الجمعة، 8 أغسطس 2008

أوروفوار مونبرناس

في تلك اللحظة خُيّل لي أنّ باريس عربية؛ فالطاولة التي كنا نجلس إليها جمعت ثلاثة فلسطينيين (سهى من الناصرة، رائد من بيت لحم وأنا)، ثلاثة تونسيين (صالح وتوفيق والثالث نسيت اسمه) ومصرية (عزيزة). جميعهم يعملون في قناة "فرنسا 24" التي تبث باللغة العربية كقناة دولية. أضِف إلى ذلك أنّ أحدهم سكر سكرة شريرة وصار يخربط ويلبط في مقهى شيك في المونبرناس، ما غيرها، حتى خُيّل إليّ أننا في أحد مقاهي شارع أبي النواس في حيفا أو في "السُّوك" في الناصرة. إلا أنّ سكرة الفرنسيين تظلّ أخفّ ظلاً وأقلّ وطأةً وعدد الجرحى يقترب من الصفر (يا للعار)، لأنّ السكران كان يبرطم بالبونابرتية ويلوّح بقبضته في الهواء من دون أيّ فعل حقيقي يمنحه لقب "رجل" أو حتى "غُلام". والظريف الأظرف أنّ النادليْن اللذيْن كانا مسؤوليْن عن "الاعتناء به" كانا من فينة لأخرى يمسكانه كي لا يقع على الأرض وهو يتفتف ويتوعّد، بلغة رومانسية عذبة رغرغت لها عيناي.

ولولا كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي حول رحلته إلى فرنسا العام 1826، لكنتُ أسهبتُ في الجغرافيا والطوبوغرافيا وخفايا البورنوغرافيا في متحف الجنس الباريسيّ الشهير. ولكنّ الذين سبقونا كتبوا ولخّصوا، فتبقى لنا أن نتأمل ونتحسّر ونردّد ما ردّده الشاعر الفرنسي بودلير على ضفاف السّين:

"إنّ ذلك الذي ينظر من الخارج عبر نافذة مفتوحة، لا يرى مطلقا كثيرًا من الأشياء، كذلك الذي ينظر إلى نافذة مغلقة: فلا يوجد شيء أكثر عُمقًا وأكثر غموضًا، وأكثر خصوبة، وأشدّ عتمة، وأكثر إشراقا من نافذة مضاءة بشمعة. ذلك أنّ ما يستطيع الإنسان رؤيته في الشمس يعدّ أقلّ إثارة للاهتمام دائمًا من ذلك الذي يحدث خلف الزجاج؛ ففي هذه الفتحة السوداء أو المضيئة تحيا الحياة، تحلم الحياة، تقاسي الحياة."

هذا ما ردّدته لنفسي وأنا أدخل غرفة الفندق الصغيرة لأوّل مرة. وفي مقارنة سريعة كان يمكنني بسهولة أن أتبيّن أنّ مساحة هذه الغرفة لا تزيد بكثير عن "الطشت" العصري الكبير والمُرصّع بالكريمات الذي يستحمّ فيه جلالة الطفل عُمري بن عنان بن محمود آل حليحل، ابن أخي. ولكنّ العزاء يظلّ في الأبعاد الفلسفية أعلاه التي ثبّتها بودلير، إلى جانب التسامح الكبير الذي يجب أن تبديه كزائر لباريس: الملايين الملايين تريد زيارة باريس ولذلك قرّر الباريسيّون تصغير الغرف في الفنادق (الرخيصة) كي يتّسع كلّ فندق لأكبر عدد من الزائرين، فتنشرح الأفئدة وتنفتح المفاتح ("ولا مؤاخزة"- كما تقول عزيزة).

تل أبيب-باريس
أعتقد أنّ الميترو، أيّ ميترو في العالم، هو أكثر الدلائل سطوعًا على التحضّر والتحدّث (معذرة على التسطيح). فإلى جانب التيسير والتسهيل الكامنيْن في نقل عصب المواصلات الرئيس إلى ما تحت الأرض، فإنّ فكرة نقل عملية الانتقال من مرمى البصر إلى ما تحته، يضفي على العالم الفوقيّ قيمة لا يُستهان بها من الطمأنينة بأنّ جميع الذين فوق يمارسون الآن الحياة نفسها، وليس الانتقال من قطعة حياة إلى أخرى، كما يفعل الذين تحت. أهو السبب في الاسترخاء اللانهائي الذي ينتابك (والجميع) على دكك المقاهي الصغيرة المدورة (إذا تجاهلنا ليتري النبيذ اللذين شربتهما خلال ساعتين)؟

ولكنّ باريس تقترب من تل أبيب، حيث أنّ عملية إيجاد شقة لغريب فيها صارت مهمة صعبة محفوفة بالإذلال والمهانة. فكراهية الأغراب (عربًا أم غير عرب) بدأت تتغلغل في النخاع الشوكيّ لدى "رومانسيي الأرض اتحدوا"، والقصص عن عمليات التحايل والتهرب والرفض غير الصريح التي تنهال عليك هنا، تذكرك بالقصص التي يتناقلها أجدادنا وأعمامنا وأصدقاؤنا عن الصعوبة الكبيرة في أن يجد عربي مكانًا للسّكن في تل أبيب "الليبرالية الأوروبية".

وفي الناس المسرّة
ليلة الأربعاء-الخميس كان عيد ميلاد الروائية اللبنانية هدى بركات. ستة أشخاص متحرجمون حول ثلاث طاولات باريسية صغيرة (لماذا بهذا الصغر؟ فش خشب بفرنسا؟؟)، يتناولون شرائح اللحم والإوز والنبيذ والجعة ويحاولون الربط بين الجليل ولبنان، ومعرفة ما إذا كان عرق فلسطين يضاهي عرق لبنان أم لا. اسمه مقهى "الفلاسفة" ونحن أخذنا الموضوع بجدية كبيرة، فانهارت التنظيرات والتطريزات، يمينًا فيسارًا. لا يعقل أن تجلس في مقهى باريسيّ مع اسم مُلزم كهذا ولا تمسك شلّ سارتر وابن رشد، مرورًا بالشيخ الأكبر وانتهاءً بأسعار الوقود وعلاقتها بأزمة الفول في مصر.

في باريس يطيب الكلام وتشعر بأنك إنسان عاديّ، يسهر بمرح ولا يحسب حساب الغد، مثل باقي البشر. باريس، ميرسي كتير لألله.

الجمعة، 1 أغسطس 2008

بالجمال وحده؟

عرضت القناة الثامنة الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، الفيلم الوثائقيّ "ليدي كل العرب"، من إخراج ابتسام مراعنة. الفيلم يروي قصة الفتاة العربية الدرزية دعاء فارس (تسمّي نفسها أنجلينا، تيمّنًا بأنجلينا جولي) التي نافست على لقب ملكة جمال "كل العرب"، ثم تسجّلت في نفس الوقت للمنافسة على ملكة جمال إسرائيل. وعندما أعلمها القيّمون على المسابقة الثانية أنها يجب أن تختار بين المسابقتين (فلا يصح أن تكون ملكة جمال كل العرب وإسرائيل في نفس الوقت) وصل الفيلم ذروته الأولى، في طرحه لصراع الهوية في الدولة لدى العرب.

الذروة الثانية في الفيلم كانت عند ذهابها مع والدتها إلى بيت الشيخ موفق طريف لطلب المغفرة من "الطائفة" بأنها تجرأت على الترشح لمنصب ملكة جمال إسرائيل وإهانة "مشاعر" أبناء الطائفة. فترشحها هذا خلق جوًّا عاصفًا من الرفض تجلّى في قمّته في القبض على عمها واثنين آخرين خططا لقتلها لمحو العار.

القويّ في هذا الفيلم هو عدم إعلان وصاية على القصة، عدم إطلاق أحكام أخلاقية على قضية الترشح لملكات الجمال من جهة، وعلى الترشح لمسابقة دولة إسرائيل (من عربية درزية) من جهة أخرى. مراعنة روت القصة بحكمة وبهدوء، وتركت المجال لأبطالها كي يرووها بلغتهم، بمشاعرهم، بدوافعهم وأحلامهم. هذا قرار فني هام جدًا أعتقد أنّ مراعنة راهنت عليه صوابًا، رغم أنّ الفيلم في مجمله لم يطرح غنًى توثيقيًا تجاوز التقرير الصحافيّ.

في المقابل يبقيك الفيلم بتساؤل كبير: هل أنا مع دعاء فارس؟ هل المعركة على تحرر المرأة والإنطلاق بحريتها وأحلامها يتمّان عن طريق مسابقة لملكة جمال، تفعل فعل القمع والتخلف المضاد، فتضع المرأة مجددًا في سوق اللحمة والأفخاذ والأوراك؟ من جهة تتضامن مع هذه الفتاة الحالمة الشجاعة، ومن جهة أخرى يزداد احتقارك لمثل هذه المسابقات، لدرجة تجعلك تتمتم في نهاية الفيلم: شو بدك بهالشغلة؟

ملك اليهود
قرر رئيس الوزراء إيهود أولمرت، أخيرًا، أن يعلن انسحابه من الحلبة السياسة، مساء أمس الأول الأربعاء، وها هي دولة إسرائيل تدخل في معمعان سياسي جديد. في نفس الليلة، وفي نفس نشرة الأخبار، بُثّ تقرير عن قتل الطفل محمد موسى (9 سنوات) برصاص جلاوزة "حرس الحدود" في قرية نعلين التي تتظاهر مُستميتة على حماية أراضيها من وحش الجدار الفاصل العنصريّ، وقبلها بأسبوع شاهدنا إطلاق النار بدم بارد على فلسطينيّ متظاهر أعزل وهو مربط وواقف بين قائد الكتيبة وجندي فيها.

في دولة ديمقراطية حقيقية كان يجب أن يقف أولمرت ويعلن استقالته على هذين الأمرين اللذين يجسدان ببساطة عمق الأزمة الأخلاقية التي ألمّت بدولة اليهود، والمخيف حقًا، أنّ الأزمة في بدايتها، ليس إلا. على أولمرت وحكومته أن يذهبا إلى البيت جراء جرائم الإحتلال الفاشية، وليس لأنه دحش في جيبه بضعة آلاف من الدولارات. لست أخاف على نقاوة الحكم في إسرائيل بقدر ما أخاف على أخوتي العزل المتظاهرين مقابل أشرس الجنود وأعتاهم في العصر الحديث. أولمرت إلى البيت، فداءً لدم محمد موسى.

نزار قباني مجددًا
نشرت صحيفة "الحياة" اللندنية، هذا الأسبوع، قصائد وكتابات للشاعر المتوفى نزار قباني، لم تنشر من قبل. وهذه فرصة جديدة للتوقف مجددًا عند هذا الشاعر، الذي اخترق جميع الحواجز ومنحنا مراهقة جميلة وغنية بالحبّ العذريّ والحسّيّ، بمفردات العشق الضرورية لبناء تواصل مشاعريّ وجسدي مع من أحببنا.

تلك كانت فترة الغليان وقباني كان بركان الحمم. والآن، في قراءة جديده، تعود ذكريات المراهقة ومحاولات كتابة الأشعار (الفاشلة) بالأسلوب النزاريّ. لا زلت أذكر حتى اليوم حين وقفت المعلمة ليلى، معلمة العربية في الصف العاشر في ثانوية فم الذهب في الجش، وقرأت قصيدة لي كتبتها بوحي دواوين نزار، يقول مطلعها: "إليّ بعد طول الغيبة أكتبي/ قد تنازلت عن كبريائي فلا تعجبي/ قد ظننت أني الأمير في الهوى، فأيقنت أنني عاشق معجب".

أعتقد أنني أذكر هذه القصيدة لأنها –بنظري وبنظر قرائي الثلاثة آنذاك- أفضل ما كتبتُ من الأشعار. وإذا كانت هذه أفضل ما كتبت من الأشعار، فتصوروا لو أنني استمريت في درب نزار. أعتقد أنه كان سينتحر قبل أوانه بكثير!

والختام له من جديده:

الشِعرُ غادرني
فلا بحرٌ بسيطٌ... أو خفيفٌ... أو طويلُ...
والحب غادرني
فلا قمرٌ...
ولا وترٌ...
ولا ظِلُّ ظليلُ...

مسرحيد 2008: مفاجأتان في مهرجان واحد

جاءت المفاجأة هذه السنة في مهرجان "مسرحيد" من وجهيْن جديديْن على المشهد المسرحي المحليّ: رشا جهشان والفتى محمد زيدان. الأولى أدّت عرض "أصوات من هنا" (ولا أقول مسرحية) وزيدان الذي أدّى دور أخ يغار من أخيه الأكبر، محبوب القرية وأمه.


قدمت جهشان عرضًا كان أبرز ما فيه الحركة والرقص، ولكنّ أجرأ ما فيه وعي جهشان لمقدراتها الجسدية، لتركيبة جسدها الأنثوي، وهي لم تقع في نفس الوقت في مطب الإغراء الرخيص. فتسخيرها لجسدها (الراقص، الحالم، المتحرك، الرافض) جاء مثاليًا في مقاطع كثيرة، ومن خلال 15 عامًا من مشاهداتي المسرحية لم يسبق أن رأيت ممثلا أو ممثلة فلسطينيا قدّم مثل هذا العرض الصاخب، المثير للّهفة والمثير للحرج والمثير للغيظ (عند البعض) في نفس الوقت. استطاعت جهشان أن "تشتري" الجمهور (الذي كان في أغلبه من طلاب الثانويات، وأهل المسرح يعرفون مدى صعوبة إرضاء مثل هذه الشريحة)، فهي لا تخافهم، تبحث عن نفسها بينهم، وهذا يشعل لها السيجارة وذاك يجعلها تلقي برأسها على كتفه باكية.


وإلى جانب هذه الفرجة المسرحية والأدائية الخلابة، برز بفظاظة وغلاظة ضعف النص الذي كان يصدر عنها من مرة إلى أخرى، فلا هو نجح في بناء ولو طرف قصة أو حكاية، ولا هو نجح في التباري مع تجريدية الرقص والحركة، فظلّ في النصف عالقا، خصوصًا أنّ كلّ جملة كانت تطلقها بالعربية تلحقها جملة ترجمة بالعبرية فورًا، وأحيانًا كان ينشأ حوار بينها وبين المترجم، مما كان يطرح سؤالا مُلحًا أكثر من مرة: هل هذه مونودراما حقا؟


بالمقابل، أحضر الفنان المسرحي المخضرم محمود قدح (من أفضل الممثلين في البلاد، برأيي وبرأي الكثيرين من أهل المسرح) نتاج تجربته كفنان اختار أن يتمركز في قريته وأن يعمل مع مواهبها المحلية في المركز البلدي الذي يديره. فمسرحية "إشي بحزن العادي"، التي كتبها وأخرجها قدح، أعطت الفرصة للفتى الناشئ محمد زيدان بأن يكشف عن موهبة فذة ورائعة، غير عادية ونادرة. فهذا الفتى ما زال طالبًا في المدرسة، إلا أنه استطاع أن يحمل الجمهور على كتفيه لخمسين دقيقة كاملة، روى فيها قصة غيرة من أخ لأخيه الأكبر، وهي القصة التي تناصّت مع قصة قابيل وهابيل في النهاية.


زيدان ممثل ناشئ سيكون له شأن، مرح، مليء بالطاقة والثقة، دراميّ عند الحاجة وأحيانا ميلودرامي، ولكنه في جميع حالاته مسرحي متميز وآسر. أحد القيمين على المهرجان قال لي "بيناتنا"، بعد أن سألته لماذا لم تدخل هذه المسرحية في المسابقة الرسمية: "أغرش، بدك يوخد الجائزة وتخرب الدنيا"؟ أعتقد أنّ الدنيا خربت لأنه لم يأخذ الجائزة.


وعوْد على ملاحظة سأكرّرها، مثل السنوات السابقة: لن يحقق "مسرحيد" المستوى المهني المرجوّ منه في الإطار القائم، بمجهود القيّمين عليه وخصوصًا جهد مديره الفني أسامة مصري الذي يبدي إخلاصًا منقطع النظير لهذا المهرجان وعلى هذا يجب أن يُشكر مرارًا. يجب خلق إطار عمل من أشهر طويلة تُفتح فيها النصوص المشاركة في ورشات مع مهنيين ومختصين لبلورتها مهنيًا ودراميًا، وهذا الضعف ميّز جميع الأعمال المشاركة، هذه السنة أيضًا.



السبت، 26 يوليو 2008

مطلــوب متظاهــرون؟

ها هو وزير الثقافة الإسرائيلي، غالب مجادلة، يفتتح مهرجانا مسرحيا آخر (مهرجان "مسرحيد" في عكا)، كما افتتح وسيفتتح مهرجانات وعروضًا ثقافية تجري في المجتمع العربي عندنا، بصفته وزيرًا مسؤولا (للأسف) عن هذه النشاطات.

ما يثير الخيبة والضحك من شرّ البلية أنّ عددًا من الذين تظاهروا ضد حضور مجادلة لافتتاح مسرحية "حارق المعبد" في مسرح "الميدان" في حيفا، قبل عدة شهور، يشاركون في هذا المهرجان الذي يرعاه وسيفتتحه مجادله وزلمه في الدوائر الثقافية الإسرائيلية. يوجد ممثل مبتدئ شارك في المظاهرة إياها وها هو يشارك الآن في مهرجان سيأتي مجادلة لافتتاحه. هل سيتظاهر ضده ليلة الافتتاح؟ كيف يعمل الآن بنقود مجادلة وعكاكيزه من "مباي"؟ وأولئك من الفنانين المحمومين الذين استغلوا مبادئ وطنية كي يحتجّوا على مصلحة شخصية صرفة، هل سيأتون للتظاهر في عكا؟

هل اعتقدتم أنّ هذه قمة السخرية والعهر السياسي؟ كلا؛ فأحد العاملين في الصحافة المحلية تظاهر وقتها ضد عرض "حارق المعبد"، وبعد انتهاء المظاهرة وجده مدير المسرح جالسًا في الصف الأول لحضور المسرحية، تحت تبرير: "هاي لحال وهاي لحال"!

أعتقد أنّ جميع الذين تظاهروا وقتها لن يتظاهروا ضد مجادلة في "مسرحيد"، إما لأنهم يعملون الآن ومستفيدون، وإما أنّ لا مصلحة شخصية أو حزبية لهم كي يستغلوا المظاهرة لأجلها. هذه ليست ملاحظات مع "الميدان" أو غيره؛ هي ضد نهج مجادلة في تحويل أموال عامة من حقنا إلى منّة من مختار عربي يلبس بدلة وربطة وعنق، وهي أيضًا ضدّ النفاق والتزلف وعدم المبدئية والمثابرة عند بعض أهل ثقافتنا.

هذه التسجيلات هي متابعة ومراجعة ومساءلة يحق لنا طرحها (وسنعيد الكرة في كل مناسبة لوضع النقاط على الحروف) كما يحق لجميع من يودّ التظاهر أن يتظاهر. في رأينا، حتى تسويغ "هاي لحال وهاي لحال" لن ينفع هذه المرة.

الاثنين، 30 يونيو 2008

"مرْت الرئيـــس" وأحـــلام ليلة صيف


يبدو أنّ العالم "المتحضر" لا يستطيع أن يعيش من دون أميرة "نبيلة"، تكون جميلة، رشيقة، هيفاء وممتلئة نعمة. فكارلا بروني، "مرت الرئيس ساركوزي"، هي الصيغة الجديدة من الأميرة ديانا، التي "أضفت ألوانًا جميلة" على السياسة، كما يحبّ المعلقون والمتحدثون تبرير درّ لعابهم المشتهي على هيئتها الشهية (عذرًا على السقوط في فخ التعقيب الجنسويّ، فقد قتلني الجّناس!).

وتزداد مركزية وأهمية بروني في هذه الأيام إلى درجة تحوّل ساركوزي إلى "جوز بروني"، ومع أنّ هذا يحمل عزاء الانتقام الحلو بعض الشيء للنسويات (تعريف الرجل بواسطة زوجته)، إلا أنه لا يبشر بالخير: فتسليط الأضواء على قدّ بروني المشدود نحو السماء، وتجاهل قدّ ساركوزي المشدود نحو الأرض (فعليًا ومجازيًا) يُعيد الثقافة السياسية إلى ثقافة "القصور السلطانية" التي كان "الحرملك" يلعب فيها دور الريادة في الطبخ والنفخ والشلخ.

نحن من أنصار اندماج النساء في السياسة بنسبة 50% لا أقل (على الأقل)، مثلما حدث في الحكومة الإسبانية مؤخرًا، ولكننا ضد تحويل سيقان "مرت الرئيس" وفستانها ذي الصرعة الأخيرة (الذي يصرع الملايين) إلى محور التصريحات والتغطيات الصحافية حول زيارة هي الأولى لرئيس فرنسي لإسرائيل منذ مطلع الثمانينات، رئيس يميني "خرج من الخزانة" بصوت مُجلجل، وينافس جورج بوش بجدارة. بروني تُجمّل ساركوزي، وساركوزي يتربّص بنا.

زيارة ساركوزي هي خطوة أخرى في إعادة أوروبا إلى سرير "الصراع السياسي في الشرق الأوسط" وأنا أعتقد أن هذا السرير الخاص بالصراع يجب أن يظلّ مركز التغطيات والمتابعات، بدلا من السرير الرئاسيّ.

الغرب الأمريكي في النقب

صدّق الكنيست الإسرائيلي، الثلاثاء، بالقراءتين الثانية والثالثة، على "قانون درومي" الذي يمنح صلاحية لكلّ صاحب مُلك أو بيت بقتل أيّ سارق أو مُقتحم لبيته أو لمُلكه. ومع أنّ مُشرّعي القانون يختبئون من وراء الادّعاء بأنّ القانون ليس موجّهًا ضد العرب، بل هو عام وشامل لجميع المواطنين، إلا أنّ تجارب أخرى في أماكن أخرى من العالم تُفنّد هذا.

فجهات قضائية عربية محلية قالت في تقييمها للقانون إنه يُذكّر بما كان يحدث في أمريكا مع المواطنين السود، حيث كانت تُشرّع قوانين أمريكية "جنائية" ضد ظواهر معينة يعرف الجميع أنها محصورة بالأساس في المواطنين السود دون غيرهم. وهذا يرتبط بـ "قانون درومي" الذي سُنّ خصيصًا لمزارعي النقب من اليهود، ضد مواطني النقب العرب.

الخطورة الكامنة في هذا القانون هو تحليله للاعتداءات، بحيث تُمنح الرخصة للقتل بيد كل من يرغب، خصوصًا أنه من الصّعب الاثبات أو الدحض في المحكمة أنّ شخصًا ما قُتل حاول أو لم يحاول السرقة. وتتضح خطورة وانفلات هذا القانون عند مقارنته مع مبدأ الدفاع عن النفس في المحاكم الجنائية: فالدفاع عن النفس لا يُقبل في المحكمة دائمًا وأوتوماتيكيًا، بل يُسأل القاتل عن الظروف الخاصة وعن التهديد المباشر على الحياة وهل كانت طريقة الصّد نفسها معقولة؟ هذا غير موجود في القانون الجديد، وعلى كل واحد منا أن يبدأ بالخوف قليلا من هذه الرخصة المفتوحة للقتل.

من جهة أخرى، لم تبحث الحكومة والكنيست عن أساليب للقضاء على مُسبباب السرقات، وهي الفقر المدقع وسلب الأراضي وهدم البيوت وإفقار النقب عنوة لحمل أهله العرب على الرحيل منه كما ترغب الحكومة، بل فضل الكنيست الإسرائيلي أن يتغاضى عن كل هذا وأن يمنح اليهود والمؤسسة أداة حرب أخرى ضد العرب البدو في النقب، إلى جانب الأدوات الهائلة التي تُستخدم ضدهم اليوم للضغط عليهم وترحيلهم.

هذا ما يقصده الجميع حين يقولون إنّ إسرائيل دولة ديمقراطية لليهود ويهودية للعرب.

السبت، 14 يونيو 2008

ربيع الخريف


تكاملت الصورة المسرحية في أداء الممثلين حيث أنتج الثلاثة في حضورهم التمثيليّ-الأدائيّ وفي حضورهم الشخصيّ "العُمْريّ" عملاً مسرحيًا غير عاديّ هو "قصة خريف"، آخر إنتاجات "الميدان"





أوراق الشجر اليابسة المُصْفرَّة تتكوَّم على أرضيّة الخشبة مَشهدًا بَعدَ آخر، حتى تتحوَّل أرضية الحديقة العامّة التي تجري فيها الأحداث إلى أرضيّة خريفيّة ملأى بالأصفر والبنيّ الخريفييْن. إلى هذا تنضمّ الإضاءة الذّكية الماهرة (فراس روبي) التي تتقدّم وتتراجع وفق الموقف ووفق المشهد، راسمة بعناية كبيرة، إلى جانب التصميم الفضائيّ (نزار أمير زعبي)، أكثر التصميمات السينوغرافية إتقانا وسطوعًا التي رأيتها على خشبة "الميدان" منذ 15 عامًا وتزيد (أتذكر هنا أيضًا "حارق المعبد" و"أكسدنت موت الفوضوي" و"رابطة دم").


إلى جانب هذا، تكاملت الصّورة المسرحيّة في أداء المُمثلين مكرم خوري وسلوى نقارة وسليم ضو، الممتازين، حيث أنتج الثلاثة في حضورهم التمثيليّ-الأدائيّ من جهة، وفي حضورهم الشخصيّ "العُمْريّ"، من جهة أخرى، عملاً مسرحيًا غير عاديٍّ هو "قصّة خريف" للكاتب الايطالي ألدو نيكولاي، آخر إنتاجات "الميدان".


فالتقاء ثلاثة من مُخضرَمي مسرحنا الفلسطينيّ المحليّ أفرز مستوًى جديدًا لم يحدث أن حظينا به (رغم التجربة الأولى والأخيرة التي جمعت أكبر قدر من هذا الجيل وهي إنتاج "الميدان" الأول "الملك هو الملك")، لا نقول إنه عتّم على إنجازات الجيل الجديد في أعماله المتميّزة ("حارق المعبد" و"رُكب" آخرها)، بل نقول إنه رسم مُميّزات جديدة للحضور المسرحيّ لم نعتَدْ عليها في إبداع الجيل الجديد (وجيل الوَسَط) من مسرحيينا مؤخّرًا (علي سليمان، عامر حليحل، لنا زريق، آمال قيس، أشرف برهوم، محمود قدح، خليفة ناطور، روضة سليمان، وغيرهم).


ولا شكّ في أنّ رؤية خوري ونقارة وضو (بانتظار يوسف أبو وردة ومحمد بكري وغسان عباس وغيرهم) على خشبة واحدة هو أمر ليس بالعاديِّ في المشهد المسرحيِّ الذي اعتدنا عليه، وعلى هذا يستحقّ "الميدان" تحية، خصوصًا في ظلّ وعي إدارته الكبير بأنّ المعادلة لا تكتمل إلا بحِرفيّين من جيل اليوم، لا يقلّون مهارةً وقدراتٍ عن جيل المُخضرَمين.


نصّ هذه المسرحية مَتين، إلا أنه صعبُ المراس، منزلق المنحدر. فهو مُنْبَنٍ على شخصيّات ثلاثة مُسنّين، رجليْن وامرأة، يمتهنون قتلَ الوقت في البستان العام بانتظار الموت. حواراتهم غير مُتميّزة ظاهريًا، تبدو مُملة للقارئ العاديّ لا شكّ ومليئة بالرّغو واللغط الشيخوخيّ، ومن هنا كانت مهمة بناء الحالة المسرحية من خلال هذه الحوارات مهمة شاقة، تستوجب الفطنة والذكاء في ترقّب وتبيان الفعل المسرحيّ الكامن في المشاهد وفي الشخصيات. فالأفعال المسرحية التي في النصّ، رغم ما يمكن أن يوحي به النصّ ظاهريًّا بالخمول والرتابة والاجترار، هي أفعال كبيرة، جوهرية، شديدة التعقيد والعمق، من حيث أنّ هذه الشخصيات الثلاث تحارب الموت (والنسيان والإهمال ومَقدم الخريف)؛ وهل هناك فعل مسرحيّ (وحياتيّ) أكبر من هذا، أجمل من هذا، لبناء الدراما؟


واستقراء الفعل المسرحيّ كأداة أساسية لبناء الدراما هي المهمة الصعبة التي تمرّس بها المخرج نزار أمير زعبي منذ "الجدارية"، مرورًا بـ "بين حرب بين" و"حارق المعبد". فزعبي هو فنان إخراج الحوارات بلا منازع، وأعتقد أنّه الأول في هذا المجال لأنه يفهم أكثر من غيره من المخرجين والمُمثلين معنى الفعل المسرحيّ وكونه العنصر الأول والأخير في البناء المسرحي (وهذا ما يجب أن يفهمه كُتاب المسرح، أيضًا، قبل المخرج).


سليم ضو يؤدّي دور المُسنّ الغاضب، المغلق أمام المشاعر (في دور كوميدي-تراجيدي خلاب)، في مواجهة مكرم خوري الذي يؤدّي دور المُسنّ المُحبّ، فيما تلعب نقارة دور المُسنة التي لا تزال متشبثة بالحياة، بتصميم شعرها عند الكوافير، بالطبخ، بإطعام القطط. على هذه التناقضات انبنت الشخصيات وبرع الثلاثة في بناء شخصيات مسرحية متميزة، لكلٍّ منها النمط واللون اللذيْن يميّزانها، مما خلق حالة مسرحية غاية في الغنى والتنوّع جعلت من كل شخصية على الخشبة عالمًا مُتكاملاً، يختلف عن الباقي، لكنه يلتقي معهم في الأمور "الكبيرة"، في نقاط التّماس الوجوديّة التي لا مفرّ منها- تمامًا كما في الحياة.


هل الخريف المجازيّ-الفعليّ الذي تتمحور فيه مسرحية "قصة خريف" هو خريفنا الواقعي الآن، ثقافيًّا وسياسيًّا؟ مهما تكن الإجابة على هذا التساؤل، فإنّ إنتاج "الميدان" الجديد يجسّد ربيعًا ما في "الميدان" ومسيرته، تمثل في جمع نجوم ومخضرمي المسرح العربي الفلسطيني في البلاد مع طاقاته الجديدة. هذه خلطة متينة أنتجت مسرحية متينة، لتكون مسرحية "قصة خريف" برهانًا جديدًا على صحة الطريق الجديدة (الصعبة، الشائكة، الطويلة، الضبابية) التي خرج فيها "الميدان" مؤخّرًا، المُتمثلة في إعادة الكوادر المُؤسِّسة وتجنيد الكوادر الجديدة من أجل خلق حالة مسرحية-ثقافية أهم ما فيها التبادل المستمرّ إلى جانب الاستفزاز والتحفيز الكامنيْن في التقاء جيليْن مختلفيْن، يودّ كلّ طرف منهما أن يُثبت للآخر قدراته وطاقاته.


إذا لم تكن هذه الخلطة هي التعبير الأمثل عن شعار "بيت الفنانين"، فأنّى يكون التعبير؟


ألبوم خالد جبران الجديد: جسر إلى الكشف


"بريدج" (جسر) هو العنوان الذي اختاره الموسيقيّ خالد جبران للألبوم الجديد الذي يصدر بتوزيعه، مختارًا فيه ثمانية ألحان معروفة وغير معروفة للجمهور ليُمعن فيها توزيعًا وإعدادًا جَعَلا الاستماع إلى هذا الألبوم رحلة اكتشاف جديدة لهذه الألحان، لهذه الأغنيات.


فالاستماع إلى "مرسال المراسيل" (ألحان فيلمون وهبة) أو "لا عيوني غريبة" (ألحان وديع الصافي) في هذا الألبوم لا يعادل الاستماع إليها مُغنّاة من فيروز والصافي؛ فجُبران يُخرج هذين اللحنين من رتابة ما قد أسمّيه "الحبّ العاديّ" للألحان وللأغاني المألوفة والمُحبَّبة، نسمعها في البيت أو في السيارة أو أثناء حفلة عرس، ويأخذهما إلى منطقة "الحبّ الكشّاف" (إغفروا لي فلسفتي المصطلحيّة)، أي ذاك الحبّ الكامن فيكَ (عن معرفة سابقة) إلا أنه يكشف وينكشف من جديد، وهو بهذا يُنسيك "الحبّ العادي" الأول.


هذه فعلة ليست بالهيّنة في أيامنا هذه، التي تحكمها الرتابة، رغم وهم التعددية الإعلامية والمضمونية الهائلة (كم موقع إنترنت وقناة تلفزيونية يمكن للمرء أن يشاهد في اليوم؟). وبالتالي، فإنّ ما يمكث في هذا الألبوم، ما يجعله غير عاديّ وجديرًا بالتأمل والالتفات، هو خروجه على الرّوتين والمألوف، إن كان من ناحية اختيار المقطوعات وإن كان من ناحية وضع توزيعاتها الجديدة.


وعدا عن المقطوعتين سابقتي الذكر، ففي الألبوم ستّ مقطوعات أخرى هي: "شدّ الحزام" لسيد درويش؛ "إم الخلخال" لمنير بشير؛ "يا ميت مسا" (فولكلور)؛ "واه حبيبي" لجيوفاني بيرغوليزي؛ "سماعي شدّ عربان" لجميل الطنبوري؛ و"ارتجال" لخالد جبران. ما يُميّز هذه الاختيارات هو أنها غير "تجارية"، أي أنها غير معروفة لعامة الناس -وأنا منهم- في الموسيقى. فـ "يا ميت مسا" و"سماعي شدّ عربان"، مثلا، لا تقولان لي شيئًا كإنسان غير مثقف موسيقيًّا، ولكنّ الاستماع إليهما في سياق هذا الألبوم يجعلانهما جزءًا من عمل متكامل أتكئ فيه على ما أعرف وعلى ذاك الذي يتكشف لي أثناء الاستماع.


وأنا قد استمعت إلى الألبوم هنا (يعني فلسطين التاريخية) وفي القاهرة، حيث أردتُ أن أختبر تأثير المكان على الاستماع، خصوصًا وأنّ التوزيع الموسيقي في الألبوم يطغى عليه الطابع المصريّ الجميل المتجسد في الأكورديون والكولة (المزمار المصري من عائلة الناي) والربابة. ومن محاسن هذا الألبوم أنني تعرفت على الاسم الحركي لآلة "الكولة" (المزمار- كما كنت أسمّيها جاهلا مَرضيًّا)، وتعرفت عن طريق الإنترنت على بعض عازفيها المشاهير (هكذا كتبوا) أمثال عبدالله حلمي وابراهيم كوالة والمغربي زروال.


هذا الألبوم هو دعوة للخروج عن النصّ، عن النمطيّ والمألوف. إنه بهذا مغامرة شيقة لمن يحبّ كسر الروتين (الموسيقيّ) ومغامرة قد تكون صعبة وشاقة على من لا طاقة لديهم للتعرف على آلة جديدة أو توزيعة جديدة لأمر خبروه- وهم الخاسرون.


(قلتُ إنني استمعتُ إلى الألبوم في القاهرة لكنّني لم أجد القاهرة (التي أحبها حبًّا شديدًا)، لا في الألبوم ولا في القاهرة، فهي غارقة في المستورَد والسّريع، والكولة لا تُسمع فيها ولا الأكورديون ولا الربابة).

الجمعة، 6 يونيو 2008

مات فؤاد، عاش فؤاد!


مات فؤاد.

اختار جسده أن يرتاح من العلاج المنهك المتواصل، ولكنني أخاله أراد الارتياح من الأمل الزائد، من الأمل اليائس.

خمسة وثلاثون عامًا مرّت ضاحكة، على وجه فؤاد. كان يتصل من مرة إلى أخرى، أو يبعث إيميل: سمعت آخر نكتة؟ وكنا نضحك ونتواعد على نكتة جديدة، من دون ميعاد. كان يغيب أحيانًا سنة وأكثر، وكنتُ أغيب سنة وأكثر، ولكن اللقاء كان دائمًا استمرارًا مباشرًا، من دون تكلف، للقاء السابق: "كيفك يا رفيق؟.. صرت أنصح مني.."

كان فؤاد مُعدِيًا بمرحه، وأحيانًا مُثيرًا للغيظ: كيف يمكنك أن تكون ضاحكًا هكذا، باسمًا، مُحبًّا ومحبوبًا، دائمًا وبلا توقف؟ لماذا نحن لسنا مثلك؟ هل لأنّ أجسادنا معافاة (نسبيًا) فلا وقت لشكر الآلهة على كلّ يوم جديد من دون ألم، من دون يأس؟

المئات من الوجوه في جنازتك أعرفها، بعضها ظلّ معي وظللتُ معها، والكثيرون تفرّقوا أيدي فلسطين، فلا أذكر إلا وجوهًا سهرنا معها ليلة، أو تلك التي عرّفتني عليها في لقاء شارعيّ عابر (ضاحكٍ طبعًا). جاءوا كي يقفوا جميعهم أمام كنيسة الأرثوذكس في الرملة ينتظرون الموكب (كعادة "الغُربيّة") وأعتقد أنّ جميعهم كانوا يتساءلون، بطريقة ما، حول قدرة فؤاد على جمع هذا الخليط الغريب العجيب، الكبير الغنيّ، من حوله، من دون أن يخدش للحظة هرمونيا الحياة من حوله.

أذكر منك الآن صورة واحدة تلحّ عليّ: كنا خمسة أو ستة، شبانًا وصبايا، قبل أكثر من عشر سنوات، حملنا أمتعتنا ويمّمنا شطر إقرث ذات ليلة صيفية (بطلب من صبية إقرثية في المجموعة كبس عليها الحنين، هل تذكرها؟ ماذا جرى لها؟ هل أنصفتها الدنيا كما ظلمتك؟). أشعلنا موقدًا أمام الكنيسة العتيقة وشوينا اللحم وشربنا ما تيسّر من عرق رام الله الشهيّ المُبارك، وكنتَ تمسكُ بالعود الذي أحببتَه وتُصرُّ على أن تغنّي للشيخ إمام، بينما كنا نحن (سكارى، عرابيدَ) نطلبُ منكَ أن تغني "سيرة الحبّ" (ما أتفهنا!). كم كنا سخفاء ونحن نقمع عودَكَ، وكم كنتَ عبقريًا حين أجبتَ قبل أن تبدأ بعزف "سيرة الحب"، راضخًا: "بس تصحوا رح تترجّوني أعزف الشيخ إمام".

في فجر ذاك اليوم الإقرثي عزفتَ لنا "واه يا عبد الودود" وكنتُ أنا أغلي القهوة الصباحية الحلوة وأتأمّل الجليل البرتقاليّ المصبوغ بحياء الشمس. في تلك اللحظة أتذكّركَ، تغني لعبد الودود، والجميع نيام من حولنا، ولم أكن (لغبائي) أعرف بتعقيدات جسدك المزمنة، بتفاصيل الكبد والكليتيْن، ببدء العدّ التنازليّ. هل لو عرفتُ وقتها كنتُ سأقول لك جملة تودّ أن تكون حكيمة في ذلك الفجر الجميل؟ لا أعرف، ولكنني أشكر حنين رفيقتنا إلى قرية جدّها وجدّتها الذي منحني هذه اللحظة الناصعة كي أتذكرك فيها دائمًا.

الآلاف مشت وراء فؤاد في أزقة الرملة وفي شارعها الرئيسيّ. للحظة تخالُ نفسك في مظاهرة: الشرطة تنظم السير وألفان أو أكثر من العرب يمشون في الشارع "اليهوديّ" الرئيسي في مدينة تريد طمس أهلها العرب الأصليين. هذه مظاهرة فؤاد، جمع الآلاف كي يغلقوا الشارع في مدينته ريثما ينام نومته الأخيرة في المقبرة، المُطلة على الشارع الرئيسي.

فؤاد سيحرس الشارع الرئيسي في الرملة من الضياع، ونحن سنحرس ما تبقى من طاقة كي نعود إلى مشاغلنا وننتظر بقلق موت صديق آخر، خانه جسدُه أو خانَ جسدَه.

مات فؤاد، عاش فؤاد!

الأحد، 1 يونيو 2008

هنا قديتا، هل تسمعونني؟


يتقاسمون في هذه الأيام أرضَ قَدّيتا: هواةُ الطبيعة يُريدونها لهم، بلا كهرباءٍ أو حضارةٍ، وآخرونَ يُريدونَ أرضَها كي يصنعوا نبيذًا جليليًّا أنيقًا؛ وآخرون يأتونَ مِن مُنطلقاتٍ صهيونيةٍ لا غيرَ. وقدّيتا، قرية جدّي المُهجرة في 1948، لا تفهم عَلامَ الخلاف؛ فمن موقعها في أعالي الجليل، مُطلّة على الجشّ ورميش ومارون الراس، لا زالت تحتفظ بآبار المياه أمام عتبات البيوت، ولا زال عنّابها وتوتها مَضربًا للأمثال، ومَسرحًا لأحاديث العشق الخَجِلة.

في كلِّ ذكرى للنكبة تُلحُّ عليَّ قدّيتا. في السّنة الأخيرة بدأتُ العمل على موقع ثقافي سياسي يحمل اسم "قدّيتا"، كي تحضُرَ قريتي في العالم الافتراضيّ الشّبكيّ، كتعويضٍ (مرحليٍّ؟) عن حضورها الجسديِّ الغائب، أو عن حضورنا الجسديِّ الغائب.

لم يكن جدّي مُتحدثًا عظيمًا. كان يَرُونُ إلى صمتِهِ طيلة الوقت، جالسًا على الشرفة المُطلة على قرية لجوئنا، الجشّ، وينظر نحو الأفق بلا كلل. لم يُجلِسْني يومًا على ركبتيْه وأنا صغير ليحكي لي عن قدّيتا التي تركَها وبعضَ أبنائه وقتِها، ليرحلوا إلى عَكْبَرَة، المُهجَّرة بدورها. أهلي المُهجّرون لجأوا إلى قرية هُجِّرت قبل قريتهم بأيام، ليسكنُوا بيوتَ أهلها المَقتولين أو الهاربين. هل هذا أفضل من أن يسكُنُها يهود؟ هل يُخفّف هذا من حدَّة الألم، أم أنه يَزيدُهُ لأنّ "ظلمَ ذوي القرابةِ أشدُّ إيلامًا؟"

كنتُ أعرفُ أننا لسنا من الجشّ، وأنّ قدّيتا موجودة في مكان ما. كان الصّغار من عائلتي (الكبيرةِ المَديدةِ، الحاضرةِ في سورية ولبنان والأردن) يقضون أماسيهم الصيفيّة في قدّيتا، يقطفون التوت والعنب والتين، ويَحكُونَ عن "فَرْكَش"، ذاك اليهوديّ قاسي القلب الذي جاء واستوطن في الأرض الحُرجيّة المجروحة. صار "فَركش" لنا كابوسًا مرعبًا، رغم أنني لم ألتِقِه إلا مرة واحدة. مرَّ من أمامِنا ونحن نلعب البنانيرَ، وأشار أحدهم بخوف إليه، قائلا: "فَركش.. فَركش"! اختبأنا فورًا. كان شعرُهُ طويلا جدًا، أشعثَ، ملابسُه رثة ويتكئ على عكّاز خشبيٍّ طويل، يتبعُه كلب كبير هرم لا يبشّر بحسن نيّةٍ تُذكر. بعد أن مرَّ قال أحدُهُم إنه يضربُ الأطفالَ العرب الذين يذهبون إلى قدّيتا، لأنه يخاف أن يُتلفوا الطبيعة من حوله. سألتُ بما لم أكن أعيه وقتها بما يكفي: "ليش إحنا مِنخرّب الطبيعة؟"...


* * *

أنا من فئة "النازحين"، أي الذين هُجِّروا من قراهم في النكبة، ولكنهم ظلوا في نطاق الدولة التي قامت، فيما ينحصر لقب "المُهجّرين" على أولئك الذين غادروا الوطن، فبقوْا خارج الحدود. لطالما فكّرتُ، ونحن نصرخ بحقِّ العودة، نكتب عن حقِّ العودة، نقسم بحقِّ العودة، فيما إذا كنا –النازحين- جزءًا من هذا الحقّ أم لا؟ هل سنعود يومًا، أم أنّ العودة ستنحصر في اللاجئين، ضمن اتفاق سياسيّ عمليّ، يُعيد الجيل الأول المُهجَّر إلى قرى الضفة الغربية، كي يموتوا بسلام؟ وهل مات جدّي بسلام، حين دفنّاه في تراب الجشّ، ولماذا لم يُوصِنا بدفنه في تراب قدّيتا؟ هل كان يخاف "فركش" مثلنا؟

أتطلّع إلى عُمري، ابن النصف سنة، ابن أخي، وأبتسم له. لاجئٌ ابن لاجئٌ. عفوًا: نازحٌ ابن نازحٌ. أمه نازحة أيضًا، من البروة. إلى أيِّ عالم قدمتَ يا عمري، والمعاني كلها فُقدتْ، والأسئلة كلها نفدتْ؟ هل ستعني لك الذكرى الثمانون للنكبة شيئًا؟ أحملكَ وأدورُ بكَ في جنبات الشرفة الكبيرة في بيت جدِّكَ. قدّيتا على مَبعدِ عشر دقائق ولكنها بعيدة أكثرَ من أيِّ حلٍّ في الأفق. أُرقّصكَ على ذراعيَّ قليلا، فتشعرُ بالغبطةِ. أيةُ أغانٍ يُغنّون للجِّيل الرابع للنكبة في ذكراها السِّتين؟ لماذا لم يقولوا لنا في مناشير الدعوة للمَسيرات والاحتجاجات أيةَ أغانٍ علينا أن نُغني للجيل الرابع للنّازحين، ونحن نُرقّصهم على شرفات ريفية جليلية تُطلُّ على ما تبقى من ذاكرةِ جُذورهم؟


* * *

لا أشعر بما يُفترَض أن أشعر به في الذكرى السِّتين للنكبة. أستيقظُ كالمعتاد، أنامُ كالمعتاد، أقرأ قراءاتي كالمعتاد. أتابع تعبَنا الفلسطينيَّ الذي أريق بين الضفة وغزة على شاشات جُثثنا، وأبحث عن بُقع الخزي والعار التي على بلوزتي. هذه بقعة من غزة، وتلك من رام الله، وهذه من القصبة في نابلس. أسرع في لهاثي بين الغرفة والصالة كي لا أفوَّت بداية النشرة الإخبارية على "الجزيرة". أريد أن أعرف كم قتيلا وقع اليوم في غزة. ولكنّ "الجزيرة" تبدأ بقتلى بيروت. هل يصحّ يا بيروت؟ أن تسرقي الخبر الأول منا في الذكرى الستين للنكبة؟ أين التضامنُ يا بيروتَ؟؟

لستُ سعيدًا بأنني فلسطيني. هل يمكن أن أقول هذا من دون أن تنهال البيانات على رأس هذا المتساقط المتخاذل الإنبطاحيِّ؟ ولكنني لست حزينًا كذلك. أعتقد أنني لا مُبالٍ، في هذه الأيام. أي أنني بيْنَ بيْن. لا "أتشاءَلُ" ولا "أتفاءَمُ". هكذا، عاديٌ. عاديٌ جدًا. أنا فلسطيني من دون شعور خاص، في الذكرى السِّتين لنكبتي. أبحث عن مواطن الألم في جسدي فلا أجدها، أبحث عن مواطن الغضب فلا أجدها، ولا أجد في جسدي مواطنَ للفخر أو للعار أو للأمل أو للتشاؤم أو للحبّ أو للكراهية أو للحنين أو للبلادة. لا أجدُ شيئًا.

أتأمّلُ تصميم موقع "قديتا. نت" الذي لم يُنشر على الويب بعد، وأبتسم. هنا قديتا. من قلب عكا الساعية إلى صيف مُلتهب. هنا قديتا. لا أسمع أحدًا في الذكرى السِّتين لنكبتي، فهل تسمعونني؟

الثلاثاء، 13 مايو 2008

مسيرة صفورية: عود على بدء...

الفلسطينيون يصرون على حق العودة، يمارسونه رمزيًا في مسيرة إلى صفورية.
الشرطيون يتفرجون كاتمين غيظهم.
أحصنة الشرطة المُدرّبة لا تطيق صبرًا. تهجم وحدها.
تجتاح السائرين.
إنها الخيول، ما ذنب الشرطيين؟
لماذا يُوضع الحق دائمًا على الشرطيين؟
على اليهود؟
هذه لا سامية!
وهذا غاز مسيل للدموع...
هل تبكون الآن؟
جيد! فأنتم لن تعودوا قريبًا...

(محاولة للتغلب على بلاغة الصور...)


http://www.youtube.com/watch?v=Y-P4LI1ceGA

الجمعة، 4 أبريل 2008

كذبة أول "سَمِجان"!

كان الخبر مدوّيًا صباح الثلاثاء: إذاعة "الشمس" تكشف: شخصية عربية قيادية في طريقها إلى طهران! طبعًا، التخمين الفوري: أحمد الطيبي، إلا أنّ اليقين جاء بعد قليل: محمد بركة. وللتأكيد تحدّثا معه وهو في باريس، في محطة "بينية" نحو طهران. هو لا يؤكد ولا ينفي. والكاتب محمد نفاع لا يؤكد ولا ينفي، وإيتان كابل يعربد، وميكي إيتان يؤكد وبرهوم جرايسي (مساعد بركة) يتهرب برشاقة (نسبية).

في الاستوديو: المذيعان يحاولان شدّ الانتباه إلى دراماتيكية الحدث، ثم المفاجأة: كذبة أول نيسان. ضحكات في الأستوديو، طبطبات على الكتف، ما أحلانا، شو هالنغاشة... من قال إننا لا نعرف التنكيت؟ آلو حبيبتي، سجّلتي النهفة عشان الأحفاد؟

ناهيك عن أنّ هذه "القفشة" (وغيرها من القفشات الإعلامية في أول نيسان- كما كان يفعل رئيس تحرير صحيفة حزبية غارب) غير مسلية وهي ثقيلة الدم، لا بدّ أن نتساءل: وماذا أبقت إذاعة "الشمس" للراديوهات غير المهنية؟ ليس هذا دور "الشمس"، والمرء لا يفتح على موجتها كي يتسلى في الصباح. من أجل ذلك نحن نبحث عن موجات غير قانونية لراديوهات صغيرة ومحلية.

إذاعة "الشمس" إذاعتنا وهي تعبئ خانة كبيرة جدًا في مقابل صوت الشاباك وأصوات السخافة الأخرى. لا تدعوا الاثنين يتسرّبان إليها. وهذه، كما يقولون في صحافتنا المحلية، همسة عتب دافئة...

سمعان للرئاسة!

كان يُدهّن في داخل "الجابيتا" المايونيز والخردل تمهيدًا لبسط اللحمة المطهية مع البصل على صفيح ملتهب في داخل قطعة الخبز الكبيرة، حين قال (اختتامًا لطوشة جبهوية-تجمعية كلاسيكية تندلع بيننا كلما قصدت مطعمه "مانشيز" في شفاعمرو، طمعًا بجابيتا كبيرة مع لحوم وأجبان):

"قبل كم يوم كان في إجتماع لعامي أيالون في الشمال مع عرب. اتصلوا فيي وطلبوا أحضرلهن 300 وجبة للاجتماع. إسا أنا مزبوط يأسان وتعبان من السياسة والأحزاب كيف حكيتلك، بس أنا مش ندل. طبعًا رفضت. بعد يومين سمعت إنهن راحوا لكمان محل في شفاعمرو، مطعم، ورفض يعمللهن أكل. بتعرف شو صار بالآخر؟... حجزوا أكل من مطعم في هرتسليا وجابوا الأكل بطيارة هليكوبتر! عشان عرب الصهاينة يتسمّموا... أحطلك مكابيس؟"

في المكتب شعرتُ بأنّ هذه الجابيتا التي حضرها لي كانت أشهى جابيتا في الكون.

سمعان في الميدان، العرب في أمان.

إيشك موسى؟

نحن متخبّطون وجدانيًا (ambivalent) في كل ما يتعلق بانعقاد القمم العربية. فشعورنا الغالب، الناتج عن تراكمات قمم العجز بعد نكسة 67 بالأخص، ينزع لاستسخاف انعقاد قمم الزعماء العرب، وحتى أنّ هذا الاستسخاف تحوّل منذ حصار 2002 وحرب 2006 إلى كراهية عارمة، أكاد أقول استحقارًا ماحقًا، لثلة الملوك والسلاطين والرؤساء المجتمعين حول طاولة مدورة، والشيء الوحيد الذي يستطيعون تدويره هو زوايا المثلث العربي المعروف: الجهل، العجز، التواطؤ.

ولكنني شخصيًا لا أعارض ولا أُستفزّ (سلبًا) ضد مثل هذه القمم، بل أجدها مُسلية في بعض جوانبها، وقد تجاوزتُ التسلية في قمة دمشق الأخيرة نحو الاستحسان، بل والرضا، لسبب واحد أساسي هو انعقادها في دمشق، رغم أنف أمْرَكة الشرق الأوسط. وقد تأكدت مشاعري الغريزية هذه المرة بعد أن قرأتُ عن مَقدم مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد وُولش، إلى منطقتنا، على جناح السّرعة، بعد نهاية القمة العربية في دمشق، "كي يتبيّن الأسباب من وراء نجاح قمة دمشق"، كما أفادت مصادر صحافية. مش عاجبو!

ورغم مقاطعة زعيمي مصر والسعودية للقمة (وغيرهما، كرد فعل) إلا أنّ احتضان دمشق للقمة، في قمة الهجمة التي تتعرض لها، هو ضربة للمشروع الأمريكي في المنطقة، لن ندّعي أنها قضت عليه، ولكنها بالتأكيد أربكته، إلى درجة أن يهرع وولش إلى المنطقة في جولة خليجية وعربية، يأمل في نهايتها أن يصدر بيانًا أمريكيًا نموذجيًا نقرأ فيه أنّ القمة العربية الأخيرة انعقدت في نتانيا أصلا!

وعودة إلى بعض التسلية المرافقة لما يسميه اليوم عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية، "العمل العربي"، ربما في سخرية كَلَبية خبيئة، أو ربما من منطلق التمسّك بتلابيب ما يمكن أن يكون بقايا لماء الوجه العربي. والزائر لموقع جامعة الدول العربية والباحث عن تاريخ القمم العربية يستطيع أن يتبيّن بعض الأمور ذات البعد التاريخي، هنا أهمها:

1. أنشاص هي مدينة عربية، في مكان ما في الكون، انعقدت فيها القمة العربية الأولى بتاريخ 28/5/1946. أي أنّ أول قمة عربية انعقدت قبل النكبة، ومن المثير مراجعة بروتوكولاتها وتبيان أية أمور طرحت وعولجت في القمة، بما أنّ "القضية الفلسطينية" لم تكن قد بدأت "رسميًا" بعد. الرجوع إلى الأراشيف يثير خيبة الأمل، حيث أنّ قمة أنشاص "ركّزت على قضية فلسطين وعروبتها، واعتبرتها في قلب القضايا العربية القومية، إلى جانب مساعدة الشعوب العربية على نيل استقلالها من المستعمر، كما تقرر فيها الدفاع عن فلسطين في حال الاعتداء عليها" (شكرًا، غلبتو حالكو). على الأقل نجحت القمم العربية في التخلص من قضية "نيل الاستقلال من المستعمر". واحد صفر للعرب؛

2. عدد القمم العربية منذ أنشاص وحتى قمة دمشق الأخيرة هو 31 قمة، منها 20 قمة عادية، و11 قمة غير عادية. القمة الأخيرة في دمشق كانت عادية، والقمم العادية تُعقد وفق الدور ووفق الترتيب الأبجدي، ومن هنا سرّ انعقادها وصعوبة تغيير المكان لأنّ البروتوكول عند العرب أقوى من الضغوطات الأمريكية. واحد صفر للبروتوكول؛

3. القضايا العربية الحارقة التي تعالجها جامعة الدول العربية هي: الصراع العربي-الإسرائيلي، أسلحة الدمار الشامل (التي لا تملكها أية دولة عضوة في الجامعة العربية!)، التضامن العربي (عفوًا، هل هذه قضية مطروحة للنقاش) وقضايا أخرى (احتلال إيران للجزر الإماراتية، المياه، العلاقات العربية الصينية والتعاون العربي الإفريقي)؛

4. موقع الجامعة العربية على الإنترنت أكثر بطئًا من وتيرة حديث العاهل السعودي؛

5. لماذا نجلد أنفسنا دائمًا ونقول إنّ العرب لا يتّحدون على شيء؟ هاكم الاتحادات القائمة في الوطن العربي: الاتحاد العربي للنقل البرّي؛ اتحاد الموانئ البحرية العربية؛ الاتحاد العربي لغرف الملاحة البحرية؛ الإتحاد العربي للصناعات الهندسية؛ الاتحاد لغرف التجارة والصناعة والزراعة؛ الاتحاد العام العربي للتأمين؛ والاتحاد العربي لمُنتجي الأسماك (أرجو ألا تخبروا عضو الكنيست عباس زكور عن الاتحاد الأخير، فإنه سيطالب عمرو موسى بإدخال عكا إليه فورًا!)؛

6. وهناك بعثات من جامعة الدول العربية إلى أفريقيا، آسيا، أمريكا وأوروبا. وما عدا عناوين البعثات في كل قارة من القارات لا ترد أية معلومات عن عمل هذه البعثات ودورها. ونحن نأمل أنها لا تقوم بنفس أعمال القمم العربية وقمم وزراء الخارجية العرب، منعًا لتصدير وباء الجامعة العربية إلى قارات أخرى، فإذا ضرب هذا الوباء سائر الأمم فلن نجد بعد حين من يصنع لنا هواتفنا النقالة وسياراتنا وملابسنا ومن يكرر بترولنا وينهب خيراتنا، وعندها سيضطر العرب إلى الاعتماد على أنفسهم والعياذ بالله!

7. أعتقد أنّ مخابرات دولة عربية ما حجبت الموقع عن حاسوبي بعد دخلتين متواصلتين للموقع في أقل من عشر دقائق. فمعدل الدخول إلى الموقع (من طرف المتصفحين ومن طرف القائمين عليه ووفق وتيرة تعديله) يشير إلى مرة في السنة كأكثر سيناريو تفاؤلي، وبالتالي فإنّ أيّ شخص في العالم يبدي اهتمامًا كهذا في الموقع هو لا شك خرّيج الكي غي بي أو جهاز الأمن العام في نواكشوط (عاصمة موريتانيا، وهي عربية أيضًا لمن لم يعرف)- كأقل تقدير.

صدقوني أنني رغبت بكتابة مداخلة جدية عن أهمية انعقاد القمة العربية الأخيرة في المكان والزمان والسياقات، إلا أنّني لم أستطع مقاومة ما جاء في البيان الختامي للأمين العام للجامعة (هل تذكرون فترته الأسَدية كوزير لخارجية مصر وقصة نفيه إلى سيبيريا العمل السياسي العربي في مقر الجامعة؟): "يجب أن نتسامح أو ندير ظهورنا لمشاكل كبرى تمس الكيان العربي ذاته دون وقفة بل وقفات حاسمة، يجب تفعيل وتنشيط عمل مجلس الأمن والسلم العربي".

والله أنني لا زلت أذكر هذه الوقفات الحاسمة في حصار بيروت وفي الانتفاضة الثانية وفي حرب تموز. وبالعكاوي: إيشك موسى، مجلس مين خيّا؟!

الاثنين، 31 مارس 2008

يوم الأرض

اليوم تبدأ نشاطات إحياء "يوم الأرض". لطالما فكرت في أنّ هذا اليوم صار يومًا خاصًا في تاريخ شعبنا لأنه حصد قتلى فيه، ولو لم يقع قتلى في هذا اليوم قبل 32 سنة لما كان سيذكره أحد، مثلما حدث ويحدث مع جميع أيام المناوشات بين العرب والسلطة هنا.

نحن نحيي إذًا ذكرى القتلى الذين سقطوا في معركة حماية الأرض، ولا نحيي ذكرى الأرض نفسها، فالأرض بقيت ولم تمت. ومن لا يموت لا يستحق يومًا للذكرى، ولولا هذه البديهية الساطعة لطالب كل شخص بيوم ذكرى خاص به، من دون أن يتكلف حتى عناء أن يُصاب أو حتى يُضرب بيد شرطي في مظاهرة ما.

ولكننا نسينا القتلى وتذكرنا الأرض. هل نحن شعب ينسى قتلاه؟ لا أعتقد، ولكنني أعتقد أننا نحب الأرض أكثر مما نرغب في إحياء ذكرى قتلانا. هل هذا سيء؟ ليس بالضرورة، ما دمنا نعي الحقيقة البديهية: الإنسان أهم من الأرض، وما زلنا نهزأ من أبناء عمومتنا الصهاينة ونعيب عليهم مقولة طرومبلدور التي تبنوها: "جيد أن نموت من أجل بلادنا". مقولة كهذه تذكرني بالشعار المبتذل الذي كان يطلقه الراحل ياسر عرفات كلما انزنق: عالقدس رايحين، شهداء بالملايين!

من ناحيتي فلتحترق القدس بما فيها، ولا يُقتلن شخص واحد. الله لن يرضى بأن يستشهد الملايين من أجل قبة الصخرة أو جبل الهيكل. إسألوه في صلواتكم لن يقبل. تمامًا كما أنه لا يقبل الآن إحياءنا لذكرى يوم الأرض، بدلا من إحياء ذكرى قتلى يوم الأرض.

الجمعة، 14 مارس 2008

لا تُحايدْ!

من شاهد برنامج شؤون الساعة "لندن وكرشنباوم" على القناة العاشرة، مساء أمس الأول الأربعاء، كان بمقدوره أن يتيقن مما يعنيه واحد من الشعارات/العبارات/الكليشيهات التي تتردّد بين أوساطنا وظهرانينا، من مرة إلى مرة: "سقط القناع" (ومصدرها من القصيدة الشهيرة "مديح الظل العالي" لمحمود درويش: سقط القناع عن القناع عن القناع). فأحد مُقدّميْ البرنامج، موطي كرشنباوم، استلّ حقيقته التي يحاول إخفاءها من وراء ليبرالية مفتعلة، وهاجم الصحافي إلياس كرّام، مراسل قناة "الجزيرة"، في خلال نقاش حول قرار وزارة الخارجية الإسرائيلية فرض مقاطعة على القناة "بسبب مواقفها العدائية لإسرائيل"، وكأنّ "الجزيرة" تعمل في وزارة الخارجية الإسرائيلية، وها هم يرسلون لها إنذارًا أول قبل طردها من السلك الدبلوماسي الصهيوني.

(لاحقًا، اتضح في خبر نشرته "هآرتس"، أمس الخميس، أنّ وزارة الخارجية الإسرائيلية والوزيرة فيها، تسيبي ليفني، تفاجأوا من هذا "القرار"، وبعد البحث والتنقيب اتضح أن نائب ليفني، مجلي وهبة، هو الذي بادر لحملة المقاطعة، "على شور راسه". أم محمود العزيزة قالت ساعتها معلقة بسخرية: أكيد هو غاضب لأنهم لا يجرون معه مقابلات كما في السابق.)

وبدا لافتًا أنّ صبر كرشنباوم عيلَ منذ زمن، ربما منذ الحرب الأخيرة على لبنان، وهذه ليست المرة الأولى التي ينفلت فيها غضبه القبلي المجند الأهوج على عربي في برنامجه؛ فخلال الحرب المذكورة انفلت كرشنباوم أيضًا في وجه النائب محمد بركة، في حمية حربية كانت تبشر –لو طالت- بلينش تلفزيوني دمويّ. وها هو ينفلت في لينش تلفزيوني جديد ضد كرّام، ويبدو من خلال صراخه أنه ليس إلا "زعلان" من "الجزيرة" لأسبابه الخاصة؛ إذ أنه في حمية الصراخ نبح باتجاه كرّام: "أنا كنت في مكاتب "الجزيرة" في الدوحة ولم يتحدث إليّ أحد (لأنه إسرائيلي)"!! مسكين. لو كنا نعرف لطلبنا من جميل عازر أن يعزمه على قهوة عربية.

من هو الليبرالي؟

ما يحدث في برنامج "لندن وكرشنباوم" خطير في الحقيقة: فصورة البرنامج أمام الناس هي أنه ليبرالي ومنفتح ومغاير، بينما يتضح في لحظات الحقيقة أنه برنامج إخباري مُجند، كغالبية الإعلام الإسرائيلي. كان ذاك يارون لندن (الصحافي المخضرم، وليس محقق الشاباك الذي لاحق د. عزمي بشارة) الذي كتب في "يديعوت أحرونوت" عشية مجازر غزة الأخيرة، مقالة فاشية تنضح دماءً، ليعود بعدها للمثول أمام الكاميرا الدافئة في الأستوديو، ينعم هو وكرشنباوم بدفء شيخوختيهما "الرزينتين".

ما يثير الغضب حقًا في كل ما يحدث مع قناة "الجزيرة" هو النفاق والتلوّن المخزيان اللذان يميّزان تعامل الإعلام الإسرائيلي مع هذه القناة. فأكذوبة "الإعلام الموضوعي" سقطت ودالت في مزابل التاريخ منذ عقود، وما زال أبناء عمنا يمارسون إعلامهم المُجند من جهة ويصرخون باتجاه العرب: إعلامكم مُجنّد. كأنّ تسفيكا يحزقيلي وشمعون شيفر موضوعيان ويغضبان على إلياس كرام لأنه ليس كذلك. هذا هراء! لا يوجد صحافي حقيقي (التعميم من عندي وغير مُلزم لأحد) من دون أجندة: إذا كنتَ صحافيًا في منطقة صراع لا مانع من تأخذ طـرفًا في الصراع، ولكن لا تختبئ وراء موضوعية مفتعلة، لأنك عندها ستصير كاذبًا ونصابًا رخيصًا؛ إذا كنتَ صحافيًا في مجال الترفيه والـ "بيـز شو" لا تخجل من أجندتك ودافع عنها بكل ما أوتيت، فهذه هي الأجندة التي اخترتها وأنت مطالب بتطبيقها بأفضل شكل؛ لا يمكن للصحافي أن يختبئ وراء وهم بأنه "مش لاعب" أو أنه "مخصنيش خيا، أنا أمم متحدة". من يحلم بوظيفة في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك عليه الدخول إلى موقع www.un.org وتنزيل طلب العمل في خانة "وظائف" وإرسالها إلى مكتب القوى العاملة هناك.

حفاظًا على البيئة

هذه رغبة ودعوة بعدم الخوف من أن يكون المرء صحافيًا مُتجنِّدًا (تختلف عن "مُجنَّد" اختلافا جوهريا وكبيرًا- ولكن ليس هنا المجال والمكان لفتح هذه النافذة في هذه العجالة)، ولكن عليه أن يلتزم بأمريْن أساسييْن لا يمكن التخلي عنهما: أن لا يختبئ وراء "موضوعية" مفتعلة غير واقعية فيصير محتالا على جمهوره؛ وعليه أن يمتنع عن تزوير الواقع وتشويهه من أجل دعم أجندته. القرائن تدعم حجتك؟ أنشرها على الملأ ودافع عنها حتى آخر قطرة حبر؛ القرائن ضدك؟ حاسب نفسك وجدد إيماناتك ولا تخجل من الاعتراف بخسارة معركة في هذه الحرب الطويلة.

الإعلام الإسرائيلي لا يريد أن يفهم هذا. يحلو لليهودي الأبيض أن يستعلي على السُّود المتخلفين، الحفاة العراة، بالتلويح بحجج الديمقراطية السخيفة، مُتناسين أنّه لا إعلام حياديًا حقيقيًا في أيّ نظام- ديمقراطيًَا أكان أم غير ديمقراطي. وهنا على مراسلي "الجزيرة" والقيّمين عليها أن يتوقفوا عن محاولات التبرير والدفاع عن النفس بأنهم "موضوعيون" و"حـياديون"؛ أولا، هـذا غير صحيح، وثانيًا، هذا غير مطلوب. على "الجزيرة" ألا تبث الأكاذيب والتحريضات التشويهية، هذا واضح وحيوي، ولكن عليها ألا تخجل من ميلها الطبيعي والفطري والمطلوب لقتلى غزة.

غزة وبيروت وبغداد والقاهرة وعدن هي البيئة الطبيعية لقناة "الجزيرة" وليست تل أبيب. ما الداعي لمحاولة دحض هذه البديهيات؟ هل نشعر بالنقص أمام كرشنباوم ومجلي وهبة؟ فليتفضلوا، وليتعاملوا مع القاهرة وبيروت على أنهما بيئتهما الطبيعية، بدلا من باريس ونيويورك.
(علاء حليحل)

خير جليس "زَوَّدها"!

قبل فترة وقفتُ عاجزًا أمام مكتبتي في البيتِ، وقادني العجز إلى التفكير بما يلي:
  • معدل عمر الإنسان 75 سنة؛
  • معدل سنوات القراءة في حياته: 65 سنة (في تقدير ممتاز)؛
  • معدل عدد الكتب التي يمكن أن يقرأها الإنسان في أفضل تقدير (كتاب في اليوم): 365 كتابًا في السنة؛
  • معدل عدد الكتب التي يمكن أن يقرأها الإنسان في حياته: 365 × 65 = 23,725 كتابًا؛
  • عدد الكتب الجديدة التي تصدر في العالم كل سنة (عدد العناوين الجديدة وليس النسخ): حوالي 300,000 عنوان جديد؛
  • أي أنّ المرء بحاجة إلى 12.6 سنة لقراءة الكتب الجديدة التي تصدر كل سنة؛
  • ناهيك عن الوقت اللازم لقراءة الصحف والمجلات ومشاهدة المسرحيات والأفلام.
حتى هنا المعطيات. والنتيجة: تُعسًا للعالم! كيف يمكن أن ينتقي المرء الكتب التي "يجب" أن يقرأها في حياته، من وسط هذا الكمّ الهائل من الكتب المتاحة؟

رغم هذه الصعوبة، ورغم أنني لا أجد الوقت لقراءة نصف الكتب المكدسة في مكتبتي منذ شهور، إلا أنني –مثل الكثيرين غيري- أستمرّ في شراء الكتب الجديدة، رغم أنني أعرف أنّ عليها الانتظار في طابور طويل لا ينتهي. قبل النوم عزّيتُ نفسي بأنني أفضل تكديس الكتب على تكديس علب العطور أو الملابس أو مفاتيح السيارات "الفلع" على الطاولة في الصالون.

هل تحايلتُ على نفسي؟ لا بأس. أنا بحاجة لهذا التحايل- فهذه الليلة أيضًا لم أستطع قراءة أكثر من ثلاث صفحات من كتاب "التطهير العرقي لفلسطين" قبل أن أتهالك على المخدة صريع التعب والإرهاق!
(علاء حليحل)

الجمعة، 7 مارس 2008

صُور جميلة


كنا ننحني ثلاثتنا، مُحرّريْن ومُصمّمًا، وندير كومة الصّور الطازجة على الطاولة بيننا. كنا صامتين، لا يدافع الواحد عن اختياراته بحماس منقطع النظير، كما كنا نفعل في تلك الأزمنة، بل نكتفي بأن يدفع أحدنا صورة باتجاه الآخر، ويكتفي بالنظر إليه. كان الآخر يكتفي بهزة من رأسه، تعلو وتهبط للإيجاب، أو بهزة تروح لليمين وتجيء لليسار، للسّلب. في لحظة ما أفلتت مني كلمة "حِلوة"؛ قلتها بعد أن نظرتُ إلى صورة أحد الشهداء وهو يُسجّى في القبر، وسط الجّمع الكبير، وقد فُتحت عينه اليمنى نصفَ فتحة، وكأنه كان "يغمز" المُصور وهو يُوضع في حفرته الأخيرة.
أحسستُ ببعض الحرج، ولكنني لم أتراجع؛ فنحن كنا نبحث جاهدين عن صور جدية و"جميلة" لنشرها في عدد الصحيفة الذي سيصدر غدًا، واليوم تشييع الجثامين، وأكتوبر مُحتدم، وعلى شخص ما أن يقوم بهذا العمل: أن يبحث بين أكوام صور الجثث وصور الجنازات وصور القبور المفتوحة وصور الأمّهات الباكيات- أن يبحث عن صور جميلة ستزين الغلاف والصفحات الأولى، ومن المحبّذ أن تكون "جميلة جدًا"، كي يكون أثرها أقوى على الناس، فننجح في جلب تضامنهم وفي زعزعتهم في نفس الوقت.
لم أشعر بأنّ زميليّ تضايقا من كلمة "حِلوة" التي قلتها عن الصورة، فهي بالفعل كانت جميلة: الوضعية، زاوية المصوّر، العمق الذي زاده الجمع من حول الحفرة عليها، عينه المفتوحة نصف فتحة وكأنه يمازحنا: لم أمُت، هل صدقتم؟ أعتقد أنهما وافقا معي، ولكن الصور التي ملأت عدد الغد كانت الصور "المضمونة": الشهيد على الأكتاف، الأم تبكي، الشباب يهتفون، ورود على القبر الجديد، القائد يتحدث.

هذيان
لا أعرف حتى اليوم ما جرى بتلك الصورة. أعتقد أنها في أرشيف ما عتيق لا يعي ما يحويه، ككل الأراشيف. فنحن، في النهاية، من يمنح الصورة معناها وأهميتها. ولكل صورة، مهما كانت سيئة أو غير مثيرة، تأثير على مستقبل التصوير قاطبة، وعلى ذائقة المتلقي العينيّ خصوصًا. كل صورة هي محاولة جديدة لاكتشاف الحقيقة، ومع أنّ جميع المحاولات تبوء بالفشل في مهمة توثيق الحقيقة، إلا أنّ مليارات الصور الجامدة التي صُورت حتى اليوم، مؤلفة ما يمكن تسميته "الأرشيف البصري" للبشرية، تشكل معًا، رغم فشل كل صورة بعينها، حقيقتنا المرئية حتى اليوم.
الصور من مجازر غزة تتوالى، ومهمة اختيار صور العدد ما زالت بغيضة، ثقيلة، بهيمية بعض الشيء: هذه الصورة لا تزعزع بما يكفي وتلك مبالغ بها؛ هذه الصورة تخلد وضعية مثيرة ولكن المقتول فيها بلا رأس؛ هذه الصورة ألوانها عظيمة ولكنها لجريح محمول فقط؛ إذا كان الأقوياء يكتبون التاريخ، فالضعفاء يمنحون أجسادهم لتخليده بصريًا.
التصوير يصادق، يقرر، يجمّد الزمن ويُحفظ في الذاكرة، كتب رولان بارت في كتابه LA CHAMBRE CLAIRE، "الغرفة السّاطعة" (بالعبرية عُنونت الترجمة: "أفكار عن التصوير")؛ "التصوير يوسّع الرؤى لكنه مختلف في تفسيراته. إنه زائف في مداركه، لن يعيد أبدًا ما مضى، لكنه حقيقي في زمنه. إنه شكل جديد من الهذيان، هذيان معتدل، هيئة مجنونة كُشطت بالحقيقي".

من تحت الرّدم
كلمات كبيرة لأول وهلة، ولكنها التعبير الأصدق لما تمرّ به الصور اليوم: عليكم أن تفكروا بالطفل الذي وُجد في هذه اللحظة تحت أنقاض بيته في الشجاعية؛ بالمُصوّر الذي تلقى هاتفًا من صديقة في الحي فهرع إلى المكان؛ بوصوله في اللحظة الحاسمة ورجلان يخرجان جثة الطفل من تحت الردم؛ بقدرته (لأنه مُتمرّس، لأنّ الناس مُتمرّسون، لأنّ الواقع مُتمرّس) على أن يطلب من الرجلين أن ينتظرا قليلا قبل إخراجه نهائيًا؛ بجثة الطفل العالقة الآن بين الردم وبين يدي الرجلين؛ بـ "تكتكات الفلاش" المتسارعة؛ بالمصور المرتجف الآن (سعادةً وليس خوفًا) لأنه يستطيع أن يبيع الصورة لوكالة الأنباء العالمية بسعر أعلى من الصور "العادية" (مجرد شهيد، مجرد بيت مقصوف، مجرد صراخ في الشارع)؛ بالحاسوب الذي يرسل الآن الصورة عبر البريد الإلكتروني، بعد أن فكّكها إلى لغة الحاسوب البينارية: واحد، صفر، واحد صفر، واحد صفر؛ بالحاسوب في فرنسا أو أمريكا أو بريطانيا في مكتب الموظف المسؤول عن استقبال الصور في وكالة الأنباء الذي يستقبل الإشارات البينارية: واحد صفر، واحد صفر، واحد صفر، ويعيد ترجمتها إلى لغة بصرية تؤلف مجددًا "بيكسلات" متراصة بكثافة 72 وبحجم كبير، لتصنع هذه البيكسلات صورة منطقية تجتمع فيها كتلات البيكسلات ثانية لتصنع ما يمكن أن نراه جليًّا على الشاشة الآن: جثة طفل تُخرَج من تحت الردم، يُمسك بها رجلان.
عليكم أن تفكروا بالانفعال الذي يسيطر الآن على هذا الموظف الغربيّ الذي أتى للعمل قبل ساعة، على أذنيه سمّاعتا "آي بود"، يتحدّث إلى حبيبته عبر التشات أو الماسنجر عن ليلة الأمس، وفجأة عليه أن يتوقف كي يهضم هذه الصورة، ويطلب المعذرة لبضع دقائق لأنّ عليه أن يرسل الصورة فورًا إلى جميع العالم؛ بكبسة زرّ يبدأ حاسوبه بإعادة تفكيك الصورة إلى لغة البينار الأصلية: واحد صفر، واحد صفر، واحد صفر. بعد أقلّ من 10 دقائق، وبعد أن تضغطوا على كباس "ريفرش" في حاسوبكم، سترون كومة البيكسلات المرتبة ثانية والتي تؤلف الآن صورة منطقية تجتمع فيها كتلات البيكسلات ثانية لتصنع ما يمكن أن نراه جليا على الشاشة الآن: جثة طفل تُخرج من تحت الردم، يُمسك بها رجلان. الصورة الآن في أعلى الموقع الإخباري (العربي، الأجنبي)، ومن تحتها الوصف التالي: "جثة طفل تُخرج من تحت الردم، في حي الشجاعية في غزة- تصوير: أي بي".
إنه شكل جديد من الهذيان، هذيان معتدل، هيئة مجنونة كُشطت بالحقيقي. لم تعد هذه الكلمات كبيرة الآن، صارت منطقية أكثر، مفهومة أكثر، متعبة أكثر.

ذاكَ الذي يمضي
هل للموت جمالية خاصة به؟ أليست هذه مُسكّنات كي نسبغ الحقيقة الواحدة في حيواتنا ببعض الثرثرة البشرية الزائلة؟ كيف يمكن أن نتحدث عن صورة طفل مُكفّن قُتل لتوّه بمصطلحات جمالية؟ من يقرر أصلا إذا كان هذا الموت جميلاً أم بشعًا؟ هل احتفالية المشهد وحضوره هما اللذان يصنعان موتًا متميًزًا؟ في كتابه "الحاجز"، كتب عزمي بشارة في مقطوعة باسم "جنازة 1": "وكان هنالك فتاة توثق الجنازة بكاميرا تلفزيونية، ولكنها لم تصور تمثيلا بل واقعًا: جنازة وحيدة من لا مكان إلى لا مكان تضم كهنة وكوفيات عربية وبوهيميا رجالا ونساء على جبال الجليل الشمالية الشرقية، والدنيا ربيع. كأنه صممها أو أوصى عليها، مع إنه لو كان حيًا لما استيقظ ليحضرها" (ص 183). بكلمات رشيقة، متجنبة للدراما والتراجيديا، يخلد الكاتب الصورة التي يريد عن ميّته، عن شكله الأخير الذي سيبقى في النص-الصورة: لا ينتمي حتى في رحلته الأخيرة. إلى من/ماذا ينتمي الشهيد الذي في الصورة؟ إلى موته أم إلى اللغة البينارية المحوسبة التي تبث صورة موته الآن لكلّ العالم؟
عليّ أن أذهب الآن، ففي حاسوب الجريدة أكثر من 50 صورة، حصاد هذا الأسبوع، ويجب اختيار صورة الغلاف وصور الصفحات السياسية. حاليًا يمكنكم التمتع بجمال الصورة المرفقة بهذه المقالة.

(علاء حليحل)

الجمعة، 22 فبراير 2008

نجيب النجيب


"بروتوكولات حكماء ريش" هي إحدى المجموعات الشعرية للشاعر والمسرحي والممثل المصري الكبير نجيب سرور، وقد اقتنيت الكتاب من معرض الكتب في القاهرة، مع أنني كنت مطلعًا على شعر سرور وكتاباته من خلال الإنترنت. وقد صدق حدسي بأنّ دار "الشروق" المصرية الممتازة لن تصدر مجموعة سرور من دون قيمة مضافة، حيث أنّ المقدمة التي أنجزها الكاتب المصري عبده جبير، صديق سرور، هي مقدمة ممتازة تلقي الضوء على إبداع سرور وتوجهه في الحياة والإنتاج، كساخر وناقد لاذع، قلّ أمثاله في تاريخ العرب الحديث.


وقد توفي سرور بعد نكسة 67 بقليل، ولكنه لم يرحل من دون مشهد مسرحي هائل، لا أقاوم أبدًا إيراده هنا، بالكامل تقريبًا، على لسان جبير، كما ورد في المقدمة:


"كنتُ أجلس على نفس المقهى، وكان الوقت عصرًا، وجاء الشاعر أمل دنقل عرقان هائجًا مغتاظًا، جلس دون أدنى تحية على المقعد المقابل، وأخذ ينفخ الدخان بعنف، ويبتلعه بقوة إلى صدره، وخلتُ أنه لا بدّ وأنّ هناك شيئًا، فقلت:


- مالك؟ فيه إيه؟


قال بغضب:


- روح شوف نجيب بيهبب إيه في التحرير؟ (ميدان التحرير الشهير في وسط البلد)


(...) رأيت يحيى الطاهر عبدالله، كاتب القصة القصيرة، على الجانب الآخر من الرصيف المقابل للمقهى، يقف ليضخّ نصائحه في سمع شاب، يبدو أنه كان يعمل على تجنيده فيما كان غالب هلسا، الكاتب والمفكر الأردني الذي عاش في مصر قرابة ربع القرن، يقول عنهم "ميليشيا يحيى الطاهر عبدالله"، أسرعت في اتجاهه مهللا:


- يا يحيى، تعال نشوف نجيب بيعمل إيه في الميدان؟


كان يحيى منشغلا ببث أفكاره الثورية في عقل الشاب، فقال:


- بيكون بيعمل إيه يعني؟ دا بيمثل.


وبالفعل، هرولت حتى وصلت إلى الميدان: رأيت نجيب سرور يقوم بأداء عرض مسرحي كامل، مُمسكًا بيد ابنه الصغير الأشقر الجميل، فريد:


- ألاؤنا، ألا ترى، مين يشتري الورد مني؟


وتذكرت أنني حين رأيته، منذ ليال مضت، على خشبة وكالة الغوري يقوم بالتمثيل في مسرحية "أوكازيون" أحسست ساعتها بأن مساحة المسرح ضيقة على هذا الممثل العبقري، وهأنذا أراه وقد وجد الحل:


- التمثيل في أكبر ميادين القاهرة.


(...) كان الجمهور يعرف بالطبع أنّ هذا هو نجيب سرور، الممثل العبقري، الكاتب والشاعر، لذا فقد رأيتُ الدموع في عيون الناس وهم يتابعونه بشغف، وأذكر أنني سمعتُ أحدهم يقول:


- هذه هي آثار الهزيمة."


بعد هزيمة 67 وقف نجيب سرور في ميدان التحرير وعرض ابنه للبيع، في وقفة مسرحية مدوية لخصت كل شيء. وهو الذي تنبأ قبل وفاته أنّ الصهاينة سيأتون ذات يوم للجلوس في مقهى "ريش"، وهو المقهى الذي كان يرتاده أهل الثقافة والفن، "الحقيقيون والأدعياء" على رأي جبير. لم يصدقه أحد، وقتها، ولكن نبوءته تحققت، وللأسف، في الزيارة الأخيرة إلى ميدان طلعت حرب، حيث قهوة "ريش"، كان المقهى مغلقًا، والكراسي مرفوعة، ورأينا مُسنا سمينا يجلس إلى جانب قنينة بيرة "الستيلا" ويستغرب من هؤلاء الوافدين عنوة، ويقول بنفور ما: "إحنا منرمم".


ولا يحلو الختام طبعًا من دون بعض أبيات لنجيب سرور من قصيدته "إحباطات شعرية"، وهي تحت العنوان الفرعي "الإحباط الأول":

لأنّ العصرَ مثل النعش..
لأني جثة في النعش..
لأنّ الناسَ.. كل الناس..
دمي من قش..
لأن..
لأن..
(المعنى في بطن الشاعر،
والشعر عدو خواء البطن،
جوعان في القرن العشرين،
والإنسان الجائع كلب!
كم في الجيب؟!
ماذا كنت أقول..

كنت أقول الشعر..
أشعر أني ميّت..
فإلى الفول بزيت!..)

في براري "المملكة"


لم يجدد فيلم "المملكة" الأمريكي شيئًا في طرحه، فالقصة واضحة ومفروزة منذ سنين: إرهابيون إسلاميون ينفذون مذبحة بحق غربيين (رعايا أمريكيين في السعودية) وطاقم "إف بي آي" (بقيادة جيمي فوكس) يهبون إلى المملكة للتحقيق والكشف عن القتلة واغتيال زعيمهم- الأمر الذي يتحقق في النهاية، طبعًا. من هذه الناحية لم يفاجئ فيلم "المملكة" إلا بأمر واحد: العرب مقسومون الآن، وفق المعادلة الجديدة: متطرفون ومعتدلون.


والمعتدلون في الفيلم هم قوى الأمن السعوديون (أشرف برهوم وعلي سليمان)، اللذين يريان في منفذي العملية أعداء لهما أيضًا. هل أساء برهوم وسليمان اختيار دوريهما في هذا الفيلم الأمريكي المُجند، سياسيًا وأخلاقيًا؟


من جهة، لعبا أدوارًا في فيلم ترويجي للمنظومة الأمريكية الجديدة في منطقتنا، ومن جهة أخرى لم تكن أدوارهما نمطية أو مهينة، كعرب مسلمين. بديا في دوريهما مقنعين، محبين للبشر، ندّين واعيين ولهما قدراتهما وجانبهما الإنساني- وفي هذا تجديد كبير وغير مسبوق في الأفلام الأمريكية.


هذا السؤال هو كبير وعويص، طبعًا، وكل فنان يعرف حدوده وخطوطه الحمراء التي يضربها حوله أثناء سعيه للقمة. واللافت هو أداء برهوم الممتاز في الفيلم، فبرهوم هو ممثل سينمائي بالفطرة، حضوره قوي وغلاب، وحضوره أمام الكاميرا قوي ومتين.
إذًا، ما العمل؟ نقبل أدوارًا كهذه أم لا؟ الحقيقة أنّ هذا يتعلق بأفكار ومعتقدات كل فنان: فمن حق كل عربي أن يؤمن بنبذ العنف وأن يستنكر الإرهاب الدموي، حتى لو جاء من عرب ومسلمين وحتى لو توافق هذا الإيمان أحيانا مع البروبغندا الأمريكية. هذه معضلة كبيرة، والمطلوب دومًا هو الوعي لها والحذر منها.


فليقُد كل منا ناقته وفق ما يشاء ويرغب، وهذا حقه المطلق، وليتحمل في نفس الوقت تبعات قراراته وإسقاطاتها وما يمكن أن تثيره من ردود فعل- وهذا حق المشاهدين والمتلقين المطلق.


فيلم "المملكة" هو فيلم متوسط، رغم بعض المقاطع الجيدة فيه ورغم الاستثمار في المؤثرات الفنية والخاصة. وخسارة أنّ من يموت في النهاية هو الكولونيل الغازي (برهوم) وليس عميل "إف بي آي" فلوري (فوكس)!

الجمعة، 15 فبراير 2008

مُعضلة عرب!


بعد أن هدأت العاصفة (حاليًا) التي رافقت مسلسل "شغل عرب"، الذي عُرض على القناة الثانية، وبعد أن انتهى بثّ حلقاته (التي شاهدتُ معظمها)، يمكن أن يتناول المرء هذا المسلسل الخِلافيّ، بما يكفي من الهدوء (النسبي) والبُعد الزمنيّ والجداليّ.


الأمر البارز في تناول الصحافة العربية للمسلسل هو تجاهلها للعناصر الفنية الخاصة بالمسلسل وتركّزها في العنصر الذي يمكن أن نسمّيه "القومي" أو "السياسي"؛ فبثّ مسلسل ساخر وكوميدي عن العرب وبالعربية في قناة بث عبرية-إسرائيلية هو لا شكّ سابقة، أعتقد أنها حصرت النقاش في البرنامج في حدود النقاش السياسي المُسيطر على جميع جوانب حياتنا، وأعتقد أنّ القيّمين على البرنامج هم من شجّعوا بالأساس هذا التعامل، بدرجة لا تقل عن تعاملنا معه كعرب، أبناء لأقلية قومية تعاني الأمَرّين من الإعلام العبري.


فالقيّمون على البرنامج (الإنتاج وجهة البثّ) قرّروا أن ينعتوا هذا البرنامج بالتاريخيّ وغير المسبوق، وبأنه ثورة صغيرة (أو كبيرة) في مفاهيم البثّ التلفزيوني الإسرائيلي. من يفعل ذلك عليه ألا يستغرب الردود التي تعاملت معه من هذا المنظار، وبالتالي تسييس البثّ ومضامينه وتحليله من وجهة نظر تاريخية (صورة العربي في الإعلام العبري؛ عنصرية المجتمع الإسرائيلي؛ علاقتنا مع الآخر). فإذا كان البرنامج تاريخيًا حقا، فإنّ التعامل معه لا يمكن أن يخرج من هذا السياق، التاريخي-السياسي-القومي، ومن هنا يمكن فهم الردود الساخطة عليه، لأنه لم يحمل أية بشرى في هذا السياق، خصوصًا أنه كوميدي- وسأفسّر. يمكن فهم هذه الرّدود، ولكن ليس تفهمها بالضرورة.

بالغ يبالغ مبالغة

الكوميديا هي فن المبالغة ولن تجدوا كوميديا ناجحة في العالم (منذ أرسطو وحتى اليوم) لا تعتاش على السلبيّ والغريب والشاذّ. الأمور الإيجابية تُعالج في التراجيديا والدراما، والأمور السيئة، الدنيوية، الغريبة، تُعالج بالكوميديا. ليس هذا معناه أنّ الكوميديا لا تعالج أمورًا إيجابية؛ ما أقصده هنا أنّ معالجة المواضيع قاطبة (الجيدة والسيئة) في الكوميديا تتم عن طريق المبالغة، وربما التسخيف. من هنا فمن الصعب أن نقبل النقد الذي وُجّه للمسلسل بأنه "يسخر من العرب" أو "يضحك عليهم"، فلا توجد طريقة أخرى لصنع الكوميديا. قد نناقش في الجوهر: هل جانر الكوميديا هو الجانر الذي يجب أن يُبدأ به في انقلاب تاريخي؟ هذا هو السؤال، والحقيقة أنني لا أملك إجابة قاطعة عليه. وأعتقد أنّ السياق السياسي والمجتمعي والعنصري في البلاد لم يكن في صالح المسلسل، إلى جانب أننا كعرب، كشعب وكأمة، لسنا جيدين (كأقل ما يُقال) في تقبل السخرية والكوميديا، وأضِف إلى ذلك أنها تأتي في منصة عبرية-يهودية لا تنصفنا وتلعن فاطسنا، ليل نهار!


هذه هي المعضلة الأساسية التي طرحها المسلسل، وهي صعبة، ولكنها ليست سببًا بأيّ شكل من الأشكال للتخوين والقذف والتشهير.

من يُمثل العرب؟

الأمر الثاني الذي يجب الالتفات إليه هو أنّ هذا المسلسل ترفيهي خيالي، مثل أي "فيكشن" سينمائي أو تلفزيوني، وهو ليس وثائقيًا أو تسجيليًا يجلب الواقع كما هو. والضجة التي قامت مثلا حول تحايل الأب (سليم ضو) على ابنه أمجد (نورمان عيسى) أثناء شراء السيارة في الحلقة الأولى، هي ضجة ليست في مكانها؛ من قال إنّ الأب في المسلسل يمثل جميع الآباء العرب؟ هو، في دوره المكتوب في المسلسل، يمثل الشخصية التي بناها الكاتب (سيد قشوع) ولا شيء غير ذلك. ولكننا، كعرب، اعتدنا طيلة السنوات العجاف الكثيرة، أن نتعامل مع كل عربي يظهر على شاشة التلفزيون على أنه يمثل جميع العرب ويمثل القضية الفلسطينية وحرب لبنان وحرب أكتوبر ونكسة 67 والنكبة ومعركة حطين. هذه طامة كبرى يجب أن نتخلص منها، وهي تفعل بنا ما يفعله الآخر العنصري: تجعلنا أحاديي الأبعاد، مُسطّحين، غير مثيرين كأفراد لهم عوالمهم المستقلة والمتميزة.


إلى جانب كل هذا، يجدر الالتفات إلى الإستراتيجية التي اتبعها القيّمون على البرنامج: تعالوا نبث الحلقات الأولى الصعبة تجاه العرب كي يُقبل الجمهور اليهودي على المشاهدة، ومن ثم نبثّ حلقات أقل حدّة ضد العرب ونقدية أكثر تجاه اليهود. هذه استراتيجية تسويقية تعتمد على حقيقة بسيطة وواضحة: المسلسل مُعدّ لليهود وليس للعرب، ولذلك فإنّ الهدف هو تسويقه جيدًا بين اليهود، عن طريق جذبهم بالضحك على العرب في البداية. وقد يكون هذا الأمر هو ما أثار الردود العاصفة ضد المسلسل، حيث كُتبت الغالبية الساحقة من الردود والتعليقات بعد بثّ الحلقة الأولى أو الثانية أو الثالثة، وهي الحلقات "السيئة"- لو رغبتم بهذه التسمية. وأيضًا: لو كنا نريد أن نحسب حسابًا لردّ فعل اليهود على ما نقوم به من أعمال، لما فعلنا شيئًا في هذه الدولة، وهل المجتمع الإسرائيلي بحاجة إلى "شغل عرب" كي يفكر عنا بنمطية سلبية؟

قشوع الأحمر

ونقطة أخيرة في السياق الماكرو السياسي-الاجتماعي: سيد قشوع هو قماشة حمراء باتت تستفزّ غالبية العرب هنا. أنا لست هنا للدفاع عن قشوع أو المسلسل، ولكنّ ظاهرة استسهال التهجّم على قشوع لأنه يكتب بالعبرية زادت عن حدّها وطفحت. وأريد أن أغضبكم أكثر: قشوع لا يختلف عن 95% من العرب في البلاد بأنه لا يعرف الكتابة بالعربية؛ فكوننا أقلية أمية في التعبير عن نفسها بلغتها هو أمر معروف للجميع. بل على العكس: على الأقل، قشوع يكتب بلغة ما، يحسن التعبير عن نفسه بالعبرية، فهل يحسن جُهّال العربية (غالبية أبناء أقليتنا الصامدة) التعبير عن أنفسهم بأية لغة كانت؟ لا شكّ أنكم تتبرّمون الآن ولكن لا يهم. وسأسدي نصيحة أخيرة للجميع، كإنسان تتمحور كل حياته في الكتابة: اللغة ليست هدفًا، إنها وسيلة. نحن، في رحلة صمودنا حوّلناها إلى غاية قومية عُليا وأنا أحترم هذا بحقّ، ولكن ويلٌ لنا إن حوّلناها إلى صنم نعبده!


إذا كان العربي يتقن الفرنسية فليكتب بها، وإذا كان يتقن الإنجليزية فليبدع بها. هل نحن أفضل من كُتّاب المغرب العربي الرائعين الذين أبدعوا جواهر أدبية كبرنا عليها، باللغة الفرنسية؟ لماذا تبجيل أنطون شماس مثلا وذمّ سيد قشوع؟

كوميديا مواقف

راوح مسلسل "شغل عرب" في موسمه الأول بين الإتقان وبين الابتذال هنا وهناك، وقد طغت هذه المراوحة على جميع حلقاته، أي أنّ الحلقات جميعها تميّزت بمواقف قوية جدية وأخرى ضعيفة ولم تكن الغاية منها إلا الإضحاك عنوة. وفي مثل هذه الحالات، لا يضحك المرء.


الشخصيات التي بناها قشوع والمخرج (روني نينيو) مثيرة في غالبيتها وتحمل في داخلها مكامن قوة درامية لا يمكن تجاهلها، إلا أنّ هذه الشخصيات القوية انحصرت في الرجال في المسلسل: أمجد، المشتت بين عالمه والعالم اليهودي؛ مئير، المصور اليهودي الذي يعمل معه أمجد، ويتغير تعامله السطحي مع العرب بعد تعرفه إلى أمال (ميرا عوض) التي يسعى لمغازلتها؛ والأب، الذي يسعى طيلة البرنامج كي يكون فهلويًا ومنتصرًا، بأيّ ثمن وبكل الحيل الممكنة. أي أنه يسعى ليكون "كومبيناطور" إسرائيليًا نموذجيًا، وحاشا وكلا أن يكون "فراير" يُضحك عليه- أي أنه مفسرل حتى النخاع، وبنظري أكثر من ابنه أمجد بكثير. فتذويت النزعة الإسرائيلية وتحويلها إلى حلول جاهزة (كما يفعل الأب) هما الأسرلة الخطيرة التي نحن ضدها، بينما البحث عن الذات، ولو بمشاعر الدونية ووسط ضياع مجتمعي، هو تجسيد لحالة الكثيرين من العرب في البلاد، ومن هنا التعاطف الذي يمكن أن يطوّره المرء لشخصية أمجد، بدلا من كراهيته لأنه "بدو يصير يهودي".


المسلسل مكتوب وفق مبادئ كتابة مسلسلات الدراما الغربية: موسم من 13 أو 9 حلقات؛ كل حلقة 25 دقيقة (غير الإعلانات)؛ قصص قصيرة في كل حلقة وخلالها تنمو وتكبر قصة أو قصتان كبيرتان تستمرّان طيلة الموسم. والمسلسل من هذه الناحية مكتوب بشكل جيّد ومتقن، وفي حلقات معينة ممتاز. كما أنّ قشوع كتب مسلسلا بالعربية وفق مبادئ هذا الجانر، في خطوة نادرة، حيث اعتدنا على المسلسلات العربية وهي تكتب بوتيرة درامية شديدة البطء، وبحلقات طويلة (ساعة واحدة) ولفترة طويلة (20 أو 30 حلقة).

متهاونون أم متعصبون؟

هذه تجربة جديدة تُسجّل لصالح هذا المسلسل وهي تثبت أنّ العرب ليسوا مُدمنين بالضرورة على صنع وإنتاج المطولات الرمضانية فحسب. ليست هنا أية مفاضلة بين الجانرين: لكل واحد مُستهلكوه ومُحبّوه ولا أعتقد أنه توجد معادلة صواب أو خطأ في هذا الصدد.
كما أنّ البرنامج يراوح في ماهية الكوميديا التي يقدمها بين نهجين أساسيين: كوميديا المواقف والسليبستك، والثاني أخطر وأصعب لأنه سريع المنزلق نحو الابتذال والسطحية، وغالبية المواقف الضعيفة في المسلسل نبعت من هذا النوع من الكتابة، بينما نبعت المواقف الجيدة أو الممتازة من كوميديا مواقف متينة (توهّم المصور بأن العرب اختطفوه؛ العنزة التي تتقن لعبة الهوية؛ عيد الفصح العربي). وفي مجمله كان "شغل عرب" مسلسلا جيدًا من ناحية المُؤدّى والجانب الفني، وأعتقد أنّ القيّمين عليه سينجزون موسمًا ثانيًا (بُدئ العمل عليه) أفضل من الموسم الأول، بعد تجاوز هفوات المغامرة الأولى.


هل يمكن الفصل بين الجانب الفني-الدرامي للمسلسل وبين جوانبه السياسية-القومية؟ أنا شخصيًا أستطيع فعل هذا (ببعض الصعوبة)، وهذا لا يجعل مني مُتهاونًا أو مُتخاذلا، كما أنه لا يجعل ممّن لا يستطيعون الفصل بين الأمريْن، مَحدودين ومُتعصّبين.

الخميس، 7 فبراير 2008

على كده تعرف محمد؟

إذا لم تكن القاهرة (مصر) أم الدنيا، فهي لا شكّ خالتها!

دبيبُ البشر الزاحف في كل جسدك يعيد إحياء الخلايا الخاملة التي تخدّرت بفعل عناوين "واي نت" والفقرات الدعائية في "عروتس 2" (القناة الثانية). بعد ساعتين من وصولك القاهرة واجتيازك لبوابات الأمن في المطار تشعر بأنّ قوة ما ألقت بك في أحضان هذه المدينة العملاقة، فتشمّ عرقها وتتُوه في وسخها وفوضاها، ولكنكَ رغم كلّ شيءٍ تلقي رأسك في حضنها وتستمع إلى الأهزوجة الجميلة التي تغنيها لك، 24 ساعة متواصلة، بلا كسل أو ملل.

إنها القاهرة، أكبر مدينة في العالم العربي، ومن أكبر مدن العالم: 30 مليون إنسان! عليكَ أن تكون هناك، في ميدان طلعت حرب، عند تمثال ابراهيم باشا، في ساعات الزحام اللانهائية، كي تفهم حتى النهاية عبقرية النكتة السريعة التي سمعتَها في طفولتك: "قاللو: حضرتك من القاهرة؟.. قاللو: أيوه. قاللو: على كده تعرف محمد"؟

كوشري
كان الجدال حاميًا بيني وبين مرافقيّ، حول طبيعة المواد التي يُصنع منها "الكوشري"، وقد ازدادت السخرية والاستنكار حين قلت إنني أعتقد أنها مصنوعة من المعكرونة، حين أنقذني سائق التاكسي من ورطتي: الكوشري يتعمل مِ الحمص والمعكرونة، وقد أضاف مُركّبًا آخر نسيته الآن. وفي النهاية لم آكل "كوشري"؛ فالشائعات تروي عن الكثيرين ممن أتوا أرض الكنانة ومرضوا من أكلها ومائها، فـ "انسهلوا"، وقضوا فترة إجازتهم في الفراش، يروحون ويجيئون بين السرير والحمام (وأنا لم أفهم بعد لماذا لا يفترشون أرض الحمام فيوفرون على أنفسهم عناء الشحشطة والبهدلة).

ولكنني أعتقد أنّ هذه القصص اخترعها "عرب إسرائيل" (وأنا لم أقل فلسطينيي الداخل أو عرب 48، عنوة وعن قصد) كي يقولوا في النص الخبيء (سَب تكست) لكلامهم: عزا، إحنا أنضف خيّا. أي أنّ المليون عربي عندنا، الذين كانوا يعيشون حتى قبل 10 سنوات في مستنقعات المجاري في شوارع قراهم وبجانب بيوتهم، أنظف وأرقى من المصريين، ومَثلنا في هذا كمثل "القرعا اللي بتهت بشعر بنت أختها"، حيث أننا نفتخر بالعمران والحضارة في إسرائيل، وهما إن وُجدا أصلا في دولة الموشافيم والخضيرة ونتانيا، فهما ليسا من حصتنا ولسنا من جلبهما أصلا.

لماذا كل هذا الغضب؟؟ لأنني لم آكل "كوشري"، مع أنني كنت مصممًا على ذلك، كثاني أهم هدف من الزيارة الخاطفة للقاهرة!

خير جليس... يحتضر
والسبب الأول والأهم هو زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهو بحق معرض هائل، كبير، مترامي الأطراف، له أول بلا آخر، وهو بئر بلا قرار، تتسّع للكتب وللمباني ولخلق الله الكثيرين، الذين اختاروا أن يقضوا يوم إجازتهم (الجمعة) في المعرض، يتفرجون ويشترون ويأكلون ويتلذذون بشمس الشتاء القاهرية (جِدوا لي عربيًا واحدًا من هنا يقضي إجازته في معرض للكتب!). وقد انشغل الناشرون الذين التقيتهم بقضايا مصادرة الكتب (أو "ضياعها" في الشحن، كما يقول المنظمون) وبأنّ أحوال المعرض التنظيمية من سيء إلى أسوأ.

والكثيرون يرون أنّ تحوّل المعرض الدولي الشهير إلى مركز للكتب السّلفية الإسلامية، على حساب العلم والأدب، هو آفة سببها الحكومة والإعلام اللذين لا يشجعان الجمهور على القراءة، بينما لا يحتاج المُريدون في المساجد إلى وسيلة ترويج لشراء آخر كتب القرضاوي. وقد روى لي صحافي صديق أنّ أكثر الندوات الأدبية اكتظاظًا في أيام المعرض كان عدد روادها 50 شخصًا، أو يَقلّون، بينما اضطر المُنظمون إلى تكديس آلاف الوافدين لحضور ندوة لداعية إسلامي نسيت اسمه (أعتقد أنّ هذا استعلاء علماني مني). هذه معركة على الكلمة خسرناها نحن العلمانيين (أو غير المتدينين على الأقل)، ويجب أن نعترف بفشلنا: الناس بغالبيتها تحب أن تقرأ، يظل السؤال كيف نصلها وبأية أدوات نخاطبها.

لا يكفي يوم واحد لمعرض الكتاب ولا يومين ولا ثلاثة. كما لا تكفي النقود التي تجلبها معك مهما كانت (يخلف على فيزا أم محمود الدولية، ذات اللون الذهبي)، فالكتاب يجرّ آخر، وكلما انتقلت من "بسطة" دار نشر إلى أخرى، تكون مقتنعًا بأنك ستموت أمّيًا حقيرًا لو لم تشترِ هذا الكتاب الجديد، وهكذا دواليك، حتى تخرّ صريعًا إلى جانب مدخل المعرض الدولي عند شارع صلاح سالم، تنتظر أيّ تاكسي حقير كي يأخذك إلى الفندق حسن الصيت، وهذه حكاية أخرى.

البيه خرونغ؟
فقد اكتشفتُ، بتأخير كبير، كبير جدًا، والحقيقة أنني اكتشفتُ الاكتشاف الهائل التالي الآن، ليلة الأربعاء، وأنا أكتب هذه المادة، وقد مضى على عودتي من القاهرة ثلاثة أيام، إكتشفتُ أنّ سائقي التاكسيات قد "استضرطونا"، استيحاءً من اسم الفندق الذي كنا ننزل فيه: فاسمه ذو النجوم الخمس يدلّ على البَرجَزة والغنى وامتلائه بعمامات الخليج العربي الشقيق، فلا بد إذًا أننا من أصحاب الدراهم، وهم لا يعرفون أنّ تكلفة المشوار مشحوذة من مؤسسة خيرية، تركز أغلب جهدها الحضاري بتسيير البرامج التثقيفية وبناء مراكز الطفولة ودعم كاتب هذه السطور.

وحبذا لو أننا نزلنا في بانسيون في وسط البلد، بدل أن ينقسم وسطي، كما فعل أصدقاء التقيناهم في المطار عائدين إلى الوطن، وقد اتضح أنّ تكلفة ليلة واحدة في الفندق الفخم الذي قضينا فيه (لاحظوا ازدواجية المعنى في هذه الكلمة؛ يا للذكاء!) زادت بقليل عما كلفهم لقاء سبع ليالٍ بطولها في البانسيون، الذي شهدت بصدده الرفيقه أنه "منيح، وكويس وابن حلال"، مع أن زوجها تنحنح باضطراب وهو يقول: "فقط لو كانت فيه تدفئة"!

ومقام سيدي الحسين!
وها هو صديقي العزيز سيد رجب، الممثل المسرحي المصري، الذي يكتب فيلمًا سينمائيًا في هذه الأيام، وهو سبب ملتقانا سابقًا، يصحبنا في رحلة ليلية إلى خان الخليلي ومقام سيدنا الحسين (حفيد علي، وليس الملك)، ثم لنجلس إلى طاولات صغيرة تكدّسنا عليها، أم محمود وأنا، والصديق الشاعر مروان مخول ومدامه (لاحظوا ازدواجية المعنى مرة أخرى!) غصون. وكعادتي في كل مقهى طلبت السحلب وأخذ سيد يحدثنا عن المنطقة وتلابيبها، وكنتُ أنا غارقًا في تأملاتي بأنني أجلس الآن في المقهى الشهير، قهوة الفيشاوي، وأنفث دخان الشيشة من منخاريّ كالتنين، وأشعر بسعادة غامرة بأنني وسط هذا، بعيدًا عن أولمرت وبراك وخراء الحكومة الإسرائيلية، وتقرير فينوغراد (الذي اتضح فيما بعد أنه مخصي أكثر من عمير بيرتس).

إسرائيل تنخر عظامك، تحتل مساماتك، تأكل من نظرك وشمّك وإحساسك، حتى لتظن، في لحظات التعب والإنهاك اليومي، أنها هي الدنيا بعينها، لا شريكَ لها. في تلك اللحظة تذكرتُ أحدهم حين قال إنّ العرب في العالم لو بصقوا على إسرائيل كلهم لغرقت فورًا، ولكنّ ما أحزنني أنّ البيه الذي جلس قبالتي لم يسمع بهذه الدعوة للجهاد البصاقي، فألقى بصقته الكثيفة على الناصية، قبالتي، فغرقتُ أنا في قرف قشعريريّ، بدل أن تغرق إسرائيل، حسب النبوءة!

هي فوضى؟
الكل وفق إيقاع، مليء بالفوضى والارتجال، ولكنه متفق على الجميع: السيارات تخالف إشارات المرور وقوانين السّير ولكن هذا لا يزعج أحدًا: فحين يخالف الجميع أوامر الجميع، تصير المخالفة أمرًا طبيعيًا وربما حيويًا لاستتباب الأمن (في إحدى الليالي كنا عائدين من سهرة في تاكسي، وعند الناصية وقف شرطي ينظم السير، فتوقف سائق التاكسي. وقد سألته لحظتها إذا كان يحترم الإشارات الضوئية، فقال وهو ينظر إلى الشرطي الذي حاول أن يمنعه من المشي، عبثًا: إحنا على جثة، على شخص واقف ممنردش، عاوزنا نرد على إشارة؟). يصير خرق القانون والنظام الوسيلة الوحيدة للبقاء، والوسيلة الوحيدة للتنقل من مكان إلى آخر.

القاهرة "صارت بدورين"، أي بطابقين، أي أنّ الدولة بنت جسورًا (كُبري) فوق غالبية شوارع القاهرة، فصار الشارع شارعين باذن مبارك. لا يمكن أن يتخيل المرء طريقة أخرى للتنقل من دون طابقين من الشوارع، وربما ثلاثة. إنه صراع بقاء هائل، متعب، محزن، منهك. ترى التعب في كل التفاتة وفي كل كلمة. شعب هائل يركض وراء اللقمة ووراء الأوتوبيس ووراء التاكسي ووراء بعضه البعض. ولكنهم، في إنسانيتهم الرائعة، لا ينسون أن يبتسموا لك وأن يسمعوك بعض النكات، فأنت ضيفهم، يُكرمونك وتُكرمهم، ومتزقش يا راجل، إنتا حتروح فين؟

(وعلى فكرة، فيلم "هي فوضى؟"، جديد يوسف شاهين، ليس بالفيلم الهائل. مجرد نصيحة. بقشيش.)

الأربعاء، 6 فبراير 2008

دفاعًا عن "ماحاش"!

في تقريره الأخير عن إغلاق ملفات قتلى هبة أكتوبر، قرر المستشار القضائي للحكومة، ميني مزوز، التنازل عن مهمّته الجماهيرية كحارس في وجه موبقات المؤسسة، وأصدر قرارا مخزيا ينضمّ إلى قرارات أخرى في ملفّات تحقيق جماهيرية عالجها المستشار.


لقد بدا مزوز، تباعا، مستشارا قضائيا متسامحا، محافظا ومخلصا للمؤسسة التي من المفترض أن ينتقدها ويلجمها. وتجلّى خنوعه بشكل صارخ في كل ما يتعلّق بمواطني الدولة العرب، حيث دعم رئيس الشاباك، يوفال ديسكين، قبل شهور عدّة، في كل ما يتعلّق بملاحقة أعضاء التجمع الوطني الديمقراطي وكلّ أولئك الذين يناضلون من أجل تغيير طابع الدولة عبر الأدوات الديمقراطية.

قرار مزوز الأخير إغلاق ملفات التحقيق ودعمه المطلق والمستهجَن لوحدة التحقيق مع الشرطيين (ماحاش)، تمخّضا عن "فأرين" شرّيرين بشكل خاص: تفهّّم السهولة غير المحتملة في قتل العرب مواطني الدولة؛ وتدعيم "ماحاش" كحامية لشرطيين مخالفين، بدل أن تشكّل جسما محقّقا ومراقبا ومعاقبا ومحذّرا.

فيما يلي بعض من حقائق أوليّة في تقرير مزوز:

  • كتب مزوز في تقريره أنه وطاقمه نفّذا استكمالا للتحقيق في ملفّات القتل. كيف يتلاءم هذا مع الدعم المطلق الذي منحه لقرار رئيس "ماحاش"، هرتسل شبيرو، والمُدّعي العام للدولة، عيران شندار، قبل أقل من عاميْن؟ لقد اعتقدنا أنّ استكمال التحقيق يعني أنّ التحقيق الأوّلي لم يُستكمل، ما يعني أنّ ادّعاءات مركز "عدالة" (ممثّل العائلات الثكلى) بأنّ التحقيق كان سطحيّا ويعتوره الإهمال- هي ادّعاءات متينة. فلماذا لم تحظَ "ماحاش" بالنقد على إغلاقها الملفّات؟
  • تقرير مزوز هو بصقة في وجه لجنة أور، التي فحصت الأحداث وأصدرت تقريرا مسهبا ومفصّلا. مثلا، قرّرت اللجنة، بعد نقاش وإفادات كثيرة، أنّ غاي رايف لم يكن مُعرّضا لخطر على حياته عندما أطلق النار باتجاه المتظاهرين في سخنين، ما يعني أنّ إطلاقه للنار لم يكن قانونيا. لكن لمزوز كان رأي آخر: لم يكن ممكنا القطع والتأكيد على أنّ إطلاق النار لم يكن قانونيا. أمّا ما هي الأدلّّّة الجديدة التي اعتمدها؟ فالله أعلم؛
  • لقد تجاهل مزوز طلب لجنة أور الذي وجّهه إلى "ماحاش" للتحقيق في جميع ملفّات القتل. وفي هذا الشأن قررت "ماحاش" عدم إجراء تحقيق في خمس عمليّات قتل (أحمد جبارين، علاء نصّار، محمد خمايسي، وسام يزبك وعمر عكاوي). كلّ ما هنالك أنّ "ماحاش" قرأت تقرير لجنة أور، وحلّلت ما توصّل إليه، وقرّرت أنّ لا مكان للتحقيق، وذلك بخلاف طلب اللجنة المفصّل. هذه الحقيقة لم تُشغل بال مزوز إطلاقا، برغم الإهمال والإستخفاف في خطوة "ماحاش" هذه. وقد اعتمدوا في "ماحاش" في هذه الحالات شهودًا لم يقابلوهم أبدًا؛
  • كان المتهم الرئيس في ملف التحقيق في مقتل أسيل عاصلة من عرّابة شرطيًّا بالبزّة العسكرية. وقد رفض هذا الشرطي ست مرّات الخضوع إلى فحص من خلال آلة فحص الكذب. هكذا، لم يرغب بأن يرهق نفسه. لو أنه كان رجل جمهور (أو مواطنا عربيّا متّهما بالقتل) ويرفض هذا الفحص بمثل هذه المنهجيّة، لقامت الدنيا ولم تقعد. هل ظننتم أنّ أحدًا قام بتنحية هذا الشرطي؟ هل فحصت "ماحاش" الأمر؟ هل وبّّخه مزوز أو لفت نظره؟
  • لقد تمّ طرح ادّعاء يثير السخط بأنّ العائلات الثكلى وموكّليهم رفضوا التعاون في التحقيق. نذكّر بداية أنّ هذه العائلات هي من نادى بتشكيل لجنة تحقيق لغرض إجراء تحقيق أكثر عمقا. وقد اجتهدت هذه العائلات وموكّلوها ووصلوا الليل بالنهار في تجميع معطيات وشهادات من مكان الحدث، حيث تمّ تقديمها إلى اللجنة في بداية عملها، والذي أمر بدفن جثامين القتلى مباشرة بعد قتلهم هي "ماحاش" نفسها. وبهذا العمل فإنّ "ماحاش" أعلنت في يوم الموت بأنّ لا مصلحة لها بالتحقيق حتى النهاية. ومن الجدير ذكره أنّ إخراج الجثث لن يؤدّي بالضرورة إلى كشف الحقيقة. وهو الأمر الذي كتبه مزوز بنفسه، مبرّرا أنّ مضيّ الوقت من شأنه أن يؤثّر على جودة الفحص. ويجدر الذكر في هذا السياق أنه توفّرت لدى "ماحاش" ثقارير التشريح لأربعة من القتلى. فهل أدّى هذا إلى تقديم لوائح اتهام؟
  • ونسأل: ما هي العلاقة بين إجراء تحقيق جدّي وحقيقي وبين قرار انتظار التعاون من طرف المصابين؟ ماذا لو أنّ مواطنا يقول إنه لا رغبة لديه للتعاون في حالة سطو أو قتل؟ هل ستقرّر "ماحاش" عدم مضايقته وتغلق الملف؟
  • كتب مزوز في التقرير أنه في أعقاب إتلاف جزء من الادلّة في مخازن الشرطة، لم يعد بالإمكان الوصول إلى الذخيرة التي استعملت في أحداث أكتوبر. ربّما يكون مُحقّا، لكنه ويا للعجب صمت وسكت إزاء إتلاف الأدلّة! عذرًا، ولكن ألا تنتظرون من مستشار قضائي لحكومة في دولة قانون أن يجري تحقيقا جنائيا ضد إتلاف أدلّّة وضياعها؟ وبأيدي رجال شرطة؟
  • مهمّة الشرطة هي فرض النظام، بينما وظيفة الجيش إخضاع العدوّ. لقد اعتمد مزوز و"ماحاش" لغة من صنع المحكمة العليا، أثناء تطرّق الأخيرة لسلوكيات الجنود في أرض المعركة. هذا هو عالم المصطلحات لديهما، إذ يبحثان أحداثا تتعلّق بعرب مواطني الدولة، بمصطلحات "عدو" و"ساحة حرب". هذا هو النقاش الذي صبغ مسألة استعمال القناصين ضد المتظاهرين.

لقد داس مزوز برجل ثقيلة وصمّاء وجبانة أيّ احتمال لإحقاق العدالة. لكنّ دماء قتلى أكتوبر ستظل تصرخ حتى جلب قاتليهم إلى محكمة حقيقيّّة. ولدينا شعور بأنّ مزوز قرّر الإستمرار في الدعم الذي منحه، كي لا يسوّّّّّّّّّد وجه شبيرو وشندار، ووجهه هو نفسه، أمام الملأ، على حساب إحقاق العدالة.