ولن أقضي هذا المهرجان (أيضًا) في "خيمة الكُتاب (والكاتبات)"، أشرب النبيذ وأدخن السّجائر وأحرق عرض جميع الكتاب العرب الذين لم يُدعوا إلى المهرجان، أنا وجميع الكتاب العرب الذين دُعوا إلى المهرجان.

وشاءت الصدف أن تكون محطة انطلاق الحافلات السياحية في جولتها في المدينة لصقَ فندقي إلا "شربة سيجارة"، وكنتُ قد اهتديت إليها وأنا في جولتي الأولى بعد الوصول بساعة، إذ أنني أحبّ أن أكتشف في المدن مراكز الطوارئ التي يمكن اللجوء إليها بعد الواحدة ليلا: أماكن بيع التبغ والكحول. كنتُ فخورًا بقراري السياحيّ الجريء وقد تناقشتُه مع بعض الرفاق في "خيمة الكُتاب" في المهرجان، فاستحسنه الجميع وأثنوا عليّ إلا أنّني لم أجد فردًا صمدًا منهم يقبل بالقدوم معي. قلتُ في سرّي إنني أشكر الآلهة أنني لم أخلق مثل باقي الكُتاب، كسولا ومُحبًا "للتبحيط" (التبحيط: التصاق الطيز بأيّ جسم ثابت على الأرض والتوقع بأن يمرّ العالم كله من أمامك)، وأنني لا شكّ إنسان متميز وهبته اللات والعزة موهبة الكتابة والإبداع ولم تسرق منه نشاطه وحيويته وانتباهه إلى الأمور الأخرى في العالم غير القراءة والكتابة (سنتناسى للحظة المرة الـ 674 التي قررت فيها آخر سنة البدء بحمية طعام، ومعهد اللياقة الذي انضممت إليه قبل شهر ولم تطأه قدماي بعد وإصراري على التدخين وصعودي في الوزن وعزوفي عن النشاطات الاجتماعية وتفضيل الوحدة (بفتح الواو) على الوحدة (بكسر الواو)).

إستيقظت في التاسعة صباحًا ونزلتُ إلى الإفطار. وجدت حسن وسليمان ومحمود وعلوية. ورغم تبجّحي مجددًا بجولتي المباركة إلا أنّ تصريحي ضاع وسط مناكفات حسن وعلي، وبين تبرمات علوية من الألم في ظهرها وإصرار سليمان على أنّ العرب أمة أَمَة. قلتُ يا ولد ما لك إلا نفسك، وعليك بها إن كنتَ لها، فقمت واستأذنت ويممت شطر الحافلة السياحية، بعد أن حملت حقيبتي السوداء وملأتها بالماء والسجائر وكاميرا الفيديو ومحفظتي المحشوة بعشرين يورو وبعض الفستق وورقة عليها عنوان “h&m” لشراء الملابس لدُشّة التي على الطريق.


تشارلي نكبتنا
نقدتُ الموظفة التي تقف إلى جانب الحافلة 15 يورو عزيزة فبادرني السائق فورًا بإنجليزية متعبة: "أنت من إسرائيل"؟ تحرك الصدأ في مفاصلي وتنبه الفلسطينيّ المطارَد المعشّش في خلايا الشتات وقلتُ في نفسي: "موساد"! سألته عن سؤاله، فبرطم شيئًا بإنجليزية متحطمة وأشار إلى شعري. قلت: سأحلقه ابن الداعرة فور وصولي عكا!

تربعت في الطابق الثاني من الحافلة والهواء يداعب شعري، فأحسست بروعة قراري، رغم الازدحام الطلق من حولي والبرطمات بكل لغات بابل. تحركت الحافلة وبدأت المذيعة تنشد محفوظاتها عن برلين بالألمانية والإنجليزية تباعًا، وخُيل لي أنها تقرأ جملها التي تسابق الريح والتي تحفظها عن ظهر قلب، من كتاب بين يديها. وابتسمت أكثر وأنا أتخيلها تعيد الجمل المحفوظة عن ظهر قلب وهي "مُكرّة مُفرّة مُقبلة مُدبرة معًا" فوق جسد زوجها. هنا سفارة اليابان وهنا سفارة السعودية وهنا السفارة الإيطالية. بدأ "الآكشن" يزداد حين وصلنا إلى بنايتين كبيرتين متقابلتين قالت إنّ التي على اليمين كانت مقرّ الحكم في برلين الشرقية وتلك التي على اليسار مقرّ الحكم في برلين الغربية، والشارع الذي نسير فيه كان جدار برلين المشؤوم. وفجأة مررنا من قرب مقطع من الجدار لم يهدموه، بقي للذاكرة والتذكّر (ونحن لها!)، وفي نهايته تقاطع طرق صنعوا فيه نموذجَ الثكنة العسكرية الأمريكية التي كانت تسمى في السابق "حاجز تشارلي" (تشارلي تشيكبوينت)، وقد كانت المعبر بين برلين الشرقية والغربية أثناء الحرب الباردة وقبل إسقاط الجدار الخرائي.


شعرتُ بأهمية اللحظة وبثقل التاريخ يطحن كاهلي. وقد شاءت الصدف أن تتوقف الحافلة في نقطة استراحتها الثانية عند "تشارلي"، فهرعت بكاميرا الفيديو إلى الشارع وصورت الثكنة مع "زوم إن" فنيّ يعبر عن اختلاج مشاعري المتضاربة في صدري الذي لا يزال عابقًا بالدخان من سهرة الأمس. في طريق الالتفاف إلى الباص ثانية لمحتُ "كشك" يبيعون فيه قداحات مكتوب عليها "أحبّ برلين" فتذكرت حماي وأنه يحبّ جمع القداحات التي تحمل أسماء بلدان العالم، فدفعت له يورو ونصف اليورو ومشيت نحو الحافلة. لكنّ الحافلة كانت قد اختفت وعليها، في الطابق الثاني المشمس، حقيبتي التي فيها كلّ شيء؛ فسمعت أمي تصرخ من بيتنا في الجش: "راح الصبي"!


بلـّمتُ للحظة وبدأت بحساب الموقف بسرعة كما يليق بطالب سابق في قسم الحسابات: في جيبي ثلاثة يوروهات ونصف اليورو، في يدي كاميرا وفي يدي الأخرى قصفة زيتون، وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي، ثم تحوّل مشيي إلى ركض متفائل إذ اعتقدت لوهلة أنّ الحافلة اختفت وراء الانعطافة القادمة ولا بدّ سألحقها لو أسرعت، فلما وصلت المفترق راكضًا لم أجدها لا عن اليمين ولا عن اليسار، ولم أشمّ لحظتها (رغم ضبط أنفي على مستوى حساسية كبير) بقايا الديزل في الهواء، فتوقفت حائرًا وتذكرتُ فورًا ابنتي "دُشة" التي ستولد بعد شهرين ونيف من دون أب، فأحسستُ بالبكاء سيغمرني إلا أنني تذكرت قول أبي وجدي وجدّ جدّي وجدّ جدّه، في مثل هذه الأوقات: "إجمد!"، فجمدتُ.


قوات التدخل السريع
وبعد أن جمدتُ، وقفت في الشارع وبدأت أشير إلى سيارات التاكسي. مرت أربع أو خمس حتى توقف تاكسي كانت تقوده امرأة. دخلت التاكسي وبدأت بسؤال سريع حول إذا ما كانت تعرف مسار الخط السياحي. نظرتْ إليّ بفرح غير مفهوم وبدأت ترطن بالألمانية. أعدت السؤال عليها فازدادت ابتسامتها وهي تعيد الحديث بالألمانية. قلت: أبسّط الموضوع. "إلى الفندق" طلبت منها، "فندق إلينغتون". سألتْ شيئا بالألمانية فأعدت: "فندق إلينغتون". سألتْ شيئًا آخر. كان على تلك اللحظة أن تكون اللحظة المناسبة والحاسمة كي أخرج من التاكسي وأسنفر بروحي باحثًا عمّن يفكّ الخط بالإنجليزية. ولكن ابتسامتها التي كانت ترافق تساؤلاتها الألمانية أشعرتني بالأمان وأنا في حرج من موقفي العسير، فبقيتُ.

من حسن حظي أن كرت الغرفة (المفتاح) كان في جيبي فأعطيتها إياه. نظرت إليه وصاحت مبتسمة "فندق إلينغتون!" وكأنني كنت أقول لها قبل لحظات فندق أبو العبد. كنت طوال الطريق إلى الفندق أجول بنظري في الشوارع، أراقب الحافلات السياحية التي تروح وتجيء بجحافلها، وكلما مرّت حافلة كهذه أحاول التركّز في وجه السّائق الذي يعمل في "الموساد"، إلا أنّ جهودي ضاعت هباءً، فاستسلمتُ وألقيت بجسدي على الكرسي الخلفي الوثير، وعملتُ بالحكمة الأثيرة: "إذا كنتَ غارقًا في الخرى، فتمتع بدفئه على الأقل"، وهكذا ارتخيتُ طيلة الطريق إلى الفندق ولم أفكر في مسألة محاسبة الرفيقة السائقة إلا عندما توقفت أمام الفندق.

أشارت السائقة إلى المرآة، فرأيت رقمًا بالأحمر يعلن: 10.6. استفسرتُ، فأعادت الإشارة إلى المرآة، ففهمت فجأة أنّ هذا الرقم الأنيق، الأحمر، الصغير الذي يلمع على طرف المرآة إلى اليسار السفلي هو العدّاد! "يحرق أخت المسرحية"، تمتمتُ بيني وبين نفسي، حائرًا بين أن أتعجب من ارتفاع الأجرة أو أتعجب من تقدم العلم والتقنيات في بلاد "شلايدين آخسين". أخرجتُ اليوروهات الثلاثة ونصف اليورو من جيبي وبدأتُ أصرخ على السائقة وكأنها صماء:


I will go to my room and bring you the money!


بدت السائقة متهيبة بعض الشيء من صراخي، ثم برطمت بعضًا من الألمانية فأعدتُ جملتي عليها، ولكنها ازدادت احمرارًا فازددتُ اخضرارًا (دائم الخضرة يا قلبي). في ثوانٍ انشحن الجوّ في التاكسي وبدأت أفكر في السجون الألمانية وهل هي متقدمة تكنولوجيًا مثل سيارات الأجرة، حين وجدت السائقة تسحب من يدي اليوروهات الثلاثة ونصف اليورو وتبرطم في وجهي شتيمة أعتقد أنّ ترجمتها إلى العربية يمكن أن تكون كالتالي (بتصرّف): "كس إم ربك يا منيك يا ابن المنيك!".


لم تسمح لي كرامتي الشرقية بمثل هذه البهدلة، خاصة من غربية-إمبريالية-مصاصة دماء الشعوب، فكنتُ على وشك أن أقتبس لها من كتاب "الاستشراق"، فعدلتُ حين تذكرت أنني لم أقطع سوى 100 صفحة منه نسيتها منذ سنوات، فأعدتُ يائسًا:


I will go to my room and bring you the money!


لم يبدُ عليها أنها تأثرت أو انفعلت، فحاولتُ بما تبقى من ماء وجهي وأنا أشير بأصبعي إلى أعلى، إلى سقف التاكسي:


Room! My room! Money, money…


حين ابتعدت التاكسي وأنا واقف في مدخل الفندق وأحد عاملي الاستقبال يقف وينظر إليّ بشماتة وهو يدخن سيجارته، أحسستُ بحزن كبير، فأخرجتُ في حركة سريعة البطاقة التي تحمل اسمي والخاصة بمهرجان الأدباء وعلقتها على صدري كيف يعرف هذا الأشقر الجميل من أنا وما أهميتي في السياق الثقافي المُعوْلم، وأشعلت سيجارة ووقفت إلى جانبه أبثّ دخانها بوقار. بعد برهة تذكرت: محفظتي! ما زالت في الحافلة!


(خلص تعبت، بعدين بكمّل...)


الجمعة، 18 سبتمبر 2009

"عجمي" والمرثية المفقودة


(تحذير: المقالة تكشف تفاصيل عن نهاية الفيلم والمفاجآت التي فيه، مما اقتضى التنويه)

يبهرك فيلم "عجمي" الجديد لحظة مشاهدته، ثم يصفعك، ثم تحتاج يومًا أو يومين كي تنجح في معالجته بهدوء وروية، خاصة بما يخصّ المقولة السياسية التي يخرج بها الفيلم. هو فيلم الازدواجية بجدارة: ازدواجية الإخراج (يارون شاني اليهودي واسكندر قبطي العربي)، ازدواجية التمثيل (ممثلون عرب ويهود)، ازدواجية التعريف (فيلم إسرائيلي-فلسطيني) وازدواجية المجتمع (يافا-اللد-الرملة-تل أبيب).

يطرح الفيلم قضية شائكة لم يسبق أن عُولجت بهذا الزخم في عمل سينمائي: وضع الفلسطينيين العرب في يافا (واللد والرملة) اليوم، واستحالة العيش في الظروف السياسية والمجتمعية التي أفرزها قيام دولة إسرائيل، بعد أن أدّت النكبة إلى قتل يافا واللد والرملة وتحويل هذه المدن من حاضرة مدينية ثقافية وسياسية إلى ضواحي فقر وجريمة، في الراهن الإسرائيلي اليوم. هي -إذا شئتم- تجليات النكبة بعد 61 عامًا: هذا ما قد يؤول إليه الفلسطينيون في إسرائيل وهذه هي المرآة التي ننظر من خلالها إلى مركز فلسطين التاريخي: بؤس وجريمة وضياع للمستقبل.

يتمحور "عجمي" في عدة قصص في مبنى كتابة سينمائي على نمط “mini plots”، أي الحكايات الصغيرة المتطورة لعدد كبير من الشخصيات، تجتمع كلها في تراكم حبكي نحو نهاية مكثفة لتصنع مقولة واحدة تراجيدية. لكن المشكلة الأساسية في الفيلم تتجلى في النهاية، حين تتضح معالم المفاجآت التي تحتويها: كنا نظن أنّ مالك (الشاب من الضفة الغربية) قُتل برصاصة من ضابط الشرطة اليهودي (داندن) لنكتشف أنّ من قتل بالذات هو الضابط برصاص الطفل نصري؛ كنا نعتقد أن "بينج" العربي قتله ضباط الشرطة بكبسية على بيته لنكتشف أنه مات بجرعة كوكائين (كريستال) زائدة؛ كنا نعتقد أنّ لا علاقة بين الجندي المخطوف (أخ ضابط الشرطة) وبين قصص يافا، إلا أننا نكتشف أن الساعة التي كان يود مالك أن يهديها لمشغله "أبو الياس" تتبع للجندي المخطوف الذي تُكتشف جثته لاحقًا.

هذه الانفراجات في الحبكة (من ناحية معرفية) تقود المشاهد إلى بعض الأسئلة الملحة: يبدو أن الشرطة تقوم بعمل ممتاز في يافا واللد والرملة، ويبدو أنّ الضابط هو إنسانيّ من الدرجة الأولى، رغم كلّ شيء. في هذا بعض التسطيح وأعتقد أن فيه رهانًا مغلوطًا من ناحية سياسية في الوضع الراهن، ولا يشفع للمخرجيْن أنّ الفيلم محبوك ومصنوع بمهارة عالية. فالسينما ليست وضعية الكاميرا وإتقان السيناريو والتصوير، فقط، بل هي –وربما بالأساس- المقولة التي من أجلها صُنع الفيلم؛ فيلم بلا مقولة هو ترفيه مصقول و"عجمي" ليس فيلم ترفيه على الإطلاق. لا يمكن الاختباء وراء الفنية العالية والجرأة الهائلة في الطرح الاجتماعي ولا يمكن الاكتفاء بمقولة: "ما بدنا كل شي ينحضر من مفهوم سياسي"، ولكن ما العمل والفيلم سياسي من الدرجة الأولى، شاق ويضغط على الجروح المفتوحة بألم.

في أحد مقاطع الفيلم يهبّ أهل الحي العرب للدفاع عن مطلوب للشرطة من حارتهم ويصدون التحريين، فيسأل أحد الضباط بيأس: لماذا يمنعوننا من اعتقاله؟ نحن نريد اعتقال مجرم يبيع المخدرات لأبنائهم؟... الجواب يأتي بسرعة من أحد الضباط في الجلسة: إنهم ببساطة يكرهوننا. وهذا صحيح مئة بالمئة: نحن نكره الشرطة الإسرائيلية؛ إنها شرطة عنصرية وقامعة وقاتلة وتتعامل مع العرب باحتقار وكراهية. الشرطي ليس "في خدمة الشعب" بل في خدمة قمعه والنيل منه. هذه هي الحقيقة الأساسية في الفيلم وأعتقد أنّ مخرجيْه فوّتا فرصة ذهبية في تطوير هذه الثيمة، ليفقدا القدرة على صوغ لائحة الاتهام الكامنة في جوهر الفيلم.

هل أحببتُ الفيلم رغم هذا؟ الحقيقة أنني أعيش ازدواجية قد يقع فيها الكثيرون، أيضًا. من جهة نحن نعلم أنّنا لسنا ملائكة وفينا المجرمون والقتلة والفتوّات، ومن جهة أخرى نحن نعلم أنّ يافا كانت ستكون أجمل وأبهى وأكثر تطوّرًا من تل أبيب لولا قتلها في عزّ شبابها. من هنا، لم ينجح الفيلم نهائيًا في كتابة المرثية المطلقة ليافا، ولكنه على الأقل بدأ بكتابة تأبينها. كان هذا التأبين سيكون أبلغ وأصدق لو أنه تركز في القاتل أكثر وربما، وعذرًا على الفظاظة، بصق في وجهه.

"عجمي" فيلم مشغول بحنكة وذكاء (رغم الحاجة إلى التقصير)، وخسارة أنه لم يُولِ المزيد من الذكاء والفطنة لأبعدَ مما تقتضيه اللقطات المؤثرة في أزقة يافا.


الجمعة، 4 سبتمبر 2009

ثرثرات فوق السّور

  • ينجح الفيلم الوثائقي "بلعين حبيبتي"، في مقاطعه الممتازة، في أن يُراكِم الواقع الفلسطيني العبثيّ إلى درجة اتضاح عبثيته. فالعبثية (الأبسورد) عصية على التعريف وعلى التجسيد بالوسيط المرئي-المسموع. فمجرد أن تقول إنّ هذا شيء عبثي يجعل العبثية تفقد طغيانها غير المنطوق به. عليك أن ترافق مسيرة "اللجنة الشعبية" في بلعين برفقة "اليساريين اللا صهاينة" والأجانب المتطوعين الذين حوّلوا النضال ضد جدار الفصل العنصري إلى قصيدة جديدة في ديوان "حالة حصار". المؤسف أن تستغل السلطة الفلسطينية و"فتح" نموذج بلعين للقضاء على المقاومة. نأمل ألا ينجحوا. حاليًا: "بلعين حبيبتي" هو شهادة حية لكلّ من يرغب في توثيق أحد جوانب القضية الفلسطينية على الأرض؛ فيلم متماسك في معظمه، محبّ للناس الذين يوثقهم ولا يخجل بعدم حياديته.

  • هل أنا الوحيد في العالم الذي انتبه إلى أنّ ولاية "أبي مازن"، قبّح الله "فتحَه"، انتهت منذ أشهر وأنه "رئيس" (قال يعني) غير شرعي؟ ولماذا لا يغرب هذا الشيء السّخيف عن فضاءاتنا؟ لقد وصل بي اليأس أنني اشتقت هذا الصباح إلى عرفات!

  • تلعثم "أبو الجار" حين فتحنا سيرة الصيام في المصعد. سألني عن الصيام فقلت له "تمام"، ولما سألته قال "برضو تمام". سألته لماذا لا يصوم؟ قال: "جربت زمان بس اكتشفت إنو الواحد يا بتديّن وبعمل كل الفروض يا بلاش". حييتُ صراحته وشجاعته، وقلت له كلامًا مشابهًا (تقريبًا؛ سأعفيكم من التفاصيل). حين هطلتُ في طابقي قلتُ بأوتوماتيكية عربية كلاسيكية: "تفضل". أجاب بأوتوماتيكية عربية متوجّسة: "مرة تانيه جارنا، الدنيا رمضان"...

  • كانت الموظفة على الخط الآخر لطيفة جدًا. للحظة اعتقدت أنني اتصلت ببدالة شركة "جوال" الفلسطينية وليس ببدالة شركة "بيلفون" الإسرائيلية. فالرفيقة الخليوية صفعتني بعد الترحاب بجملة "خليك معي هلأ". هلأ؟؟ جديدة هاي. فما أعرفه أنّ "عرب الداخل" (أو عرب الشمينت) معروفون في الضفة بـ "عرب إسّا"، إشارة إلى كلمة "إسّا" العامية الدارجة، وهي حكر وتمييز لنا، الفلسطينيين المرابطين (والمربوطين) في أرض الأجداد. توجّستُ من كلمة "هلأ"، وفكرت في ثانية بأنّ شركات الخليويات الإسرائيلية بدأت بتبني نموذج "آوت سورسينغ" (كيف بَلا؟)، أي تشغيل عاملين بأجور رخيصة في دولة نائية (نائمة) لاستقبال اتصالات المتصلين، أي أنّ الرفيقة الخليوية التي تتحدث معي تجلس الآن في بيت ساحور أو طولكرم وليس في مركز "بيلفون" في عكا أو الكريوت. ولكن بعد أخذ وردّ عادت رفيقتنا الهَلأوية/ إلى الإسّوية/ فشعرتُ بخوشبوشية/ وسألتها عن إمكانية/ لتخفيض سعر الفاتورة الشهرية. فأجابت: "إضحك في عبك على الدّيل اللي إنتا ماخدو"، فضحكتُ، فأنهتْ: "بتحبّ خدمة تانية بليز؟"... "بليز"؟؟ جديدة هاي!

  • "من نسج الخمرَ وشاحًا/ للنهديْن؟/ من أطلق أسرابَ الغزلانِ/ على الردفيْن؟// بالنار يُطهّرني/ هذا السّحر الكامن/ في الجفنيْن// لأرى خارطة الجنّة/ ما بين القرطيْن"- قصيدة "خارطة الجنة" للشّاب الأزلي الثائر الشاعر حنا أبو حنا، من ديوان "عرّاف الكرمل"، الذي سأعود إليه قريبًا في مقالة موسّعة. حاليًا علينا أن نعرف وبسرعة "من نسج الخمرَ وشاحًا للنهدين"!

  • العربي مشتهي يكون أثيوبي هَاليومين.

  • العربي مشتهي يكون أثيوبي.

  • العربي مشتهي يكون.

  • العربي مشتهي.

  • العربي.

  • .

الأربعاء، 12 أغسطس 2009

FACEBOOKLESS


إكتشفتُ، في غمرة حياتي الديجيتالية، أنني صرت أصرف الكثير من الوقت أمام الحاسوب في العمل مقابل بريدي الكَهربيّ وصفحتي في "فيسبوك"، إلى جانب الترجمة والكتابة (وطرق مواقع لا تلائم الجوّ الداهم للشهر الفضيل). واكتشفتُ أكثرَ أنّ مجمل الوقت الذي صرتُ أقضيه في متابعة "فيسبوكي" وتغذيته وصيانته والحفاظ على أواصر القربى مع "أصدقائي" الـ 493 الذين اكتسبتهم في نصف سنة، أخذ يتزايد يومًا بعد يوم، حتى صارت "ديوانة الفيسبوك" تحرق بضع ساعات من النهار –لا أملكها- فصرتُ كقول الشاعر:

سقى الله يومًا قَصَّرَ اللَّهوُ طُولَهُ / وظلَّتْ خياشيمُ الأَباريق تَرعُفُ
بروْضٍ تَمشَّى بينَ أَزهارهِ الصَّبا / فتحسبُها مذعورة ً حينَ ترجفُ

واكتشفتُ أكثرَ وأكثرَ أنني أشاطر 493 "صديقًا" شؤوني اليومية وأفكاري وصوري وأفلامي وما تقذفه حمم البريد الكهربيّ كلّ يوم، رغم أنني بالكاد أعرف 100 شخص من هؤلاء "الأصدقاء" شخصيًا! فاستغربتُ من هذه "الخُوشبوشيّة" التي زججتُ فيها نفسي، أنا الأنتي إجتماعيّ بجدارةٍ- فتأملتُ واستغربتُ.

وفي قرار خاطفٍ، سريع، لا رجعة عنه، قمتُ ظهيرة أمس بقطع الكهرباء عن حسابي في حديقة الوجوه هذه، معلنًا انتهاء علاقتي به (ولو إلى حين)، وذلك بين مستنكر(ة) ومستغرب(ة) ومستهجن(ة). وقد مضت عليّ حتى الآن 48 ساعة بالتمام والكمال وأنا facebookless، لا "ستاتوس" أغذّيه ولا "نُوتس" أضيفها ولا "إنبوكس" أنكشه ولا "أصدقاء" أضيفهم، ومع هذا، فأنا لا أشعر بأيّ نقص عضويّ أو نفسانيّ أو مَشاعريّ، وعجبي؛ فالنصف سنة التي ولّت أوهمتني بأنّ "كتاب الوجه" هذا غرض عصرانيّ ضروريّ للإنسان "الأبْديتيد" في حياتنا اللاهثة، مثل الهاتف المحمول والبريد الكهربيّ وقنوات الدِّش ومفاتيح السيارة الجديدة المتدلية من طرف جيب البنطال.

ومن دون أن أغرقكم بتنظيرات قد تعكّر مزاجكم حول "الفيرتوال" الذي حلّ محلّ "الواقع" وحول "السايبر سبيس" الذي حلّ محلّ "حيالله سبيس"، يسعدني أن أقول لكم إنني بخير، والجميع يُقرئكم السلام من أرض التخلف والرجعية، هنا في لابتوبي الذي لم يخشّ "فيسبوك" منذ 48 ساعة، ولم أسمع منه حتى الآن أية احتجاجات أو اعتراضات، اللهم إلا حشرجات البطارية المهترئة ومروحته التي تنافس المكيّف بهوائها الملتهب.

إذًا، فعملية استئصال الورم الخبيث لم تكن صعبة، رغم أنني حضّرت نفسي لنوبات "كريز" يرتفع فيها ضغطي وتتزغلل عيناي وتدبّ قشعريرة المدمن في بدني، طالبًا جملة "ستاتوس" فذلكية أو "نوت" جديدة تخلب الألباب أو رضًا ساديًا لذيذًا في تجاهل "طلب صداقة" من شخص(ة) ثقيل(ة) الظلّ، ثخين(ة) الزناخات. لم ألحظ حتى الآن عوارض فطام أو توتر في الكلى، ولم يغزّني بنكرياسي ولم يخذلني كبدي، وها أنا أكتب لكم من أرض اليباب، من الربع الخالي، حيث الحياة بلا تعقيبات تستدرّ التعقيبات، وصور عائلية حميمة تستدرّ تعقيبات حميمة.

وقد إلتاعت حماتي الفيسبوكية، كرّم الله ورقَ دواليها، حين رأتني أضيف صورة شذا الأولتراساوندية ("جَنينتنا" ابنة الستة أشهر بتوقيت ما قبل الولادة)، فبسملتْ وحوقلتْ واستعوذتْ وكبّرتْ، ثم عاتبتْ: "ديروا بالكو من صيبة العين!!" وهكذا، وللمرة الأولى، بدأت بتفحّص قائمة "أصدقائي" في "فيسبوك"، متقصّيًا أثر شخص(ة) "بعيون زُرق وسنان فُرق"، ثم تذكرتُ أنني لا أؤمن بالحسد وعيونه، وبأنّ العرب وصفوا الحاسد على أنه ذو "عيون زرق وسنان فرق" من أجل القافية فقط، كما يحبّ شعب العنتريات، فانصرفتُ عن هذه المخاوف ونبذتها (رغم أنني لم أضع صورة "دُشة" مرة أخرى؛ ولا تنام بين القبور...).

وقد بدأت نفسي تعوف هذا الـ "فيسبوك" منذ أكثر من شهرين، حين تيقنت، في إشراقة ليلية مظلمة، أنّ هذه المساحة الفيرتوالية صارت، تحت أناملنا، "ديوانة" عرب جديدة، نلتقي فيها للقلقة والدردشة وتمضية الوقت، تمامًا كما يلتقي معدومو الإنترنت في المقاهي الشعبية و"الكوفي شوبز" وأرصفة الطرق ومكاتب العمل والحافلات والتاكسيات والطائرات لطقّ الحنك. والحقيقة أنني لم أستفد من "فيسبوك" شيئًا يُذكر، اللهم إلا تعرفي على كاتب(ة) أو اثنين جيدين، وقد يعود هذا إلى عدم قدرتي على تسخيره بما يكفي من المهنية، أو إلى أنني أنتمي إلى جماعة لا تريد تسخيره لأمور تتجاوز "صباح الخير للجميع!" و"فقت اليوم مبعوص" و"طالعه على استراحه..." (وأنا مال أهلي؟!).

وكي أعفي الناس من أمزجة "ستاتوسي" وكي أستريح من أمزجة "ستاتوسهم"، سحبت الفيشه، فانسحبتْ وانسحبتُ.

فهل سأصمد؟؟


الاثنين، 27 يوليو 2009

لا غالب إلا هلسا



غالب هلسا؛ هذا الاكتشاف!

أحاول الآن أن أتذكر تفاصيل سيرتي الذاتية، تلك السيرة التي أدّت بي إلى عدم قراءة غالب هلسا حتى نهايات الرابعة والثلاثين من عمري. كيف حدث أنني كنتُ جاهلاً إلى هذه الدرجة ولم يوبخني أحد حتى اليوم؟ كيف يحدث أن يحرق الإنسان 34 سنة وعشرة أشهر من دون أن يقرأ حرفًا واحدًا لروائيّ كبير كهذا؟ هل الأهل هم المشكلة؟ المدرسة؟ الجامعة؟ الأصدقاء؟ المحررون الثقافيون في الصحف؟ سياسة إسرائيل العنصرية؟ تآمرات دحلان؟

قبل يومين كنت في البقالة وسألني صاحبها "كيفك جار؟"... قال إنّ الحرّ ابن زانية وقلتُ بل إنه ابن مراغة، ثم مسحنا العرق عن جبهتينا. أحسستُ في نظرته ازدراءً ما. كنتُ انتهيتُ للتوّ من قراءة "الروائيون"، رائعة هلسا، وكنت لا زلت أفكر في انتحار إيهاب وفي شخصية زينب، وأحسستُ بأنّ جاري، صاحب البقالة، يعرف أنني لم أقرأ غالب هلسا حتى اليوم.

حاولتُ أن أتفادى نظرته المليئة بالتوبيخ، ولكنني لم أستطع. كنت على وشك أن أقول له بابتسام المُحرَج: "أما غالب هلسا إشي فلع، لا؟" عندما رأيته يسألني: "سوفت وَلا بوكس؟" أجبته: "سوفت". أنا أحبّ سجائر "الجمل" في تغليفها الورقي (الناعم) وليس في علبة الكرتون. أحسّ بهذه الورقية الناعمة نوعًا من التآمر على التغليفات المتبعة، على قساوة الكرتون الذي يمنع عنك تحسس السيجارة حتى وهي في العلبة (سأشعل سيجارة).

غالب هلسا، هذا الاكتشاف!

كنت بحاجة إلى رسالة بريدية من صديقي الجديد علي عيسى، المترجم، كي أبدأ بسبر أغوار هلسا. نحن نتآمر، علي وأنا، على مشروع ترجمة خاص بي، وقد أشركني في إحدى رسائله باستمتاعه برواية "سلطانة" لهلسا. قلتُ: "باطل عَ الرجال!" وبدفعة واحدة استعرتُ من المكتبة ثلاثة مجلدات كبيرة يتعدى وزنها الخمسة كيلوغرامات هي أعمال هلسا الروائية، الصادرة في مشروع هائل حقيقة عن دار "أزمنة" في عمان. تحفة للقارئين.

في طريق العودة أحسستُ بأنّ جاري في العمارة، عضو لجنة البيت، يقترب مني من بعيد، ورأيته يتأهب للتوجه إليّ. أحسست بثقل الموقف وقلت: عليّ وعلى جيراني! عندما اقترب مني قاب فحجتين أو أدنى بادرته مسرعًا:

"أما "سلطانة" ممتازة!"

نظر إليّ باستغراب وأجاب مترددًا:

"هاي اللي سكنت في الطابق الخامس؟"

طابق خامس؟؟

"بالنسبة لرسوم لجنة البيت جار... عليكو أربع أشهر."

وعدته بدفع المتأخر قبل أن يتورم، وفكرت وأنا في المصعد أن هلسا كان سيدخل هذا الحوار في رواية "الروائيون" عن الطبقة البرجوازية الصغيرة التي تبتعد عن الشعب وتعادي الشيوعيين. في البيت وجدتُ المجلد الثخين (تسعمائة وثمانين صفحة!) ينظر إليّ برضا كبير لأنني نجحت في قطعه بأسبوع. بقي مجلدان قلتُ لنفسي، ولكنني لم أقرأ مسرحية واحدة على الأقل هذا الأسبوع، كما وعدتُ نفسي منذ أشهر- وكما أفعل.

ستكون طامة حقيقية حقا لو اكتشفت أن هلسا كتب للمسرح. عندها سأعتزل التكتكة على اللابتوب (البعض يسميها بعبصة) طيلة اليوم وسأصير مدقق حسابات، كما حلم أبي دائمًا!


الاثنين، 20 يوليو 2009

أنضج أفلام مسيرته الفنية: إيليا سليمان عالقاً في «الزمن الباقي»


بعد «سجلّ اختفاء» (١٩٩٦) ثم «يد إلهيّة» (٢٠٠١)،
البحث متواصل عن لغة تلائم الرواية: إنّها «لغة البقاء»



اللغة ـفي وجودها وغيابهاـ هي الباقية في «الزمن الباقي» الذي قدّم عرضه الأوّل في رام الله قبل أيّام. «الزمن الباقي» انتهى منذ سنين، وما بقي هو الاستعادة والتأمل: هل سقطت الناصرة فعلاً أم استسلمت؟ وهل يعرف حقاً جندي جيش الإنقاذ أين تقع طبرية؟ التأمل الساخر اللاذع الذي لا يعترف بالنوستالجيا ولا بضرورة التذكّر: الذاكرة الفلسطينية ليست واحدة، والمتذكرون ليسوا متشابهين؛ إيليا سليمان (١٩٦٠) هو واحد منهم... لكنّه لا يبكي لدى تذكر سيرته، بل يضحك ألماً بملء سخريته.

ما يفعله سليمان في «الزمن الباقي» أنّه يعيد صياغة اللغة، لغة التذكر ولغة الحكي. لغة العادي اليومي، لغة السياسة، لغة البقاء. أيّ بقاء يصوره لنا سليمان؟ إنه بقاؤه هو، فالفيلم قصته: قصة والده زمن النكبة وبعدها، قصة العائلة والأم والناصرة، قصة «البلد». وما زال مشروع سليمان السينمائي يتطور في هاجس مُلحّ: كيف يروي الفلسطيني قصته؟ بأي مفردات؟ إنه يبحث عن لغة للرواية، لغة سينمائية «تلائم» الحدث وواقع الحال.

لا شكّ في أنّ «الزمن الباقي» هو من أنضج أفلام سليمان حتى الآن، ولا شكّ في أنّه أفضلها من الناحية السّردية والفنية. سليمان يملأ الفيلم بالحوارات بين الشخصيات (نسبياً)، وهو تحوّل لافت في مسار صاحب «سجل اختفاء» و«يد إلهية». ومع هذا، يظلّ الصمت (عدم الكلام) هو الحوار الأتمّ والمتواصل. وعلى هذا الصمت الطويل الصاخب، رُكِّب شريط صوتي قد يكون من أجمل ما شهدته السينما العربية وأغناه. الفيلم طافح بالموسيقى والأغاني التي كانت نَفَس الفترة وكلامها: عبد الوهاب، أسمهان، ليلى مراد، نجاة، وصباح فخري. فإذا بالنص يتحاور مع الصورة والموسيقى، خالقاً حالة سينمائية متصاعدة، متينة.

ينقسم الفيلم إلى ثلاث مراحل تاريخية: النكبة، السبعينيات وأيامنا الراهنة (الناصرة ورام الله). نجح سليمان في نقلها بمهنية عالية بواسطة الموسيقى والتصميم الفني للفيلم (شريف واكد). إنّها محطات مفصلية في روايتنا الفلسطينية، وبالأخصّ لفلسطينيي الداخل. وقد نجح سليمان في انتزاع الناصرة وحيفا والجليل والمثلث من براثن التعريفات (الإسرائيلية) الجديدة، ليعيدها إلى سياقها الفلسطيني الأصلي. السياق الذي تاه ويتوه في معمعة التقسيمات السياسية الحاليّة التي فرضها منطق المحتلّ. إنّه ردّ اعتبار لنا، لفلسطينيي الجليل والمثلث والنقب: من هنا مرت النكبة، من بيوتنا وأراضينا وبلداتنا.

بل إن إيليا سليمان يذهب أبعد من ذلك. رأيه أكثر حدة: النكبة ما زالت مستمرة، وهي تشوّهنا. تشوّه لغتنا وحاضرنا ومستقبلنا: الجار السّكّير (طارق قبطي الممتاز) الذي غرق في قنينته، وفي كل سكرة يخرج بحلّ سحريّ آخر؛ الجهاز التعليمي الذي أجبر آباءنا على غناء «بعيد استقلال بلادي/ غرد الطير الشادي»، وتعاون معه المديرون والمعلمون من آبائنا أيضاً. يقسو هذا السينمائي المميّز، وينكأ الجرح بلا هوادة. إنه فلسطيني غاضب وخائب الأمل، إلا أنّ غضبه يُترجَم سخرية مُرةً تنتج فكاهة غريبة، سوداء قاتمة. فكاهة فلسطينية. هل يمكن الضحك وأنت تشاهد توقيع رئيس بلدية الناصرة على وثيقة الاستسلام في 1948، والصورة التي التقطها مع الحاكم العسكري؟ هل هذا ممكن ومسموح؟

وإذا كانت الكوميديا هي «التراجيديا مضافاً إليها الزمن»، فهل يمكن في «الزمن الباقي» (والمتبقي) أن نضحك على جيش الإنقاذ الذي لم ينقذ شيئاً؟ وعلى وضع فلسطينيي الداخل، بكل تشويهاته الثقافية والاجتماعية؟ هل ما بقي لنا هو الشبان العرب الثلاثة في المشهد الأخير، يلبسون مثل «موسيقيي الراب» مع كوفيات وشارات النصر؟ هل هي مقاومة جديدة عصرية؟

الفيلم يبدأ بمشهد غريب: سائق تاكسي يهودي يُقلّ سليمان من المطار، إلا أنّ عاصفة قوية تهبّ فيتوقف السائق ويعلن عدم قدرته على الاستمرار في السفر، لأنه «لا يعرف أين هو». سليمان يجلس في الخلف، في العتمة، صامتاً، لكنه يقول لنا بهدوء: اليهودي لا يعرف المكان ولا يعرف الوصول إليه، وأنا (نحن) عالق معه!

كلنا عالقون في «الزمن الباقي». فلنضحك قليلاً...


(رابط المقالة في "الأخبار" البيروتية)


الثلاثاء، 7 يوليو 2009

الحاسة السادسة

اللمس. يدها عليّ، يدي على شعرها، على بطنها، قدمي على قدمها، يدها تعبث بي، يدي تعبث بها.

اللمس كحاسة سادسة، تتعدى الحاسة الخامسة المعتادة، المألوفة. البحث عن خصوصية في اللحظة، في اقتراف الملامسة، في الاستحواذ على الجسد. ألمسكِ فأنت لي. بين يدي، ليس مجرد التصاق اللحم باللحم، بل إعلان نوايا: أنا أتحسّسك لأنك لي، فريستي، أشمكِ بيدي، أعبث بكِ بيدي. ألمسكِ لأنني سيد جسدك. تلمسينني لأنك سيدة جسدي.

الحاسة المهملة، اللمس. القدرة على استشعار الحرارة، البرودة، الرغبة، الصدّ، القربى، البعد، الشهوة، الرطوبة، الجفاف، العرق، السوائل، سوائلي عليها، سوائلها عليّ. ألمس جسدها لأنه مفتاح اللقاء. كيف يبدأ اللقاء من دون لمس؟

ألمس وجهها وهي تمتصّني. تلمس وجهي وأنا أمتصّها. الرائحة في الأنف مثل الرعشة في اليد: الإثنان يهيّجان، اللمس يؤكد الهيجان: ها هو حاصل أمامي!

ألمس ما بان من جسدها وألمس ما تحت الثياب. الثياب لا تفسد اللمس بل تقويه. تعبث اليد بالملابس وتستقرّ فوق العضو (أيّ عضو) المختبئ. إنه عضو مختبئ الآن ولكنه في متناول اللمس. عضو مستتر تقديره اللمس. أتتبع الجغرافيا، أمرّ على التضاريس فهي مكشوفة بضوء يدي، هنا تدويرة وهنا انخفاض وهنا ارتفاع. اللمس دليلي السياحيّ.

اللمس لغة التآمر. لغة المشاكسة التي قبل، والهدوء الذي بعد. إصبعي تحفظ متاهات جسدها وإصبعها تحفظ متاهات جسدي. اليد تلمس، ولكنّ اللسان يلمس أيضًا. والثديان. والعجيزة. و"الذكر". و"الأنثى". اللمس يملأ الأمكنة فهو إذًا المكان. مكان اللمس. غابته الكثيفة. الجّسد.

اللمس هو الجسد وباقي الحواس هي تعقيبات عليه.

ألمسها وتلمسني. هكذا نحن، متلامسان.


الثلاثاء، 9 يونيو 2009

الإعلام الإسرائيلي ربح الانتخابات اللبنانية



مَن يقرأ الصحف الإسرائيليّة الأساسية الثلاث («هآرتس»، «يديعوت أحرونوت» و«معاريف»)، صباح أمس الاثنين، يخال لبنان جزءاً من إسرائيل أو إسرائيل جزءاً من لبنان. لا أذكر متى أولت جريدتا «يديعوت» و«معاريف» صفحتها الأولى والصفحات الداخلية الأولى لشأن عربي ـــــ دولي في غير سياق عمليّة تفجيرية أو عملية مقاومة أو حرب.

«معاريف» وضعت صورةً كبيرةً للأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصر الله مع عنوان حاسم: «نصر الله: خسرنا». أمّا الصفحات من 2 إلى 4، فجاءت كلّها مخصّصة للانتخابات اللبنانية. وفي «يديعوت»، وضعوا على رأس الصفحة الأولى «نيغاتيف» أسود حمل عنوان: «تقارير لبنانية: حزب الله خسر». أما الصفحتان الرابعة والخامسة، فقد تناولتا موضوع الانتخابات. وفي «هآرتس»، وُضعت صورة كبيرة احتلّت الصفحة الأولى، وتصدّرها خبر رئيس عن الحدث اللبناني، إضافةً إلى تخصيص الصفحة الثانية كلّها (قطع كبير) للموضوع.

الانتخابات في لبنان؟ منذ متى تستأهل شؤونٌ مدنية ــ سياسية في بلد عربي كل هذا الاهتمام؟ ماذا حدث للصفحات الخلفية المعتمة؟

لا يمكن تفسير هذا إلّا من خلال منظور واحد ووحيد: إسرائيل تتعامل مع الانتخابات اللبنانية كمسألة أمنية محضة. وإذا كانت المسألة أمنيةً، فهي على رأس سلّم الأولويات طبعاً. هذا هو سرّ الاهتمام، وإلّا فلم يكن الموضوع ليحظى بأكثر من خبر عابر في أسفل الصفحة العشرين.

إسرائيل ـــــ وإعلامها ـــــ يريان في لبنان (جنوبه ومركزه) جبهةً إسرائيلية، تطلق بشأنها التقديرات والتحليلات، تبشِّر وتنذر، تبني السيناريوهات وتدعم التيارات وتطلق الوعود والوعيد. هذه مسلكيّات دولة ترى في نفسها وصيةً أو مسؤولة عن دولة أخرى. هذه ليست وصاية كولونيالية عادية؛ إنّها وصاية أمنية ـــــ سياسية تنقسم إلى قسمين: قسم الحرب والدكّ والتدمير، وقسم الدعاية والترويج و«الدبلوماسيات»، بين دكّ ودكّ.

القنوات الثانية والعاشرة والأولى، المحطّات الإسرائيلية الكبرى كلّها تعاملت مع الانتخابات اللبنانية على أنّها حدث مفصلي إسرائيلي: المعلّقون على الشؤون العربية احتفوا بالانتخابات، وحلّلوها كما لو أنهم يتحدثون عن «كديما» و«العمل». المشكلة تظل في الجهل المطبق لدى الشعب الإسرائيلي في ما يخص ثنايا وخفايا -وحتى ظواهر- السياسة اللبنانية. وبهذا تظل الكلمة الفصل في الشأن للمعلِّق «المستعرب»، فهو يفهم على العرب»!

إنّه انفتاح في ضمن أجندة أمنية بحتة وضيقة، وهو يدخل ضمن استراتيجيات الحرب المتواصلة على لبنان: في لبنان، نقصفهم بسلاح الجو والأرض... وفي إسرائيل نقصفهم بتحليلات المعلّقين والمحذّرين من «حزب الله» وشركائه... حتى يحين القصف القادم!


(نُشرت هذه المقالة في "الأخبار" اللبنانية، الثلاثاء 9 حزيران 2009)



الخميس، 21 مايو 2009

الأدب الفلسطيني في الداخل محور ندوة أدبية وسياسية في نابولي




* مشاركة الكاتب علاء حليحل في الندوة واستعراض كتاباته وترجماته إلى الإيطالية *


عُقدت في مدينة نابولي الإيطالية، السبت الماضي، ندوة أدبية وسياسية احتفاءً بصدور رسالة الدكتوراة البحثية التي أنجزتها الباحثة والناشطة السياسية إيزادورا ديامو، تحت عنوان: "الفلسطينيون في إسرائيل- الهوية الثقافية". وشارك في الندوة الكاتب علاء حليحل، د. شفيق قرطام، رئيس الجالية الفلسطينية في نابولي، صبري عطية، السفير الفلسطيني في إيطاليا، ومختصون إيطاليون في السياسة الشرق أوسطية، وأدارها الصحافي الإيطالي رومولو ستيتشي.

وتناولت رسالة الدكتوراة المنجزة أخيرًا الأدب الفلسطيني في الداخل في المرحلة الراهنة، مركزًا على الكتابات الشبابية والجيل الجديد منذ مطلع التسعينيات وحتى اليوم. وتناول البحث كُتابًا وكاتباتٍ، منهم: سهير أبو عقصة-داود، بشير شلش، أيمن كامل إغبارية، عدنية شبلي وهشام نفاع. وقدّمت ديامو مداخلة خلال الندوة تناولت فيها رسالتها للدكتوراة وأسهبت في استعراض الكتاب والكاتبات الفلسطينيين من عرب الداخل وتعريف الجمهور بهم.

واستعرضت ديامو في الرسالة المنشورة، مطولا، الكتابات القصصية والروائية لحليحل ونشرت بعض القصص مترجمة إلى الإيطالية، منها: "زوجي سائق باص"، مقطع من رواية "السيرك" ومقاطع من الرواية الأخيرة "الأب والابن والروح التائهة"، وغيرها. وقرأ حليحل خلال الندوة مقاطع من كتاباته بالعربية وأجاب على أسئلة الحضور، فيما قرأ ممثلان قصتيْن من تأليفه مترجمتيْن إلى الإيطالية.

وتناول د. قرطام في متن الندوة موضوعة العرب الفلسطينيين في إسرائيل، مشددًا على المراحل التاريخية التي مرّوا بها منذ قيام دولة إسرائيل، ومتوقفا عند محطات هامة مثل "يوم الأرض"، الذي شبّهه قرطام بـ "سقوط الباستيل" بالنسبة لعرب الداخل، من ناحية أهمية هذا اليوم في تشكل الوعي الوطني والقومي للأقلية العربية الفلسطينية.

وألقى السفير الفلسطيني عطية كلمة ترحيبية أشاد من خلالها بجهود ديامو المستمرة في مجال الثقافة الفلسطينية وأثنى على دورها السياسي الكبير الداعم للفلسطينيين ولقضيتهم في نابولي وإيطاليا عمومًا.


الثلاثاء، 5 مايو 2009

مين أنا؟




(مقطع من مسرحية "خبر عاجل" من تأليفي والتي ستبدأ عروضها في 12 أيار الجاري في مسرح "الميدان" في حيفا... المقطع يدور بين رنا، مستمعة على الهواء وبين عضو الكنيست شاكر السيد الموجود في استوديو التلفزيون... المسرحية من إخراج عامر حليحل وتمثيل: ميسرة مصري، شادي فخر الدين، حنان حلو، دريد لداوي وعنات حديد.)


رنا/
مين أنا؟... عربية، إسرائيلية... مش إنتي بتفهم بالسياسة؟

شاكر/
إنتي طبعًا يا أختي فـلسـ...

رنا/
لإنو أبوي بقلي إنو إحنا إسرائيليين وإمي بتقللي إنو إحنا عرب.

شاكر/
يعني يا أختي شوفي...

رنا/
بس أنا حاسة إني لا هاي ولا هاي.
شاكر/
طبعًا، إنتي فلسـ...

رنا/
يعني لازم الواحد يكون عربي أو إسرائيلي؟ بنفعش أكون عادية، هيك يعني خوش بوش؟

شاكر/
خوش بوش؟ لأ يا أختي، إنتي عم تحكي عن مسألة هوية وإنتماء! إنتي فلسـ...
رنا/
هديك المرة حكوا بالتلفزيون إنو هاي الهوية مش كتير comprehensive.

شاكر/
لأ يا أختي هاد تحريض عنصري على العرب!

رنا/
بس اللي كانوا يحكوا عرب...

شاكر/
معناتو إزا عرب أكيد كانوا يناقشوا المعضلة والصيرورة اللي منواجهها إحنا العرب في إسرائيل لإننا من جهة إسرائيليين ومن جهة فلسـ...

رنا/
يعني أنا إسرائيلية؟

شاكر/
لأ يا أختي، مش القصد! إنتي فلسـ...

رنا/
مإنتي قلت إسا إننا إسرائيليين!

شاكر/
مزبوط يا أختي، إسرائيليين في الانتماء التقني.

رنا/
تقني؟ يعني زي مدرسة أورط؟

شاكر/
مش القصد يا أختي، خليكي مركزة معي.

رنا/
تفضل.

شاكر/
خلينا نبدا من الأول. في الثماني وأربعين وقعت النكبة!

رنا/
بس أنا مين أنا؟

شاكر/
إنتي عربية جزء من الأمة العربية، ومسلمة جزء من الأمة الإسلامية، وفلسطينية جزء من الشعب الفلسطيني، وإسرائيلية معك هوية إسرائيلية، واسكنك من الناصرة أو حيفا إنتي جليلية، وإزا من باقة بتصيري من المثلث، وإزا من رهط صفيتي نقباوية...

رنا/
... وأنا إيش من هادول؟

شاكر/
أنتِ كل هذه الأمور مجتمعة. هذا هو غنى الفلسطيني الأصيل المتشبث بجذوره وأصوله وأرضه ومستقبله.

رنا/
وأنا هادول كمان؟

شاكر/
طبعًا!

رنا/
واو، مكنتش عارفة... لحد إسا كنت مفكر حالي بروتستانت!



الخميس، 2 أبريل 2009

ثلاث قصائد لشربل عبود

قليلون هم الكتاب الحقيقيون؛ وعندما يحظى المرء بواحد منهم صديقًا ورفيقًا يكون قد قطع نصف الطريق إلى إيثاكا.

أنشر هنا بسرور بالغ ثلاث قصائد للصديق شربل عبود، صاحب ومدير مكتب "رؤى للترجمة" في حيفا، وكاتب متين، أحبّ كتابته وذكاءه النصي الفطري، مع أنه نادر النشر، رغم أنني واثق من أنه غزير الكتابة.

تهيب هذه المدونة بشربل وتستحلفه بكل الآلهة، السماوية والأرضية، بأن يُكثر من النشر وأن يأخذ دوره الذي يجب أن يأخذه في حياتنا الأدبية والثقافية.

أعتذر على هذه الخطبة العصماء المتأثرة والمؤثرة، وهاكم القصائد:


شربل عبود

وامدحْ ليلاًً..

كي تدخلَ قلبَ حبيبتِكَ الطيّبةِ القلبِ عليكَ
اكتسابَُ مَهاراتِ القردِ الأولى: تقشيرُ المَوزِ لها، مثلاً.

كي تدخلَ قلبَ حبيبتِكَ العائدةِ الآنَ إلى البيتِ،
ذُمَّ النّهارَ الطّويلَ بلا رحمةٍ،
وامدحْ ليلاً
يأخذُ عاشقَينِ إلى شَمعتينِ وتفّاحةٍ.

كي تدخلَ قلبَ حبيبتِكَ المُعلنةِ الحربَ على الفوضى
رتّبْ غرفةَ نومِكَ: صورة الديكِِ فوقَ غطاءِ السريرِ إلى أعلى،
وإلى جهةِ الشبّاكِ يُوجّهُ مِنقارَه.

كي تدخلَ قلْبَ حبيبتِكَ العمليّةِ في كلّ شيْْءٍ
لا تخرجْ من غرفةِ نومِكَ دونَ غرضْ،
لا ولا ترجعْ من دون غرضْ،
وتَمتّعْ بالمُوسيقى في تلكَ الأثناءِ
وفكّرْ بالخُطوةِ المُقبلة!

كي تدخلَ قلبَ حبيبتِكَ المُوسيقيّةِ الأجواءِ
عليكَ، بِحُبٍّ، عدمُ ارتكابِ الكلامِ،
إلى أنْ يُنهيَ ذاكَ المغنّي رسالَته
حتى آخر حرفٍ يتوتّرُ فيها،
أو حتى يتلو التوقيعَ أخيرًا؛
ما بعدَ الرابعةِ صباحًا!

كي تدخلَ قلبَ حبيبتِكَ المُولعةِ بأفلامٍ مُبهمةِ المبنى
والمعنى..
شاهدِ الفيلمَ مرّاتٍ قبلَ العرضِ الزّوجيِّ،
لكي تبلغَ القصّةَ!
فالكلامُ على الأفلامِ خروجُ المُمثّلِ عنْ نصِّهِ.

كي تدخلَ قلبَ حبيبتِكَ الطيّبةِ القلبِ،
عليكَ، إذًا،
ألا تتدرّبَ كيف تسيرُ على حبلِ السيرك،
مع لَبُؤَة
لكن،
أن تعبرَ حبلَ غسيلٍ، في ساحةِ بيتِكَ،
من دون بلَلْ!



أنا النخلة الصامدة!

هل تَراني
أنا النخلةُ الصّامدة
أعطني ساعة
ساعة واحدة
يا حبيبي
وخذ كلّ تاريخ بابلْ

أنا يا حبيبي.. أنا مَنْ تُحبّْ!
المُذيعُ الدّخيلُ الذي يقرأُ النشرةَ الآنَ للمرّةِ الألفِ
لا يملأ القلبَ دفئًا
وهذا الشّريطُ السّريعُ الذي يحملُ الجندَ من جبهةِ النخلِ
في شاشةِ البؤسِ
يحكي عن الجندِ في الأمسِ
عن ظهرِ قلبٍ إذا شئتَ أتلو عليكَ الخبرْ..

دعْ حبيبي قليلاً
حديثَ النّخيلِ الطويلَ.. اشْربِ الصّدرَ غضًّا صباحًا
وذُبْ في دمي...
واحْكِ لي بعدَها ما يقول الرّئيسُ الخَسيسُ البَعيدُ،
الجماعاتُ،
والقادةُ القاتلونَ،
القُضاةُ
الإذاعاتُ
والقاعدةْ...
أعطني ساعةً واحدة
يا حبيبي
ولا تكسرِ القاعدةْ!

إقتربْ نحْوَ نبضي قليلاً.. وداوِ اشتياقي
إلى ريحِ هذا الصباحِ الجنونيّ
ثمّ احْك لي كلّ ما شئتَ
عن شاعرٍ يشبهُ الشّعرَ..
ثمّ احْكِ لي عن نشيدِ المطرْ..
أعطني المقطعَ المَطلعَ الآنَ منهُ
وخذْ كُلَّ أبياتِه يا قمرْ!

هل تَراني
أنا النخلةُ الصّامدة
أعطني ساعة
ساعة واحدة
يا حبيبي
وخذ كلّ تاريخ بابلْ



غُرَر

ماذا سيقولُ البحرُ
لصيّادي السّمكِ الآتينَ إليه
في فجرِ الأوّل من أيّارْ؟
سيقول لهم:
أليومَ أنا لا أعملُ
والسّمكُ الكامنُ
في أحشائي لا يعملُ
عودوا إن شئتم في غير نهارْ!

ماذا سيقولُ اللهُ
لمَنْ يصدقُ
في الأوّل من نيسان؟
سيقول له:
اليومَ كذبتَ عليَّ
اليومَ أنا إنسانْ!

ماذا سيقولُ العامُ
لمَن يصحو سوداويًّا وحزينًا
في الأوّل من كانون الثاني؟
سيقولُ له:
اليأسُ ضروريّ والحلمُ ضروريّ
في الأوّل والثاني
وهما للعملةِ وجهانِ!

ماذا سيقولُ القطُّ
الهائجُ الأرواحِ لصاحبِه المتأنّي
في الأوّلِ من شهرِ شباطْ؟
سيقولُ له:
عندي عملٌ يتكاثرُ، فاكْرم،
لا تمنحني حليب الأكلِ نقاطْ!

ماذا سيقولُ العاشقُ
لامرأةٍ تتجاهلُ وردَ خطاه الأولى عن خجلٍ،
في الأوّلِ من آذارْ؟
سيقولُ لها:
ما احمرّ الخدّ سدى
وشقائق نعمان الجرمقِ غارت
وتمرّد طيرُ الحبّ وغارْ!

ماذا سيقولُ الشاعرُ
للأرضِ المحروقةِ
في الأوّل من شهرِ حَزيرانَ؟
سيقولُ لها:
نعطي النايَ ليلتنا.
نتذكّرُ ما دمنا نحيا.
ما كانَ لنا منهُ
هو ما كانَ!

ماذا سيقولُ الشاهدُ
للربّ الأعلى عنّا نحن القتلى
في الأوّل من أيلولْ؟
سيقولُ له:
أيلولُ هو الأقسى!
إن شئتَ العدلَ لنا
مررّهُ على خيرٍ
لا شيء سوى مرّره على خيرٍ.
هذا هو ما سيقولْ!


الاثنين، 30 مارس 2009

فسحة أمل فيرتوالية


لم أكن أعلم من قبل أنه يمكن للمرء المنتسب إلى قبيلة "فيسبوك" أن يعلن عن ارتباطه بشخص ما في علاقة "صحبة"، يعني علاقة "تك تك تك يا ام سليمان"، بين امرأة ورجل، غير متزوجين. وقد تفاجأتُ حقًا، اليوم، حين رأيت في أعلى الصفحة إحالة فرحة تفيد بأنّ الرفيقة "إكس" بدأت علاقة غرامية مع الرفيق "واي"، والحاضر يعلم "الزّد" (بلا ملاحظة)!

وفورًا تحققتُ من الشوط الكبير الذي قطعه بعض أبناء شعبنا في السنوات الأخيرة، بتأثير الإنترنت والهواتف المحمولة والتقنيات الأخرى، حيث صارت حيواتنا الحميمة مكشوفة على الملأ، بلا حدود، وبلا غضاضة (عذرًا على استعمال كلمة غضاضة لأنها مسجلة بالطابو على اسم شخص آخر).

وقد لاحت في ذهني أضحوكة عابرة تتجسّد في سهولة التمدّن اللا محتملة، حيث تعلن فلسطينية شامخة من الجليل عن ارتباطها (بلا زواج) بفلسطيني مشرئب من... الجليل، بلا خوف من المجتمع أو التقاليد أو العادات أو أربع-خمس بلوكات تطير باتجاهها. وتخيلت أنّ هذه الواقعة تمّت قبل أربعين سنة مثلا، أو ثلاثين، حيث يخرج منادي القرية ويدور بين البيوت صائحًا: سميحة بنت أبو القاسم صاحبت متعب ابن أبو العاصي، والليلة رايحين يحضروا فيلم في كرميئيل!

وإمعانًا في التخيّل ستخرج نساء في بعض الأزقة وترشّ الأرز على المنادي، أو ربما ترسل صديقات المحتفى بها أطقم مناشف أو عطور للمُصاحِبة الجديدة، وسيتصل بعض رجال القرية بأبي القاسم مهنئين مصاحَبَة بكره لبكر أبي العاصي، متمنين للمصاحبين سهرات "تمزمز" لذيذة عند البيادر ليلا (أول سنة بوس وعبط وتحسمس فوق الصدرية)، أو تحت الخروبة البعيدة خلف أرْظيات أبو مفلح.

وأكاد أرى أخ الفتاة "إكس" التي أعلنت للتوّ صحبتها الغرامية، يشتري لها واقيات مطاطية منعًا للحوادث غير المرغوبة، ويوصيها باستعمالها بحكمة لأنها نادرة الوجود وغالية، والموسم هذه السنة "كيف منتي عارفه خيتا، مش شد إيدك". كما أنّ خالات الرفيقة "إكس" سيتصلن من القرى التي تزوجهن "لها" ويباركن ويسألن ويستفسرن، وستوصي جميع الخالات الصبية التي صاحبت للتوّ بعدم الزواج و"إوعك تغلطي هالغلطة!" و"خليكي هيك على راحتك"، و"تتجوزيش قبل ما تجربيلك عشرة عشرين شب"!

لا يمكن الجَسر على ما كنا عليه زمان، وما نحن عليه اليوم، من دون هذه التفكّرات البوست-فيسبوكية، التي تحيلنا إلى تفكرات نيو بوست-مصاحباتية: هل تخطينا مرحلة التكتم على العلاقات الحميمية خارج قيود وسجون المجتمع (الزواج، الخطوبة، التعليم على العروس وقراءة الفاتحة على ابنة عم العريس، مع أنّ عمره 5 سنوات وهي لم تخرج أسنانها بعد)؟ أم أنّ الفيسبوك وأخوانه يُنشئ واقعًا غير متكافئ: تقاليد وقيود في الحياة اليومية، وفسحة أمل فيرتوالية غير مفهومة على شباك الأثير العنكبوتي؟

لا أملك الأجوبة الشافية ولكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الاستسلام للإغراء ودعوة المُصاحِب "واي" ليكون في قائمة أصدقائي كي أتعرف على بروفيله عن قرب. أنا أعرف المُصاحِبة "إكس" ويجب أن أعرف صاحبها الجديد عن قرب. ولكنه لا يعرفني ولا أعرفه، فهل أرسل له دعوة صديق؟

سؤال محير فعلا لا يقل تعذيبًا عن قرار جدودي "نسقي البندورة اليوم ولا البيتنجان"، ولكنني في كل الأحوال سأنتظر الصور الجديدة على بروفيل الرفيقة "إكس"، فهي آتية لا ريبَ فيها، تمامًا كما لو أنّ أبا القاسم –والد الرفيقة "إكس"- كان سيخرج قبل ثلاثين عامًا في شوارع القرية ويُري الناس بفرح كبير صورة ابنته وهي تتكئ بدلال على صدر صاحبها "واي" وهو يمسك ردفيها من الخلف، ثم يقول بتأثر بالغ: طالعه لإمها ليبرالية، بترفع الراس!

الأربعاء، 18 مارس 2009

أفكار حول كتابة فصل من رواية


هذا الفصل سيكون الفصل الخامس في الرواية. الأول سيكون على شاكلة مقدمة، الثاني والثالث سيتركزان في البطل الرئيسي. الفصل الرابع سيكون إسترجاعًا لطفولة محبوبته. الفصل الخامس، الذي نتحدث عنه، سيكون معتدل الطول. يعني ما يقارب (2500) كلمة. ربما (2600) أو (2400)، لا يهم كثيرًا. ولكن (2300) كلمة تهم. و(2700) تهم. لأنّ (200) كلمة لها وزنها. (100) كلمة تبقى قليلة. يمكن في (100) كلمة وصف الطاولة الحقيرة في الغرفة. ولكن وصف الطاولة الحقيرة إياها بـ (200) كلمة يصبح إسهابًا يحتاج الى تبرير وسياق مثبتين. فالاسهاب في وصف طاولة حقيرة هو إعلان نوايا. إعلان عن شخصية البطل عن طريق طاولته، وإعلان عن بيئته الجغرافية وطبيعة علاقته مع أغراضه. كل من درس التمثيل يعرف أهمية الأغراض في بناء الشخصية، الشخصية الدرامية أو الأدبية الحقيقية (يمكنكم أن ترفعوا رأسكم الآن عن الورقة وأن تنظروا حولكم. إذا كنتم في الغرفة فأجروا هذا التمرين: ما هي أقرب الأغراض جغرافيًا إليكم في هذه اللحظة؛ ما هي أبعد الأغراض جغرافيًا عنكم في هذه اللحظة؛ أي الأغراض تستعملونها أكثر من الأخرى؛ هل هذه الأغراض موجودة في الدائرة البعيدة أو القريبة جغرافيًا، وهلمجرًا. إذا لم تكونوا في الغرفة –في المقهى مثلاً، أو في محطة للباصات أو في حديقة عمومية أو في المرحاض تتغوطون- فيمكنكم إجراء نفس التمرين الذي سيجريه بطل الرواية التي نتحدث عنها في الفصل السابع عشر، عندما يلتقي بمحبوبته في المقهى القديم، الذي سيتأمله عندها مليًا لتبيان التغييرات التي طرأت عليه ومحاولة المقاربة بينها وبين التغييرات التي طرأت على حياته).

إذًا فالشخصية الدرامية متعلقة كل التعلّق بالأغراض التي ترافقها (يُنظر في هذا السياق الى رواية "عطر" للكاتب الفذ باتريك زسكيند.) كما أنّ الأغراض تلعب دورًا هامًا في بلورة شخصيات الأبطال في الأفلام. فإذا كان البطل متعلقًا بغرض ما فإنّ لذلك غاية وهدفًا، والغرض يكون في نفس الوقت وسيلة لتحديد معالم شخصية البطل التي ستتغير وتتطور مع مرور الوقت (هذا إذا كان الفيلم جيدًا بالطبع). وفيما يخصّ الفصل الذي نتحدث عنه الآن فإنّ المكان هامّ أيضًا. المكان الذي تجري فيه الأحداث وأحيانًا كثيرة المحادثات، هو مصيريّ في تحديد معالم الرواية. فيمكن إجراء محادثة صريحة ومعبرة بين بطل الرواية وبين محبوبته في الصالة في الشقة أو في القطار أو في الشارع أو في التاكسي المزدحم، وعندها ستختلف النتيجة. أجروا هذا التمرين: أكتبوا محادثة تقنية (لا يهم عن ماذا) بين شخصين، ويمكن نعتهما بـ "أ" و "ب". خذوا هذه المحادثة وازرعوها في ثلاثة أماكن مختلفة. أدخلوا تعليقات وملاحظات حول المكان الذي أخترتموه في كل مرة، وأجروا بعض التعديلات الطفيفة في المحادثة للملاءَمة مع المكان (التحدث بصراخ مثلا، الهمس، حذف بعض التعابير التي لا يصح التفوه بها في الأمكنة العامة، الخ...)، واليكم بثلاث محادثات مختلفة تمام الاختلاف. فالمكان يحدد الهوية والملامح وهو هام جدًا. خاصةً إذا لم يكن طبيعيًا (من السهل تعريف "غير الطبيعي" في هذا السياق؛ مثلاً: محادثة عشق وهيام في غرفة أموات في المستشفى؛ محادثة أعمال ونقود في جنازة؛ محادثة حول كتاب جديد وسط مضاجعة- والأمثلة لا حصر لها. و"غير الطبيعي" في هذه الحالة لا يعني الشاذّ الذي لا يُطرق. على العكس- فهذه تشكل الزبدة الروائية والحبكية).

بعد اختيار المكان يأتي اختيار الزمان. الزمان عنصر لا يقل أهمية عن المكان. لا أقصد هنا السنة والشهر والتاريخ. يمكن للرواية كلها أن تجري في يوم واحد ("ذاكرة للنسيان") أو على امتداد عشرات السنوات ("مئة عام من العزلة"). الزمان في هذا السياق هو التوقيت. أي: متى تجري أحداث هذا الفصل بالنسبة للرواية نفسها؟ ماذا سبقه وما الذي سيأتي بعده. في أية ظروف يتلقى القارئ المعلومات في الفصل الخامس، وما تأثير قراءته لهذه المعلومات، في هذا الموقع بالذات من الرواية، على عملية القراءة الاجمالية والمكتملة للرواية. هذه الأمور مصيرية في بناء الدراما والحبكة، والهدف الرئيسي الذي سيشير إليه معظم الكتّاب من وراء إتقان البناء الدرامي، هو خلق التشويق الذي سيشدّ القارئ إلى الفصل القادم، وإلى الذي بعده، وهكذا دواليك. إذًا، فالفصل الواحد في الرواية متعددة الفصول هو بناء دراميّ مستقل، له شروطه وأحكامه وأهدافه ودائرته المغلقة، التي تقفل بدورها دوائر درامية سابقة وتفتح للقارئ دوائر درامية أخرى في الفصول القادمة، وهلمجرا. لا يسعني هنا إلا القول إنّ هذه المهمة هي من أصعب مهمات كتابة الرواية، لأنها تحكم في النهاية على جودة الرواية أو عدمها. هذا الأمر متروك لكل كاتب وأسلوبه، اللهم إلا بعض القواعد التي تبدو مبتذلة، ولكنها تبقى صحيحة الى آخر الزمن.

الفصل الخامس في الرواية التي أتحدث عنها سيكون فصلاً مفصليًا في الرواية للأسباب التالية: ستدخل شخصية جديدة ترافق البطل إلى الفصل الرابع عشر وستعود في الفصلين الأخيرين؛ سينتقل البطل إلى السكن في حي جديد؛ سيتلقى رسالة من محبوبته تدعوه فيها إلى تجديد علاقتهما؛ ثلاث طائرات ركاب ستُحطم "التوأمين" و"البنتاغون" في أمريكا. كلّ هذه الأمور هي مفصلية في تسلسل الرواية، وهي تنقسم إلى نوعين رئيسيين: تغييرات بيئية قريبة من حياة البطل، يمكنه متابعتها ومحاولة التأثير عليها، وتغييرات بيئية خارجية لا تمت للبطل بصلة مباشرة وليس له الحول في التأثير عليها بأيّ شكل (مثال آخر: بركان أو زلزال). هذه التقسيمة هامّة للكاتب ويجب أن يكون على وعي كبير منها، لأنّ عليه أن يقرر للبطل وللشخصيات الأخرى نوعية ردود الفعل على هذين النوعين من الأحداث: القريبة والبعيدة، وهذا مصيري جدًا من حيث المثابرة. إذ لا يُعقل أن تكون ردود البطل متناقضة على أحداث متشابهة، إلا في حالة أنّ البطل يعيش مرحلة عصيبة ومتوترة وهو على وشك الاصابة بالفصام أو بالانهيار العصبي. في باقي الحالات على القارئ أن يصل الى اللحظة التي تمكّنه من التعرف على شخصية البطل (وغيره من الشخصيات) ووصفه بكلمة واحدة أو اثنتين: رومانسيّ أو عقلانيّ، عمليّ أو حالم، رقيق أو شديد، متسامح أو حقود، صلب أو مُتَراخٍ، ذو حيلة أو معدومها. مثل هذه النعوت هامة، ليس في قولها، وإنما في تذويتها. لا يهم إذا كان القارئ قادرًا على صياغة هذه التوصيفات التي اختارها الكاتب لشخصياته، ولكنّ مجرد المثابرة في بلورتها وتطويرها في الرواية سيجعل مهمة دفع القارئ (بشكل غير واعٍ من جهة القارئ) إلى التماثل مع الشخصيات والشعور بأنه "يعرفها" عن قرب، مهمة أسهلَ. ولذلك، فإن ما يحدث مع كل شخصية هامٌ للقارئ ومثير، مما يجعله يقلب الصفحة التالية والتي بعدها والتي بعدها...

الثلاثاء، 24 فبراير 2009

يا كتاب العالم انتحروا!



أبحث في الإنترنت عن اسم عربي لهذه اللعبة، تعرفونها، الدائرة الفلينية التي تُعلق في البارات وتقسم إلى دوائر، لتلقوا السهام نحوها كي تصيبوا أقرب منطقة إلى الدائرة الحمراء الصغيرة في الوسط والتي تعود عليكم بمئة نقطة كاملة. الإنترنت لا يفهم عليّ لأنني لا أعرف صياغة السؤال بشكل دقيق. ألقي السهم تلو السهم وأعد النقاط. من حسن حظي أنني لم أولد في عصر يستوجب الرماية الحسنة.

أفكر في إشعال سيجارة. لا، الآن أطفأتها. آكل قليلا من "الأبروبو" وأنظر إلى الشاشة. ما زلت في المشهد الثاني. تُعسًا. أتذكّر ملاحظات عامر أخي على النصّ الذي يجب أن يتطور إلى مسرحية من إخراجه. أصعب ما في الكون أن تتلقى ملاحظات صائبة. فكيف ستحاربها إذًا، وكيف يمكن أن تتكاسل في وجهها؟ فعلى الرغم من كل شيء- توجد أخلاقيات للكسل!

الكرسي غير مريحة. أكاد اقول غبية. ساشتري له كرسيًا جيدًا في عيد ميلاده. متى عيد ميلاده؟ في تشرين الأول، في أكتوبر، شهرنا الرمزي. عيد ميلاد عمري في أكتوبر أيضًا. لقد تجاوز السنة بأربعة أشهر وصار "يطرطش" كلمات هنا وهناك. أتذكر عمري وأضحك وحدي. هذا أحد شروط الكتابة الأساسية: أن تجلس وتضحك أو تبكي أو تتكلم وحدك.

ما أصعبها هذه المهنة، الكتابة؛ أدور حول نفسي، أقوم، أقعد، أملأ كأسًا جديدة، أشعل سيجارة، أتأمل الكتب التي في مكتبة عامر وأحاول أن أتذكر أيّها لطشها مني عندما افترقت خطانا في خريف 2004، وقسمنا "التركة" المشتركة (هو أخذ كل شيء عمليًا لأنّ أم محمود أبت أن تُدخل عش الزوجية أيّ شيء من "كراكيب" شارع هيلل الحيفاويّ التي كانت تحتقرها وتتعامل معها بازدراء كبير). أتحايل على الكسل، على الصعوبة في التركيز في مشهد مسرحي يأبى أن يحلّ نفسه بنفسه.

عندما أصدر روايته الأخيرة، قبل شهور عديدة، قال حنا مينا لصحيفة "الأخبار" البيروتية: "حتى أنّني لم أكمل روايتي الأخيرة لضجري من الكتابة، هذه المهنة الشاقة". إنها مهنة شاقة وغادرة، لا يمكنك التمكّن منها أبدًا، كما لا يمكنك تركها. أحدهم قال مرة إنه يكتب لأنّ هذه أكثر مهنة يتقنها. بهذه البساطة. وكيف يمكن للمرء أن يعرف أنّ هذه أكثر مهنة يتقنها؟ هل أكون نجارًا أكثر مهارة من كوني كاتبًا وأنا لا أعرف؟ كيف أعرف ذلك؟

هل الكتابة مهنة الكسالى؟ لماذا أجلس الآن عاجزًا أمام شاشة اللابتوب ولا أعرف كيف أكتب جملة واحدة من الحوار الأول الذي سيفتتح المشهد الثالث؟

في البداية اعتقدتُ أنّني بحاجة إلى الوحدة كي أكون كاتبًا. "الشرط الأساسيّ للكتابة هو الوحدة"، كنتُ أصيح في المقاهي والبارات، وأكمل: "إذ كيف يمكن للمرء أن يكتب ويقرأ (عفوًا، أتراجع، القراءة هي الشرط الأساسي للكتابة) بصحبة الناس؟ أليس الكاتب/ة مخلوقًا أنتي إجتماعي وأنتي اختلاطي؟ وإلا، فكيف يبدع؟ لقد ظنّ الكثيرون أنّ الجلوس في مقاهٍ تدّعي الثقافة يصنع من المرء مثقفًا أو مبدعًا، أو على الأقل- يجعل الآخرين يعتقدون بأنه كذلك. على شاكلة: أنت في المقهى إذًا أنت غوستاف فلوبير!

أشتم جلاس المقاهي الكسالى وأنا لا أعرف كيف أتحرر من كسلي. ربما لا يكون كسلا. سأسميه مخاض الولادة. ما أجمل اللغة حين تعينك على غسل ضميرك. أنا في مخاض ولادة عسيرة لعمل مسرحي جديد. أشعر فجأة بأنني بطل تراجيدي إغريقي أو مشروع شهيد على الأقل. أغلق الموبايل. لا أريد إزعاجًا. تمرّ دقيقتان. هل اتصل أحد بي؟

أتعذب في تعريفي الجديد. أريد قهوة. أليس من يصنع القهوة لكاتب معذب؟ أبرم في شقة عامر. هربت إليها طلبًا للعزلة والآن أملّ العزلة. أبعث إيميل لأم محمود. خطوة خاطئة! ستردّ بالتأكيد: هل تركت البيت كي تبعث إيميلات؟ تعسًا للعالم! أيّ خطأ إستراتيجي هذا.

أنظر إلى الحوار في نهاية المشهد الثاني؛ هل هذا جيد؟ لماذا لا أكتب مسرحية "عادية"، بلا ساتيرا وسخرية؟ أليس من الأسلم أن أكون فلسطينيا جيدًا، يكتب عن آلام شعبه ويتأوّه مع الجماهير؟

قال أحدهم مرة إنّ كتابة الكوميديا هي من أكثر الأمور تراجيدية في العالم. صحيح يا عزيزي المجهول صحيح، ولكنّ القراءة الأولى للنصّ بعد يومين، وأنا في المشهد الثاني. هل هناك تراجيديا أكبر من هذه؟؟

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2008

من غزة لعكا...



"مصر يا أم الدنيا، أليست غزة من الدنيا؟"- كُتب على اللافتة الورقية الزرقاء التي رفعها أحد أطفال عكا العرب في
المظاهرة التي جرت عصر أمس الاثنين. كانت المظاهرة صاخبة ضاجة وكان الغضب يخرج من جميع الحناجر. الجميع يهتف ولكن جميع الهتافات ضد الحكام العرب (والمسلمين) وبالتحديد- حسني مبارك، الزعيم المصري، الذي يؤكد الهتاف أنه جبان وأنه عميل للأمريكان.

في الجوانب همسات وهمهمات. الشباب لا يفهمون لماذا لا تسير المظاهرة في الشوارع ولماذا لا يخرج الجميع سائرين في عكا لإيصال الكلمة والألم. "هاي مظاهرة هاي؟"، قال أحدهم، ثم سألني بارتياب "لمين بتصور؟". هي الرغبة الدفينة في إسماع صوتنا للعالم، صوت غزة وصوت عكا وغيرها من الداخل الفلسطيني، الرغبة في عمل شجاع مِقدام يعبّر عن الألم والغضب، إلا أنّ الخوف من "الشين البيت" الذي يصوّر وينقل الوشوشات إلى المخابرات الإسرائيلية يظلّ حاضرًا حتى في لحظات الهبّة الصادقة.

في منتصف المظاهرة تعالت نداءات المُنظمين للدخول إلى الجامع (جامع الجزار)، فتعجّب الكثيرون: "ليش بالجامع؟.. بدنا نعتصم لحالنا جوا؟ مين بشوفنا؟"، ثم قال أحدهم وهو يعبر من أمامنا، بسخرية كبيرة أغاظت الكثيرين: "خلصت المسرحية"؟

الحقيقة أنّ هذه المظاهرة لم تكن مسرحية بالمرة؛ فقد هتف الجميع، الأطفال والنساء والرجال، بكلّ حناجرهم، وكان الصدق يرشح من كل هتاف ومن كل كلمة. كان المطر الغزير يغدر بالمتظاهرين ولكنهم لم يهربوا منه، بل تحوّلت المظلات (الشمسيات) إلى سلاح فتاك ضد العدوّ الداهم: المطر. "عالأقل إحنا معنا شمسيات واللي بغزة؟"- تساءلت صبية تتدثر بالكوفية الفلسطينية وتحمل شعارًا ورقيًا أبيض مُلطخًا بالأحمر.

في النهاية حاول المنظمون بأيّ ثمن منع عشرات الشباب والصبايا من الخروج إلى مسيرة في أحياء عكا القديمة، ولما لم تعد تُجدي الرّجاءات عبر مكبّرات الصوت، نزل أحد المنظمين وحاول ردّهم، ولما لم ينجح انضمّ إليهم! مشهد عبثيّ يعيد إلى الأذهان الحذر الذي يلفّ عكا منذ أحداثها الأخيرة والتي بعث أثناءها أهلُ غزة وجميع الفلسطينيين نداءات التضامن معها، وهو ما قاله سمير العاصي، إمام جامع الجزار، وأحد المنظمين: "بالأمس وقفتم مع عكا واليوم نحن نقف معكم".

وفجأة، بعد أن تحرّكت المسيرة رغم معارضة المنظمين، ظهر من وراء الجامع من عكا القديمة وفد سياحي أجنبي توقف مذهولا مرة واحدة من الشباب الصارخ والأعلام ونداءات "الله أكبر". المساكين. لا بدّ أنهم ذعروا خوفًا، خاصة عندما صرخ بعض المنظمين على الشباب والصبايا مطالبين بعدم التعرّض للسياح، إذ أنهم لم يفهموا ما معنى الصراخ فاشتدّ حذرهم أكثر ووقفوا جميعهم مُتراصّين أمام مطعم الحمص ريثما تعبر المسيرة العفوية. ذلك المشهد جذب الكثير من الحاضرين الذين أخرجوا كاميراتهم وهواتفهم وبدأوا بتصوير الأجانب. قد تكون هذه المرة الأولى التي يتحوّل فيها السياح إلى موضوع للتصوير في عكا وليس العكس!

المشاعر جياشة من كل حدب، والحمية تغلب على الشبان والصبايا. النار تشتعل فيهم وتلمس أمامك ما يعنيه "التواصل" و"شعب واحد لا يموت". كانوا يصرخون: "نموت وتحيا فلسطين"، وفي عكا كما في عكا لا بدّ من نكات وروح دعابة، ولا بدّ من أحد ما يخرج بمزحة لكسر القلق والتوتر في الجو، فقال أحدهم بهتاف خجول: "نموت وتحيا يوفنتس"!

وبين المزاح والجدّ جاب شباب وصبايا عكا أزقتها وهم يتوقون إلى غزة ويرفعون إليها جميع هتافاتهم ودموعهم... ونكاتهم العكية.


قصائد عن الحرب/ هارولد بينتر


(عن الإنجليزية: علاء حليحل)



فوتبول أمريكي
هللويا!
لقد نَجَحْنا.
لقد نكحْناهُم فتطايرَ خراؤُهُم.

لقد نكحناهُم فتطايرَ خراؤُهُم من مؤخّراتِهم
وَمنْ آذانِهم اللعينةِ.

لقد نجحنا.
لقد نكحْناهُم فتطايرَ خراؤُهم.
إنهم يَختنِقُونَ بخَرائِهم!

هللويا.
سبِّحُوا إله الأشياءِ الحَسَنةِ كُلِّها.

لقد قصفناهُم فأضحَوْا خَراءً.
إنهم يأكُلونَ الخراءَ.

سبِّحُوا إله الأشياءِ الحَسَنةِ كُلِّها.

لقد فجَّرنا خِصيَهُم فأضحتْ نتفًا وَهَباءً،
أضحَتْ نتفًا مِن الغبارِ.

لقد فعلناها.

والآنَ أريدِكُم أن تأتوا إلى هنا وأن تُقبِّلوني
على فمِي.



القنابل
لم تتبقَّ كلماتٌ لنقولَها
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تنطلقُ عنيفةً من رؤوسِنا
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تمتصُّ ما تبقّى من دِمائِنا
لم تتبقَّ لنا إلا القنابلُ
تُلمِّعُ جماجمَ الميِّتين


بعدَ الغداءِ
وَبعدَ الظهيرةِ أتتِ المَخلوقاتُ حَسَنةُ المَلبسِ
كَي تَتَشمّم فوقَ المَوتى
وَتتناوَلَ غداءَها

وَكُلّ هذهِ المخلوقاتِ حَسَنةِ المَلبسِ اقتلعتِ
الأفوكادو المُنتفخ مِن بينِ الغُبارِ
وَحَرّكتْ حَساءَ المينسترونا بالعِظامِ الضّالةِ

وَبعْدَ الغَداءِ
اسْترْخَوْا وَتَدَلّوْا وَهُم
يَصبُّونَ الخَمرَ الأحمرَ في الجَّماجمِ السّانِحةِ


اللهمَ باركْ أمريكا
ها هُم ينطلقُونَ ثانيةً،
اليانكيز فِي مواكِبِهم المُدرَّعةِ
يُرنّمُونَ أغاني فرحِهم الرّاقصةِ
وهُم يَرمَحُونَ عبْرَ العالمِ الكبيرِ
يُبجّلونَ إله أمريكا.

الجداولُ مَسدودةٌ بالموتى
بأولئِكَ الذينَ لم يَنجحُوا بالانضمامِ
بالآخرين الذين رفضُوا الغناءَ
بأولئكَ الذينَ يفقدونَ أصواتَهُم
بأولئكَ الذين نَسوْا اللحنَ

الرّاكبُونَ يحمِلونَ أسواطًا جارحَةً.
تتدَحرَجُ رأسُكَ على الرَّملِ
رأسُكَ حَوضٌ مُوحِلٌ في القذارةِ
رأسُكَ لَطخةٌ في الغُبار
عيناكَ إنتُزِعِتا وأنفكَ
لا يَشمُّ إلا نتانة الموتى
وكُلّ هواءِ الميِّتين حَيٌّ
مَع رائحة إله أمريكا.


السبت، 27 ديسمبر 2008

الجثث


غزة جثث على التلفاز.

تروح وتجيء وفق إيقاع "مونتاج" متكرر. الصور تتزاحم وتتكرر لتخرق العينين فتدمعان.

قد تكون غزة آخر ما يثير الدموع في العيون في زمن الرداءة هذا.

غزة دموع تحمي العينين من صورها الدامية.

غزة جثث على التلفاز.

نحن جثث أمام التلفاز.

الجمعة، 19 ديسمبر 2008

الصرماية وأصول الرماية


فرحتُ، مثل سائر الفرحين في العالم، للصرماية التي صوّبها الصحافي العراقي منتظر الزيدي تجاه المجرم جورج بوش، وحزنتُ مع جحافل الحزينين في العالم إذ أخطأ المنتظر الإصابة مرتيْن- فطعن الفؤاد طعنتيْن. وبعد هذه الرماية نصف المُوفقة أعتقد أنّ اسم الصحافي، منتظر، صار رمزيًا طافحًا بالدلالات، حتى إنّ البعض تذكّر جميع المنتظَرين في دياناتنا وثقافاتنا وحضاراتنا، المنتظرين الذين لا يأتون رغم الأدعية والابتهالات.

والحقيقة أنّ فرحي بدأ يتضاءل تدريجيًا، نتيجة لتحويل هذه الرماية نصف الموفقة إلى أهمّ حدث في تاريخ الأمة العربية، بعد وحدة مصر وسورية وصمود المقاومة في لبنان. ففجأة بدأنا نسمع أنّ هذا الردّ هو "أبلغ ردّ" و"أصدق ردّ" و"أجمل ردّ"، وصارت القصائد تكتب تناصًّا مع جملة الصحافي المنتظر: "هذه قبلة الوداع من الشعب العراقي أيها الكلب". ولا مانع طبعًا من فرح شعبي عرمرم يجتاح الأمة من المحيط إلى الخليج، في زمن رديء مُحبط، وهذا فرح حقيقي لا نقاش فيه، نشارك فيه بكامل انفعالاتنا الوحدوية، إلا أنّ تحويل هذه الفعلة إلى القشة التي نتعلق بها اليوم، وكأنها أعادت كرامتنا ورفعت رأسنا ومطت رقابنا، هو هروب من الواقع، وهي عادة عربية أصيلة ترتكز إلى "أضعف الإيمان" الذي قتلنا شرّ قتلة.

فحذاء المنتظر، "أضعف الإيمان"، صار سلعة مطلوبة: أمراء من السعودية بدأوا يعرضون المبالغ الخيالية لشراء هذا الحذاء العربي الأصيل، حيث وصل آخر مبلغ ورد في المواقع الإخبارية إلى مليون دولار، كفاكم المولى شرّهم. السعودي (وغالبية العرب) الذي لا يحرّك ساكنا لنصرة العراق أو فلسطين أو لبنان (بل يتآمر ضدّها في الغالب) تنتصب قامته الدولارية لحذاء عراقيّ مغبر بدماء أبنائه. هذه ليست حمّية وطنية، هذه دعارة هابطة مردّها الشعبوية المفرطة النفعية أو الوطنية الرومانسية التي تغلب علينا نحن كأمة عربية وإسلامية: نبكي لمناظر الدماء على التلفاز ثم نقول بنفاق مريب: إمشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة. يعني بالعربي: بدي أطعمي الولاد. ولا يهم أن الأولاد يأكلون الخراء وسيأكلونه مستقبلا بالمغرفة مع هكذا أمة وهكذا شعوب شعبوية.

نحن ننفعل للمبادرات الشعبوية التي تشفي غليلنا ولا بأس، فنحن بشر مقهورون، نبحث عن أية بادرة تبعث الفخر أو الابتسام فينا. المشكلة أننا نتوقف هناك وفقط هناك. العربي الذي صفق لحذاء المنتظر لا يحرك ساكنا لقمعه في دولته الدكتاتورية القمعية، ولا يحرك ساكنا لاحتلال أمته وقتل الملايين ولا يحرك ساكنا لنصرة الأقصى والقدس وغزة وبغداد، مع أنه يملأ الدنيا صراخًا من أجل كاريكاتير يمسّ "مشاعره الدينية"، وكأنّ احتلال العراق وتدمير بيروت وإحراق غزة لا علاقة لها بالمشاعر الدينية.

وأعتقد أنّ الفكرة ستأتي بعد السّكرة: فالزيدي شيوعي كان عضوًا في حزب العمال الشيوعي الذي حلّ نفسه قبل سنتين واندمج مع الحزب الشيوعي العراقي، وكان عضوًا في اتحاد طلبة العراق الذي يعتبر إحدى واجهات هذا الحزب. وأعتقد أنّ مثل هذه المعطيات تجعله في أقلية قليلة في العالم الإسلامي والعربي، ولا بدّ أن يأتي أحد ما في فضائية ما ليذكّر بهذا، إذا ما برز تهديد يومًا ما بأن تطغى شعبيته على شعبية شيوخ الفضائيات أو مُنظّري القنوات.

مرحى للصرماية، ولكنني نطالب بأمرين: الرماية الدقيقة في المستقبل، والخروج من دائرة التطبيل والتزمير العربية المزمنة إلى دائرة الفعل الحقيقية.


السبت، 29 نوفمبر 2008

يا شوفير دوس دوس...


إشتريتُ دراجة هوائية اليوم. بيضاءَ شامخة وفيرمتها "وينر"، حلم عكيّ جديد يتحقق في الأرض المقدسة، بخمسمئة شيكل جديد، اقتطعتها من ميزانية إيجار البيت للشهر القادم، عاملاً بالحكمة العربية الغبيّة: إصرف ما في الجيب يأتِك ما في الغيب.

كانت فرحتنا، أم محمود وأنا، كبيرةً لا تُضاهى: أنا فرحٌ بإنجازي التاريخيّ الذي "أفنطز" عليه منذ أن أفرغ أهالي عكا معداتهم في طاقية نابليون، وأم محمود فرحة لفرحتي الطفولية أمام مدخل جامع الجزار، حيث تقع دكانة "أبو داهود"، الذي يبيع الدراجات الهوائية على أنواعها (والحلق والأساور والبلاستيكيات الطفولية التي لا أفهم استعمالاتها).

ونظرًا لقياسات جسدي الحالية (التشديد على "الحالية"، إذا أنني سأنحف كثيرًا بعد انضمامي إلى الجِّم) استبدلتُ الكرسيّ الصغيرة بكرسي أخرى كبيرة، التي لم تنجح هي الأخرى في منع التعب "الطيزيّ" جراء ركوب الدراجة، ولكن حتى بوادر "السّماط" لم تفسد فرحتي بهذه الشّروة العبقرية. فتضاريس عكّا الساحلية جعلت من البلد بسيطة عريضة لا هضاب فيها ولا طلعات، وبالتالي فإنّ عملية الدوس والدعس على الدراجة لا تكلف الكثير من العناء والجهد، وهكذا وجدتُ نفسي راكبًا دراجتي الجديدة (بلا مْلاحظة) وعابًّا شوارع عكا الساحلية، قاصدًا الفنار عبر الكورنيش، "قاصًّا" بسهولة نحو الخان ثم الميناء ثم المحكمة القديمة.

أيّ إحساس جميل أن تحلق بقليل من الجهد بين الناس، أن تناور وتحاشر بين الرصيف وبين الشارع، تروح وتجيء بين السّيارات العالقة في أزمة مرور، مثل فراشة حرة طليقة، فتذكرتُ على الفور ما جاء في مسرحية "رُكَب"، كرّم الله وجهها:

"لديها دراجة مثل دراجات الخمسينيات والستينيات مع مقود واسع. أسرع إلى البيت وأجلب مخدة وأضعها على المقود. ومثل جنتلمان أدعوها للصعود فتفعل وهي متكئة على كتفي. من بولفار فولتير بدأنا السّير باتجاه الباستيل، أدور حول الدوّار خمس مرات كيف نقرر اتجاهنا، وكالعادة سان ميشيل ينتصر دائمًا. وهي جالسة هكذا على المقود لا أرى الشارع، ولذلك تضع جسدها العلويّ كله على صدري. وأنا، من أجل عبطة كهذه مستعد ليس لحرث باريس فقط، بل فرنسا كلها. نحن الاثنان فقط نتحرك في باريس (...) من سان ميشيل أقطع الطريق إلى سان جرمان على طول ساو جيرمان ديبري. نتوقف للحظة في مقهى موليير، نشرب بيرة واحدة على البار، وقوفًا، ونواصل إلى سان أنطوا(ن)، إلى سان مور والشاتليه."

في عكا يمكنني أن أكتب هذا المونولوج المُتناصّ مع مونولوج "رُكب":

لديّ دراجة جديدة، مع مقود واسع. أتذكر نصّ "رُكب" فأقول لأم محمود أن تركب عليه ونبرم في عكا. تنظر إليّ باستخراء مُريب، ثم أتراجع عن الفكرة وأقول لها إنني سأبرم قليلا برمتي الأولى على الدراجة. تصرخ: "دير بالك، مش تندهك، مش فاضي لمستشفيات!". أخرج من العمارة وأسير في الشارع المحاذي لها، المليء بعشرات الحفر، الكبيرة منها والصغيرة، فأكاد أقع على وجهي غير أنّ اللات احتضنتني بلطفها. أسير وحدي في الشوارع مسرعًا نحو كورنيش عكا على البحر كي أصله قبل اختفاء الشمس الغاربة. أصل الفنار سعيدًا وأركن الدراجة على السياج فوق البحر وأخرج كاميرتي وأصوّر لعبتي الجديدة. الشمس اختفت وراء بقايا قلعة على السّور وأحدهم ممن يعرفون وجهي وأعرف وجههم يقترب ويسأل: إلك البسَسْكَليت؟ أجيبه بفخر مبتسمًا، يسأل: قديش؟، أجيب: 500. يقول: ضحكوا عليك. تختفي ابتسامتي. أكرهه على الفور، أرغب بالصراخ في وجهه: هاي بتسوى كل الدنيا، أعدِل، أعتلي الدراجة بسرعة ومن هناك نحو الخان، ثم الميناء، ثم ساحة عرفة، وإلى البوابة ثم... ما هذا الصوت؟ صوت هواء؟ هواء؟ من أين الهواء؟ من الأسفل.. العجل الخلفي يصدر تنهّدات غريبة. أقترب بأذني: بَنشرْ!! (يعني "ثقب" لمن لا يعرف عربية عرب الداخل). بَنشرْ! من أول غزواتو!

أستلّ موبايلي الحزين وأتصل بفراس الروبي. هو من نصحني بشراء الدراجة وقد رآها فور شرائي لها وكانت بوادر الحسد تنهمر من عينيه الزرقاويْن. وصفة أكيدة للحسد! أصرخ: شو خيا؟ بنشر! يفتعل فراس الحزن وينصحني بالذهاب إلى أبي داهود، فأفعل صاغرًا. أحدهم أخبرني يومًا بأنّ العجل (يعني الدولاب) يتلف نهائيًا إذا سرتَ عليه وهو خالِ من الهواء، فحملتُ دراجتي المصابة وسرتُ من قرب الثكنة البحرية العسكرية حتى جامع الجزار، كرّم الله مجازره.

"شو خيا؟ خير؟" سألني أبو داهود حين رآني حاملا خيبتي على كتفي، منتصب القامة، روحي متفرفطة، متعرقًا. قلت له: "عين! عين حسودة! فش غير فراس الروبي!"... "فش غيرو"، أجابني مؤكدًا، فاطمأنيت إلى أنني لا "أتبلى" على الروبي ذي العينين الزرقاوين، فتمتمتُ في سرّي وفكرتُ بالاتصال بأمي كي "ترقي" الدراجة الجديدة وتحرق بضع عيدان من الميرامية، كما تحب أن تفعل كلما سعل أحد منا. عدلتُ حين رأيتُ أبا داهود وهو يخرج قطعة معدنية من العجل ويرفعها لي مثل جرّاح عريق وكأنه يخرج رصاصة من قلب قتيل. أخذتها بيدي ونظرتُ إليها مليًّا: عين! عين!

إتصلتُ بالروبي وأنا أغادر دكان أبي داهود. اتفقنا أن نلتقي عند "البيغ". كان فراس يجلس مع أشرف (البيغ) ويأكلان (وشخص ثالث) كبدة مقلية ودجاجًا فشدّوا بأكمامي كي آكل، إلا أنني رفضتُ مُصرًّا كي لا أمنح الروبي الحسود أية فرصة برشوتي. طلبتُ ثلثا من البيرة وصرتُ أشربها وأنا أتأمّل فمه كي أعرف إذا كانت أسنانه "فُرُق"، فتكتمل إذًا الحقيقة: "عيون زرق وسنان فرق". هذه مواصفات الحسود.

ما خفّف من غضبي هو الغزل الجميل الذي صار يكيله الجميع على دراجتي الجديدة البيضاء من فيرمة "وينر"، فهدأتُ قليلا وأمعنتُ النظر في أسنان الروبي. لم أتيقن من وجود فُرق فيها، لكنه فضح نفسه حين بدأ يزاود على دراجتي ويمدح بدرّاجته الهبيانة التي ينشحد عليها في سوق عكا القديمة.

ولكنني نسيت غضبي من الروبي الحسود حين انفتحت سيرة سرقة الدراجات في عكا ومنطقتها. تهيّأتُ وأنصتُّ. كانت لكلّ واحد قصة عن سرقة دراجة واحدة على الأقل: سارقًا أو مسروقًا. أحدهم أثار رعبي حقًا حين نفى بسرعة أية حماية يمكن أن يوفرها أيّ جنزير تربط به الدراجة إلى أيّ عمود أو سياج حديديّ: "أنا ربطت بسكليتي بالعمود بالليل والصبح ملقيتش غير البدّانية (بتشديد الدال- والأغلب أنها تحريف لكلمة "بدن"، أي جسد الدراجة من دون المقود والدولابين وباقي العدة). نظرتُ إلى بدّانية دراجتي. لم أتراجع، قلت: "وهاد الجنزير شوف ما أخملو، من عند شْلون، والقفل اتطلع ما أكبرو".

لم يُجدِ الأمر، عاجلني الجميع بالقول: "أيّا قفل خيا؟.. قال قفل!"

عدتُ فورًا إلى نظرية الحسد، فرأيت جميع الجالسين فجأة مثل الروبي: مع عينين زرقاوين وأسنان مفروقة. يا إلهي، كيف سأحمي دراجتي الجديدة؟ باغتني الهمّ فجأة، فانهممتُ. أخذت دراجتي وانسحبتُ بهدوء نحو البيت. قرب العمارة توقفتْ سيارة جاري أبو وردة ومعه العائلة، فباركوا لي بالدرّاجة ثم بدأ أبو وردة مونولوجًا عنيدًا حول الدراجتين اللتين سُرقتا منه، ثم صاح ابنه الصغير من المقعد الخلفي: "تحطش البسكليت على الفوتة! تحطش البسكليت على الفوتة!" وعلامات الحرقة في صوته المتهدّج...

تعسًا للعالم! أدخلتُ الدراجة في المصعد بعد أن رفعتُ الدولاب الأمامي نحو سقف المصعد كي تدخل الدراجة بالقوة. ربطتها إلى الدرابزين الحديديّ في الدرج المحاذي لشقتي في الطابق الرابع، بجنزيرين وقفلين، ثم نظرت حولي متأملا مطلع الدرج: أين يمكنني أن أنصب كاميرات مراقبة في هذا المكان؟..

أنا أكتب الآن هذه المداخلة ولم يمضِ على ربط دراجتي إلى الدرابزين أكثر من ساعة. يجب أن أخرج لتفقدها... ثانية فقط... ما زالت في مكانها. قد أنجح بعد أيام في نقل عدوى حبي للدراجة إلى أم محمود، فتصير مهمة الحراسة أسهل: ساعة هي وساعة أنا. هكذا نحمي وسيلة نقلي الجديدة، الخفيفة، السريعة، الودودة للبيئة. سأقول لها إنها عملية في التنقل ويمكنني أن "أنطّ" إلى السّوق كلّ يوم للتبضّع وشراء الخضروات والسّمك وطهي أشهى المأكولات لسموّ غضبها. ستقتنع لا شكّ فهي تحبّ أنني أطهو الطعام وهي تفرّ البلاد كلّ يوم بسيارتنا (تها) المُكلفة الفرنسية. سأفعل هذا وستُحلّ مشكلة ورديات الحراسة لا شكّ وسأنتصر على الروبي وحسده الأزرق اللعين!

أستحلفكم بالله أن تنظروا إلى الصُور المرفقة بهذه المداخلة؛ أليست دراجتي جنسية ومثيرة؟!


الخميس، 27 نوفمبر 2008

بين رنين و"غنين": خفايا الخطاب البوست كولونيالي في الإيديولوجيا البوست بوست نيو صهيونية!


قبل أيام خرجت رنين (بولص) من برنامج "الأخ الكبير" الذي تبثه القناة الثانية الإسرائيلية. لم تخرج مظاهرات إلى الشوارع ولم تجتمع لجنة المتابعة في "واحة السلام"، مسقط رأس "غنين"، في اجتماع عاجل لبحث الموضوع، ولم يكتب أحد مقالا غاضبًا ولم تصلني أية رسالة بالبريد الإلكتروني تحتج وتعربد وتزبد. خرجت رنين ولم يحدث شيء.

هل هذا مؤشر على أنّ الأقلية العربية الصامدة في وطنها عافت هذه الخزعبلات؟ في كل سنة يبرز عربيّ في قناة ما، ويطلبون منا أن نعلق ونتحدث ونحلل: هل مشاركة عربي/ة في برنامج طبخ/ مسح/ رقص/ قيادة/ تفاهات على أنواعها هي بداية لمرحلة جديدة من "التعايش" و"التصالح" و"التناغش" بين العرب واليهود في البلاد؟

لم أشاهد أكثر من دقائق معدودة هنا وهناك من برنامج "الأخ الكبير"، أغلبها وأنا ألهث ملء رئتي على مسطح الجري في معهد اللياقة، وأنا أبحث عن شيء ما أشاهده وأنا أركض مقاوما كرشي بشراسة. ولكن الجميع من حولي يشاهدون البث المباشر من الفيلا، حيث يصورون كل شيء يحدث هناك عن لا شيء. هذا يتسفع في الشمس، وتلك تهمس لشخص ما، وذلك يحفر أنفه باصبعه وذاك يتجشأ. غريب. لماذا يتابع الناس هؤلاء الغريبين الذين يبحثون عن معنى لحيواتهم في عملية تصويت من سيبقى ومن سيخرج من هذه الفيلا، التي سيخرج الجميع منها في نهاية المطاف؟

في أحد مواقع المعجبين والمتابعين كتبت رنين عن نفسها أنها "أميرة عربية" (الكلمتان بالعبرية أجمل وأكثر جاذبية، بحكم الاستشراق، وبعض الاستغراب)؛ والحقيقة أنها تتصرف كأميرة (هكذا تعتقد)؛ ففي التقرير الذي أعدّوه عنها في موقع "كيشت"، تحدثت عن تجربتها وعن عودتها إلى البيت في "واحة السلام"، والحقيقة أنّ الزيف الذي يميزها طفح في السيارة التي كانت تجلس فيها، وأعتقد أنه تسبب ببعض الحوادث على طريق القدس-تل أبيب، بسبب لزوجته.

رنين تتحدث العبرية بالضبط كما يجب على العربي الراغب في الاندماج أن يتحدثها: بدلاعة، بزناخة، بالراء الملدوغة، بالعين المسلوخة، بالحاء المخموخة. عجيب، كيف يتقمص العربي الصورة التي بناها له الآخر، ويجهد من أجل تطبيقها بكل ما أوتي من قوة، فيصير "عبريًا" أكثر من العبرانيين، وكولا أكثر من الكوليين، وزنخا أكثر من الزنخين. كي تظهر على الشاشة الإسرائيلية في برنامج باهظ الريتينغ لا يمكنك أن تتحدث بالعين والحاء العربيتين، ولا يمكنك أن تتحدث بعبرية عربية، لا زناحة ولا دلاعة ولا صفاقة فيها.

رنين تمثل قطاعًا واسعًا من العرب الجدد في البلاد، ولتذهب جميع شعارات العروبة المعارضة لهذه المقولة إلى الجحيم. العربي الجديد، الأكاديمي (يعني اللي معو "بي أيه"، يعني أي واحد متوسط الذكاء بهالبلد)، الضالع في "السلانغ" الإسرائيلي (يعني التفاهات اللي بحكوها ولاد عمنا)، المتمكن من خفايا الخطاب البوست كولونيالي في الإيديولوجيا البوست بوست نيو صهيونية! مسخ غريب، لا يمكن فهمه إلا في سياق التشويه الذي نجحت إسرائيل في زرعه في الكثير منا، وفي اعتقادي الخاص جدًا (غير العلمي) أنهم يمثلون اليوم أغلبية "عرب إسرائيل".

رنين هي "عرب إسرائيل"، المختبئة وراء لغة ليست لغتها، وراء مجتمع ليس مجتمعها، وراء لقب "أميرة عربية". ماذا قصدت بأنها أميرة عربية؟ أعندها جَوارٍ وخصيان؟ هل يطبخون لها ويمسحون ويجلون وهل لها شعراء بلاط (وفورمايكا) يبجّلون حضرتها ليل نهار؟ أم أنها قصدت استيراد مفهوم "الأميرة" من قصص ألف ليلة وليلة لتلهب حماس أبناء عمنا كي يطلقوا صرختهم المفضلة (بعد صرخة: الموت للعرب): "واوووو!"

أي أنّ رنين "واو"، كلية النعمة، كاملة الأوصاف، ممتلئة وثارًا. أميرة بالنسب والحسب، وربما بالقوة، لا أعرف، ولكنها أميرة عربية تعرف من أين تؤكل الكتف، وتعرف كيف تكشف الكتف.

هي حرة في كل الأحوال، فلتظهر في أي برنامج تريد (وفي أية لقاءات صحافية بعده، وفي أية دعاية تجارية بعد أن أعلنت أنها اكتشفت موهبة عرض الأزياء في داخلها)؛ هذا من حقها، ومن حقنا أيضًا أن نتقيأ أمام ما تمثله وما تسعى لتمثيله، في دولة الخرى هذه.

تحيا رنين، تسقط رنين، "كبّارا" علينا جميعًا...


الجمعة، 7 نوفمبر 2008

على الطائر الميمون، بين فيينا وبرلين

كان من الغباء بمكان أن أشاهد فيلم "رحلة 93" قبل سفري بليلة واحدة، على الطائر الميمون إلى برلين. فالفيلم يروي قصة إحدى الطائرات الأربع التي تفجرت في أمريكا صباح 11 أيلول الدامي، وهي قصة الطائرة الرابعة التي تفجرت في منطقة ريفية بالقرب من واشنطن والتي كانت في طريقها إلى البيت الأبيض، بعد أن فجرت طائرتان أخريان التوأمين في نيويورك والثالثة هطلت على البنتاغون.

الفيلم يشدّ الأعصاب، ويروي القصة من مكانين ومنظورين فقط: مكتب مراقبة الطيران الأمريكية والطائرة نفسها، التي استعاد كاتبو الفيلم ما حدث خلالها من خلال المكالمات التي جرت من الطائرة إلى أقرباء المسافرين، بواسطة الهواتف الموجودة في الطائرة. القصة الأساسية التي ترشح من الفيلم هي قصة العجز المطلق الذي ميز ذلك اليوم، من خلال المباغتة التي ألحقها الخاطفون بالمؤسسة الأمريكية، حيث بدا واضحًا عجز وتبلبل المسؤولين عن تسيير الرحلات الجوية في معرفة أية الطائرات اختطفت وأيها لم يُختطف، وكانوا هناك، في المركز، يرون الطائرات أثناء تحطمها في نيويورك والبنتاغون.

لم يكن ذكيًا بالمرة أن أشاهد هذا الفيلم قبل عدة ساعات من ركوبي للطائرة متوجهًا إلى برلين، وطوال مدة الرحلتين، من تل أبيب إلى فيينا ومن فيينا إلى برلين، كنت أنتظر اللحظة التي سيقوم فيها أحدهم ويصرخ وهو يكشف عن علبة بلاستيكية مربوطة إلى خاصرته مع بعض الأسلاك: "قنبلة! قنبلة!".

ولكن أحدًا لم يقف ويصرخ، وكنتُ أنا الوحيد الذي دخل الطائرة متأخرًا، لاهثًا، متعرقًا، يستقبل نظرات الجميع المستائين، الذين كانوا ينتظرون حضوري كي تقلع الطائرة.

"سيمياكي" حتى الموت!
والقصة أنني تبضعت قليلا في الديوتي فري في تل أبيب، وهي فرصة كي يشتري المرء قليلا من العطر والسجائر والكحول بأسعار لا تقصم الظهر، بل تحنيه بعض الشيء. إلى الطائرة أخذت معي قنينة العطر المعلبة التي اشتريتها بتوصية حارة من الرفيقة أم محمود، التي استعانت بجملة غير مهذبة تدور بين نساء القوم الصامدات في الوطن، تشير إلى فاعلية وجاذبية هذا النوع من العطور، في تأثيرها الكبير على النساء وجذبهن إلى الرجال ("سيمياكي"- لمن يهمّه الأمر). طبعًا، أم محمود أوضحت في نصها الخبيء (السَّبْ تِكْسْت) أنّ هذه المحفزات الإنجذابية لها وحدها، وأنا قبلتُ هذا التوضيح من دون نقاش خوفًا من اندلاع معركة ملتهبة ستفتح فيها لا شكّ تفاصيل تاريخي "العلاقاتيّ"، مع ما يرافقه هذا الفتح من شتائم وتشهير وقذف بالنساء اللواتي احتملنني مرة قبل أن أتعمد بمياه الزواج المقدسة.

حملت علبة "السيمياكي" وعلب السجائر العشر وقناني الويسكي الصغيرة التي أدحشها في محفظتي في غربتي الأوروبية، كي أطفئ بها، من ساعة إلى أخرى، لهيب الشوق إلى الأراضي المقدسة (لعنها الله من قدسية). قبل الإقلاع رششت القليل من العطر، لأتعرف على سرّ الرجولة المعلب في قنينة غريبة سعرها لا زال حتى هذه اللحظة يمدّ لي لسانه.

حطت الطائرة في فيينا بسلام، وأنا أتلو ما تيسر من مزامير وابتهالات وأدعية. عند وصولي إلى الفحص الأمني قبل دخول الطائرة قالت الموظفة النمساوية بألمانية عسيرة إنّ علبة العطر التي معي حجمها 125 مليلتر، وحسب القوانين الأوروبية يُسمح لي بالصعود إلى الطائرة مع علب تحوي سوائل لا يزيد حجمها عن 100 مليلتر. قصة مبدأ. لم أكن بحاجة إلى معرفة الألمانية كي أفهم الأرقام التي صفعتني وهي تشير بسبباتها العذبة نحو الرقم المطبوع على أسفل القنينة، ولكنني، وكما أفعل دائمًا في مثل هذه المواقف، ارتديت قناع البلاهة، وجنّدتُ نظرة الفلسطينيّ المعذّب في الأرض والذي سيبكي للتوّ، وسألتها ببراءة ابن أخي عمري، ابن السنة والشهر الواحد:

"excuse me?"

كانت إنجليزيتها مثل فرنسوياتي، ولكنني استمريتُ بالبلاهة المصطنعة، وشرحتُ لها بإنجليزيتي "العَرَفاتية":

"I just bought it. Very nice."

لم تهتم النمساوية العنيدة وشرحت لي مجددًا عن القوانين الأوروبية الجديدة التي تمنع اصطحاب سوائل إلى الطائرات إلا إذا شُريت وخُتمت بالشمع الأحمر في إحدى دول الاتحاد الأوروبي. الحلّ الوحيد الذي اقترحته هو إلقاء قنينة العطر في سلة المهملات الكبيرة التي وقفت خلفها، سوداء، بلاستيكية، مغلقة، تحوي لا شكّ عشرات قناني العطر والكحول التي سيتقاسمها هؤلاء النمساويون الاستعماريون في نهاية اليوم، فكبرتْ في رأسي، وصرختُ في نفسي المعذبة: "علينا يا مندلينا"؟؟! ثم ترجمتُ لها ما قلته لنفسي فورًا:

"Can I see the manager please?"

عندما أحسّ باقي رجال الأمن الشقر باحتدام المعركة، تحرجموا حوالينا بفضول، فأدركتُ أنني بتّ في قلب معركة ضارية مع الاستعمار اللعين، فاستجمعتُ ما تبقى ما شجاعتي المهزوزة، وتذكّرتُ ما قاله جدي عنترة العبسيّ في ساحة الوغى، حين تخيلتُ وجه أم محمود وهي تسمع خبرية فقدان عطرها المفضل في أوروبا الاستعمارية:

إذا قنعَ الفتى بذميمِ عيشِ / وَكانَ وَراءَ سَجْفٍ كالبَنات
وَلمْ يَهْجُمْ على أُسْدِ المنَايا / وَلمْ يَطْعَنْ صُدُورَ الصَّافِنات
ولم يقرِ الضيوفَ إذا أتوهُ / وَلَمْ يُرْوِ السُّيُوفَ منَ الكُماة ِ
ولمْ يبلغْ بضربِ الهامِ مجداً / ولمْ يكُ صابراً في النائباتِ
فَقُلْ للنَّاعياتِ إذا بكَتهُ / أَلا فاقْصِرْنَ نَدْبَ النَّادِباتِ
ولا تندبنَ إلاَّ ليثَ غابٍ / شُجاعاً في الحُروبِ الثَّائِراتِ
دَعوني في القتال أمُت عزيزاً / فَموْتُ العِزِّ خَيرٌ من حَياتي

لم أكن أتوقع صراحة أن يكون "المدير" امرأة غاية في الدماثة واللطافة، كلمتني بأدب جمّ امتصّ جامّ غضبي، فتراجعتُ عن السّيوف والدّفوف، وعدتُ إلى استراتيجية الفلسطينيّ المعذب، وقررت أن أفتح لها قلبي، فانبريتُ بحماسة:

"I just bought it here… My wife loves this so much."

كانت هذه استراتيجية مزدوجة: أن أجعلها تشعر بتأنيب الضمير لأنها ستجبرني على التنازل عن عطر اشتريته للتوّ، فأنا عدتُ بالفائدة الاقتصادية على بلدها (مع أنني اشتريتُ العطر في تل أبيب- ولكن الكذب في هذه الحالة أكثر بياضًا من شعر جون ميكين)؛ وثانيًا: أنها ستتعاطف معي بسبب البعد الرومانسي الواضح في قصتي، ولا شكّ أنها ستتعاطف مع هذا الرجل الشرقيّ المُستميت من أجل إرضاء ذوق زوجته، وستتذكر لا شكّ جميع المرات التي اشترى فيها زوجها هدايا لها تحبها أو أنه اشترى العطر الذي تحبه، كي تحبه أكثر، فأجابتني:

"Please sir, you can't get to the plane with this. This is final!"

أسقط في يدي! لم أحتمل الصدمة، فأمعنت النظر في علبة العطر الجديدة. ثم اكتشفتُ أنّ جميع الحراس، وبضمنهم المديرة، ينظرون إليّ صامتين، فقلتُ: "ولعت"، فأمعنتُ النظر أكثر، حتى سمعت المديرة تقول بحنية:

"You can send it by the post to your self."

نظرتُ إلى عينيها مليًّا. لمحتُ فيهما بارقة أمل، فأعجبتُ بالفكرة، وأشارت لي نحو مكتب البريد في المطار، فانطلقتُ وأنا أسمعها تناديني:

"don’t be late! You have couple of minutes…"

وجدتُ نفسي أعدو نصف عدو، فالتجارب علمتنا أنّ منظر عربي يركض في مطار هو مشهد يمكن أن يثير بعض البلبة التي قد تؤدي إلى قضاء ليلتي في قبو مظلم. بعد لهاث وصلت مكتب البريد الذي كان مغلقًا طبعًا، حيث كانت الساعة الثامنة وعشر دقائق مساءً. وقفت وأنا ألهث وأتعرّق، ونظرت حولي. كانت مقابلي دكان "ديوتي فري"، ويبدو أنهم كانوا ينوون إغلاق الدكان، حيث رأيت موظفة تسحب بوابة حديدية كبيرة في إحدى زوايا الدكان. من دون تفكير وجدت نفسي واقفا أمام النمساوي الفارع وأطلب منه أن يلف قنينة العطر بكيس أمنيّ محكم الإغلاق، كما تتطلب الأوامر. وهنا كذبت كذبة بيضاء أخرى:

"I bought this here 2 hours ago."

"No problem sir. Can I see the receipt?"

بلّمتُ تبليمة لعينة، ثم قلتُ له إنني أضعتُ الوصل، فتبرّم، فألححتُ، فتبرّم، فأصرّيتُ، فنادى على المديرة، فجاءتْ، فاستعدتُ، فأصرّتْ، فاستزدتُ، فكشّرتْ، فذهبتُ.

"Den shtraykhen fakhs?"
كان عقرب الساعة يشير إلى الثامنة والربع مساءً، وكانت هذه دقيقة انطلاق الطائرة المفترضة، التي "هيك هيك" تأخرت ساعة كاملة، وكنتُ على مبعد خمس دقائق من العدو واللهاث، فعضضتُ بأسناني على دشداشي وبدأتُ السّعي، فسعيتُ.
من بعيد رأيتُ مدخل البوابة رقم "سي 53"، البوابة المفضية إلى شتاء برلين، وهو يُغلق، وبدأت للتوّ أحسب ما في جيبي من يوروهات، وإذا ما كانت تكفي للمبيت ليلة طويلة في فندق تساقطت نجومه منذ زمن.

حين وصلتُ البوابة كانت المديرة، غير الرومانسية، تلمّ أغراضها فقرعت الباب، فاستدارت، فرأتني لاهثا متعرقا، أستجير برمضائها، فلانت وفتحت الباب. كنتُ أحمل علبة العطر الموءودة، فناولتها إياها، فلمحت الاستفسار في عينيها، فقلت صاغرًا:

"The post office was closed."

"Yes. I'm sorry. I forgot the time."

رافقتني في الممرّ الطويل المفضي إلى حضن الطائرة. كان باب الطائرة يُغلق ببثّ حيّ ومباشر، فرطنتْ بألمانية مخيفة أعادت إلى بالي جميع أفلام هوليوود عن النازية (وبعض أفلام البورنو الألمانية التي ترعرعنا عليها في قريتنا الوادعة)، ففتح سمسم البابَ. دخلتُ الطائرة لاهثا ومتعرقا. كان الجميع ينظرون إلى هذا الدخيل الشرقيّ، يحمل محفظته اللابتوبية ويبحث عن مقعده بخوف، وخلتهم سيصرخون على المديرة:

"akhsen fakhsen enten awkh!!"

حين أقلعت الطائرة نظرت عبر الشباك. كان المطر ينهمر ببطء رومانسي، وكنتُ أفكر في حال قنينة العطر السيمياكية-الشبقية، وخلت المديرة غير الرومانسية سترتدي الليلة البيبي دول الزهري الذي اشترته قبل 10 سنوات، وسترش نصف القنينة على زوجها المتشائل من هذه المفاجأة. للحظة شعرتُ ببعض الراحة والسرور بأنّ قنينة عطري النازحة ستبعث الدفء في فراش عاشقين عاطلين عن العمل، ونظرت بابتسام إلى الرجل الضخم الذي جلس إلى جانبي، يرفع يده الكبيرة صوب الأعلى ويضيء الإنارة فوقنا، فغزتني رائحة عرقه الحادة فانكفأت على وجهي وحبست أنفاسي.

كانت هذه لحظة مؤلمة في تاريخ العلاقات الفلسطينية-الألمانية، ولم أعرف ما كان عليّ فعله، حين سألني مبتسمًا بثقة:

"Den shtraykhen fakhs?"

الجمعة، 31 أكتوبر 2008

لا تصالح!

ليس بوسعي الإشارةُ إلى اللحظة الحاسمة، الدقيقة، التي تحوّل فيها شراء طاولةٍ للمطبخ مع 4 كراسٍ إلى حلم يحتلّ سلم أولوياتي في هذه الأيام، إلى جانب هبة عكا الأخيرة والتصريح الأخير لغالب مجادلة، الوزير "المسلم" الأول في دولة اليهود، بأنه توجد عنصرية في إسرائيل! ولكنّ أم محمود، الحاكمة بأمر اللات والعُزة، تعاملتْ مع الفكرة من منطلق صِداميّ (طبعًا): "أنتَ تريد إخراجي من غرفة العمل في الشقة والإلقاء بي في المطبخ كي تخلو الغرفة لك"- ردّدَتْ بعد أربع ثوان من شرح حلمي الجديد لها، حلم الشعوب الثائرة، في الأقطار الهادرة.

لم أكن قررتُ بعدَ إستراتيجيتي التي يجب اتباعها بعد مثل هذه الجملة، لأنني توقعتُ أنها ستأتي بعد 24 ساعة على الأقل، حين تفتضح نواياي الحقيقية، حيث كنت أعتقد (يا للسّذاجة) أنها ستنعجق وتنهرق وتنزلق في المنحدر الزّلق الذي نصبتُه لها: فمنذ أول يوم من زواجنا (قبل أربع سنوات و22 يومًا وبعض الفتات) لم أقترح عليها يومًا شراء أية قطعة أثاث، بل كنتُ على العكس أناصب العداء لأية فكرة تطرحها (مرة في الأسبوع) لشراء قطعة أثاث جديدة، بالحجّة المقنعة جدًا لأيّ رجل سَويّ: نحن نسكن بالإيجار وعندما يفتحها المولى علينا وعلى عباده الصالحين سنشتري بيتًا وسنؤثثه بما لذّ وطاب من أطايب "إيكيا"، كرم الله وجهها.

ما يهمّني ويهمّ جماهير شعبنا الصامدة في هذا السياق هو تضعضع حلمي بشراء طاولة للمطبخ، خشبية، صغيرة، متواضعة، قبل هذه الأزمة الحارقة. فإم محمود عارضت بشدّةٍ فكرة أن نشتري شرشفًا بسيطًا لطاولة المطبخ البسيطة، حيث أنني ادّعيتُ (بكلّ المنطق) أنها تحتلّ زاوية حميمية خبيئة في مطبخنا الصغير، بعيدة عن واجهة البيت الرئيسية المغطاة بالشراشف والمخدات والبطانيات والعمامات، والمرايا والتكايا والثريات، الملونات والمزركشات، وانبرتْ هائجة: أنا بختار الشرشف! من خلال تجربتي العريقة معها علمتُ أنّ الشرشف الذي يليق بسعادة طاولة المطبخ العتيدة سيكلف نفس سعر الطاولة وكراسيها الأربع، والطامة الطامة إذا قررتْ شراء شرشفيْن، أحدهما احتياطيّ -وبنظرها لازم- لأنني أترك ورائي سيلا مُنهمرًا من البقع الزيتية وآثار الطبيخ الكثيرة على الشرشف والكرسي وبلوزتي (الأمر الذي يعود في نظرها إلى سببيْن لا ثالث لهما: أنني رجل وأنني فلاح).

وهكذا دبّ الذعرُ في حسابي البنكيّ الذي لم يتعافَ من تخطّيه لإطار "الرصيد الدّائن" (كريديت) إلا قبل يوميْن اثنيْن، ورأيتُ في خاطر روحي كيف يرتفع منسوب الدّيْن ثانية في حسابي السلبيّ الأزليّ، فبدت لي فكرة شراء الطاولة وكراسيها الأربع كابوسًا ثقيلا، أعتقد أنه جزء من مؤامرة صهيونية يحيكها المستوطنون اليهود في عكا، كجزء من مخطط تطهير عكا العربية من الطاولات المطبخية.

ولكنّ الأزمة تطوّرت إلى ما هو أبعد وأخطر على قضايا أمّتنا (لا بدّ من الاتصال بالرفيق عبد عنبتاوي، مدير لجنة المتابعة، لعقد اجتماع طارئ للّجنة في مطبخنا): فقد انقلب السّحر على السّاحر، وبادرت إم محمود إلى اقتراح أخطبوطيّ جديد، شبيهٍ بمخططاتها الدائمة المُحكَمة في السيطرة على منافذ الهواء والماء في حيّز حياتنا المشتركة (عذرًا على استخدام كلمة "حيّز"- أعرف أنه يغيظ بشكل خاص الرفيق أيمن عودة). فقد اقترحتْ، بمزيج من البراءة/ التّساذج/ الحسم/ التصميم/ الخباثة، يعرفه جميع الرجال المتزوّجون، بأن أنتقل أنا، حضرة جنابي، الكاتب المثير لشيوخ الحركات الإسلامية، إلى المطبخ كي أطبع إبداعاتي التاريخية في اللابتوب الديناصوريّ الأسود، بينما تحتلّ هي غرفة العمل في شقتنا المتواضعة، كي تدرس للّقب الثاني، كما يليق بمحامية لامعة مثلها.

كانت هذه ضربة بالحزام تحت الحزام، ووجدتُ نفسي أتقهقر من موقع المتآمر الذكيّ المتشاطر إلى موقع المُدافع عن آخر مراكزه المعتبرة في الشقة: غرفة العمل. فأيّ كاتب هذا لا يمون على غرفة عمله في بيته (خاصة أنه عاطل عن العمل)، مع العلم أنني لا أمون على شيء آخر، والعزاء طبعًا، بيني وبين نفسي وبين الأصدقاء المتزوّجين، أنني أمون على غرفة العمل، فهي لي، أي نعم لي!

وأذكر أنني كنتُ في الأيام الغابرة سيد غرفة العمل، أحتلّ جنباتها بكتبي وأوراقي وحاسوبي، أصول وأجول وأسرح، بلا حسيب ولا رقيب، آمر وأنهي، أروح وأجيء، أجيء وأروح في مملكتي الخاصة، أكوّم الأوساخ فيها بلا حساب، أتجشأ متى أردت، أستريح من الغازات الباطنية كيفما رغبت. وبعد مضيّ ثلاث ساعات ونيّف من بدء حياتنا الزوجية فهمتُ أنني خسرت المعركة على البيت، بلا احتراب ولا قتال (تفو عالرجال!)، وهكذا لم تدُم الزبدة على (مؤخرات) العرب، ووجدتُ نفسي منذ سنوات أقاوم بكلّ ما أوتيت من قوة لخطط تغيير ترتيب المكتبات والكراسي في غرفة العمل، كي تلائم جلوسي وجلوس الأخوة الأعداء في تعايش مُثير لفخر رئيس الدولة، شمعون بيرس، الذي يعمل على دوراسيل. صحيح أنّ خطة تغيير ترتيب الغرفة كانت منطقية، حسبما اقترحت مارغريت تاتشر العكّية، وأنها ستوفر جوًا مُريحًا للاثنين للعمل فيها، إلا أنني حاربتُها بضراوة (نسبية، طبعًا نسبية)، وصرتُ لحوالي الشهريْن كالذي قال عنه المثل العربي العريق: "الجقارة بطيزي، بشخّ بلباسي".

ولكنّ الحتمية التاريخية فعلت فعلها (يتسخّم ماركس!)، ووجدتُ نفسي أتأقلم مع اقتراحات "التصميم الداخلي" الجديدة وأرضخ لها صاغرًا (كأننا نحن الرجال بهائم لا نفهم بالتصميم الداخلي، فنتصاغر دومًا أمام نظرات النساء التي تدبّ في أجسادنا شعورًا بالنقص لا يُمّحى: "كيف بدك حبيبتي"). فصرتُ، أنا وطاولتي وأوراقي وحاسوبي وطابعتي، عبئًا على الغرفة، يثير تأفف بلقيس، ملكة ساحة عرفة، في دخولها وخروجها من الغرفة، والعار العار إذا اكتشفتْ أنني لا أعيد كتابًا إلى مكانه أو لا أعيد كوب القهوة بعد الانتهاء من شرب قهوتي الفلترية إلى المطبخ وأجليه في أكثر من 60 ثانية (الآن، استعداد: إنطلق!).

وهكذا وجدتُ نفسي، مؤخرًا، جالسًا إلى طاولة الصالة الكبيرة (المتهالكة)، داحشًا نفسي بين حائط الصالة وبين الطاولة المطروحة في الممرّ المُتاح بين مدخل الشقة وطقم الصالون الأسود، مُحتضنًا حاسوبيَ النقال بقوّة كي لا يقع على الأرض إذا أتيتُ بحركة مفاجئة تسحب كابله الكهربائيّ الملفوف حول كرسيّ بسبب ضيق المساحة. وقد اسودّت الدنيا في عيني حين خطر في بالي خاطر طارئ: هنا سأقضي ما تبقى من حياتي، مدحوشًا في هذه الفسحة، وسيجدونني ميتًا بعد حين، قرب طاولة الصالة الكبيرة، وقد التفّ كابل الكهرباء الحاسوبيّ حول رقبتي وأنا عالق في الهواء بين الطاولة والأرض، وسبابتي تشير بعنفوان عنيف نحو صورة "كليوبترا الأسوار"، في خطاب صامت عرمرم سيُعَنونه لا شكّ الصديق فراس خطيب في الكتيّب الذي سيحرّره لذكرى أربعيني: "حليحل يتهم!" (وسيناقشه وائل واكيم، الصديق المصمم، ببرود راماوي قاتل: بنفعش العنوان كلمة وحده؟؟).

هكذا تحوّل الحلم إلى كابوس، وهكذا وجدتُ نفسي الليلة، محشورًا بين الطاولة والحائط في الصالة، أكتب حشرجات حلمي المتواضع بطاولة صغيرة حقيرة للمطبخ، ألقي بأم محمود وأوراقها عليها، بينما أعود سيدًا لغرفة العمل والكتابة، أجلس طيلة اليوم متصفّحًا لمواقع الإنترنت ومشغولا بالتشات والشتات، مُحمّلا ربّ الدنيا ألف "جميلة" بأنني أكتب رواية عصماء، فأرجوكم الصمت!

"لا تصالح!" وجدتُ نفسي أتمتم وأنا أصرخ على صورة أم محمود في الحاسوب؛ "لا تصالح"، إلا إذا قبلتْ بوضع طاولة المطبخ التي سأجلس إليها في الجهة المقابلة للثلاجة، واشترت شرشفًا لها بسعر رخيص. هذه هي شروطي، وإلا:

لا صلح؛

لا اعتراف؛

لا تفاوض!